
الملامح الرئيسية لانتخابات نادي قضاة مصر
عادل علي
العدد :28 : 4 مارس 2009
وسط إقبال تاريخي غير مسبوق، جرت في الثالث عشر من فبراير الجاري انتخابات نادي قضاة مصر، لاختيار رئيس وأعضاء مجلس إدارة جديد للنادي الذي يضم 14 عضواً للسنوات الثلاث المقبلة خلفاً للمجلس المنتهية ولايته، وقد تنافس على مقعد الرئيس المستشارون أحمد الزند مرشح قائمة التغيير، وهشام جنينه مرشح قائمة الاستقلال، وسامي زين الدين مرشح قائمة المستقبل، وبلغ عدد أعضاء الجمعية العمومية الذين لهم حق التصويت 11014 عضواً من رجال القضاء والنيابة العامة، وقد جرت الانتخابات وعملية التصويت بمشاركة 4674 عضواً من أعضاء النادي الذين شاركوا في الجمعية العمومية، وذلك أمام 25 لجنة فرعية منبثقة عن اللجنة المشرفة على الانتخابات، وساهم انعقاد الجمعية العمومية لنادي القضاة بالتوازي مع الانتخابات في توسيع قاعدة المشاركة فيها، والتي بلغت نحو 43%.
وقد أسفرت الانتخابات عن فوز المستشار أحمد الزند الذي أشار البعض إلى أنه يحظى بتأييد الحكومة برئاسة نادي القضاة بحصوله على 2421 صوتاً، فيما حصل منافسه الرئيسي المستشار هشام جنينه على ٢٠٣٧ صوتاً، أي بفارق 384 صوتاً، وكذلك فوز ١٠ من قائمة الأول، و٤ من قائمة الثانى بمقاعد فى مجلس الإدارة، وهى النتيجة التي أسدلت الستار على تيار الاستقلال الذى ساد النادى فى الفترة الماضية من ناحية، وجسدت من ناحية أخرى صعود تيار التغيير المعروف إعلاميا انه محسوب على الحكومة.
الملامح البارزة للانتخابات
يمكن القول ان أبرز ملامح هذه الانتخابات هى على النحو التالى:
1 ـ التطابق شبه التام بين البرامج الانتخابية للقوائم المتنافسة في الجوانب المالية والاجتماعية والخدمية: فمن حيث الجوانب المالية، ركز برنامج قائمة الاستقلال وكرامة القضاء أولا، على السعي نحو تعديل قانون السلطة القضائية لإلحاق إدارة التفتيش القضائى بمجلس القضاء الأعلى بدلاً من وزارة العدل، وتخصيص موارد لميزانية مجلس القضاء الأعلى، ومضاعفة رواتب القضاة باستصدار تعديل جديد لجدول الرواتب، والمساواة برواتب قضاة المحكمة الدستورية العليا، ومضاعفة بدل المنصة الذى تم صرفه مؤخراً تحت مسمى بدل الإنجاز، بالإضافة إلى زيادة معاشات القضاة المتقاعدين. في حين ركز برنامج قائمة التغيير على تعديل الكادر المالي للقضاة والجداول الملحقة به، وزيادة القيمة المالية لجميع البدلات والإعانات بما يعادل ٥٠%، واستحداث بدل جديد يسمى بدل المنصة فضلاً عن استحداث بدل للأبحاث والمراجع القانونية، مع زيادة بدل المصيف بنسبة ١٠٠%، ورفع قيمة مكافأة نهاية الخدمة إلى نصف مليون جنيه وزيادتها سنويا بواقع ١٠%.
ومن حيث الجوانب الاجتماعية، يلاحظ تركيز برنامج قائمة الاستقلال على القيام بعدد من المشروعات الطموحة، منها: الانضمام للمشروع القومي للإسكان، التعاون مع صندوق أبنية المحاكم على شراء وحدات سكنية لائقة في مختلف المحافظات وتمليكها للقضاة بأقساط مناسبة، والعمل على توفير استراحات لائقة للقضاة، وفتح باب الحجز لحج الشباب بواقع ٨٠ عضواً كل سنة بالتقسيط على ٣ سنوات، وزيادة المبالغ المقررة لرعاية الحالات الحرجة بالنادي، ودراسة تطويره بإضافة الزوجة والأبناء مقابل اشتراك شهري، ومشروع سيارة لكل قاض معفاة من الجمارك بالتعاون مع وزارة العدل.
في حين شمل برنامج قائمة التغيير إطلاق مشروع لإسكان القضاة، وتوفير سيارة لكل قاض بأسعار ميسرة وعلى أقساط طويلة الأجل، وتوسيع نطاق خدمات صندوق الرعاية الصحية والاجتماعية، ورفع القيد الخاص بالنسبة لعلاج الوالدين بدون حد أقصى.
ومن حيث الجوانب الخدمية، فقد تضمن برنامج قائمة الاستقلال العمل على تطوير النادي النهري بتكلفة ٦.٥ مليون جنيه، وإنشاء قرية سياحية متكاملة بأرض النادي بالغردقة، استغلال الأرض المملوكة للنادي ببورسعيد، وإنشاء صندوق التكافل الاجتماعي، وإنشاء دار القضاة بالقطامية كناد اجتماعي رياضي ومجمع خدمي. في حين احتوى برنامج قائمة التغيير على مجموعة من الخدمات، منها: العمل على نقل تبعية التفتيش القضائى إلى مجلس القضاء، وإعادة النظر في قانون السلطة الذى ألغى لقب مستشار وعودته مرة أخرى، وتجريم من يستخدم اللقب من غير رجال القضاء، وإعادة النظر في قانون السلطة القضائية فيما تضمنه من اعتبار القاضى في إجازة حتمية منذ تقرير السير في إجراءات محاكمته، وإعادة النظر في تعديل بعض أحكام قانون السلطة فيما تضمنه من قصر التعيين بالنيابة العامة على الحاصلين على تقدير جيد، وإنشاء لجنة تسمى لجنة الدفاع والمساعدة القضائية تشكل من عدد كاف من القضاة للدفاع عن المحالين للصلاحية والتأديب، ونقل الخدمات التى يؤديها النادي الأم إلى النوادي الفرعية، والعمل على تصويب العلاقة مع جميع مؤسسات الدولة دون إخلال بهيبة القضاء وكرامته واستقلاله، وتصويب العلاقة بالمحامين والصحفيين ورجال الشرطة.
وقد بدا لافتاً تركيز برنامج قائمة المستقبل على الجوانب الخدمية، مثل تشكيل عدة لجان لتقديم الخدمات للقضاة، وهي لجان: العلاقات الإنسانية، الخدمات المالية، الخدمات الصحية، الطوارئ، الإسكان، الثقافية، الاقتراحات، والخدمات الاجتماعية.
2 ـ تباين مواقف المرشحين لرئاسة النادي تجاه التعامل مع القضايا العامة والعلاقة مع الدولة: فالمستشار أحمد الزند، الذي خاض الانتخابات تحت شعار التغيير والإصلاح، يرى أن القانون يحظر على القضاة إبداء رأيهم في القضايا السياسية، أو العمل بالسياسة، ويؤكد أن ما حدث للقضاة مؤخرا كان بسبب هذا الخلط ومحاولة البعض الحديث في الأمور السياسية. ودعا إلى رأب الصدع بين القضاة، وتحسين العلاقة مع الحكومة والشرطة والمحامين للحفاظ على هيبة القضاء، ويرى أن استقلال القضاء خطاً أحمر، موضحاً أن النادي يهتم بأمرين هما؛ هما ملاحظة القاضي في حياته كلها وأن يؤدى له كامل الخدمات ومراعاة مصالحه، والثاني العمل على دعم استقلاله، وهو يتبنى نهج الحوار الهادئ المتواصل، باعتباره الحل لجميع مشاكل وأزمات القضاء.
أما المستشار هشام جنينه، الذي خاض الانتخابات رافعاً شعار استقلال القضاء ونزاهته، فيرى أن دور النادي خدمي بالأساس، إلى جانب دوره في الرقابة وطرح الرأي في القضايا العامة، وبالتالي يجب أن يسير الدورين بالتوازي، لتسهيل أمور القضاة وتسيير حياتهم بشكل لائق وكريم، وتحقيق استقلال غير منقوص للقضاء، ونزاهة حقيقية للانتخابات، غير أنه يرفض أي محاولات لوزير العدل أو مجلس القضاء للسيطرة على النادي، ويطالب الدولة بعدم فرض وصايتها على القضاة في مقابل حقوقهم المادية، معتبراً الحديث في السياسة ليس اشتغالا بها، لأن الاشتغال في السياسة ـ على حد قوله ـ هو الانتماء لأحد الأحزاب أو تأييد أحد التيارات السياسية، وهو ما يعد عملاً محظوراً على القاضي بحكم القانون والدستور، كما يرى جنينه أن اهتمام القضاة بالأمور العامة والقضايا حتى وإن كان لها طابعا سياسيا، ينبع من ضمائرهم وكونهم مواطنين بالدرجة الأولى، مثل الانتخابات العامة سواء التشريعية أو الرئاسية ونزاهتها، مسألة محورية لكل قاض خصوصاً وأن الدستور كان يعلى من قيمة الإشراف القضائي ويجعله شرطاً في إجراءات العملية الانتخابية. ورغم تأكيده بأن الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات إحدى الوسائل المطلوبة لتنفيذ مطالب القضاة، فقد رفض عدد كبير من القضاة خاصة القيادات القضائية هذا الأمر، باعتباره أمراً لا يليق بالقاضي فضلاً عن أنه ينال من قدسية وهيبة القضاء.
وأخيراً، يرى المستشار سامي زين الدين، أن العلاقة مع الدولة، خصوصاً وزارة العدل، يجب أن تكون متواصلة أو حوار مؤسسات مع الحفاظ على مبادئ وقيم القضاء.
3 ـ الخلاف على حجم نزاهة الانتخابات: فعلى الرغم من أن عمليات الاقتراع جرت في مناخ ديمقراطي، خاصة في ضوء الاجراءات العديدة التي اتخذتها اللجنة المشرفة على الانتخابات في إطار حرصها على الشفافية، كقيام الناخب (القاضي) بنفسه بوضع تذكرة التصويت داخل صندوق ذي واجهة زجاجية، وحق كل قائمة أو مجموعة انتخابية من المرشحين في تقديم طلب كتابي إلى اللجنة العامة للإشراف تحدد فيه أسماء عدد من القضاة المندوبين الذين سوف يسمح لهم بحضور عملية الفرز داخل اللجان الفرعية، وعدم مغادرة المندوبين اللجان إلا بعد انتهاء الفرز تماماً، رغم ذلك، فقد أشار البعض إلى وجود تدخلات من جانب وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى في هذه الانتخابات لما تمثله من أهمية كبرى خشية أن يتكرر سيناريو الفترة التي تولى فيها المستشار زكريا عبد العزيز رئاسة النادي ونتج عنها صدام النادي مع وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى، وهي التدخلات التي أخذت مظاهر عدة، منها :
* سعي بعض القضاة الرافضين لسياسة النادي فى عهد مجلس إدارته السابق إلى إقامة دعاوى قضائية لإلغاء قرار مجلس الإدارة بزيادة اشتراك عضوية النادي إلى 20 جنيهاً، وقد تمكنوا بالفعل من الحصول على حكم قضائي بإلغاء القرار.
* دعم مجلس القضاء الأعلى للمستشار أحمد الزند، وهو ما لم ينفه الزند نفسه قائلاً: إنه ليس هناك تيارات داخل القضاة وما يقال عن وجود تيار للاستقلال وتيار حكومي عبارات أطلقتها وسائل الإعلام، إلا أنه في الوقت نفسه لا يرفض دعم مجلس القضاء، وهو ما اعتبره المراقبون إشارة إلى مساندة الحكومة للزند من خلال مجلس القضاء الأعلى الذي يملك سلطات وصلاحيات واسعة يمكن أن يحرك بها القضاة للتصويت لصالحه.
4 ـ مشاركة القاضيات فى التصويت لأول مرة فى تاريخ النادي دون الترشح. ويرجع عدم ترشح قاضيات إلى أن أعداد القاضيات لا تسمح لهن في الفترة الحالية بترشيح أنفسهن، كما أن مسألة الترشيح تتطلب وقتاً وربما تشهد الانتخابات المقبلة ترشيح قاضيات.
5 ـ التأثير الواضح للإغراءات المالية والخدمية على الانتخابات. وهو ما بدا واضحاً في تغليب الناخبين (القضاة) للبرنامج الخدمي على حساب البرنامج المهني والسياسي، خاصة في ظل انخفاض مستوى المعيشة، حيث أرجع الخبراء فوز قائمة التغيير على حساب قائمة الاستقلال إلى أن برنامج التيار الاول ركز على تلبية الخدمات بدرجة أكبر.
ردود فعل متباينة إزاء نتيجة الانتخابات
تباينت مواقف الطرفين الرئيسيين المشاركين في انتخابات نادي القضاة، وهما تياري التغيير والاستقلال، وكذلك المراقبين بخصوص دلالات نتيجة الانتخابات، والتي أسفرت عن خسارة تيار الاستقلال.
وفي هذا الإطار، اتهم أنصار تيار الاستقلال وزارة العدل بالتدخل في الانتخابات، بحشد الناخبين في أتوبيسات خاصة للإدلاء بأصواتهم لقائمة الزند، علاوة على المخاوف التي أبداها البعض مما وصف بـ التدخلات والتوجيهات الحكومية للتأثير على سير الانتخابات. كما رأى أنصار تيار الاستقلال أن النتيجة أصابت الناس بنوع من الصدمة، خاصة أنهم كانوا يضعون الكثير من الآمال على القضاة فى تحقيق الإصلاح السياسى. وأرجع هؤلاء فوز القائمة المحسوبة على الحكومة إلى تفضيل غالبية القضاة المصالح المادية، على حساب تحقيق استقلال القضاء، ورسالته فى التعبير عن حقوق القضاة ومصالح المواطنين. واتهم المستشار هشام جنينه الحكومة، ممثلة فى وزارة العدل ورؤساء المحاكم الذين يعينهم الوزير، بالتدخل فى تلك الانتخابات، فضلاً عن تدخل مجلس القضاء الأعلى للتأثير على إرادة القضاة. في الوقت الذي رأى فيه بعض الخبراء أن النتيجة كانت متوقعة نظرا لانشغال تيار الاستقلال بالعمل السياسي على حساب العمل المهني والنقابي.
أما تيار التغيير، فقد أعلن على لسان المستشار أحمد الزند رئيس نادى قضاة مصر المنتخب، أنه سيعمل على وحدة الصف ورأب الصدع بين القضاة، وتحقيق جميع مطالبهم وطموحاتهم، عن طريق الحوار الهادئ البناء، مؤكداً أن التعامل مع الصحفيين خلال الفترة المقبلة، سيتم من خلال متحدث رسمى، نافياً أن يكون هناك ضغط تم ممارسته على القضاة من قبل الحكومة، مؤكداً استقلال القضاة الذين يرفضون أى تدخل فى شئونهم.
ورغم تشديده على أن أجندة عمل المجلس الجديد لن تختلف عن أجندة المجلس السابق في مطلب استقلال القضاء، فإنه أكد أن النادي لن يمارس دوراً سياسياً، وأن القضاة لن يطالبوا بتغيير النص الدستوري الذي يتضمن عدم الإشراف القضائي على الانتخابات وفقاً للتعديل الدستوري الأخير.
وفي ذات السياق أكد العديد من المراقبين أن نتائج تلك الإنتخابات سوف تترك آثارها على علاقة القضاة بقوى المجتمع المختلفة، لأن المجلس الجديد لن يخطط للدخول في مواجهة ضد السلطة بل إن جميع مطالبه ستكون فئوية. فيما رأى البعض الآخر أن التوقعات بانتهاء تيار الإستقلال بين القضاة ستكشف عنه الأيام المقبلة، وإن كانت الدلائل تشير إلى صعوبة قبول أنصار هذا التيار بالتراجع عن دورهم والمعارك التي خاضوها منذ سنوات من أجل نيل إستقلال القضاء.
ورأى فريق ثالث من المراقبين أن هناك مدرستين داخل نادي القضاة، الأولى: ترى أنه لا ينبغي على القضاة أن يقوموا بالعمل بالسياسة أو بالتعاطي مع القضايا ذات الشأن العام وأنه يجب عليهم النأي بأنفسهم عن الأزمات العامة، أما أصحاب الرأي الثاني فيؤيدون النزول للشارع والانخراط في القضايا الجماهيرية على إعتبار أنهم مواطنون يجب ألا يبتعدوا عن المشاكل العامة.
وبصفة عامة، فإن النتيجة التي أسفرت عنها انتخابات نادي قضاة مصر تشير إلى دخول العلاقة بين القضاة والسلطة ممثلة في وزارة العدل، إلى مرحلة جديدة تتسم بالتعاون المتبادل والقطيعة مع الفترة الماضية التي سادت فيها علاقة توتر بين النادي والحكومة على خلفية عدد من التشريعات التي تبنتها الحكومة ورفضها النادي وكان في مقدمتها قانون السلطة القضائية وغيره من التشريعات التي أثارت غضب الغالبية من القضاة، ومن هنا، فإن مجلس الإدارة الجديد لنادي قضاة مصر، يمكن أن يشهد حدوث المصالحة بين نادي القضاة والحكومة، وهو ما من شأنه تسهيل حصول القضاة على مكاسب مادية وإدارية يطالبون الدولة بها.