|
إيران والحوثيون: وجود ملموس بأدوات
خفية محمد عباس ناجى*
|
||||||||
|
فى عام 1997، حاول رئيس
الجمهورية آنذاك أكبر هاشمى رفسنجانى
تحسين العلاقات مع بريطانيا فى إطار سياسته القائمة
على نبذ التوتر والانفتاح على العالم، فقام بتكليف مستشاره للأمن القومى نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى (البرلمان)
محمد جواد لاريجانى بمهمة التفاوض مع المسئولين
البريطانيين، لكن بينما كان لاريجانى فى لندن، أعلن آية الله حسن صانعى
المدير العام لمؤسسة "الخامس عشر من خرداد"
رفع قيمة المكافأة المرصودة لاغتيال الكاتب البريطانى
(الهندى الأصل) سلمان رشدى
إلى 2 مليون دولار، وهو ما أدى إلى تصعيد حالة التوتر والاحتقان فى علاقات إيران الخارجية، اضطر معه رفسنجانى
إلى التأكيد على أن هذه المؤسسة غير حكومية وقراراتها لا تعبر عن السياسة
الرسمية للدولة. هذه الحقيقة التى أكد عليها رفسنجانى تكشف عن
مدلول مهم يمكن من خلاله إلقاء الضوء على أحد أبعاد التعقيد فى
فهم الدور الإيرانى على الساحة الخارجية، وهو أن ثمة
جانبا خفيا فى هذا الدور، لا يتم عبر أدوات الدولة
الرسمية ولا يسمح بتوريط الدولة بشكل مباشر، رغم أنه يخدم إلى حد بعيد أهدافها
الخارجية. وقد أنتج ذلك ارتباكا واضحا لدى الأوساط السياسية ودوائر صنع القرار فى العديد من عواصم العالم، فالوجود الإيرانى
واضح فى كثير من دول منطقة الشرق الأوسط لكن بعض
أدواته غير مرئية. هذا الدور الخفى تقوم به مؤسسات ما يسمى بـ"البنياد"، وهى مؤسسات خيرية تعمل بمعزل عن سيطرة
الحكومة وتمثل كيانات اقتصادية عملاقة تناطح إمكانيات الدولة نفسها، مثل مؤسسة
"المستضعفين"، و"الشهيد"، و"الإمام الرضا"،
و"الخامس عشر من خرداد" وغيرها. وتمارس هذه
المؤسسات أنشطة كثيرة تمتد من التجارة إلى التصنيع ونشر الدعوة الدينية السياسية
وتقديم الخدمات الاجتماعية، وهى معفاة من الضرائب وتتبع المرشد الأعلى للجمهورية
مباشرة. وتستطيع هذه المؤسسات رعاية الأفراد وتعبئة الجماهير وقمع معارضى النظام، سواء فى الداخل
أو فى الخارج، كما أنها تتمتع بقدرة غير محدودة على
الوصول إلى أموال الدولة والعملة الصعبة بسعر الصرف الرسمى،
كل ذلك جعل منها مؤسسات كبيرة تمتلك أرصدة مالية ضخمة استطاعت من خلالها مد شبكة
نفوذها إلى خارج إيران. هذه الظاهرة بالتحديد
تبدو جلية فى الحالة اليمنية على خلفية المواجهات
العنيفة التى تجرى الآن فى
اليمن بين القوات الحكومية والميليشيات التابعة لعبد
الملك الحوثى فى مدينتى صعدة وحفر سفيان، وهى
السادسة من نوعها، منذ اندلاع المواجهة الأولى بين الطرفين فى
عام 2004. إذ يبدو من التعاطى الإيرانى
مع الأزمة أن ثمة تأييدا ضمنيا لموقف الحوثيين ضد
الدولة، ربما يتعدى الدعم المعنوى إلى تقديم مساعدات لوجستية. فقد دعت إيران إلى
إيجاد مخرج سياسى لما يجرى بمدينة صعدة وحرف سفيان بما يشير ضمنيا إلى رغبتها فى الاعتراف بالحوثيين كطرف سياسى فى المعادلة اليمنية.
وخلال اقتحامه بعض مواقع الحوثيين فى أغسطس 2009 أعلن الجيش اليمنى العثور على ستة مخازن
أسلحة ورشاشات خفيفة وقذائف وصواريخ قصيرة المدى بعضها إيرانى
الصنع. وإلى جانب ذلك، فإن ثمة دعما إعلاميا إيرانيا واضحا للحوثيين،
خصوصا من جانب قناة العالم، التى قالت أن السعودية تعتبر
طرفا مباشرا فى الأزمة لدعمها النظام اليمنى ضد الحوثيين بهدف منع قيام تنظيم شيعى
على حدودها الجنوبية. ووصل الأمر إلى حد الزعم بأن السلاح الجوى السعودى شارك فى العمليات
العسكرية التى يقوم بها الجيش اليمنى ضد معاقل الحوثيين فى صعدة
وحرف سفيان. فضلا عن ذلك، فإن الطريقة
التى كان يتم بها ترديد الشعار الذى
بات مقرونا بأعضاء تنظيم "الشباب المؤمن"، وهو التنظيم الرئيسى للحوثيين، والذى يدين الولايات المتحدة وإسرائيل ويعتبرهما
عدوين لدودين للعرب والمسلمين، بدت مستقاة من خبرة غير يمنية، وتحديدا خبرة
إيرانية، وأخرى قريبة من أداء حزب الله اللبنانى
والتيار الصدرى فى العراق،
وهى طريقة تعبوية تهدف إلى استمرار الشحن المعنوى لأعضاء
التنظيم، وجعلهم يشعرون بالتميز والتفرد عن أعضاء الأحزاب والتيارات السياسية
الأخرى، كما تعبر أيضا عن أساليب شمولية فى التجنيد السياسى. لكن المشكلة هنا هو أن
كل ما يشير إلى تأييد إيران موقف الحوثيين هو مجرد
مؤشرات لا ترتقى إلى مستوى الدلائل الملموسة، لدرجة
دفعت الحكومة اليمنية إلى عدم توجيه اتهام رسمى إلى
إيران بدعم الحوثيين، وهو ما بدا جليا فى تصريح الرئيس اليمنى على عبد الله صالح الذى أكد فيه أن الإيرانيين وتيار الصدر فى العراق لهم صلات مباشرة بالحوثيين،
مستدلا على ذلك بكونهم عرضوا عبر قنوات سرية الوساطة بين السلطات اليمنية والحوثيين. وقال فى هذا السياق:
"لا نستطيع أن نتهم الجانب الرسمى الإيرانى، ولكن الإيرانيين يتوسطون ويتصلون بنا مبدين
استعدادهم للوساطة، ومعنى ذلك أن لهم تواصلا معهم"، مضيفا أن جماعة الحوثى تلقت مساعدات مالية من جهات إيرانية بلغت مائة ألف دولار. ويبدو أنه يشير هنا إلى أحد التقارير الاستخباراتية التى كشفت قيام
إحدى المؤسسات الخيرية الإيرانية بتوجيه دعم مالى إلى
الحوثيين فى اليمن بطريقة
غير مباشرة، عبر مصارف يسيطر عليها إيرانيون فى
الخليج. ولم تكن تصريحات وزير الخارجية اليمنى أبو بكر
القربى بعيدة عن تصريحات الرئيس صالح، إذ حذر إيران من الانعكاسات السلبية فى العلاقات اليمنية -الإيرانية، ومن "قرارات
صعبة" قد تتخذها بلاده إذا تمادت وسائل الإعلام الإيرانية بالتحريض ضد
بلاده، والوقوف إلى جانب التمرد الحوثى. لكن فى كل الأحوال، وبصرف النظر عن مدى تورط إيران الرسمى فى الأزمة اليمنية، يمكن
القول أن هذه الأزمة تخدم أهداف إيران الخارجية فى
جانبين: الأول، هو فتح المنطقة على مصراعيها أمام صراع مذهبى طائفى ترى أنه يمثل أداة
مهمة تستطيع من خلالها مواجهة الضغوط المفروضة عليه من الخارج على خلفية أزمة الملف
النووى الإيرانى وإرباك
أية محاولات غربية أو إسرائيلية لشن ضربة عسكرية ضد منشآتها النووية. والثانى، دعم مشروع الشرق
الأوسط الإسلامى الذى
طرحته إيران منذ عهد الرئيس السابق محمد خاتمى
لمواجهة المشاريع الأمريكية وعلى رأسها مشروع الشرق الأوسط الكبير. ويقوم هذا المشروع
الإيرانى على قاعدتين أساسيتين: الأولى، عقائدية
تتجسد فى إيمان إيران بحتمية قيام الحكومة العالمية
للإسلام إن آجلا أم عاجلا، وبأن عليها مهمة كبيرة فى
تمهيد الساحة لإقامة هذه الحكومة. وهذه القاعدة بالتحديد تمثل الأساس الذى بنيت عليه فكرة "تصدير الثورة" الإيرانية
إلى دول الجوار، وهى أحد أهم أسباب إقدام العديد من الجهات الإيرانية غير
الرسمية على دعم تمرد الحوثيين فى
اليمن. ورغم أن هذه الفكرة توارت فى
العقدين الماضيين على خلفية انتهاج إيران لسياسة بناء الثقة ونبذ التوتر مع دول
الجوار، خصوصا خلال عهدى الرئيسين هاشمى رفسنجانى ومحمد خاتمى، فإنها عادت إلى واجهة الأحداث من جديد مع وصول
الجناح الأصولى من التيار المحافظ بقيادة الرئيس
محمود أحمدى نجاد إلى رئاسة الجمهورية منذ عام 2005،
حيث بدأت إيران فى إتباع سياسة التمدد على الساحة
الإقليمية من خلال تدعيم علاقاتها مع العديد من القوى والتنظيمات السياسية فى دول الجوار، ووصل الأمر إلى درجة إصدار دعوة علنية
لتصدير ثورة إيران إلى الخارج، وهى الدعوة التى جاءت
على لسان آية الله محمد إمامى كاشانى
خطيب جمعة طهران فى 4 سبتمبر 2009، عندما طالب بإنهاء
الأزمة السياسية التى شهدتها إيران بعد إجراء
الانتخابات الرئاسية فى 12 يونيو 2009 للتفرغ إلى
تصدير الثورة، حيث قال: "فى مجتمعنا الإسلامى إذا أردنا إهانة كبرياء شخص فى
حديثنا.. فسوف يؤدى هذا إلى نار تؤذى الجميع. حان الوقت الآن لتصدير الثورة إنه ليس وقت معاملة بعضنا بعضا هكذا". والثانية، استراتيجية تنقسم بدورها إلى شقين:
الأول، أمنى حيث تشعر إيران بالقلق إزاء محاصرتها بقوات
أجنبية من جميع الجوانب: أفغانستان شرقا، والعراق غربا، والخليج جنوبا، وتركيا
شمالا، وهو ما تحاول اختراقه عبر إبرام اتفاقات أمنية وتعاون ثنائى مع دول الجوار خاصة الدول التى
يوجد بها أعداد كبيرة من الشيعة. والثانى، سياسى يتمثل فى الرد على مشروع
الشرق الأوسط الكبير، ومهاجمة أوجه قصوره، خصوصا ما يتعلق بالتحيز المطلق
لإسرائيل، والفشل فى إحلال السلام والاستقرار فى المنطقة بدليل تعثر المشروع الأمريكى
فى العراق. إن ما سبق فى مجملة يؤكد على حقيقة مهمة مفادها أن إيران أصبحت رقما
مهما فى معظم الملفات الإقليمية إن لم يكن فى مجملها، سواء لجهة سعيها إلى التمدد على الساحة
الإقليمية عبر أدوات مباشرة وأخرى خفية، أو لجهة استنفار
قوى دولية وإقليمية عدة لمنع إيران من تحقيق هذا الهدف. * باحث بمركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية بالاهرام |
|
|
||||||
|
علق على المقال نسخة الطباعة |
||||||||
|
الإراء و الأفكار
الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا
تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز |