يبدو الحديث عن سيناء فى عيدها فى "25 إبريل"، بعد عودتها وتحريرها من الاحتلال منذ خمسة وثلاثين عامًا، مصحوبًا بكثير من الشجن والغضب والرفض، وهى توصيفات يعبر عنها واقع اللحظة الراهنة بكل مخاطره وتداعياته، ليس فقط بالنسبة لمحاربة الإرهاب، ولكن أيضًا لاستمرار معاناة أهالى سيناء بشكل عام ومدن العريش ورفح والشيخ زويد بشكل خاص. وكذلك لاستمرار الكثير من الصور الخاطئة والمدركات السلبية بين أهالينا فى سيناء وأهالينا فى كثير من مناطق مصر، فضعف معدلات التنمية وعدم فعالية الأجهزة المحلية فى مناطق الأطراف أسهم كثيرًا فى توليد العديد من المدركات والسلوكيات الخاطئة المتعلقة بما يجب أن يجمع علاقة المجتمع ومواطنيها بالدولة.

ومع السياسات والخطوات التعميرية غير الفاعلة  فى سيناء من جانب، وما أفرزه اتفاق السلام مع إسرائيل من قيود أمنية وسياسية واقتصادية من جانب ثان، والذي يعكس تأثير غياب مفهوم التنمية المستدامة عن سيناء من جانب ثالث،  وتأثير ضعف دور الدولة ممثلة فى مؤسساتها، لاسيما المحلية فى مجتمع تقليدى يغلب عليه الطابع القبلى، يبقى إعادة تحديد هذه العلاقة وما تتضمنه من عقد اجتماعى جديد، مطلبًا حيويًّا واستراتيجيًّا للدولة المصرية حاليًّا، فجملة التحديات المتعلقة بالأمن والاستقرار والتنمية تفرض الاهتمام ببناء الإنسان وتنمية قدراته ومهاراته، كمدخل لا غنى عنه لضمان الأمن وتحقيق التنمية وبناء السلم الاجتماعى.

ومن ثم، فالاهتمام بأهالينا فى سيناء يمثل نقطة الانطلاق لتعميرها وتنميتها، مع مراعاة خصوصية المواطن السيناوى وما يحمله من خصائص بدوية معبرة عن خصوصيته المجتمعية، تظل أفضل السبل لضمان بناء إنسان يمتلك من مقومات الحياة الكريمة ما ينمى من شعوره بالمسئولية تجاه مجتمعه وتجاه بلده معًا.

من هنا جاءت أهمية العدد الجديد من مجلة أحوال مصرية بعنوان "سيناء" ليبرز أهم الملفات الواجب التعاطي معها من أجل تنميتها، وعلى رأسها ملفي الأمن والتنمية، ومواجهة كافة التحديات التي تعيق تحقيق خطوات متقدمة في هذا الشأن.

في هذا السياق، أشار الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، رئيس تحرير المجلة، إلى أننا أمام معركة سياسية ومطالب واحتياجات تنموية، لمواجهة قوى الإرهاب والتطرف التى تسعى لضرب كيان الدولة وتهديد أمنها وإضعاف قدراتها. وعلى الرغم من وجوب خوض تلك الحرب بكل الوسائل العسكرية والأمنية والسياسية، إلا أن هذه الحرب تحتاج أيضاً لتفعيل القدرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التى تكمل لنا النصر الحاسم. بالإضافة إلى أنه لابد وأن يواكب العمل العسكرى والأمنى منظومة تنموية متكاملة تحقق الحد الأدنى من العيشة الكريمة لأهالى سيناء، وتوفر لهم سبل التواصل والإيمان بقوة الدولة، وكونهم جزءًا من هذه الدولة وأبناء حقيقيون لهذا الوطن.

وتناولت الباحثة شيماء منير التطور التاريخي لمنطقة سيناء، والأهمية الجيوسترايجية لموقع سيناء الجغرافى، وكيف أثر موقعها على تطورها التاريخى، حتى أصبح بمثابة المحدد الحاسم فى حاضرها ومستقبلها.

وتطرق الدكتور طارق فهمي إلى أن المواجهة المصرية ضد الإرهاب في سيناء بحاجة لمراجعات استراتيجية وسياسية، خاصة وأن استمرار الإرهاب في مصر مرتبط بإشكاليات عديدة منها عودة الدولة للسيطرة على سيناء بأكملها، وتصفية البؤر الإرهابية، وبناء منظومة مجتمعية جديدة وإغلاق الباب أمام أفكار الوطن البديل، وتقاسم الأراضي.

فيما أشار اللواء محمد إبراهيم إلى أن العلاقات المتبادلة بين التنظيمات الإرهابية فى سيناء والجماعات المتطرفة فى غزة أصبحت علاقات وطيدة وواضحة للجميع تحكمها المصالح والتوجهات والأهداف المشتركة دون إغفال ما تقوم به حركة حماس على فترات من محاولات لتحجيم الجماعات السلفية المتطرفة.

وعرض الباحث يوسف ورداني لتناول ثلاثة من أبرز المراكز البحثية الأمريكية للوضع في سيناء خلال الفترة من فبراير 2011 وحتى ديسمبر 2016، وهى: معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني، ومركز كارنيجيللشرق الأوسط، ومعهد بروكنجز- الدوحة، والتي ركزت على بروز سيناء كمنطقة تهديد استراتيجي لإسرائيل، وتحولها إلى بؤرة لتركز الجماعات المتطرفة والإرهابية،خاصة بعد غض نظام الإخوان الطرف أثناء فترة حكمهم عن إقامة معاقل للإرهابيين فيها، وأبرزت علاقة حركة حماس بتطورات الأحداث في سيناء والعلاقة مع تنظيم داعش.  

وأشار الباحث أحمد كامل البحيري إلى أن مصر تواجه "مصادر تهديد معقدة"، لأمنها القومى، ويأتي في مقدمتها تنامي دور الجماعات الارهابية في العمق المصري (الوادي والدلتا) بما لها من تأثير مباشر على بنية الدولة المصرية، المتمثلة فى الأرض والشعب والسيادة.

وأوضح الباحث علي بكر أن تنظيم "بيت المقدس" في سيناء لا يزال يمثل خطرا داهما على الدولة المصرية لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، نظراً لاستمرار نشاطه وتصاعد عملياته الإرهابية، فضلا عن وجود دعم خارجي جيد للتنظيم، وبيئة حاضنة تسمح لها بالاستمرار على قيد الحياة، وبالتالي أصبح التنظيم يحتاج إلى مواجهة غير تقليدية من أجل القضاء عليه.

كما أوضحت الدكتورة أميرة عبد الحليم أنه على الرغم من التهديدات الأمنية التى باتت تشهدها سيناء نتيجة لنمو العناصر الإجرامية وفى مقدمتها العناصر الإرهابية، إلا أن عملية التنمية يجب أن تبدأ بالاعتماد على أهالى سيناء أولا، ومن خلال إستراتيجية وطنية ذات مراحل، و أبعاد مختلفة، لأن مكافحة التهديدات لا تعتمد فقط على الحلول الأمنية ولكن تتطلب العديد من المعالجات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حتى يتم القضاء على البؤر الإجرامية.

وتناول الباحث مصطفى كمال الخبرات الدولية في تأمين المناطق الحدودية مستعرضا أهم التجارب الثنائية على المستويين الإقليمي والدولي فيما يتعلق بهذا الشأن.

وتطرق العدد إلى قضية المياه في سيناء، وأوضحت الدراسة أن سيناء هي بؤرة اهتمام جميع الحكومات المتعاقبة، وكل سياسات وخطط التنمية، وأن ما سبق من جهود تقوم بها وزارة الموارد المائية والرى من أعمال تطوير وتنمية وحماية لشبة جزيرة سيناء بقسميها الشمالى والجنوبى، هو خطوة على الطريق نحو تحقيق التنمية الشاملة وخلق مستقبل أفضل للأجيال القادمة فى سيناء.

وأكدت الدكتورة سهام جبريل أن المرأة في سيناء هي ترمومتر ذلك المجتمع الذى تعيشه، وتحمل كل همومه وآماله وأحلامه، فلا شك أن مطالب المرأة في سيناء وأحلامها هي مطالب مجتمع بأكمله فالتنمية هي مطلبها الأساسي، بالإضافة إلى استعادة حالة الأمن والأمان والاستقرار لمجتمعها وإدارة عجلة التنمية.

كما أشارت الدكتورة إيمان مرعي إلى أن تراث بادية سيناء هو جزء لا يتجزأ من التراث المصري العريق، ومن ثم فإن جمعه، وتدوينه مطلب وطنى وقومى، حتى لا يندثر لأنه يمثل تاريخا لشبه الجزيرة السيناوية، فلا حضارة لأمة، أو منطقة دون مرتكزات تراثية ثقافية تستقي منها ما ينفعها، ويطور منها.

وأوضحت الدكتورة رضوى عمار أن المجتمع السيناوي أثبت قدرته على تجديد تراثه بصورة سمحت له بالتواصل مع كافة العوامل التي تفاعلت معه، والاحتفاظ بطابع خاص مميز فرض نفسه في كافة الميادين التي شارك فيها. وطالبت بضرورة إبراز هذا التراث في كافة المحافل الإنسانية حتى تظل سيناء مركزًا ثقافيًا حضاريًا ناجحًا في التواصل مع الحضارات الإنسانية المختلفة وحصنًا يواجه قوى التطرف والإرهاب.

فهناك ضرورة لامتلاك الدولة الاستراتيجية الفعالة فيما يتعلق بتنمية سيناء، ويتطلب ذلك القدرة على امتصاص التأثيرات السلبية للمرحلة الانتقالية، كركيزة لتخفيض فاتورة وتكلفة عملية التحول والإصلاح، وكركيزة لاستعادة القوة الناعمة للدولة المصرية كسبيل للتقدم وبناء المستقبل، كما يجب أن تستند أدواتها الخاصة بمواجهة مشكلات مثل: الفقر والأمية والبيروقراطية والفردية وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء مجتمع عصرى، على تفعيل مقومات التكامل والمشاركة بين كافة أركان الدولة. وتتطلب أيضًا حدوث قدر كبير من التنسيق القائم على المفاوضات وتوزيع الأدوار بين كافة الأطراف والقوى السياسية والمجتمعية واستيعاب التكوينات الاجتماعية المختلفة، وقبل ذلك كله تنمية الوعى بمتطلبات بناء الدولة الحديثة.

أحمد عسكر

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية