رؤية

الصفقة الأمريكية – الروسية على حساب إيران

لواء أ.ح متقاعد / حسام سويلم

تزايدت احتمالات تقارب موقفى موسكو وواشنطن حول الملف النووى الإيرانى بعد صدور إشارات من الطرفين تدل على ربط ملفى البرنامج النووى الإيرانى والدرع الصاروخى الأمريكى الذى تعتزم واشنطن نشر عناصره فى دول أوروبا الشرقية ضمن "رزمة" فى إطار مناقشات الأمن الاستراتيجى بين البلدين.

فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية فى منتصف فبراير الماضى رسالة وجهها الرئيس الأمريكى باراك أوباما إلى نظيره الروسى ديمترى ميدفيديف، عرض فيها التراجع عن نشر الدرع الصاروخى فى شرق أوروبا فى حال ساعدت روسيا على منع إيران من الحصول على سلاح نووى، وبذلك أضيف عنصر جديد فى صفقة المساومات الروسية- الأمريكية المنتظرة.

وكانت إشارات مماثلة صدرت فى أوائل مارس 2009 عن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون، قالت فيها: "إن مشروع الدرع الصاروخى سيفقد أهميته فى حال تمت تسوية المشكلة النووية الإيرانية"، كما صدرت إشارات مماثلة عن دبلوماسيين روس، أشاروا إلى أن مراعاة العلاقات بين واشنطن وطهران ستساعد على إغلاق ملف الدرع الصاروخى نهائياً. وقد أكد مسئول أمريكى نبأ نقل رسالة من أوباما إلى ميدفيديف حول هذا الموضوع، وأن الرسالة تناولت مجموعة من المسائل ومنها الدرع الصاروخى وارتباطه بالتهديد الصاروخى الإيرانى، ولذلك كان بدهياً أن تكون هذه المسألة موضوعاً رئيسياً فى النقاش الذى جرى بين وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون ونظيرها الروسى سيرجى لافروف فى لقائهما بجنيف فى الأسبوع الأول من مارس 2009، هذا إلى جانب موضوعات أخرى شملت تعزيز نظام منع انتشار أسلحة الدمار الشمال، واحتمال أن يبرم الطرفان الروسى والأمريكى فى القريب اتفاقية جديدة بينهما بديلة للاتفاقية (ستارت2) للحد من الرؤوس النووية التى ينتهى العمل بها فى ديسمبر 2009، وتخفيضها من 3000 رأس نووى إلى 1000 رأس نووى لكل منهما، هذا إلى جانب تعزيز التعاون لمواجهة الوضع الأمنى المتردى فى أفغانستان، إضافة لموضوع مبيعات صواريخ الدفاع الجوى الروسية المتقدمة S-300، لكل من إيران وسوريا، وامتداد النفوذ الروسى إلى دول الكتلة السوفيتية السابقة- خاصة فى منطقة القوقاز- وزحف حلف الناتو حولها، وهو ما تعتبره موسكو تهديداً لها.

وكان لذلك النفوذ الروسى انعكاساً فى قرار فيرغيزيا إغلاق قاعدة ماتاس الجوية الأمريكية على أرضها، كما تأمل روسيا من الإدارة الأمريكية الجديدة العمل على إعادة تفعيل اتفاق التعاون الثنائى فى المجال النووى المدنى بين البلدين بعدما تم سحبه من الكونجرس الأمريكى عقب اجتياح الجيش الروسى لجورجيا. ومن المؤكد أن جميع هذه القضايا ستكون حل ومجال المحادثات التى ستجرى فى مطلع أبريل القادم فى أول لقاء بين الرئيسين الأمريكى والروسى.

أفكار روسية:

وبينما يعتبر بعض المراقبين أن أهم العناصر التى تدعم هذا التقارب هو التعاون الحالى بين موسكو وطهران، فإن حقيقة الأمر هى أن أبرز الخطوات التى اقترحت لضمان عدم امتلاك إيران تقنيات لتطوير أسلحة دمار شامل هى تلك التى اقترحها الكرملين بتأسيس مراكز دولية لتخصيب اليورانيوم تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى توجه موسكو لوضع سقف زمنى لتزويد طهران بالتقنيات النووية، من خلال الاتفاق الأخير الذى وقعته موسكو وطهران أخيراً وحددت فيه إمدادات الوقود النووى للإيرانيين لمدة عشر أعوام فقط.

ويعتقد بعض الدبلوماسيين الروس أن التقارب الروسى – الأمريكى المنشود حول الملف النووى الإيرانى لا يعنى عزم موسكو المساومة أو عقد صفقات للتراجع عن التعاون مع إيران، فى مقابل تنازلات أمريكية فى موضوع الدرع الصاروخى، لأن المقصود هو توظيف أوراق العلاقة الروسية مع طهران لدفع الحوار الأمريكى- الإيرانى، ذلك أن الخارجية الروسية تعتبر أن التعاون الروسى- الإيرانى فى مجال الطاقة النووية نموذج مهم يمكن البناء عليه، وأنه من الممكن إزالة المخاوف التى تساور بلدان المنطقة بسبب هذا التعاون، وذلك من خلال تأييد المشروع الروسى لإقامة نظام أمنى شامل فى منطقة الخليج العربى تشارك فيه إيران وترعاه الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة وروسيا، عبر تقديم ضمانات لأمن كل بلدان المنطقة، وباعتبار أن العلاقات الروسية- الإيرانية تشكل أحد عناصر الاستقرار الإقليمى. ومن المعروف أن موسكو كانت قد ألمحت لترتيبات أمنية فى المنطقة أكثر من مرة خلال السنوات الأخيرة، واضعة فى اعتبارها أن تكون أحد عناصر التعاون الأمريكى- الروسى المقبل، خصوصاً إذا ما نجحت موسكو فى أداء دور لدفع الحوار بين واشنطن وطهران.

شروط أوباما للتراجع عن الدرع الصاروخى:

كشف مسئولون أمريكيون عن رسالة الرئيس الأمريكى أوباما للرئيس الروسى ميدفيديف التى بعث بها إليه فى فبراير الماضى، إذ لم يقتصر العرض الذى قدمه من خلالها فقط على ضرورة توقف إيران عن برنامجها النووى مقابل تراجع الولايات المتحدة عن نشر درعها الصاروخى فى شرق أوروبا، ولكن طالب أوباما أيضاً بمساعدة روسيا فى منع إيران من تطوير صواريخها بعيدة المدى. وتقول الرسالة إن الولايات المتحدة لن تكون فى حاجة إلى مواصلة مشروع الدرع الصاروخى الذى عارضته روسيا بشدة إذا أوقفت إيران أى جهود لإنتاج صواريخ باليستية ورؤوس نووية لها.

ورغم أن الرسالة لم تعرض بديلاً مباشراً، لكنها استهدفت منح موسكو حافزاً للانضمام إلى الولايات المتحدة فى جبهة مشتركة ضد إيران، حيث تمنح الروابط العسكرية والدبلوماسية والتجارية لروسيا مع إيران، موسكو بعض التأثير هناك. ويرى مسئول بارز فى الإدارة الأمريكية أن العرض المقدم إلى روسيا، كمن يقول لهم. "إما أن تتحركوا أو أن تلزموا الصمت". وليس الأمر كأن فى وسع الروس أن يقولوا: "سنحاول، ولذا يجب أن تعلقوا نشر الدرع الصاروخى"، بل يقول إن"الخطر يجب أن يزول". وإذا كانت موسكو لم ترد على هذه الرسالة، إلا أنها اعتبرت جزء من جهد "للضغط على زر إعادة انطلاق العلاقات الروسية- الأمريكية"، طبقاً لما قاله جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكى فى مؤتمر الأمن الدولى فى ميونيخ فى فبراير الماضى.

ويبدو أن إدارة أوباما تعيد النظر فى فكرة نشر عناصر من الدرع الصاروخى فى بلدان أوروبا الشرقية بعد أن أبرمت إدارة بوش السابقة اتفاقية مع تشيكيا لنشر محطة رادار (اكس باند) تابعة لنظام الدفاع الصاروخى الوطنى National Missile Defense (Nm)، بالإضافة لاتفاقية أخرى مع بولندا لنشر عشر قواعد صواريخ اعتراض تابعة لهذا النظام على أراضيها، وهو الأمر الذى هددت موسكو إزاءه بنشر صواريخ بالستية متوسطة المدى (إسكندر –B) فى كل من جيب كالينجراد بين ليتوانيا وبولندا، وأيضاً فى جمهورية بيللا روسيا لتوجيه ضربة مسبقة لبولندا إذا ما استمرت فى نشر عناصر نظام الدفاع الصاروخى الأمريكى على أراضيها، ولم تقبل إدارة بوش مطلقاً عرض موسكو نشر جزء من عناصر نظام الدفاع الصاروخى على أراضيها، وإدارته بشكل مشترك كى لا يستخدم ضدها.

إلا أن إدارة أوباما يبدو أنها تعيد النظر فى هذه الفكرة، على الرغم من أنه ليس واضحاً ما إذا كانت تريد أن تنشر جزءاً من عناصر هذا النظام على الأراضى الروسية، حيث يمكن أن يشغله الروس ويطفئوه. وكان موقف أوباما فاتراً حول فكرة الدرع الصاروخى أصلاً، حيث قال إنه يدعمها فقط إذا ثبتت فعاليتها تقنياً وكانت كلفتها معقولة. وفى تجاوب من ناحية الرئيس ميدفيديف تراجع لاحقاً عن تهديده بنشر صواريخ (اسكندر –B) فى اتجاه أوروبا إذا تمسكت واشنطن بنشر عناصر الدرع الصاروخى. وهو ما فسره المراقبون بأن موسكو تتعامل بجدية مع الفكرة التى طرحتها رسالة أوباما، والتى اعتبرتها "عرضاً مثيراً طبقاً لما ذكرته صحيفة (كومرسانت) الروسية". وكان ميدفيديف قد أبدى اعتقاده بأن إدارة أوباما ستكون منفتحة على التعاون حول الدرع الصاروخى. ويعتبر خبراء روس أن حل المشكلات الخلافية الأساسية- وعلى رأسها مسألة الأمن الاستراتيجى، والدرع الصاروخى - سيمكن موسكو من توفير موارد مهمة كانت ستنفق على تعزيز قدراتها الصاروخية فى مواجهة الدرع الأمريكى.

إيران سبب التحول المفاجئ:

عندما يرصد المرء إشارات التقارب الصادرة عن كلتا العاصمتين واشنطن وموسكو على النحو المشار إليه آنفاً، والتى تظهر عودة الدفء إلى العلاقات بينهما، يبدو التساؤل مشروعاً عن السبب الرئيسى فى هذا التحول المفاجئ؟ وهو المتمثل فى رغبة واشنطن ومعها الاتحاد الأوروبى، فى الحصول على مساعدة روسيا فيما يخص إيران. فهما يعتبران روسيا لاعباً فائق الأهمية فى منع طهران من امتلاك أسلحة نووية ووسائل إيصالها الصاروخية. وقد عبر عن هذا المفهوم الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى حين قال مؤخراً: "على روسيا أن تقرر أى وجه تريد إظهاره، إذا أرادت أن تكون لاعباً على مستوى عالمى، فينبغى لها أن تساعدنا فى مسألة إيران".

وتعرف موسكو حتماً أن مصلحة روسيا تقتضى منع إيران من امتلاك أسلحة نووية. ولذلك خطت فى الآونة الأخيرة عدة خطوات فى هذا الاتجاه. فقد صوتت روسيا العام الماضى تأييداً لعقوبات فرضتها الأمم المتحدة، وراحت تمارس على إيران ضغوطاً بطرق أقل جلاء. من ذلك أن شركة "أتومسترد باكسبورت" التى تشيد منذ عام1995 أول مفاعل مدنى لإنتاج الطاقة النووية فى بوشهر، تباطأت فى تنفيذ التزاماتها بتسليم هذا المفاعل، كما تباطأت أيضاً أعمال تسليم وقود اليوارنيوم الروسى المنخفض التخصيب، وذلك بدعوى التأخر فى تسديد المدفوعات. كما راحت موسكو أيضاً تتأرجح على صعيد الاستجابة لمطالب إيران من أنظمة التسليح المتقدمة. فبينما باعت الأخيرة لإيران عام 2007 نظام الدفاع الجوى Tro- M1، إلا أنها تصعب عملية بيعها نظام أكثر تطوراً للدفاع الجوى والصاروخى هو S-300. يؤكد ذلك حضور وزير الدفاع الإيرانى مصطفى محمد نجار إلى موسكو فى محاولة لإنجاز صفقة الحصول على هذا النظام، ولكنه غادرها دون إبرام أى صفقة، خاصة مع شعور موسكو بالقلق بعد الاستعراض الذى قدمته إيران فى فبراير الماضى لأحدث قدراتها فى مجال الصواريخ الباليستية.

فلقد تأكد وزير الدفاع الإيرانى مصطفى النجار أثناء هذه الزيارة عن أن الحليف الروسى لن يفى بوعده الجديد- القديم حول إنجاز مفاعل بوشهر وتسليم الدفعة الأولى من صواريخ S-300. فالوعود والمواعيد الروسية التى تكررت عدة مرات فى السنوات السابقة ولم تلتزم بها موسكو، جعلت الإيرانيين يقتنعون بأن "زواج المتعة" المعلن بينهم وبين الروس مازال هشاً وخادعاً، وأن ميدفيديف مثل بوتين يستخدم ورقة التحالف والتقارب والتعاون مع إيران بهدف تحسين أوراقه التفاوضية مع الولايات المتحدة، ومنع التقارب المنتظر بين طهران وواشنطن لحساب صفقة كبرى بين واشنطن وموسكو.

فمنذ دخول أوباما البيت الأبيض، وتكراره الاستعداد للحوار مع حكام إيران، ومد اليد تجاه علاقات أفضل تضع حداً لثلاثين سنة من الحروب الباردة والساخنة بين الولايات المتحدة وإيران، نجحت طهران فى تسويق "الصفقة الكبرى" مع واشنطن، وتحول هذا التسويق عبر تزايد مؤشرات التقارب والعروض السرية والعلنية المغرية إلى هاجس آثار قلق العديد من دول المنطقة، من دول الخليج إلى لبنان، حيث لعب السوريون بدورهم على وتر الصفقة القادمة مع محور طهران- دمشق، وهو ما شكل هاجساً أقلق المسئولين والمواطنين فى هذه الدول.

ومع ذلك، فمن غير المحتمل أن تصبح روسيا متعاونة بالقدر الذى قد تأمله واشنطن، والسبب أن المصالح الاقتصادية، ورغبة موسكو فى إدارة سياستها الخارجية الخاصة بها، قد تشكل لها الأولوية، ذلك أن الكثير من الشركات الروسية ذات الروابط الوثيقة بدوائر الحكم فى الكرملين، ومن ضمنها شركة الغاز العملاقة "غازبروم" التى تديرها الدولة، لا تزال تمارس أعمالاً تجارية ضخمة فى إيران، ومن الممكن بالتالى أن تتأثر سلباً إذا فرضت روسيا عقوبات أكبر بموجب قرار آخر من مجلس الأمن ضد إيران، أما الأمر الذى يحمل دلالة أكبر فهو أن استمرار تأرجح العلاقات بين موسكو وطهران يمنح موسكو درجة من النفوذ الدبلوماسى تتفوق بها على سائر دول العالم، وهو ما عبر عنه ديمترى ترينين والمسئول فى مركز كارينجى بموسكو قائلاً: "تكاد موسكو تكون غير مهتمة بحدوث مصالحة حقيقية بين طهران وواشنطن"، وهو ما يعنى فى المحصلة أن خطاب موسكو المتودد حيال الغرب ليس –حتى الآن- إلا مجرد كلام، ولم يتبلور إلى صيغة ذات معالم استراتيجية واضحة.

مخاوف طهران:

تؤكد المؤشرات الجديدة القادمة من واشنطن وموسكو وحتى بكين أيضاً، أن حالة من المخاوف تنتاب حكام طهران حول احتمالات عقد صفقة كبرى بين روسيا والولايات المتحدة، تكون فى مجملها على حساب إيران. انعكس ذلك واضحاً فى خطاب الرئيس الإيرانى أحمدى نجاد الذى حذر فيه أوباما" من مصير أسوأ من مصير بوش"، وذلك بعد يوم واحد من عودة الوفد العسكرى الإيرانى الذى كان يرأسه وزير الدفاع مصطفى نجار من موسكو.

فقد فوجئ الإيرانيون بحالة الغزل وسرعة التجاوب والتقارب بين موسكو وواشنطن، فى وقت كانت طهران تستعد فيه وتراوغ وتناور للتعامل مع المقاربة الجديدة التى وعد بها أوباما، وذلك من خلال تصعيد ظاهرى وتجاوب باطنى لفرض أجندة وجدول أعمال يقودان إلى صفقة كبرى تضمن للإيرانيين النفوذ الإقليمى والقدرات النووية العسكرية فى آن واحد، لكن طهران فوجئت بتريث إدارة أوباما، بل تجاهلها بذريعة انتظار انتخابات الرئاسة الإيرانية التى ستجرى فى يونيو القادم، وعدم رغبة الأمريكيين فى مساعدة نجاد على التجديد. وفى المقابل كانت مفاجأة حكام طهران أكبر عندما اكتشفوا أن الإدارة الأمريكية تستغل هذا الوقت الضائع لإعداد مقاربة دولية - وليست أمريكية فقط- للتعامل مع الخطر الإيرانى، وكشفت الخيوط الأولية لهذه المقاربة أن واشنطن فضلت بدلاً من الصفقة مع إيران، عقد صفقة مع روسيا على حساب إيران، وأن أول الاتصالات كشف بدوره استعداداً روسياً غير مسبوق لملاقاة الأمريكيين والتجاوب مع عروضهم لعلاقات جديدة.

وقد كشفت لقاءات نائب الرئيس الأمريكى جو بايدن، ومستشار الأمن القومى جيم جونس فى مؤتمر ميونيخ للأمن، وتصريحاتهما، عن مؤشرات هذه المقاربة الأمريكية، واستعداد إدارة أوباما لفتح صفحة جديدة مع روسيا. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن لقاءات أخرى تالية زادت من حدة القلق والمخاوف لدى حكام طهران. ففى الوقت الذى كان هؤلاء الحكام ينتظرون وصول وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكية، والمسئول عن الملف الإيرانى فى عهد بوش إلى طهران، أو عقد لقاء علنى بينه وبين مسئول إيرانى لتكريس الخطوات الأولى "للصفقة الكبرى" التى تتوقعها إيران وتحرص على إظهار نجاحها فى إنجازها، وتسويق ذلك إعلامياً وسياسياً باعتباره انتصاراً للسياسة المتطرفة التى مارستها حكومة نجاد محلياً وإقليمياً ودولياً فى السنوات الأخيرة، فوجئ الحكام الإيرانيون بواشنطن توفد بيرنز إلى موسكو.

وعبثاً حاول الأمريكيون تبرير زيارة بيرنز هذه لكونه سفيراً سابقاً فى موسكو، وتكليفه بإعداد برنامج لقاء جنيف فى مارس بين هيلارى كلينتون ولافروف، لأن الإيرانيين أدركوا أن هدف الزيارة هى تفعيل التقارب الروسى- الأمريكى على حساب طهران، والتوافق على وضع الملف النووى الإيرانى فى قائمة الصفقة التى يجرى الإعداد لها بين البلدين. وقبل زيارة بيرنز لموسكو، كانت الأخيرة قد استقبلت نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية باتريك مون لوضع اللمسات الأخيرة على بند آخر من الصفقة، وهو مساعدة روسيا فى توفير الإمدادات لقوات حلف الناتو فى أفغانستان عبر ضمان طرق بديلة للممرات الباكستانية المعرضة لهجمات طالبان الباكستانية. والواقع أن المراقبين فوجئوا بسرعة التجاوب الروسى فى هذا المجال إلى حد أن موسكو تكفلت بإقناع حلفائها فى آسيا الوسطى لضمان وصول الإمدادات من ميناء (ريجا) فى لاتفيا، ثم نقلها بالقطارات إلى أفغانستان عبر روسيا وكازاخستان وأوزباكستان، أو قيرغيزيا وطاجكستان.وفى الوقت نفسه هدأت فجأة عاصفة إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية فى عدة دول فى المنطقة، وأبرزها قاعدة ماناس فى قيرغيزيا، وبدأ الحديث عن انضمام موسكو – لوجيستيا على الأقل- إلى الحرب فى أفغانستان فى تحول مهم جداً، خصوصاً وأن إدارة بوش كانت حريصة على إبعاد روسيا عن أى دور فى أفغانستان.

ولعل الأخطر من ذلك بالنسبة لإيران، هو أن موسكو قطعت الطريق على عدة عروض قدمتها طهران لدول الناتو تعرب فيها عن استعدادها للتعاون فى أفغانستان، ولتوفير طرق إمدادات بديلة عبر ميناء (شاه بحر) والأراضى الإيرانية، واعتبر المراقبون هذا الالتفاف الروسى على العرض الإيرانى مؤشراً إضافياً لسباق بين "الحليفين"- روسيا وإيران- على التقارب من الولايات المتحدة والغرب. وقد سبق ذلك استياء روسى كبير من عرض تقدم به الإيرانيون للدول الأوروبية فى أوج أزمة الغاز الروسى هذا الشتاء، وتضمن استعداد طهران للدخول فى مشروع أنبوب نابوكو لنقل الغاز إلى أوروبا بدون المرور بروسيا.

ولم تتوقف أخبار بنود الصفقة الروسية –الأمريكية عند هذا الحد، إذ تبين أن واشنطن قد وافقت على التعامل بإيجابية مع لائحة المطالب الروسية الطويلة التى تضمنت الاعتراف بنفوذ روسيا الإقليمى فى آسيا الوسطى، ووقف عمليات توسيع حلف الناتو إلى دول البلطيق وجورجيا وأوكرانيا، إلى جانب إعادة النظر فيما تم نشره من عناصر الدرع الصاروخى فى بولندا وتشيكيا، وتجديد معاهدة (ستارت-2).

طهران ترد بتجارب صاروخية وإطلاق قمر صناعى:

لم يكن قيام إيران بإطلاق أول قمر صناعى (أوميد – الأمل) إلى الفضاء فى 3 فبراير الماضى، بعيداً عن مغزى تطور هذه الأحداث، حيث أرادات إيران بهذا الحدث أن تثبت وتؤكد على أن قدرتها العسكرية قادرة على التأثير فى مسار الأحداث بالمنطقة بما يتفق مع مصالحها ويحقق أهدافها، إذا ما فشلت الوسائل الدبلوماسية فى ذلك.

فقد استغلت طهران الذكرى الثلاثين لثورتها، وأعلنت أنها وضعت بنجاح فى الفضاء قمراً صناعياً صنعه علماؤها بالكامل، وذلك بواسطة صاروخ متعدد المراحل أطلقت عليه (سفير -2)، وأن القمر من النوع الخفيف ومخصص للاتصال بمحطة أرضية لإجراء قياسات مدارية، وأنه يكمل 15 دورة حول الأرض خلال 24 ساعة، ويراقب مرتين عبر المحطة الأرضية فى كل دورة، وأن له موجتا تردد إذاعياً، وثمانى هوائيات لتسليم المعلومات وإرسالها، ويحلق فى مدار يتراوح ارتفاعه بين 250 -400كم. وقد ذكر التلفزيون الإيرانى أن القمر الصناعى (أو ميد)، والذى يحمل معدات لاختبار السيطرة ومعدات للاتصالات ومعدات رقمية وأنظمة إمداد الطاقة، سيعود إلى الأرض بعد أن يظل فى مداره ما بين شهر وثلاثة أشهر، حاملاً بيانات تساعد الخبراء على إرسال قمر اصطناعى عامل إلى الفضاء، ولدى إيران بالفعل قمر اصطناعى فى مدار حول الأرض هو (سيناء-1) أطلقته فى عام 2005 بصاروخ روسى.

وبذلك تكون إيران الدولة الثانية فى المنطقة بعد إسرائيل التى تمتلك قدرة إطلاق أقمار صناعية، وكانت طهران قد أعلنت فى نهاية نوفمبر الماضى (2008) عن إطلاق صاروخها الفضائى الثانى (كاو شكر-2) وتمكنت من استعادة مسبار كان يحمله، ويبدو أن الصاروخين مشنقان من الصاروخ الباليستى (شهاب -3) الذى يبلغ مداه نحو 2000 كم ويمكنه أن يصل إلى إسرائيل وجنوب شرق أوروبا.

وإذا تتبعنا مسيرة التجارب الصاروخية الإيرانية خلال العامين الماضيين لوجدنا أنه فى سبتمبر 2007 تمت تجربة إطلاق صاروخ باليستى أطلق عليه (قدر) مطور عن الصاروخ شهاب – 3 وصل مداه نحو 1800كم، ثم أجرت إيران فى نوفمبر 2007 تجربة صاروخ باليستى آخر أطلق عليه (عاشوراء) مداه نحو 2000 كم، وفى فبراير 2008 أطلقت إيران منظومة فضائية بواسطة الصاروخ (سفير -1) وذلك على ارتفاع 300-500كم إلى الفضاء، ويتوقف ارتفاع إطلاق الصاروخ على حجم القمر الصناعى (والتى تماثل الرأس الحربية للصاروخ) وهى فى المتوسط 50 كجم. وكان الإيرانيون قد أطلقوا أيضاً صاروخاً باليستياً أطلقوا عليه (سجِّيل) يعمل بالوقود الصلب وذا مرحلتين، واعتبروه نسخة مطورة من الصاروخ (شهاب -3) وأن مداه نحو 2000 كم.

ومن المعروف أن إطلاق الصاروخ فى الفضاء لارتفاع 300-500 كم يعنى قدرة على الوصول إلى أهداف أرضية يصل مداها إلى 2000-3000 كم، لأن الإطلاق العمودى إلى الفضاء يكون عكس الجاذبية الأرضية، أما إذا أطلق أفقياً لقصف أهداف أرضية فإن تأثير الجاذبية المعاكسة تكون أقل، فيصل الصاروخ إلى مدى أبعد. لذلك تتحايل الدول التى لا تريد أن تكشف حقيقة أهدافها العسكرية فى تجاربها الصاروخية – مثل اليابان وإيران – بأن تجرى تجاربها الصاروخية عمودياً إلى الفضاء بدعوى خدمة أقمار صناعية للأبحاث والاتصالات والأرصاد الجوية، لتفادى التساؤل حول حقيقة الأهداف العسكرية.

وتعنى تجربة إيران للصاروخ (سجِّيل) متعدد المراحل بالوقود الصلب أثناء المناورات الحربية التى أجريت فى مدينة (مروان) الحدودية القريبة من العراق، أنها تحولت من إتباع تقنية الوقود السائل فى تشغيل محركات الصواريخ شهاب التى تتبعها كوريا الشمالية فى تصنيع الصواريخ طرازات (نودونج)و(تايبوتنج) إلى إتباع تقنية الوقود الصلب التى تتبعها روسيا وأوكرانيا. فمن المعروف أن الصاروخ (شهاب – 1) هو نسخة من الصاروخ (سكود – ب)، والصاروخ (شهاب – 2) نسخة من (سكود – سى)، والصاروخ (شهاب – 3) نسخة من (نودونج –A) والصاروخ (شهاب – 4) نسخة من (نودونج – B)، والصاروخ (شهاب -5) نسخة من (تايبودنج – 1، والصاروخ (شهاب – 5B) نسخة من (تايبوتنج -2)، والصاروخ (شهاب -6) نسخة من (تايبوتنج – 2/ C5). وإذا كانت إيران لم تصل فى تطوير ترسانتها الصاروخية إلى أبعد من (شهاب – 3 معدل) الذى يصل مداه إلى نحو 3000 كم، فإنها تخطط لأن يصل مدى (شهاب – 4) إلى 4000 كم، و(شهاب -5) إلى 5000 كم، و(شهاب -6) إلى 6000 كم.

ويعتبر الانتقال من الاعتماد على تقنية الوقود السائل (الذى يتكون من نوع من الكيروسين، وحامض نيتريك لتوليد الأكسجين، وكلُُ منفصل عن الآخر وعند الإطلاق يتم خلطهم من خلال رشاشات تدفع إلى المحرك) إلى الوقود الصلب الموجود فى شكل ألواح تحيط بحسم المحرك (يتكون من أمونيوم بيركلورايد، وبودرة ألومنيوم، ونترات بوتاسيوم)، يعتبر هذا التحول مفيداً فى تسهيل وتسريع عملية نشر وحدات الصواريخ فى مواقع إطلاقها، حيث لا تحمل الوحدة الصاروخية معها خزانات الوقود السائل مما يسهل من خفة حركتها، كما تؤثر الصواريخ العاملة بالوقود الصلب الوقت الذى تحتاجه الصواريخ الأخرى العاملة بالوقود السائل لكى يتم شحنها بهذا الوقود، وبالتالى سرعة الانتقال من موقع إطلاق إلى موقع آخر، هذا إلى جانب درجة الدقة الأعلى التى تحققها الصواريخ العاملة بالوقود الصلب فى إصابة أهدافها عن الصواريخ العاملة بالوقود السائل.

أما خطة إيران لغزو الفضاء – والتى أثارت قلق الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وإسرائيل – فهى خطة طموح كشف عنها رئيس "هيئة الفضاء الإيرانية" – رضا تافيبور – عندما أعلن أن بلاده تخطط لوضع عدد من الأقمار الصناعية فى المدار بحلول عام 2010 بهدف تحسين برامج إدارة الكوارث الطبيعية وشبكة الاتصالات فى البلاد. وكانت طهران قد أعلنت فى عام 2005 عن تخصيص 500 مليون دولار لمشاريع فضائية تنفذ خلال خمس سنوات، كما أشارت محطة (برس.تى.فى) الإيرانية إلى أن طهران تخطط أيضاً لإرسال أول رائد إلى الفضاء بحلول عام 2021.

ورغم إدراك الولايات المتحدة وحلفائها فى أوروبا وإسرائيل أن القمر الصناعى الإيرانى (أوميد) يعتبر بدائياً جداً مقارنة بأقمار صناعية أخرى انطلقت منذ سنوات من دول أخرى إلى الفضاء أكثر منه تطوراً وحداثة، إلا أنه أثار قلق هذه الدول، باعتباره "خطوة رمزية مهمة" لها ما بعدها، وإن كان ذلك لا يغير كثيراً من قواعد اللعبة من الناحية الاستراتيجية. أما منبع الخطورة فى الصاروخ المستخدم فى إطلاق القمر الصناعى إلى مداره فى الفضاء، حيث يمكن للصواريخ بعيدة المدى العابرة للقارات التى تستخدم فى وضع الأقمار الصناعية فى مدارات حول الأرض أن تستخدم أيضاً لإطلاق رؤوس حربية تقليدية وفوق تقليدية (نووية وكيماوية وبيولوجية) نحو أهداف أرضية فى دول معادية. عبرَّ عن هذا المفهوم الرئيس السابق لوكالة الفضاء الإسرائيلية (إسحق بن إسرائيل) الذى اعتبر أن بإمكان الإيرانيين الآن الوصول إلى أهداف فى غرب أوروبا. أما الناطق باسم البيت الأبيض فقد عبرَّ عن قلقه قائلاً: إن هذا العمل لا يقنعنا بأن إيران تتصرف بطريقة مسئولة لإحلال الاستقرار والأمن فى المنطقة، كما عبر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية (روبرت وود) عن اعتقاده بأن عملية الإطلاق يمكن أن تؤدى إلى تطوير صاروخ باليستى بعيد المدى، مذكِّراً بأن "قرار مجلس الأمن 1718 يحظر على إيران كل نشاط يرتبط بإنتاج صواريخ، وهو ما يشكل قلقاً شديداً لنا". ولم تختلف تقديرات ممثلو الحكومتين البريطانية والفرنسية، وفى دوائر قيادة حلف الناتو فى بروكسل عما أعرب عنه المسئولون الأمريكيون من مخاوف تطوير إيران لصواريخ بالستية عابرة للقارات، قادرة على حمل رؤوس نووية بعد أن تستكمل إيران الشق العسكرى من برنامجها النووى.

أما فى إيران فقد ذكر محلل سياسى إيرانى "أن إطلاق القمر الصناعى (أوميد) هو رسالة للعالم مفادها أن إيران قوية جداً، وعليكم التعامل معنا بطريقة صحيحة".

وفى روسيا، فقد لعب إطلاق القمر الصناعى الإيرانى دوراً فى زيادة قلق الروس من الخطر الصاروخى الإيرانى، وفى تفهم موسكو للحاجة إلى درع صاروخى للحماية من الصواريخ الباليستية الإيرانية، والتى كشفت العملية الأخيرة عن قدرة صواريخ إيران على تهديد روما وفيينا، وخطرها المستقبلى بتهديد موسكو أيضاً.

درع صاروخى أمريكى – روسى للدفاع ضد الصواريخ الإيرانية:

وفى مواجهة بروز القوة الصاروخية الإيرانية ونموها – خاصة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى عابرة القارات، وما تشكله من تهديد للمصالح الأمريكية والأوروبية والروسية أيضاً، بدأت بعض الأوساط العسكرية والأوروبية تبادل معلومات عن خطة تعاون روسى – أمريكى – أوروبى لإقامة درع صاروخى بديلاً عن الدرع الأمريكى لحماية أوروبا من صواريخ طهران، وفى الوقت نفسه بدأت موسكو تسرب للمرة الأولى معلومات جديدة عن تزايد الخطر النووى الإيرانى، بينما كانت تتولى فى السابق نفى المعلومات الأمريكية والإسرائيلية عن ذلك. ولوحظ أن الخبير النووى الروسى الجنرال فلاديمير دفوركين تطوع هذه المرة للذهاب إلى أبعد من الأمريكيين، والتأكيد على أن طهران أصبحت تملك القدرات النووية التى تسمح لها بصنع وإطلاق صاروخ يحمل رأساً نووية.

إلا أن أهم ما تداولته التقارير هو أن واشنطن قد أقنعت موسكو بوضع ورقة إيران على الطاولة والملف النووى والصاروخى الإيرانى فى صلب صفقة التعاون المستقبلى، وأن الروس تعهدوا بالانضمام إلى المقاربة الدولية المبنية على التعاون الدولى والتعددية، خلافاً لسياسة بوش الأحادية، وبالمساهمة فى خطة احتواء إيران ومنعها من الحصول على القدرات النووية العسكرية، وهو الأمر الذى من شأنه أن يفقد طهران حليفاً دولياً كبيراً كانت تراهن عليه رغم هشاشة العلاقات وانعدام الود الحقيقى فى زواج المصلحة بينهما، وبالتالى يجعلها تخسر ورقة استراتيجية مهمة جداً.

ولقد كانت مؤشرات هذه الصفقة، أو بالأحرى ثمنها – واضحة فيما نقل عن وليام بيرنز عند زيارته لموسكو، حيث أكد أن أساس التعاون الروسى – الأمريكى هو منع إيران من الحصول على السلاح النووى، إضافة إلى منع تحول أفغانستان إلى قاعدة للمتطرفين. وفى المقابل اعتبر أن توسيع حلف الناتو ليشمل أوكرانيا وجورجيا أمر غير ملح وغير عاجل.

وفى وقت كانت طهران تسعى إلى كسب أوراق إضافية، إلى جانب موسكو، من خلال استمالة الدول الأوروبية بإمدادها بالغاز الإيرانى، ومنع أى توافق دولى ضدها، بدأت تواجه جدياً خسارة الحليف الهش الآخر وهو الصين، حيث يجمع المراقبون على أن اختيار هيلارى كلينتون لمنطقة آسيا، وخصوصاً بكين، فى أول زيارة خارجية كاسرة تقليداً أمريكياً يمنح أوروبا هذا الامتياز، يأتى ضمن المقاربة الدولية التى اختارتها إدارة أوباما للتعامل مع إيران، وتقضى بحسب حلفائها الخارجيين واستمالتهم فى مخطط دولى لعزل إيران وتكثيف الضغوط عليها للتخلى عن أطماعها الإقليمية وطموحاتها النووية، عبر تسهيل تهديدها بكل الوسائل، ومن خلال مجتمع دولى موحد القرار، وإن لم يكن متوافقاً بعد على الوسائل، وهو ما من شأنه على الأقل تسهيل تمرير قرارات فى مجلس الأمن الدولى تفرض عقوبات جديدة على إيران بدون أى فيتو روسى أو حتى صينى أو أى قوة عظمى تدعمها وتدافع عنها.

ولهذا لم يفاجأ المراقبون المطلعون على خفايا مفاوضات الصفقة الروسية – الأمريكية على حساب طهران ومحور (طهران – دمشق – حزب الله – حماس) بمسارعة وزير الدفاع الروسى إلى التصريح بعد مغادرة الوفد العسكرى الإيرانى موسكو بأن بلاده ليست فى صدد عقد صفقة بيع صواريخ 5-300 لإيران.

وهذا يعكس استمرار الحرص الروسى على المضى قدماً فى خيار الاتفاق مع الأمريكيين على اعتبار إيران "قضية مشتركة". وقبل ذلك فاجأ لافروف الإيرانيين بتصريح سياسى سلبى أيضاً عن طهران عندما عبر صراحة عن رفض بلاده ضم حماس وحزب الله وإيران إلى مؤتمر سلام الشرق الأوسط الذى يجرى الإعداد له فى موسكو، مؤكداً أنه سيضم فقط المشاركين فى مؤتمر أنابوليس عام 2007.

أما أهم معالم مشروع الصفقة الكبرى بين الولايات المتحدة وروسيا، هو أن المشرف على الإعداد لها هو هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، ومهندس السياسة الخارجية الأمريكية سواء فى عهد الإدارات الجمهورية أو الديموقراطية، والذى اشتهر بعقد الصفقات الكبرى وبأنه رجل الخطط السرية الكبيرة والخطيرة، وأحد أبرز (عرَّابى) أوباما، ومن ثم فإن الجانب الأهم فى الصفقة الأمريكية – الروسية التى يشرف عليها كيسنجر مازال سرياً. يتأكد ذلك من الزيارة السرية التى قام بها كيسنجر إلى موسكو فى أواخر العام الماضى (2008)، عارضاً الخطوط العريضة لمخططه على كبار المسئولين الروس. لذلك يتوقع كثير من المراقبين أن تفاصيل إضافية لهذه الخطة ستظهر فى الأيام والأسابيع المقبلة، وهو ما قد يكشف عن بعضه فى اللقاء الأول بين أوباما وميدفيديف أثناء قمة الدول العشرين الذى سيعقد فى لندن فى أوائل أبريل القادم.

وفى انتظار ذلك بدأت عدة أجهزة استخباراتية دولية رصد ردود الفعل الإيرانية لمعرفة الاستراتيجية البديلة التى ستعتمدها إيران لتفادى تحولها إلى (كبش محرقة) فى لعبة الكبار، وللرد على الجهود الدولية لإجبارها على إيقاف برنامجها النووى، وضحية صفقة كبرى فى وقت كانت تستعد فيه وتروج لقطف ثمار صفقة أخرى، قبل أن تكتشف واشنطن أن الصفقة مع روسيا أسهل، وأن لائحة المطالب الروسية تبدو أقصر من اللائحة الإيرانية.

وأول تقارير هذه الأجهزة يتجاوز الرد السياسى المحتمل قدومه من طهران عبر التسويق لترشيح محمد خاتمى للرئاسة، ليركز على مخاوف جدية من انتقام إيرانى سريع، عبر التأكيد الميدانى على قدرات إيران على تهديد وزعزعة العديد من الدول والأنظمة. وثمة معلومات عن أوامر وصلت إلى فيلق القدس – مسئول العمليات الخارجية فى الحرس الثورى الإيرانى – ومخابرات الحرس الثورى، والتنظيمات المتطرفة التابعة لإيران والمدعومة منها لتفجير الأوضاع فى أكثر من جهة: من أفغانستان إلى العراق إلى لبنان إلى غزة، مروراً بأكثر من دولة خليجية، ووصولاً إلى دول آسيا الوسطى الإسلامية التى تحمِّلها طهران مسئولية الصفقة الروسية – الأمريكية التى تعقد على حسابها، ومهمة تحذير موسكو من مغبة ذلك.

إسرائيل تتوعد بضرب إيران:

وتعليقاً من جانب إسرائيل على ما يثار حول قرب مفاوضات مباشرة بين واشنطن وطهران، صرح وزير الدفاع الإسرائيلى ايهود باراك أن أى محادثات مستقبلية تجريها الولايات المتحدة مع إيران حول برنامجها النووى، يجب أن تكون محددة من حيث الوقت، وأن لا تستبعد الخيار العسكرى. وأضاف فى كلمة له فى مؤتمر هرتزليا السنوى الذى يبحث مسائل الأمن والاستراتيجية المستقبلية لإسرائيل "علينا أن نتوصل إلى تفاهم استراتيجى مع الولايات المتحدة حول جوهر البرنامج النووى الإيرانى، وأن نضمن أنه حتى لو اختاروا الطريق الدبلوماسى لوقف هذا البرنامج، فإن المحادثات يجب أن تكون محددة بفترة قصيرة، وبعدها عقوبات صارمة، ثم استعداد للتحرك". وزاد: "وقت محدود، وعقوبات قاسية، والخيارات كافة على الطاولة". وكان البيت الأبيض قد أوضح أنه حتى مع تفعيل الرئيس الأمريكى باراك أوباما لمبدأ التفاوض والحوار مع إيران، فإنه لا يستبعد مختلف الخيارات بما فى ذلك التحرك العسكرى. وعن الإعلان عن قرب تشغيل مفاعل بوشهر قال باراك: "حتى إذا كانت محطة بوشهر لا تشكل عنصراً مركزياً فى النشاطات النووية العسكرية لإيران، فإن الإعلان عن انتهاء أعمال بنائها يؤكد أهمية الإجراءات العملية التى على العالم الحر - وفى مقدمته الولايات المتحدة - اتخاذها، لأن الوقت يمر"، واعتبر أن "للروس الشركاء فى بناء محطة بوشهر دوراً رئيسياً فى منع إيران من تطوير برنامجها لتخصيب اليورانيوم".

أما رئيس الوزراء الإسرائيلى ايهود أولمرت فقد حذر إيران من أن إسرائيل "تملك قدرات عسكرية يصعب تصور مداها وكثافتها". وفى تصعيد للهجة الإسرائيلية ضد طهران، أضاف أولمرت "نحن نبذل جهوداً هائلة لتعزيز قوتنا للردع، وإسرائيل تعرف كيف تدافع عن نفسها فى كل الأوضاع وضد كل التهديدات وضد كل عدو"، ثم أردف قائلاً: "لا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك، ولكن صدقونى أعرف ما أتحدث عنه".

وقد أعد المسئولون الإسرائيليون وثيقة حول تحفظاتهم على الحوار الذى تعتزم واشنطن فتحه مع طهران بشأن برنامجه النووى قدموها إلى هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية عند زيارتها لإسرائيل فى بداية مارس الحالى، وقد تم إعداد هذه الوثيقة فى وزارة الخارجية بالاشتراك مع وزارة الدفاع، وهى توصى الحكومة الإسرائيلية باعتماد موقف إيجابى حيال الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، مع الإشارة إلى المخاطر التى يحملها مثل هذا الحوار. وأوضحت صحيفة "هاآرتس" التى كشفت عن هذه الوثيقة أنه تم إطلاع بنيامين نيتانياهو رئيس الوزراء المكلف على مضمون الوثيقة، والتى تنص على وجوب أن يأتى أى حوار مع إيران بعد "عقوبات صارمة" تفرض على طهران عملاً بقرارات مجلس الأمن الدولى بسبب رفضها تعليق نشاطاتها النووية الحساسة. ويرى المسئولون الإسرائيليون أن هذا الحوار مع إيران يجب أن يكون محدداً زمنياً حتى لا تستغله إيران فى المماطلة وكسب الوقت من أجل إكمال تطوير برنامجها النووى فى شقه العسكرى، وأنه يتعين على طهران أن تدرك أن هذه المفاوضات هى "الفرصة الأخيرة" قبل تفعيل الخيار العسكرى ضدها. كما تدعو الوثيقة الإسرائيلية واشنطن إلى النظر فيما إذا كان من المناسب الدخول فى مثل هذا الحوار قبل الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقررة فى يونيو القادم، أم انتظار ما ستسفر عنه من نتائج أخرى خلاف بقاء أحمدى نجاد فى السلطة.

وفى رد فعل أمريكى على هذه الوثيقة شككت هيلارى كلينتون فى أن تستجيب إيران لمبادرات الحوار الأمريكية عند طرحها، وأن واشنطن ليس لديها "أى أوهام" بشأن إيران التى يشتبه الغرب فى أنها تصنع قنبلة نووية، وأن الولايات المتحدة لن تنخدع بما تقوم به إيران، وستظل عيناها مفتوحتين. وتعتمد واشنطن فى مواجهتها الدبلوماسية القادمة مع طهران على التقرير الأخير الذى ألقاه د. محمد البرادعى مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمام مجلس محافظى الوكالة فى فيينا، والذى شكك فى شفافية ما تقدمه إيران من بيانات ومعلومات عن برنامجها النووى، وحثها مجدداً على "تطبيق كل الإجراءات المطلوبة لبناء الثقة فيما يتعلق بالطبيعة السلمية حصراً لبرنامجها النووى فى أقرب وقت ممكن، وكسر جمود الوضع القائم، وأن تعطى المقاربة الجديدة التى عبرت عنها المجموعة الدولية للحوار مع إيران دفعاً جديداً لجهود حل هذه القضية المستمرة منذ وقت طويل".

المخابرات الأمريكية تتوقع إيران نووية قريباً:

قدم الادميرال دينيس بلير مدير الاستخبارات القومية الأمريكية التى تضم 16 وكالة تجسسية أمريكية على رأسها وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA)، تقريره السنوى حول التهديدات الأمنية القومية الحالية والمتوقعة، والذى دار نقاش حوله فى الكونجرس، وكان ضمن ما عرضه فى تقريره أن انبعاث إيران كقوة إقليمية يساعد على تعميق الانقسامات الطائفية والعرقية والاقتصادية بين دول المنطقة. كما أن كلاً من حزب الله وحركة حماس المدعومين إيرانياً استوليا على عباءة المقاومة ضد إسرائيل من الدول العربية المعتدلة، حيث تريد إيران أن تستولى على القضية الفلسطينية وتوظفها لخدمة أهدافها، وهو ما برز فى معركة غزة بين إسرائيل وحماس، حيث تأكد الدور الإيرانى – السورى فى تحفيز حماس على استفزاز إسرائيل، والتى يثيرها أن إيران بما تحققه من مكاسب سياسية من خلال شراكتها الاستراتيجية مع سوريا، وسيطرتها على كل من حزب الله وحركة حماس، وتوسع نفوذها داخل عدد من الدول العربية والأفريقية وبين منظمات دينية سنية متشددة، يزداد خطرها على إسرائيل، لاسيما مع إصرار حكام طهران على المضى قدماً فى إنتاج سلاح نووى محمول صاروخياً. وفى تقديراً الادميرال بلير أن مع إحكام سيطرة حماس على غزة، وتزايد قوة حزب الله فى لبنان، فإن التقدم لتحقيق اتفاق فلسطينى إسرائيلى سيكون أصعب، لأن مثل هذا الاتفاق تعارضه إيران لأنه لا يتفق مع مصالحها. ومع قرب احتمال تطوير إيران سلاحاً نووياً فإن تصميم إسرائيل على منعها من ذلك يزيد احتمالات المواجهة الإيرانية الإسرائيلية.

وقد اعتبر الادميرال بلير أن استمرار التعاون العسكرى السورى مع إيران، بما فيها العلاقة الثلاثية مع حزب الله الذى تزايدت قوته العسكرية فى السنة الماضية، فإن سوريا بدورها ترى أن صلاتها مع إيران وسيلة ردع لأعدائها، خاصة إسرائيل، ولخلق ضغوط لتحقيق أهدافها بلعب دور رئيسى فى العالم العربى، والحفاظ على نفوذها فى لبنان، واستعادة مرتفعات الجولان. وبالنسبة لسوريا فقد أثبتت إيران أنها الحليف الذى يمكن الاعتماد عليه لربع قرن مضى، كما جمع بينهما دعم حزب الله وحماس والتصدى الإقليمى للولايات المتحدة. ولذلك فإن تطبيع العلاقات بين واشنطن ودمشق، ومساعدة سوريا وإسرائيل على التوصل إلى معاهدة سلام تؤدى إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الجولان، سيترتب عليه إضعاف المحور السورى – الإيرانى، وإبعاد دمشق عن طهران، وبالتالى عن حزب الله، وهو الأمر الذى ينبغى أن تراهن عليه إدارة أوباما، وتضغط على حكومة نيتنياهو الجديدة فى إسرائيل لتحقيقه.

وفى إشارة إلى موقف حزب الله من الولايات المتحدة، أكد بلير أن هذا الموقف يتأثر بالعلاقة الأمريكية مع إيران، وحسابات إيران عن تأثير العنف، ولذلك عبر عن اعتقاده بوجود لعبة ثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أما الوجه الرابع فهو حزب الله، وأن سوريا هى الوجه الخامس فى هذه الحسابات، حيث يوجد دافعان وراء دعم إيران لكل من حزب الله وحركة حماس: الدافع الأول هو السيطرة على مسار المقاومة فى الشرق الأوسط بالتعارض مع مسار السلام الذى تفضله الولايات المتحدة والدول المعتدلة فى المنطقة، ذلك أن إيران تريد ربط نفسها بالقضية العربية ضد إسرائيل رغم أنها فارسية لأن هذا سيزيد قوتها ونفوذها فى المنطقة. أما الدافع الثانى فهو كراهية إيران المبدئية لإسرائيل واستعدادها لتقديم أى شئ لمساعدة من يعادى إسرائيل. وأكد الجنرال بلير أن حزب الله مازال عدواً إرهابياً وقادراً على الهجوم داخل الولايات المتحدة وضد مصالحها فى الخارج، وقد يقرر إذا ما قررت له طهران أن يشن هجمات داخل الولايات المتحدة إذا ما هددت الأخيرة حياة قيادة الحزب أو هاجمت منشآت البنية التحتية لإيران. وقد اتفق الأدميرال بلير مع ما سبق أن ذكره سلفه فى إدارة المخابرات المركزية جورج تينيت من أن حزب الله أكثر قوة وتعقيداً من كل المنظمات الإرهابية الأخرى، وأن قوته زادت بعد حرب لبنان 2006 بعد أن أعادت إيران بناء مخزوناته التسليحية، وتعلم من دروس الحرب الماضية بما يطور قدراته للنزاع المستقبلى، ومن الصعب معرفة ما سيفعله فى المستقبل.

ويرى الأدميرال بلير أن التقويم الذى نشره التقرير الاستخباراتى القومى عام 2007 حول برنامج التسلح النووى الإيرانى مازال صالحاً حتى اليوم، وأن طهران أبقت على خيار تطوير سلاح نووى صاروخى مفتوحاً، وأى توقف جزئى فى الماضى لهذا البرنامج كان تجاوباً مع الضغوط الدولية، وأن مزيجاً من التهديدات بضغوط ورقابة دولية على إيران وتحقيقها لأهدافها الأمنية قد يؤدى بإيران لإيقاف بعض أنشطتها المتعلقة بالسلاح النووى. وأكد بلير لأعضاء الكونجرس أن إيران بكل وضوح تطور كل مكونات برنامج السلاح النووى من مواد مخصبة وصواريخ حاملة لرؤوس نووية. ويعتمد إنتاج السلاح النووى الإيرانى على قرار داخلى إيرانى، وأن الأمر الوحيد الذى يمكنه إيقاف ذلك هو أن يضع المجتمع الدولى رزمة حوافز وعقوبات، والمقصود بالحوافز هو توفير الضمانات الأمنية للنظام الدينى الحاكم فى إيران، وليس هناك صفقة سهلة لأن هناك انقساماً دولياً حول ذلك، كما يتوافر فى المقابل شعوراً إيرانياً أن امتلاكهم للسلاح النووى يؤمن لهم التفوق والنفوذ وتحقيق أحلام الثورة.

لذلك لا يعتقد الأدميرال بلير أن عدم انتخاب أحمدى نجاد لرئاسة ثانية يمكن أن يؤثر على الملف النووى الإيرانى، لأن السياسة النووية الإيرانية غير مرتبطة بتغيير رئيس الجمهورية، ولأن القرارات المتعلقة بالبرنامج النووى الإيرانى تتخذها مجموعة حول المرشد على خامنئى. لذلك لا ينبغى وضع آمال فى تغييرات كبيرة فى سياستهم النووية، أو سياستهم تجاه الولايات المتحدة، حتى إذا وصل إلى الرئاسة شخصية توصف بالاعتدال مثل محمد خاتمى، لأن البرنامج النووى يعتبر بالنسبة لجميع دوائر صنع واتخاذ القرار السياسى والجهات المؤثرة فيه، مسألة أمن قومى لا تفريط فيها ولا مساومة حولها. وحول الموعد المتوقع أن تنتج عنده إيران سلاحها النووى، خاصة أن التوقعات الإسرائيلية فى هذا الشأن أقصر من التوقعات الأمريكية، ذكر بلير أنه مع استمرار إيران فى تخصيب اليورانيوم عبر أجهزة الطرد المركزية بالمعدل الجارى حالياً، فإن إيران بإمكانها أن تحصل على السلاح النووى فى عام 2010 وربما فى عام 2015 كحد أقصى، كما أوضح أن إيران أثبتت قدرتها على إطلاق صواريخ ذات أطوار متعددة، وأن هذه الصواريخ يمكن أن تستخدم مدنياً وعسكرياً، حيث أثبت الإيرانيون أن لديهم علماء أذكياء ومهندسون مهرة، وبالتالى فإن بإمكان إيران إنتاج قوة صاروخية جدية.

 رؤية تحليلية:

رغم اختلاف التقديرات وتضارب تصريحات المسئولين الأمريكيين حول قدرة إيران على صنع صلاح نووى، والتوقيت المتوقع لذلك، أكد رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأدميرال بايك مولن اعتقاده بأن إيران حصلت على ما يكفى من مواد نووية مخصبة بدرجة تكفى لصنع سلاح نووى، بينما أعلن وزير الدفاع الأمريكى روبرت جيتس فى موقف مناقض أن إيران "ليست قريبة من امتلاك مخزون من أسلحة نووية أو حتى سلاح نووى واحد فى هذه المرحلة". رغم هذا الاختلاف فى التقديرات الأمريكية إلا أن السياسة الأمريكية فى التعامل مع الملف النووى ستستمر – على الأقل خلال النصف الأول من العام الحالى 2009 - فى استغلال الوقت لإجراء حوار محدد الأهداف والمدى الزمنى مع الإيرانيين، وبما لا يسمح بتكرار لعبة المفاوضات المفتوحة التى سبق أن مارسوها مع الترويكا الأوروبية، ومجموعة دول 5 + 1 دائمة العضوية فى مجلس الأمن وألمانيا، والتى دارت فى دوائر مفرغة استغلتها إيران فى كسب الوقت لاستكمال برنامجها النووى فى شقه العسكرى. لذلك فإن التحدى الجديد بالنسبة للولايات المتحدة يكمن فى إيجاد توازن بين العقوبات والحوافز، لا سيما وأن الانخفاض الحاد فى أسعار النفط سيزيد من الضغوط على إيران، حيث تزداد التكاليف الاقتصادية للبرنامج النووى وحمايته فى وقت تواجه إيران مشاكل اقتصادية حادة، وستزداد هذه المشاكل تفاقماً مع زيادة حدة الأزمة المالية العالمية.

وسيعتمد المفاوض الأمريكى فى مفاوضاته مع إيران على جملة معطيات مهمة رتبها قبل أن يدخل فى الحوار المباشر مع المفاوض الإيرانى، أبرزها تحييد روسيا وضمان عدم مساندتها للموقف النووى الإيرانى بعد أن أعطى تنازلات فى موضوع الدرع الصاروخى، والتعهد بعدم استمرار نشر عناصره فى بلدان أوروبا الشرقية، وتأجيل انضمام أوكرانيا وجورجيا لحلف الناتو، كذلك سيستند المفاوض الأمريكى على تقرير مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية الذى سيقدمه فى الاجتماع الدورى لفصل الربيع لمجلس حكام الوكالة، وسيكون الملف النووى الإيرانى، وما يفترض أنه موقع نووى سورى فى دير الزور سيتصدران جدول أعماله، حيث أظهر آخر تقرير للوكالة صدر فى 19 فبراير الماضى زيادة كبيرة فى مخزون اليورانيوم منخفض التخصيب الذى أعلنته إيران منذ نوفمبر الماضى ليصل إلى 1010 كيلو جرامات تم الحصول عليها من أنشطة التخصيب الجارية فى منشأة ناتانز، خاصة بعد أن اتهم مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية د. محمد البرادعى إيران فى تقريره الأخير أنها تواصل استمرار عمليات التخصيب وتشغيل مصانع إنتاج الماء الثقيل وفصل البلوتونيوم فى مصنع أراك، كما لم تصدق على البروتوكول الإضافى لاتفاقية الحد من الانتشار النووى، وهو ما يشكل انتهاكا لقرارات مجلس الأمن، ولذلك لا يستطيع أن يؤكد عدم وجود جانب عسكرى سرى فى البرنامج النووى الإيرانى.

 وفى ضوء هذه المعطيات، فمما لا شك فيه أن إيران اجتازت فى السنوات الأخيرة عدداً كبيراً جداً من محطات برنامجها النووى فى طريقها إلى المحطة النهائية، وهى امتلاكها لرأس نووى تركية على صاروخها الباليستى (شهاب). وقد اعترف مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية نجاح إيران فى خداعهم وتضليلهم عن حقيقية أهداف وأبعاد برنامجها النوى. وأوضحوا مؤخراً أنه لا تزال إيران فى حاجة إلى جهد إضافى للحصول على نسبة تناهز 50% من المواد منخفضة التخصيب بهدف معالجة كمية كافية من المواد عالية التخصيب اللازمة لصنع قنبلة نووية، وهو هدف يمكن بلوغه فى وقت لاحق هذا العام 2009، وهذا هو السبب الذى دفع إسرائيل لإعطاء مهلة ستة أشهر لإدارة أوباما لحل مشكلة البرنامج النووى الإيرانى، إما من خلال المفاوضات أو العقوبات، وإلا ستضطر إسرائيل للجوء منفردة إلى الخيار العسكرى لوضع حد لتنامى البرنامج النووى الإيرانى، فإذا ما ردت إيران على الهجوم العسكرى الإسرائيلى ضدها، وذلك بضرب إسرائيل بصواريخ شهاب، سواء برؤوس تقليدية أو كيماوية، وبما يهدد كيان إسرائيل، فإن الولايات المتحدة ستكون فى هذه الحالة مجبرة على التدخل عسكرياً لمساندة إسرائيل بضرب الأهداف النووية والاستراتيجية والعسكرية لإيران.

وفى جميع الأحوال، فإن إيران ما كانت لتقبل بتحدى المجتمع الدولى على هذا النحو، والتعرض لمختلف الضغوط السياسية والاقتصادية الدولية التى تتعرض لها حاليا ووصلت إلى حد الحصار الاقتصادى، ناهيك عن الحصار السياسى والعزلة والدولية، والتهديد بشن عمل عسكرى ضدها، ما كانت لتقبل بكل هذا إذا ما كان برنامجها النووى مخصص فقط لأغراض سلمية كما تدعى، وأن كل ما تستهدفه من وراء تخصيب اليورانيوم هو إنتاج وقود نووى يساند على زيادة مواردها من الطاقة، وهو ادعاء لم ينطل على المجتمع الدولى، خاصة بعد أن أكدت الوكالة الدولية للطاقة النووية عدم استبعاد وجود جانب سرى فى البرنامج النووى الإيرانى لم تكشف عنه طهران، بل إن كل ما تم الكشف عنه من منشآت نووية إيرانية معظمه لم يكن طوعاً من جانب طهران، بل نتيجة معلومات استخباراتية غربية تم الحصول عليها من إيرانيين معارضين لنظام حكم الملالى، ثم ثبت صحتها واضطرت إيران للكشف عنها مثل منشأة ناتانز لتخصيب اليوانيوم، وامتلاك إيران لتقنية صنع رأس نووى لصاروخ باليستى، وهو ما يؤكد وجود جانب عسكرى من البرنامج النووى يشكل أهمية خاصة لإيران.

وعلى أية حال، وسواء امتلكت إيران اليوم أو غداً أو فى المستقبل القريب كمية من اليورانيوم المخصب تكفى لصنع سلاح نووى أو أكثر، أو حتى تمكنت فعلاً من صنع السلاح النووى أو لم تصنعه بعد، فإن ما يقلق المجتمع الدولى هو امتلاك إيران للمعرفة النووية التى تمكنها من صنع سلاح نووى، وهذه المعرفة موجودة فى عقول العلماء والمهندسين الإيرانيين، والذين بإمكانهم إنتاج سلاح نووى عندما تصدر لهم الأوامر بذلك من القيادة السياسية الإيرانية، هذا إن كانوا لم ينتجوه فعلاً طبقاً لما أفادت به بعض التقارير الاستخباراتية. لذلك فإن الأكثر احتمالاً أن القيادة الإيرانية قررت أن تتبع استراتيجية الردع النووى كما تتبعها إسرائيل، أو استراتيجية "القنبلة فى القبو" بمعنى أن إيران تملك التقنية التى تمكنها من صنع السلاح النوى فور اتخاذ قرار بذلك، أو أن أجزاء القنبلة النووية موجودة وجاهزة للتجميع إذا ما تقرر ذلك. ولكنها تتجنب فى الوقت الحالى الإعلان عن ذلك حتى لا يترتب على ذلك المزيد من إثارة الرأى العام الدولى ضدها، وإن كانت فعالية الردع النووى الإيرانى حتى الآن – وبدون استكمال إنتاج السلاح النووى – قد أتت ثمارها فى زيادة النفوذ الإيرانى فى المنطقة، وامتداد أذرع إيران الخارجية – بمد حزب الله وحماس وأحزاب الله الخليجية - إلى دول المنطقة فى المشرق العربى ومنطقة الخليج، بل وتخويفهم وإرهابهم من أن يصل المد الإيرانى إلى أراضيهم.

ولكن هل من خط أحمر يمكن أن تتردد إيران فى اجتيازه؟ وهو خط أحمر كبير يمكن أن يشعل حرباً؟ إن هذا الخط يتمثل فى إعلان إيران تحررها أو تنصلها فعلياً من اتفاقية الحد من الانتشار النووى التى سبق أن وقعت عليها، وهو الأمر الذى يؤثر تلقائياً إلى توقف أعمال مفتش الوكالة الدولية للطاقة، وبالتالى يمهد الطريق أمام استكمال برنامج صنع الأسلحة النووية - كما فعلت كوريا الشمالية والهند وباكستان من قبل لكونهم لم يوقعوا على هذه الاتفاقية- إن ما حققته إيران الآن- طبقاً لما قاله المفتش السابق ديفيد أولبرايت المسئول فى معهد العلم والأمن الدولى - هو "قدرة تحرر". وربما يكون ذلك هو كل ما تريده إيران، بمعنى اكتساب مهارة كافية فى مجال التخصيب لإبقاء العالم فى حالة تخمين بشأن دفاعاتها النووية من دون إثارة رد شامل، وهو الرأى الذى يميل إليه محمد البرادعى مدير الوكالة الدولية. فلقد قلصت إيران أصلاً حجم تعاونها مع الوكالة الدولية، الأمر الذى زاد جداً من صعوبة قيام المفتشين باكتشاف أى منشآت سرية، ولذلك فإن عليها أن تقيم الدليل على أنها كانت تدير فى الماضى برنامجاً سرياً مصمماً خصيصاً لصنع أسلحة نووية. فلقد توصل تقدير الاستخبارات الأمريكية القومية فعلاً فى عام 2007 إلى أن إيران أوقفت ذلك البرنامج عام 2003، ولكن لا يوجد ضمانات بأنها لم تعاود إطلاقه.

إن ما ينبغى على فريق أوباما والأوروبيين أن يضعوا سياسة مفصلة للتعامل مع إيران عند التفاوض حول الملف النووى، والتى بالقطع ستفتح ملفات أخرى إقليمية لا تقل عنه أهمية، وسيكون التشديد المرجح على الحوار هو وضع حد زمنى للانتهاء منه، وبأن تمنع إيران من ممارسة لعبة "القط والفار"، وجعل التفاوض من أجل التفاوض واستمراره فقط بهدف كسب الوقت، وذلك بأن تجيب على سؤال محدد هو: هل ستمتنع عن إيقاف تخصيب اليورانيوم أم لا؟ وهل لديها الاستعداد لتفتح جميع منشآتها النووية أمام مفتش الوكالة وتجيب على أسئلتهم دون تحفظ أو قيود أم لا؟ إن فشل إيران فى إعطاء ردود إيجابية على هذه الأسئلة تقضى نهائياً على القلق الذى يسود المجتمع الدولى من جراء تطور برنامجها النووى سيؤدى إلى فرض مزيد من العقوبات عليها- خاصة إمدادات البترول المكررة، حيث تستورد الجازولين الذى تعتمد عليه الطبقات الفقيرة فى إيران كمصدر للطاقة، رغم كون إيران من كبار البلاد المنتجة للنفط، حيث تهمل إيران تطوير قطاعات أكثر حيوية وأهمية فى الصناعة النفطية التى تعانى من نقص قطع الغيار، وصارت المصافى البترولية بالية، وهى التى يفترض أن تحظى بالأولوية لأهميتها للمواطن الإيرانى، والذى يعانى من شح البنزين ونقص الوقود للتدفئة. فالآلاف من الإيرانيين الذين عانوا من الصقيع فى شمال البلاد، انتفضوا ضد الحكومة وساروا فى مظاهرات عنف، احتجاجاً على نقص وقود التدفئة، ومشكلة إيران الرئيسية هى نقص الوقود. هذا فى حين تنفق السلطات الإيرانية مئات الملايين من الدولارات على تطوير القدرة الإيرانية النووية، وهو ما يناقض الحاجة إلى تطوير القدرات النفطية التى تتطلب خمس ما ينفق على البرنامج النووى، والتى يمكن أن تدر على الخزينة الإيرانية مليارات الدولارات. لذلك فإن مشكلة النظام الإيرانى تتمثل بوضوح وصراحة فى حرصه على تحقيق تفوق عسكرى تقليدى وفوق تقليدى على دول المنطقة وبما يشكل تحدياً للقوة العسكرية الأمريكية الموجودة فى منطقة الخليج، وليست التنمية الاقتصادية والاجتماعية من أولويات ولا اهتمامات هذا النظام. كما أن النظام الإيرانى فى سباق بين شهوته لتوسيع نفوذه الإقليمى، وبين تذمر مواطنيه من أوضاعهم الداخلية التى تزداد سوءاً، وتلك الحال تشابه – إلى حد كبير- حال كوريا الشمالية التى تبدد مقدراتها لبناء سلاح نووى حتى تفشت فيها المجاعة.

وفى مواجهة السياسة الجديدة التى ستنتهجها إدارة أوباما تجاه إيران، ستحاول الأخيرة اختبار قدرة وإرادة أوباما على ذلك على صعيدين:

الأول: زيادة التدخل العسكرى الإيرانى غير المباشر فى أفغانستان والعراق وتسليح حزب الله، وهو ما انعكس فى تزويد إيران حركة طالبان بصواريخ أرض/ جو (سام -14) التى تحمل على الكتف لشن هجمات ضد مروحيات ومقاتلات طائرات التحالف فى إقليم هلمند الذى يسيطر عليه المتمردون، وقد نجح هذا الصاروخ فى إسقاط مروحية بريطانية (لينكس) فى البصرة فى مايو 2006 ومقتل 5 بريطانيين بينهم ضابطان. وكانت القوات الخاصة البريطانية قد اعترضت شحنات أسلحة من إيران متجهة إلى طالبان تحوى عبوات متفجرة من النوع الذى يزرع على الطرقات وأودت بحياة 40 جندياً بريطانياً خلال الأشهر الـ 18 الماضية. أما فى العراق فستسعى إيران إلى شغل الفراغ الناتج عن انسحاب القوات الأمريكية من هناك، خاصة فى مدن جنوب العراق بواسطة الآلاف من الحرس الثورى الإيرانى الذين يزحفون إلى هذه المدن تحت أغطية مدنية، وباعتبارهم لاجئين عراقيين سابقين كانوا فى إيران ويرغبون فى العودة إلى بلدهم، هذا إلى جانب تكثيف أنشطة الاستخبارات الإيرانية وفيلق القدس العاملة فى العراق باسم مؤسسات وشركات دينية واقتصادية وثقافية، ومن خلال هذه الأنشطة تعزز نفوذها السياسى فى العراق لفرض الإرادة الإيرانية على حكومة العراق بالقوة عند اللزوم، وبما يتفق مع المصالح والأهداف الإيرانية بوضع العراق تحت الهيمنة الإيرانية.

أما الصعيد الثانى الذى ستعمل عليه إيران، فهو تجاه روسيا بمحاولة إفساد تعاونها السياسى والاستراتيجى الجديد مع الولايات المتحدة فى ظل إدارة أوباما، وذلك من خلال إغراء موسكو على عقد صفقات لبناء المزيد من محطات الطاقة النووية فى جميع أنحاء البلاد على نمط محطة بوشهر ذات 1000 ميجاوات، بدءاً ببناء محطة "دار خزين" لتوليد الطاقة النووية بقدرة 360 ميجاوات فى جنوب إيران، هذا إلى جانب تعزيز مجالات التعاون العسكرى بين البلدين. وإذا كانت موسكو قد تعهدت لواشنطن بعدم تنفيذ صفقة صواريخ الدفاع الجوى S -300، إلا أنها قد تزودها بأنظمة أخرى مماثلة، وإن كان أقل من S -300 فعالية مثل النظام الأحدث للمدى المتوسط (بوك) الذى عرضته موسكو أخيراً فى معرض (ايدكس) فى أبو ظبى. أما فى مجال صناعة النفط، فقد اقترحت إيران على روسيا الاستثمار فى 17 حقل نفط وغاز من خلال شركة (جاز بروم) الروسية للغاز، وذلك فى حقلى (آذر) و(جنكولة)، حيث تملك شركة (لوك أويل) الروسية حالياً 10% من أسهم الحقلين، هذا إلى جانب المشاركة فى عمليات التنقيب فى المياه العميقة فى بحر قزيون. ومن المتوقع أن تستجيب إيران للعرض الروسى بإن تتولى روسيا بيع قسم من النفط الإيرانى فى سوق بورصة سان بطرسبرج.

وكما أنه لا يتوقع حدوث تغيير فى السياسة النووية الإيرانية نتيجة انتخابات الرئاسة القادمة- سواء أسفرت عن فوز محمد خاتمى أو بقاء نجاد فى منصبه، فإنه ليس من المتوقع أن تختلف المفاوضات القادمة بين الولايات المتحدة وإيران فى مسارها ونتائجها عن المفاوضات العديدة السابقة، والتى جرت منذ عام 2003 وتولى الثلاثى الأوروبى (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) المفاوضة فيها مع إيران، وانتهت إلى اتفاقيتين انتهكتهما إيران، وأيضاً المفاوضات التى تولتها مجموعة الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن وألمانيا (5+1) وشاركت فيها الولايات المتحدة، ولم تؤد أيضاً إلى نتائج مثمرة. كما رفض الإيرانيون أيضاً الاقتراح الروسى بجعل عمليات التخصيب على أراضيهم. والدليل على عدم قوع تغيير فى نتائج المفاوضات القادمة أن فى يونيو الماضى (2008) عندما اجتمع فى جنيف سعيد خليل المفاوض الإيرانى مع مندوبى الدول الخمس الكبرى ومعهم خافيير سولانا، رفض المندوب الإيرانى مناقشة معايير المفاوضات القادمة، وأصر على أن تكون المفاوضات مفتوحة على كل الملفات وبلا زمن محدد. والهدف من وراء ذلك معروف جيداً للمفاوضين الغربيين، وهو أن الوقت الذى ينقضى هو فى حقيقة الأمر وقت يكسبه البرنامج النووى الإيرانى، كما يحرص الإيرانيون أيضاً على بقاء الغموض يحيط بالعقيدة النووية الإيرانية، ذلك أن مثل هذه العقيدة- خاصة إذا كان هدفها هو الردع- تفترض إقرار الأطراف بعضهم ببعض، وتعرفيهم بإمكاناتهم وشروط استخدام السلاح النووى والخطوط الحمراء لذلك، كما هو الوضع القائم حالياً بين الدول النووية الكبرى، وإلا لا معنى للردع. ولكن هذا ما لا تريده إيران لأنه يفرض عليها قيوداً شديدة من قبل المجتمع الدولى تحرمها من تحقيق أهدافها فى بسط الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وقد عبر عن هذه الحقيقة أحمدى نجاد فى حديثه مع كوفى أنان عند جولته الأخيرة الوداعية، حينها قال له نجاد أنه "يتوقع أن تتولى إيران بلورة نظام عالمى جديد وعادل محل النظام الظالم الذى ولدته الحرب العالمية الثانية، وهذا القول تأخذه إسرائيل على محمل الجد وتعتبره موجه بالدرجة الأولى ضدها، ولا يهدد فقط أمنها بل وجودها فى الأساس، لذلك فمن المتوقع أن تقود إسرائيل تنفيذ الخيار العسكرى ضد إيران إذا ما فشلت المفاوضات المباشرة القادمة بين الولايات المتحدة وإيران، وستعطى إسرائيل- كما ذكرنا آنفاً- فرصة زمنية لإدارة أوباما لحسم هذه المفاوضات، وتفعيل العقوبات حتى خريف 2009، وبعد ذلك ستعتبر إسرائيل أن من حقها شن ضربة وقائية تدمر خلالها المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، وهى فى ذلك مستعدة لرد فعل صاروخى من جانب إيران يذهب ضحيته نحو 2000-3000 فرد، ولكنها فى هذه الحالة سترد نووياً على إيران بقصف أهدافها الاستراتيجية ومدنها الهامة بصواريخ كروز النووية من غواصاتها الثلاث طراز دولفين المسلحة بهذه الصواريخ، وستكون مواقع انتشارها فى خليج عمان، فإذا ما وصل السيناريو إلى هذا المستوى من التصعيد، فمما لا شك فيه أن الولايات المتحدة سيكون لها نصيب وافر من المشاركة فيه بحكم ضمانها لأمن إسرائيل. ومن المؤكد فى هذه الحالة أن لا تجد إيران فى المجتمع الدولى أى دولة لديها استعداد لمساندتها عسكرياً، بل ستجد نفسها معزولة تماماً تواجه مصيرها وحدها. فلا أى من حلفاء إيران التقليديين اليوم- سوريا وحزب الله وحماس- سيكون لديه استعداد للدخول فى مواجهة عسكرية مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة من أجل خاطر إيران، وبما يعرض كياناتهم للخطر، أما على الصعيد الدولى، فلن تخاطر أى من روسيا والصين بعلاقتها مع الإدارة الأمريكية الجديدة فى عهد أوباما، بعد أن أعيد بناؤها على أسس ومفاهيم جديدة.