![]() اهل النوبة ووادي كركر: جهود التوطين ورد الاعتبار عادل عبد الصادق*
| ||||||||
|
تجدد الأمل لدى الآلاف من النوبيين الذين يتطلعون إلي إعادة توطينهم في النوبة القديمة حول بحيرة السد العالي، و ذلك بعد ان تم في 19 مارس 2009 وضع حجر الاساس لإنشاء المساكن الجديدة للنوبيين بمنطقة وادي كركر(مبارك).في اطار مشروع انشاء مدينة النوبة الجديدة على مساحة 6500 فدان في الظهير الصحراوي للوادي . ويأتي هذا انطلاقا من صدور توجيه من رئاسة الجمهورية في 12-10-2007 بأولوية أبناء النوبة فى تملك الاراضى الكائنة خلف السد بالاضافة الى توجيه الرئيس حسني مبارك لإعطاء الأولوية لأبناء النوبة في توزيع الأراضي حول مفيض توشكي بما يتماشي مع المصلحة القومية، وجاء هذا إلى جانب تعويض أهل النوبة وإقامة نحو 5221 مسكنا جديدا لهم بجانب تخصيص 10 آلاف فدان بمنطقة كركر على ضفاف بحيرة ناصر تم إختيارها بناء على رغبة أهالي النوبة من المستحقين للتعويضات. الانتقال الى نصر النوبة تحملت منطقة النوبة عبء التنمية ممثلة فى بناء السد العالى، حيث تضرر ابناء النوبة بضرورة الارتحال من مكانهم الاصلى إلى مكان آخر اكثر أمنا. وفى أثناء بناء السد العالي بأسوان رحّلت الحكومة المصرية أربعة وأربعين قرية من قرى النوبة القديمة لقرى جديدة شمال مدينة أسوان في عامي 1963-1964. وعلى تل مرتفع عن شاطئ النيل بنحو ١٠ أمتار، تم تسكين أهل سكان النوبة فى منطقة "غرب سهيل" التى تقع على بعد كيلومترات قليلة، يمين خزان أسوان، حيث قامت الحكومة المصرية بإنشاء 44 قرية كتعويضات لأهالي النوبة بمركز نصر النوبة. ولكن تبقى نحو 5 آلاف حالة لم يتم تعويضهم نظرا لعدم تواجدهم بمحافظة أسوان أثناء عمليات تهجير النوبة. إذ تم تهجير 17699 اسرة وامتد ذلك بطول 350 كيلو من قرية دابور في الشمال حتى قرية ادندان في الجنوب. ومعروف أنه تمت عملية التهجير الأولي في عام1902 ببناء خزان أسوان حيث اغرق ارتفاع منسوب المياه 10 قرى نوبية، ثم فى التعلية الأولي للخزان عام1913 التي أاغرقت 6 قرى، ثم عشر قرى أخرى عند التعلية الثانية للخزان عام1933. وجاءت الهجرة الأخيرة عام1964 بعد البدء في مشروع بناء السد، حيث تم تهجير اهل النوبة الى خلف السد من أجل زيادة الرقعة الزراعية، وتحويل الري من الحياض لرى دائم وزيادة موارد الطاقة الكهربائية وإقامة المشروعات. وتمت عمليات الحصر لأهل النوبه في 1960 الذين تم تصنيفهم ما بين مقيم ومغترب، وتم نقل 45 قرية بنفس اسمائها القديمة وامدادها بالبنية التحتية، وفي 1963 تم نقل قرى النوبة الى شمال مدينة اسوان على بعد 30 كم حيث أنشئ مركز نصر النوبة على الطريق الزراعي القاهرة –اسوان وتمت مراعات تصميم المباني على نفس النسق القديم، وتم تسكين 17 ألف مقيم بجانب انشاء 3882 مسكنا للمغتربين. التوطين مطلب نوبي لقد بقيت قضية اعادة توطين النوبة معلقة إما بسبب انشغال الدولة المصرية بالقضايا الاخرى الاكثر الحاحا، أو بسبب ان مغتربي النوبة استقروا في الشمال وخاصة في مدينة القاهرة كجزء من اجتذاب العاصمة لهجرات مختلفة في اطار بروز قضية العشوائيات في القاهرة . وعلى الرغم من أبعاد قضية النوبة التنموية إلا أن تلك القضية أصبح يتم استغلالها سياسيا والإدعاء باضطهاد النوبة أو تعرضهم الى تصفية عرقية، وامتدت تلك المبالغات الى المطالبة بدولة نوبية جنوب مصر وشمال السودان، وعكفت بعض الاصوات الخارجية على محاولة سلخ المجتمع النوبي من الانتماء الى المجتمع المصري وخلق ثقافة مغايرة، وتمت محاولات الزج بالنوبة ضمن ملف الاقليات داخل مصر وأصبح هناك محاولات للربط بين الاقباط والنوبة كاقليات. وجاءت تلك المحاولات في جانب منها في إطار محاولة الضغط على الحكومة للحصول على مزيد من الاهتمام لحل مشاكل النوبة، ولكن بعض تلك الضغوط كانت في أحيان كثيرة فوق قدرة الدولة المصرية. ولكن جاءت مرحلة اخرى من الاهتمام بعد الانتهاء من البنية الأساسية ومشروعاتها وتوجه الدولة نحو الخصخصة وتشجيع الاستثمار الاجنبي، والاهتمام بجنوب مصر بصفة عامة لمواجهة زيادة معدلات الفقر بة ،والذي ظهر بتدشين مشروع توشكى من أجل الدفع باقامة مركز حضاري ضخم في جنوب مصر والعمل على بناء قاعدة صناعية فى جنوب مصر لاسيما فى محافظات الصعيد، بهدف جعل المنطقة جاذبة اقتصاديا وحضاريا، ولفت ذلك نظر اهل النوبة الى ذلك الاهتمام الجديد باعين المراقب والترقب لأهتمام مقابل للدولة ،و ولّد لدى النوبيين الرغبة أيضا في أن يكون لهم الأولوية في الحصول على الأراضي وخاصة حول السد التي كانت موطنهم قبل البناء والتهجير. وقد تجاوبت الدولة المصرية مع تلك الرغبة بإعلان الرئيس مبارك أن هناك أولوية لأهالي النوبة في الحصول على الاراضي. ومثل ذلك بارقة أمل في انهاء التجاهل، والإهمال، وعدم تقدير تضحياتهم. وتركزت مطالب النوبة في ثلاث نقاط رئيسيه: أولها: إنهاء معاناة التهجير وصرف تعويضات تناسب تلك المعاناة ، والاقرار بحقهم فى العودة إلى المناطق الاقرب إلى قرارهم الاصلية. ثانيها: عدم تجاهل الحضارة النوبية القديمة ونشر تراثها وثقافتها والتفرقة بينها وبين الاثار الفرعونية. ثالثها: الاهتمام بالعملية التعليمية فى مناطق اهل النوبة وفتح المزيد من المدارس الثانوية العامة فيها ، وتيسير سبل التعليم الجامعة امام ابنائهم. فضلا عن تصحيح الصور السائدة فى الاعلام عن اهالى النوبة. كركر و حلم العودة بدأت الدولة فى تنفيذ سياساتها لاعادة توطين أهالي النوبة في عام 2005 ، فقد تم افتتاح قرية بشاير الخير حيث تم توطين 100 اسرة ووزعت عليهم 100 مسكن و500 فدان لاستصلاحها بواقع 5 افدنة لكل اسرة . وفي 25 مارس 2007 افتتح الرئيس مبارك قرية كلابشة الجديدة لتوطين 150 اسرة وزعت عليها 150 مسكنا و 750 فدانا لاستصلاحها بواقع 5 افدنة لكل اسرة . وفي نهاية عام 2007 تم افتتاح قريتى توماس وعافية لتوطين 100 اسرة وزعت عليهم 500 فدانا بواقع خمسة افدنة لكل اسرة و100 منزل ، وبذلك يصل اجمالي ما تم استصلاحة 1750 فدان في القرى الثلاثة، التى اعتبرت بمثابة البداية لمشروع ضخم لانشاء مجتمع عمراني جديد على ضفاف بحيرة ناصر، من المقرر أن يصل الى 10 قرى حتى عام 2011 لتوطين 4600 اسرة وبما يساهم في استصلاح ما مساحته 25 الف فدان كزراعات مستقرة. وقد اختار الاهالى منطقة وادي كركر، هذا بالاضافة الى ان هناك تخصيصا للنوبيين بصورة مرحلية في مناطق العلاقي وأبو سمبل و قسطل و أدندان، وهناك مرحلة تالية ستاتي عقب تخصيص الاراضي و البيوت بجوار ضفاف البحيرة . ولا يبعد وادي كركر اكثر من 18 كيلو متر فقط عن اسوان، وتم اخذ موافقات اهالي قري دابود ودهميت و امباركاب قبل الذهاب اليها حيث سيتم بناء اكثر من 1200 منزل. وتم وضع حجر الاساس لوادي كركر في 19 مارس 2009 ليحقق حلم النوبيين فى العودة مرة أخرى للأرض القديمة خلف بحيرة ناصر بين الكيلو 21 و45 بطريق أسوان/أبوسمبل كتعويض لهم لإنشاء 44 قرية نوبية على مساحة 10 آلاف فدان ستضم حوالى 4700 مسكن لأهالى النوبة بجانب 670 مسكنا، سيتم إنشاؤها كتعويض أيضا لهم بمركز نصر النوبة، وتبلغ التكاليف الإجمالية للإنشاءات 200 مليون جنيه كمرحلة أولى . وتخطط الدولة لتنفيذ ثلاثة مراحل أخرى. وتوزع الى خمس مناطق بضفاف البحيرة منها 1902 مسكن بماطق قسطل وادندان واوب سمبل بجانب 348 مسكنا بالعلاقي و2396 بمنطقة وادي كرك باجمالي 4646 مسكنا بجانب 575 مسكنا بنصر النوبة يجرى انشائها ليصل اجمالي المساكن الى 5221 مسكنا وفق الطراز النوبي حيث يقام كل مسكن على مساحة 200 متر وتم تخصيص 3500 فدان كتعويضات زراعية موزعه على هذه المناطق لخلق مجتمعات عمرانية جديدة متكاملة المرافق والخدمات . وأصبحت الأولوية المطلقة للدولة حسب توجيهات الرئيس مبارك هي بناء القري النوبية مع إيقاف جميع المشروعات الاستثمارية سواء كانت سياحية أو زراعية لحين الانتهاء من توطين النوبيين حيث ان هذه المشروعات غير مدرجة في خطة الدولة حتي عام 2017 وتم تخصيص 70 مليون جنيه من اعتمادات وزارة الإسكان لتجديد 1792 مسكناً من مساكن النوبيين المقيمين بمركز نصر النوبة. نحو تنمية اشمل للجنوب على الرغم من اثارة الجدل حول المنطقة بسبب انحدار مصب وادي كركر إلي جنوب السد العالي بحوالي 9 كيلو مترات،وبما قد يؤدي إلي تجمع مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي في مصب الوادي، وإفراغ السموم المتنوعة في بحيرة ناصر، وايضا أن المسافة الفاصلة بين السد العالي ووادي كركر البالغة 9 كيلو مترات، تمثل عنق الزجاجة للرصيد المائي في البحيرة، وأنه حال وصول الملوثات إلي البحيرة يضاعف من خطورة التلوث علي أهالي النوبة.وقد عبر المسؤلين عن عدم ممانعتهم في حالة تغيير المكان . ولاشك ان اعادة توطين النوبة في وادي كركر تمثل جزءا من خطة الدولة في تنمية الجنوب وجعلة عنصر جذب أولا لأهل النوبه وثانيا لابناء الشمال. ويتطلب ذلك وضع خطة شاملة لتنمية جنوب الصعيد ومواجهه ارتفاع معدلات الفقر والبطالة ، ومراعاة الموضوعية في توزيع أراضي الاستصلاح علي شباب النوبة، مع الحرص علي عدم تكرار الخطأ في توزيع أراضي الاستصلاح في صحراء كوم أمبو عند التهجير السابق والذى تم التوزيع فيه عشوائيا. ومن هنا يتم التركيز على تنفيذ مشروعات تخطيط في النوبة الجديدة، وربطها بشبكة من الطرق ووسائل النقل، مع ربطها بمحافظتي الوادي الجديد والبحر الأحمر، والتوسع في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية المختلفة. وفضلا عن وجوب تحقيق التعاون مع الاجهزة التنفيذية لتذليل كافة العقبات التي تواجه النوبيون. * باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
|
||||||||
|
علق على المقال نسخة الطباعة | ||||||||
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037 فاكس 27703229 |