يوم النيل..ومبادرة حوض النيل ايمن السيد عبد الوهاب
| ||||||||
|
يمثل الاحتفال السنوى بيوم النيل فى 22 فبراير من كل عام، مناسبة لتأكيد العديد من المعانى والافكار المرتبطة بالتعاون بين دول حوض النيل. ولكن يظل احتفال هذا العام مناسبة تتجاوز معها الطابع التقليدى للاحتفالات. فتحت شعار التعاون من أجل حياتنا ومستقبلنا، تخطو مبادرة دول حوض النيل عامها العاشر، وسط لغة سياسية اكثر حرصا على انجاح المبادرة واستمرار اطارها التعاونى ، وميل نحو تقييم الانشطة التي تخطت استثماراتها حتي الآن 300 مليون دولار علي مستوي برامج الرؤية المشتركة بمشروعاتها الثمانية وكذلك برنامج مشروعات الأحواض الفرعية الشرقي والجنوبي. والجدير بالذكر هنا أن المبادرة التى اعلنت عام 1999، تضم المبادرة 25 مشروعاً للاستفادة من الروافد المائية والتي تزيد علي 1660 مليار متر مكعب سنوياً. لذا تبدو حالة الاهتمام المتزايدة بالسياسات المائية، ومحاولة بلورة موقف تجاه قضايا المياه والتنمية في منطقة حوض نهر النيل، محل تساؤل رئيسي حول إمكانية أن تشكل قضية المياه مدخلا لتجاوز الخلافات الثنائية من جانب، وإطارا لتدعيم سبل التعاون الجماعي من جانب آخر. فمع ما تمثله المياه من عامل ترجيح للعديد من المشروعات التنموية في دول الحوض ، تبدو صورة التفاعلات في جوانبها السلبية أكثر بروزا وتحديدا من جملة التفاصيل التي تحمل بين جوانبها الكثير من التطورات والمستجدات الايجابية. من هنا، قد لا يشكل التساؤل السابق عن موقع مياه النيل طرحا جديدا أو محاولة للتوصل إلى نتيجة حاسمة، بقدر ما يسعى إلى رصد التفاعلات والمستجدات الجديدة الخاصة بالتعاون المائي بين دول حوض نهر النيل العشرة، والوقوف على ابرز المستجدات التي طرحتها مبادرة دول حوض النيل ، وحدود إمكانية أن تشكل المبادرة مدخلا للتعاون الاقليمى. اهداف المبادرة فعلى مستوى المبادرة، تشير جملة الأهداف المعلنة سواء تلك المرتبطة بالأجل القصير أو الأجل الطويل إلى استناد المبادرة إلى أكثر من صيغة وسيطة للتعاون، فعلى المدى القصير تم الإعلان عن التالى: - إعداد إطار التعاون المقبول من جانب كافة دول الحوض. - زيادة مستوى التعاون على مستوى الحوض في الإدارة المتكاملة للمصادر المائية. أما بالنسبة لأهداف الأجل الطويل، فيتم تحديدها في التالى: - تحديد أنصبة كل دولة من دول الحوض لاستخدام مياه النيل. - تحسين أساليب استخدام مياه النيل لتحقيق الفائدة الاقتصادية والاجتماعية لكافة شعوب الحوض. كذلك تم الاتفاق على مجموعة من المبادئ العامة منها: أن المياه حق لكل دول حوض النيل، وأن لا يقوم أى مشروع على الإضرار بمصالح الدول الأخرى، وأن تكون الاستفادة من أى مشروع من نصيب دولتين على الأقل من دول الحوض بمعنى أن الاستفادة يجب ألا تقتصر على دولة واحدة. وإذا ما أضفنا مجموعة التطورات الايجابية التي شهدتها العلاقات التعاونية بين دول حوض النيل - وإن كانت في الإطار الأوسع المتجاوز لإقليم حوض النيل - لأتضح لنا حدود النقلة النوعية التي عبرت عنها المبادرة، فعلى سبيل المثال، هناك منظمة الكوميسا التي تضم جميع دول الحوض ضمن أعضائها من شرق وجنوب القارة الأفريقية، وهناك أيضا اتجاه متزايد يستبعد فكرة الصراع حول مورد المياه على أساس أن سوء توزيع المياه، وليس الندرة، هى التحدى الذي يستوجب مواجهته. كما أن توافر الإرادة الجماعية لدول الحوض العشرة ورغبتها في تفعيل مبادرة دول حوض النيل تعد بمثابة عامل توازن لمعادلة التفاوض حول تنظيم التعاون المائى، ومدخل لمعادلة التكامل بين تحقيق التنمية وتعزيز فرص الأمن والاستقرار، لاسيما مع ما أظهره الخلاف حول حصص المياه وتفسير مفهوم الأمن المائى من تباين وفجوة في الرؤى بين دول الحوض . جولات التفاوض أما على مستوى جولات التفاوض التي شكل الجانب الفنى فيها الحيز الأكبر من المحادثات والنقاشات، فقد اكتسبت مساحات جديدة من الأفكار والمشروعات المستندة على تغليب الاعتبارات الاقتصادية والتنموية المحددة لقيمة قطرة المياه، ومن هذه الأفكار: - طرح منهاج تفاوضى يقوم على تحقيق توازن المصالح وعدم الإضرار بالغير. - تحديد علاقة مياه النهر بالبعد التنموي في كل دولة من دول الحوض، وذلك من خلال رفع مستوى التعاون الفتى المشترك وتنويع أطره لمواجهة قضية الندرة وسوء توزيع المياه. - رفع كفاءة استخدامات الموارد المائية - الحفاظ على نوعية المياه من التلوث - الحد من عمليات تسييس ملف المياه بقدر اكبر مما كان في الماضي. - التعاون مع المؤسسات الدولية كطرف استشاري وداعم للتعاون الجماعى . كما أظهرت المفاوضات متطلبات بلورة رؤية جماعية مشتركة للعديد من الإشكاليات والقيود التي أفرزتها تجارب التعاون الجماعى السابقة، وضرورة تحديد مجموعة من المحددات الرئيسية التي تمثل إطارا عاما حاكما لتطبيق المبادرة ، ويأتى في مقدمة تلك المحددات القضايا التالية: - عزل الخلافات السياسية حول العديد من القضايا الصراعية التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي والبحيرات العظمى عن ملف المياه.وزيادة الحرص على تحقيق الاستقرار لإتاحة الفرصة للتعاون، حتى تتوافر الفرص لتنفيذ مشروعات التعاون المشتركة . - التأكيد المصري على أهمية تجاوز تأثيرات الإدراك السلبي لغالبية دول الحوض لموضوع حصص المياه، وذلك من خلال تحرك متعدد الأبعاد، الأول : التأكيد على احتياجات مصر من المياه وزيادة حصتها من مشروعات التعاون بنحو 11مليار متر مكعب( بعد ان اقترب نصيب الفرد من حد الفقر المائى الشديد نصيب الفرد الحالى 726مترمكعب). الثانى : دعم خطوات وسياسة تبادل الخبرات والكوادر المصرية مع دول الحوض والمساهمة في إنشاء مراكز لبحوث المياه في العدد من دول الحوض . الثالث: دعم مشاركة المجتمع المدني في حوض النيل من خلال إنشاء منتديات وطنية داخل كل دولة من الدول العشر تضم في عضويتها النشطاء والمهتمين من المجتمع المدني على مستوى كل دولة، مثل: المنتدى الدولي لحوض النيل، والذي يعد شبكة قوية من منظمات المجتمع ، ومنتدى اتحاد نقابات عمال دول حوض النيل.الرابع دعم مصر لمشروعات التنمية المشتركة من خلال دفع فكرة إنشاء صندوق تمويل للمشروعات والمقرر إلحاقه بالبنك الأفريقى. والعمل على إنشاء تجمع لرجال الأعمال المصريين والأفارقة والأجانب لتنشيط التنمية. - دعم الإطار المؤسسى لمبادرة الحوض من خلال منحة دولية بنحو 32 مليون دولار ، كما تم الاتفاق على مد المرحلة الانتقالية للمبادرة ( التي انتهت عام 2007) لمدة ثلاث سنوات قادمة، مع مناقشة فكرة استبدال المبادرة بمفوضية عامة لحوض النيل تتولى الإشراف على المشروعات المشتركة التي تم إقرارها وتمولها الهيئات الدولية المانحة. وتجدر الإشارة هنا، أن رصد البنك الدولى رصد 700 مليون دولار لإقامة مشروعات مشتركة شريطة أن يستفيد من المشروعات دولتين او أكثر. - الحفاظ على آلية التفاوض على مدى نحو عشر سنوات، رغم تأثرها ـ إلى حدا ما ـ بتشابكات وتداخلات العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية وكذلك المورث التاريخي وما يحمله من حساسيات وتباينات في الرؤى والسياسات والأهداف المتعلقة بملف التعاون المائي. ولكن في المقابل، تبدو متطلبات توافر الإرادة السياسية لقادة دول الحوض غير متحققة. فالإعلان المتكرر عن قرب توقيع اتفاقية قانونية ومؤسسية تنظم التعاون المائي يعد أن وصلت عملية التفاوض في شقها الفني إلى النهاية، يشير بدوره إلى أن عملية التفاوض التي فرضتها مبادرة دول حوض النيل بنجاح، ما تزال تصطدم بثلاثية من القيود ذات الطابع السياسي. فمع استثناء عدم الاتفاق على مفهوم الأمن المائي، يبقى الخلاف حول الإخطار المسبق عن المشروعات المقترحة، والخلاف حول حصص مياه النيل، من نوعية القضايا الممتدة والتى ارتبطت بمسار عمليات الشد والجذب التي فرضت نفسها على قضية التعاون المائي الجماعي . المياه اداة التعاون وهو ما يقودنا ، للانتقال بالتساؤل السابق عن موقع المياه في دعم التعاون بين دول حوض النيل، إلى التساؤل عن إمكانية تحقيق هدف اكبر وأعمق مفاده إمكانية ربط المجتمعات في دول الحوض بأنساق من المصالح القادرة على تقليص قدرة القيادات السياسية ورغباتها في هذه الدول في انتهاج سياسات متعارضة مع تلك المصالح؟. والإجابة على هذا التساؤل، ترتبط بالقدرة على تفعيل مجموعة من الآليات المتكاملة المستندة لقاعدة الحق في التنمية وعدم الإضرار، وانتهاج مجموعة من التحركات المطلوبة لتجاوز الدوران في حلقة مفرغة من المفاوضات: المستوى الأول ، يتعلق بعدم الاكتفاء بالأداء الفنى الراقى الذي تقوم به وزارة الموارد المائية المصرية مع نظيراتها من دول حوض النيل لدفع آليات التعاون المائى، والدخول في مفاوضات سياسية تراعى المصالح المشتركة وعدم الإضرار وتعدد قنوات وسبل التعاون الجماعى. المستوى الثانى، يستند إلى البعد التنموى الذي تتبناه العديد من دول الحوض وعلاقته بالاستخدام الامثل للموارد المائية الموجودة ، وتحديد الشروط التي يجب إتباعها ليكون هذا الاستخدام متجاوزا للتقلبات غير المتوقعة، مع الأخذ في الاعتبار دراسة المطالب المتعلقة بتغيير نمط الرى وتحويله من رى مطرى إلى رى دائم لاسيما بالنسبة لاثيوبيا والسودان وكينيا من جانب، والرغبة في التوسع الزراعى حول ضفاف النيل والاعتماد على مياه النهر دون غيره من بدلائل متاحة من جانب آخر. المستوى الثالث، يعتمد على إشراك المنظمات الشعبية في شبكة من التفاعلات البينية على مستوى المجتمعات في دول الحوض، ورغم المؤشرات الايجابية التي يشهدها هذا المستوى إلا أنها ما تزال محدود التأثير والعدد، وان كانت مبادرة دول حوض النيل قد لمست وأكدت على هذا المستوى من التفاعل، فإن مقتضيات تغيير الصورة الذهنية المتبادلة والإدراك الحقيقى لمتطلبات التعاون الجماعى، وتصحيح بعض المقولات والبيانات والمعلومات الخاطئة، الأمر الذي يساهم في تفهم المجتمع الأفريقي للمواقف المصرية من بعض القضايا الخلافية مع حكوماتها. ومن ثم يكون له تأثير إيجابي على السياسات الرسمية. تشير هذه المعطيات إلى نتيجة رئيسية مفادها أن استمرار آلية التفاوض ومحاولة التوصل إلى اتفاقية مؤسسية وقانونية تنظم التعاون المائى تمثل أحد الدروس التي تم تعلمها من خبرة التعاون الماضية. كما أن التوصل لمثل هذه الاتفاقية ـ في حال تحققها ـ يعبر عن تطور نوعى في مستوى التعاون الجماعى لدول الحوض ومستقبله. * نائب رئيس تحرير التقرير الاستراتيجى العربى- خبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
|
||||||||
|
علق على المقال نسخة الطباعة | ||||||||
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037 فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023 |