العلاقات العراقية – السورية

بين التحديات الأمنية وخرائط التحالفات الإقليمية

د. محمد السعيد ادريس*

العدد

134

:

15

سبتمبر

2009

 

 

يبدو أن العلاقات السورية – العراقية كانت وستبقى أحد أهم مفاتيح ما يحدث من تطورات وما يجرى تنفيذه من مخططات بعضها يتعلق مباشرة بالوطن العربى وموقعه من الصراع الدولى وبعضها يخص العلاقة بين النظام العربى والنظام الإقليمى الأوسع، أى نظام الشرق الأوسط، وفى مقدمتها الصراع العربىالإسرائيلى والعلاقات مع كل من إيران وتركيا. بمعنى آخر نستطيع أن نقول أن العلاقات السورية – العراقية هى مرآة عاكسة لواقع توازن القوى الإقليمى من ناحية وخرائط التحالفات والصراعات التى تحدث فى إقليم الشرق الأوسط من ناحية أخرى. كان هذا واضحاً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ومجمل ما حدث من تداعيات فى توازن القوى الإقليمى وإعادة ترسيم الخرائط السياسية أثناء وبعد هذه الحرب، ثم ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية ومعركة الأحلاف السياسية والسنوات الطويلة للحرب الباردة، امتداداً إلى ما يحدث فى الإقليم من تطورات منذ سقوط نظام الشاه فى إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية، وما أعقبها من حرب عراقية – إيرانية، واحتلال عراقى للكويت، وتدخل أمريكى واسع عسكرى وسياسى فى شئون الإقليم وخاصة فى الخليج ثم فى العراق بعد احتلاله.

 

دائماً كانت العلاقات السورية – العراقية أحد أهم ما يمكن وصفه بـ "نظام المدخلات" فى معظم تفاعلات النظام العربى ونظام الشرق الأوسط، وكانت هى أيضاً الأكثر تأثراً بما يمكن وصفه بـ "نظام المخرجات" أى هى أكثر ما يتأثر بأى تفاعلات تعاونية كانت أم صراعية تحدث فى الإقليم.

 

وإذا كان الاحتلال الأمريكى للعراق قد وضع نهاية لعهد نظام صدام حسين فى العراق وللصراع العراقىالسورى التقليدى بين نظامى البعث، فإنه كان أيضاً بداية لعهد جديد من الأزمات بين سوريا والنظام الجديد فى العراق بكل ارتباطاته وصراعاته وتحالفاته الداخلية والإقليمية والدولية. فسوريا هى أكثر من تأثر بالاحتلال الأمريكى للعراق ليس فقط لوجود أكثر من مليون ونصف مليون نازح عراقى يقيمون الآن فى سوريا، ولكن لأن العراق غير المستقر معناه المباشر أن سوريا تبقى مهددة. لذلك لم تكن سوريا كدولة مجاورة للعراق سعيدة بما حدث ويحدث فى العراق كما هو حال حليفتها إيران أو كما هو حال تركيا وبعض دول الخليج العربية ولكن سوريا بقت على مسافة ما من النظام الحاكم فى العراق وظلت لذلك متهمة بأنها أهم وأخطر مصادر التهديد للعراق الجديد حيث وصفت دائماً بأنها إما راضية وإما عاجزة عن فتح حدودها أمام دخول "الإرهابيين" إلى الأراضى العراقية.

 

تفجيرات بغداد والاتهامات المرتبكة

 

لم تكن سوريا متهمة فقط من الحكومة العراقية ولكن أيضاً من الإدارة الأمريكية، إلا أن الحوار الأمريكىالسورى الأخير على المستويين السياسى والعسكرى بمشاركة شخصيات أمريكية مرموقة، وهو الحوار الذى أعقب مفاوضات سورية – إسرائيلية غير مباشرة عبر الوساطة التركية، أدى إلى قدر لا بأس به من الاسترخاء فى حالة تأزم العلاقات بين كل من بغداد وواشنطن مع دمشق، فلقد كان العراق البند الأساسى فى المفاوضات والحوارات الأمريكية – السورية قبل لبنان وقبل فلسطين بل وقبل الجولان، وكان واضحاً من تعليقات المسئولين الأمريكيين الذين زاروا دمشق أن هناك تفاهمات أمريكية – سورية مشتركة على دعم الأمن والاستقرار فى العراق.

 

هذه التفاهمات وما أحدثته من تعويل أمريكى على دور سورى مهم فى العراق، ومن تقارب سورىعراقى أكدته الزيارة التى قام بها نورى المالكى رئيس الحكومة العراقية لدمشق يوم 17 أغسطس 2009 ولقائه المهم بالرئيس السورى بشار الأسد الذى أكد فيه الرئيس السورى دعمه لأمن واستقرار ووحدة العراق وأعقبه توقيع نورى المالكى مع نظيره السورى وثائق تأسيس مجلس أعلى للتعاون العراقىالسورى، واجه تحديات هائلة لم يكن أحد يتصور سرعة ما أحدثته من تداعيات سلبية على العلاقات العراقية – السورية.

 

كانت أبرز هذه التحديات تلك التفجيرات الهائلة التى حدثت فى بغداد يوم 19 أغسطس 2009 وراح ضحيتها ما يقرب من مائة قتيل و600 جريح وقعت بعد أقل من يومين من زيارة نورى المالكى لدمشق، لكنها وقعت أيضاً بعد أقل من يوم واحد من زيارة الرئيس السورى بشار الأسد لإيران لتهنئة الرئيس الإيرانى محمود أحمدى نجاد بولايته الرئاسية الثانية، وهى الزيارة التى التقى خلالها بالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد على خامنئى وطالب بتأسيس تحالف رباعى يضم سوريا والعراق وإيران وتركيا.

 

التوقيت الذى وقعت فيه انفجارات ما أخذ يعرف بـ "الأربعاء الدامى" (19 أغسطس 2009) أثار العديد من التساؤلات المهمة أبرزها أنه ربما يكون قد استهدف العلاقة بين العراق وسوريا للحيلولة دون تمكين سوريا من القيام بدور أمنى أساسى فى العراق ضمن ترتيبات الانسحاب الأمريكى وبتفاهمات أمريكية – سورية خشية أن يمتد هذا الدور الأمنى إلى المعادلة السياسية وإرباك توازن القوى داخل العراق فى غير صالح القوى الحاكمة حالياً وارتباطاتها الإقليمية. ما يزيد من أهمية هذا الفهم تسرع العراق فى استدعاء سفيره فى سوريا على خلفية تلك التفجيرات ومطالبة بغداد الحكومة السورية بتسليم قياديين بعثيين رفيعى المستوى يقيمان فى دمشق أكدت أن لهما علاقة مباشرة بتلك التفجيرات هما محمد يونس الأحمد وسطام فرحان بعد اعتقال قيادة عمليات بغداد عدد من أنصار حزب البعث وصفتهم بـ "شبكة بعثية" وحملتها مسئولية تلك التفجيرات.

 

لكن التوقيت ذاته أخذ الاتهام من البعث إلى تنظيم القاعدة حسب ما جاء على لسان وزير الخارجية هوشيار زيبارى قبل أن يعلن تنظيم القاعدة مسئوليته رسمياً عن هذه التفجيرات فى العملية التى أسماها بـ "غزوة الأسير". فقد أوضح زيبارى أن تلك التفجيرات تشبه إلى حد كبير عمليات تنظيم القاعدة، لافتاً إلى أن "اختيار اليوم الذى فجروا فيه مبنى الأمم المتحدة قبل ستة أعوام (19 أغسطس 2003) وراح ضحيته المبعوث الخاص للأمم المتحدة بالعراق سيرجيو فييرا دى ميللو و21 آخرين يؤكد أن تنظيم القاعدة هو المسئول".

 

اتهام القاعدة بالمسئولية عن التفجيرات واعتراف ما يسمى بـ "دولة العراق الإسلامية" التابع لتنظيم القاعدة بمسئوليته عنها وسع دائرة الاتهامات لتشمل بعض دول الجوار العربية للعراق خاصة المملكة العربية السعودية ودول أخرى على نحو ما جاء على لسان قياديين بارزين فى حزب رئيس الحكومة. فقد اتهم حيدر العبادى النائب فى البرلمان عن حزب الدعوة قوى إقليمية وركز على المملكة العربية السعودية بأن لديها مشروعاً تصرف له مليارات الدولارات لإرباك الوضع.

 

توجيه الاتهامات ضد سوريا والسعودية امتد أيضاً إلى إيران حيث اتهم صالح المطلق زعيم الجبهة العراقية للحوار الوطنى إيران بالوقوف وراء تفجيرات "الأربعاء الدامى" وطالب الحكومة العراقية بالكشف عن "المجرمين الحقيقيين" وقال: "إن النظام الإيرانى يقف وراء هذه التفجيرات لأنه يسعى إلى تصدير أزمته الداخلية التى بدأت بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية"، مشيراً إلى أن ذلك بدأ باجتياح معسكر منظمة مجاهدى خلق فى العراق بأدوات تابعة، واستمر بالتفجيرات التى حدثت فى بغداد وما زالت تحدث فى أماكن عدة بالعراق. هذا الاتهام لإيران دعمته مصادر سياسية قالت أن مدير المخابرات العراقية محمد عبد الله الشهوانى أقيل من منصبه لأنه قدم أدلة على وقوف إيران وراء تفجيرات "الأربعاء الدامى". وقالت هذه المصادر أن الشهوانى قدم أدلة على تسلل قيادات عسكرية إيرانية منها وزير الدفاع الإيرانى إلى جنوب العراق قبل التفجيرات.

 

هذا الارتباك فى توجيه الاتهامات لقوى وأطراف خارجية سرعان ما امتد إلى توجيه الاتهامات إلى أطراف داخلية عراقية وتحميلها مسئولية وقوع هذه التفجيرات على نحو ما جاء على لسان كل من نورى المالكى رئيس الحكومة وهوشيار زيبارى وزير الخارجية.

 

المالكى عزا السبب فى تلك التفجيرات الدامية إلى ما وصفه بـ "الاختلافات السياسية" لكنه لم يوضح ماذا يقصد ومن يقصد بالخلافات السياسية، ومع ذلك فإن تأسيس القوى السياسية الشيعية الأساسية ائتلافاً سياسياً جديداً ضم أطرافاً سنية سياسية وعشائرية دون مشاركة حزب رئيس الحكومة ربما يكشف بعض ما لم يتحدث عنه نورى المالكى الذى لم يشارك فى هذا الائتلاف الجديد الذى حمل اسم "الائتلاف الوطنى العراقى" بدلاً من "الائتلاف العراقى الموحد" السابق الذى خاض انتخابات عام 2005 وحصل على 128 مقعداً من أصل 275.

 

بقاء نورى المالكى خارج هذا الائتلاف وسعيه لتشكيل ائتلاف بديل يعتمد أكثر على قواعد وطنية وغير طائفية يعتبر أحد أهم معالم الصراعات السياسية الآن داخل العراق وبالذات من منظور العلاقة مع الجوار الإقليمى وخاصة مع إيران والعلاقة مع الولايات المتحدة، حيث تصطدم رغبات المالكى فى تأسيس حكم مركزى قوى على حساب دعوة الفيدراليات وتأسيس حكم غير طائفى مع مصالح القوى الطائفية والعرقية داخل العراق ومع مصالح إيران والولايات المتحدة الحريصتين على بقاء العراق غير قوى كى لا يسعى إلى التحرر من النفوذ الخارجى، أما هوشيار زيبارى، وإن كان قد تحدث عن تدخلات إقليمية (ولم يقل أمريكية) فى الشأن الداخلى العراقى للسعى للتأثير فى نتائج الانتخابات البرلمانية القادمة، فإنه أكد أنه "لا يستبعد وجود تواطؤ" حصل بين قيادات أمنية والجناة المسئولين عن التفجيرات، معتبراً "أن الحكومة فشلت فى حماية مواطنيها".

 

واضح من كل ما تقدم أن الحكومة العراقية وربما كل المنظومة الحاكمة فى العراق لم تستطع فى الأيام الأولى التى أعقبت وقوع تفجيرات "الأربعاء الدامى" أن تحدد جهة محددة مسئولة عن تلك التفجيرات، لكن الأهم من ذلك أنه سرعان ما تلاشت الاتهامات التى وجهت إلى أطراف داخلية أو إقليمية وأخذ التركيز يتزايد ضد سوريا فى محاولة للاستفادة من الأزمة لإجبار سوريا على الرضوخ لمطالب سبق للحكومة العراقية أن تقدمت بها للسوريين، وبالذات ما يتعلق بتسليم قيادات للمعارضة العراقية متهمة بقيادة ودعم ما تسميه حكومة بغداد بـ "الإرهاب" الذى يحدث فى العراق، وخاصة قيادات تنتسب إلى حزب البعث العراقى.

 

فقد نقل بيان حكومى عن نورى المالكى رئيس الوزراء العراقى قوله أن "بعض دول الجوار رأت وجود القوات المتعددة مضراً بأمنها القومى وبدأت التدخل تحت ذريعة مقاومة الاحتلال. أما بعد انسحاب القوات الأمريكية، فلم يعد هذا الأمر مقبولاً، لكن نعده عملاً عدوانياً". وأضاف: "لقد أصبحنا مضطرين للطلب من مجلس الأمن الدولى تأليف محكمة جنائية دولية لأن العراق يتعرض لتهديد جدى من دول الجوار".

 

وأكد المالكى أن "الأزمة مع سوريا ليست جديدة، فقد أجرينا اتصالات على مستويات متعددة مع المسئولين السوريين تتعلق بنشاط قادة حزب البعث المنحل والمنظمات الإرهابية التى تعمل ضد العراق من الأراضى السورية"، وتابع: "قدمنا معلومات ووثائق خلال زيارتنا الأخيرة لدمشق ولقائنا المسئولين السوريين، سمعنا منهم كلاماً طيباً عن التعاون، لكن نشاطات هذه المنظمات لم يتوقف بل تصاعد". وأوضح قائلاً: "قدمنا معلومات عن اجتماع عُقد فى الزبدانى فى الثلاثين من تموز الماضى ضم بعثيين وتكفيريين فى حضور المخابرات السورية.. لماذا الإصرار على إيواء المنظمات المسلحة والمطلوبين للقضاء العراقى والإنتربول؟، ولماذا يسمحون للفضائيات التى تعرض كيفية صناعة المتفجرات، بينما لا يسمحون بصوت معارض لهم؟".

 

وأمام هذه الاتهامات طلب المالكى رسمياً من الأمم المتحدة تشكيل لجنة تحقيق دولية فى الاعتداء المزدوج الذى استهدف بغداد يوم 19 أغسطس 2009، أما الناطق باسم الحكومة العراقية على الدباغ المتهم بتعمد الإساءة للعلاقات العراقية – السورية، فقد خيرَّ سوريا بين علاقة طيبة مع العراق أو احتضان من يعادونه. لكن الدباغ كشف فى تصريحاته عن جذور الأزمة مع سوريا ما يعنى أنها غير مرتبطة بحادثة تفجيرات "الأربعاء الدامى"، وأن كل ما هو مثار من ضجيج إعلامى وسياسى عراقى ضد سوريا هدفه الضغط على سوريا لتقبل بما رفضت أن تقبل به خلال السنوات الماضية، وهو ما أوضحه أيضاً نورى المالكى.

 

فقد قال الدباغ فى معرض تفسيره للتصعيد ضد سوريا فى حادثة تفجيرات "الأربعاء الدامى": "أبلغنا الجانب السورى بأننا مستعدون لعقد اتفاقية استراتيجية معكم لكن بشرط تسليم المجرمين وطرد المنظمات الإرهابية من أراضيكم لكنهم رفضوا".

 

هذه الاتهامات العراقية لسوريا التى أعقبت حادثة تفجيرات الأربعاء الدامى تطرح العديد من الأسئلة التى تخص زيارة المالكى لدمشق التى سبقت وقوع تلك التفجيرات بأقل من يومين، وهى الزيارة التى وقع فيها المالكى وثائق تأسيس المجلس الأعلى للتعاون العراقىالسورى، والتى تخص أيضاً زيارة الرئيس السورى بشار الأسد لطهران وعرض فيها فكرة تأسيس التحالف الرباعى وهى الفكرة التى لقيت قبولاً إيرانياً.

 

أول ما يفرض نفسه من تساؤلات بهذا الخصوص هو السؤال عن العلاقة بين تفجيرات بغداد وبين زيارة المالكى لدمشق، هل كانت التفجيرات من أجل تبديد فرص تطوير العلاقات العراقية – السورية؟، وما هى الأطراف الداخلية العراقية وما هى الأطراف الإقليمية والدولية صاحبة المصلحة فى عرقلة تطوير تلك العلاقات بين بغداد ودمشق فى وقت تتجه فيه الأنظار نحو أنماط التفاعلات العراقية الإقليمية الجديدة على ضوء التوقعات المحتملة للانسحاب الأمريكى من العراق؟.

 

أما ثانى هذه التساؤلات فيتعلق بالعلاقة بين تفجيرات بغداد وما أعلن فى طهران من توجه نحو تأسيس تحالف إقليمى رباعى بين إيران وسوريا والعراق وتركيا، وما إذا كانت تلك التفجيرات ترمى إلى فرملة هذا التوجه وعرقلته بل وإفساده نهائياً؟. الأهم من ذلك هو السؤال: لصالح من إفساد هذا التوجه؟، من المستفيد من إفشال تأسيس هذا التحالف الإقليمى؟، وهل يخدم إفشال هذا التحالف فرص تأسيس تحالف آخر بديل؟

 

فكرة التحالف الرباعى تلك لم تكن وليدة الصدفة، بل سبق أن دعا إليها الرئيس السورى وهنا يكون التساؤل عن من هو الطرف الذى سوف يتضرر من دخول العراق فى مثل هذه الترتيبات.

 

رهانات المالكى الخاسرة

 

هذا السؤال يفرض مجدداً البحث فى رهانات نورى المالكى فى التركيز على سوريا وتحميلها مسئولية تفجيرات "الأربعاء الدامى" واتخاذ هذه الحادثة كذريعة لإحداث قطيعة فى العلاقات مع سوريا التى كان قد وقع بنفسه على وثائق تشجع على التحالف معها، أو لإجبارها على القبول بخريطة جديدة للتحالفات والعلاقات تبدأ بالداخل العراقى، وتمتد إلى الإطار الإقليمى وعلاقته بالحكم الجديد فى العراق.

 

رهان نورى المالكى الأول من التصعيد ضد سوريا كان تحقيق تقدم فى معادلة توازن القوى داخل العراق بعد نجاح المجلس الأعلى الإسلامى فى تشكيل تحالف سياسى جديد يحمل اسم "الائتلاف الوطنى العراقى" ويضم 11 كياناً سياسياً هم غالبية الائتلاف الشيعى الموحد باستثناء حزب الدعوة جناح نورى المالكى، هذا التشكيل ضم المجلس الأعلى الإسلامى والتيار الصدرى ومنظمة بدر وكتلة التضامن، فضلاً عن تيار الإصلاح الوطنى بزعامة أحمد الجلبى، ومجلس إنقاذ الأنبار بزعامة حميد الهايس (سُنى)، ورئيس جماعة علماء العراق فرع الجنوب خالد الملا (سُنى) وتجمع عراق المستقبل بإدارة إبراهيم بحر العلوم، إلى جانب حزب الدعوة تنظيم العراق بزعامة عبد الكريم العنزى وشخصيات سياسية أخرى.

 

المالكى الذى وضع شروطاً قاسية للانضمام إلى هذا الائتلاف الانتخابى، منها تمكينه من الحصول على الأغلبية وتشكيل الحكومة القادمة واستبعاد التيار الصدرى ومجموعة إبراهيم الجعفرى منافسه السابق فى حزب الدعوة أراد بافتعال أزمة مع سوريا والظهور بموقف متشدد أن يحقق الزعامة الوطنية التى يريدها وأن ينجح فى تأسيس تحالف منافس للتحالف المذكور. لم يكن فى مقدور المالكى أن يفجر مثل تلك الأزمات مع إيران وتصور أن سوريا يمكن أن تكون هدفاً سهلاً يمكن النيل منه، لكنه فوجئ بقوة الموقف السورى وتخلى كل حلفاء العراق الإقليميين والدوليين عن دعمه فى الصدام مع سوريا، لكنه فوجئ أيضاً بأن التحالفات الداخلية استفادت أكثر منه فى إدارتها للأزمة مع سوريا بعد أن ازدادت تماسكاً وصعدت انتقاداتها ضد المالكى وفندت اتهاماته لسوريا.

 

ففى الوقت الذى تفجرت فيه الأزمة ضد سوريا بتحميلها مسئولية انفجارات يوم الأربعاء الدامى فى بغداد، أظهرت معظم القوى السياسية حراكاً سياسياً ملحوظاً استعداداً للانتخابات العامة القادمة فى يناير المقبل، حيث أعلن نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمى تشكيل قائمة مستقلة جديدة كان من شأنها إحداث تآكل فى فرص المالكى فى تشكيل تحالف منافس وقوى للتحالف الوطنى، كما يسعى قياديون فى الائتلاف الوطنى العراقى والتحالف الكردستانى إلى تشكيل جبهة برلمانية بعد إعلان نتائج الانتخابات فى محاولة لتطويق رئيس الحكومة نورى المالكى.

 

الرهان الثانى للمالكى كان الحرص على إعادة تجميع القوى السياسية خلفه كبديل لتوجه تشكيل تحالفات انتخابية على نحو ما حدث من جانب القوى التى أسست التحالف الوطنى. فبدلاً من حصول اصطفاف وطنى خلف المالكى ودعمه فى موقف التصعيد ضد سوريا، حدث اصطفاف ولكن فى الاتجاه المعاكس أى اصطفاف ضد تصعيد المالكى مع سوريا، وجاء هذا الاصطفاف من جانب مجلس الرئاسة الذى يضم الرئيس جلال طالبانى ونائبيه عادل عبد المهدى (الشيعى) وطارق الهاشمى (السُنى). فقد انتقد بيان صدر عن هيئة الرئاسة العراقية رئيس الوزراء نورى المالكى، وقال البيان أن المجلس بعث برسالة إلى نورى المالكى لتذكيره بأنه لابد من الرجوع إلى المجلس فى ما يتعلق بجميع القرارات السياسية.

 

ففى حديث مع بعض السياسيين والإعلاميين أشار عادل عبد المهدى إلى أن "التحقيقات التى أجرتها السلطات العراقية تشير إلى تورط القاعدة" فى تفجيرات الأربعاء الدامى، ما يعنى براءة سوريا من اتهامات المالكى وحكومته، كما استغرب عبد المهدى أن يعقد المالكى اتفاقيات استراتيجية مع سوريا "وبعد يومين يعلن ما يشبه الحرب عليها ويقوم بتدويل القضية دون علم رئاسة الجمهورية بجميع هذه الأمور".

 

أما الرهان الثالث للمالكى فكان الحرص على الحصول على دعم أمريكى قوى له فى منافساته الداخلية فى وقت تستعد فيه هذه القوى للانتخابات العامة القادمة، كما تستعد القوات الأمريكية للرحيل. كان المالكى يأمل بأن يصبح رجل أمريكا القوى فى العراق من خلال تجرؤه للتصدى بقوة لسوريا التى يرى أنها حليفة لإيران فى محاولة لمغازلة الرئيس الأمريكى الذى يواجه تحديات صعبة فى إدارة الأزمة مع إيران.

 

رهان المالكى مع أمريكا فشل هو الآخر بعد أن اختارت أمريكا عدم التدخل فى هذه الأزمة، حرصاً على أن تظهر كطرف محايد فى التنافس السياسى الداخلى فى العراق، وأن تكون حليفة لكل الزعماء، وحرصاً أيضاً على نجاح رهان أمريكى فى علاقة جديدة مع سوريا تشمل العديد من الملفات الإقليمية المهمة وفى مقدمتها الملف العراقى.

 

هذه الرهانات التى فشلت ربما تكون الدافع وراء قبول الحكومة العراقية بالوساطة التركية، لكن فشل هذه الوساطة بعد تعثر التوصل إلى تفاهمات مشتركة فى الاجتماعات الأمنية التى جرت فى اسطنبول وفى الاجتماع الرباعى لوزراء خارجية العراق وسوريا وتركيا والأمين العام لجامعة الدول العربية فى مقر الجامعة العربية بالقاهرة أولاً ثم فى اسطنبول ثانياً، واتجاه الحكومة العراقية إلى تجديد طلبها تشكيل لجنة التحقيق الدولية من مجلس الأمن، يكشف حقيقة أخرى مهمة وهى أن الأزمة العراقية – السورية ستبقى أزمة ممتدة لحين حسم اتجاهات الصراع داخل العراق وخاصة نتائج الانتخابات البرلمانية القادمة فى يناير المقبل، ولحين حسم ما ستؤول إليه العلاقات الإقليمية للعراق بعد الانسحاب الأمريكى وما سيفرضه هذا الانسحاب من ترتيبات جديدة للعلاقات   الأمريكية – العراقية.

 

* خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام- رئيس تحرير مختارات ايرانية

 

 


علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء
- القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023