تفجيرات بغداد  واشكاليات الانسحاب الأمريكى من العراق

د. خالد عبد العظيم


‏العدد 133‏: 25 اغسطس2009

 

        شهدت العاصمة العراقية بغداد في التاسع عشر من أغسطس 2009، ستة انفجارات استهدفت مقار وزارتي الخارجية والمالية ومقر مجلس المحافظة وجامعة المستنصرية وجسراً رئيسياً يربط بين اثنين من أحياء بغداد المهمة: اليرموك والبياع. وأسفرت هذه الانفجارات الهائلة والمتتالية عن مصرع 95 وإصابة ما يقارب 600 عراقي وتهشم وتطاير واجهات عدد كبير من المباني الكائنة داخل المنطقة الخضراء المفترض انها الاكثر حراسة أمنيا كونها تضم المنشآت الرسمية العراقية والتمثيل الدبلوماسي الأجنبي بالعاصمة بغداد.

حدثت هذه التفجيرات بعد مرور ستة أسابيع على إتمام انسحاب القوات الأمريكية من 154 نقطة أمنية. وكانت القوات الأمريكية قد أنهت المرحلة الأولى من عملية الانسحاب من المدن العراقية في 30 يونيه الماضي بناءً على أوامر من البيت الأبيض ووفق بنود الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة والتي تنص على انسحاب متدرج للجيش الأمريكي إلى خارج المدن العراقية، ويكتمل هذا الانسحاب في عام 2011 على أن تظل قوة أمريكية محدودة لتأمين الحدود العراقية.

        ويسود اعتقاد في الدوائر السياسية العراقية بأن قرار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بتفكيك الحوائط والكتل الخرسانية التي وضعتها القوات الأمريكية أمام الوزارات وفي أماكن كثيرة من العاصمة بغداد بهدف تأمين المنشآت الحيوية ومنع الشاحنات المفخخة من أن تدخل إلى هذه المناطق، كان قرارا مدفوعاً بشعور خاطىء بالأمن، وفقا لوصف وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري. وهو الرأي السائد كذلك لدى الكثيرين الذين اعتبروا أن انتشار تلك الحوائط الخرسانية لازم لتأمين المناطق التي بها منشآت حيوية. وفي أعقاب هذه التفجيرات الهائلة تم البدء بالفعل في إعادة بناء هذه الحوائط مرة أخرى. وقد أوردت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية تصريحاً لمسئول عراقي كبير أُصيب في التفجيرات ورفض الإفصاح عن هويته، قال فيه أن العراقيين ليسوا مستعدين بعد لتولي المسئولية الأمنية، في إشارة إلى أن انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية جاء مبكراً، ذلك أن المؤسسات الامنية والجيش العراقى ما زالوا غير قادرين بعد على تأمين المواقع الحساسة، وهو ما كشفته التفجيرات المشار اليها.

المشهد السياسي العراقي

هناك شعور عام سائد فى العراق بأن رئيس الوزراء نوري المالكي قد أخفق في إدارة الملف الأمني والذي هو الركيزة الأولى والأساسية لشرعيته السياسية كرئيس للوزراء. فهذه التفجيرات المدمرة في هذه المناطق الحساسة من العاصمة العراقية بغداد حدثت لوجود اختراق من الداخل للأجهزة الأمنية العراقية. وهو ما ألمح إليه هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي بقوله "لا أستبعد وجود تواطؤ من أجهزة أمنية والعناصر الإرهابية لتمرير السيارات المفخخة إلى هذه المناطق الحساسة". وهو ما يفسر وقف أحد عشر عنصرا من العناصر القيادية فى وزارتى الدفاع والداخلية العراقية على خلفية التفجيرات، والتى تعد تراجعاً أمنياً خطيراً وفشلا حكوميا في حماية المواطنين، خاصة وأن دخول الشاحنات المفخخة إلى المنطقة الخضراء المحصنة وهو الممنوعة أساسا من السير على المحاور المرورية الرئيسية ببغداد طيلة الفترات النهارية، لا يتأتى إلا فى حالة وجود اختراق أمنى كبير.

 وجه زيباري انتقادات واضحة بشأن إدارة الملف الأمني بالعراق مُعتبراًأن الحكومة العراقية لم تُقدم وسائل كافية للتصدي للعنف وأنه يجب تسمية الأشياء بمسمياتها ولا داعي لتصريحات غير مُجدية بتفاؤلها. وأن الرأي العام العراقي ينبغي أن يعلم الحقيقة وهي أنه يوجد تدهور أمني في العراق والأيام القادمة قد تكون أسوأ.

        ومن المؤكد أن هذه التفجيرات قد نالت من المصداقية السياسية لرئيس الوزراء نوري المالكي خاصة وأن الانتخابات التشريعية التي ستصيغ المعادلة السياسية للدولة العراقية فى المرحلة المقبلة والمقرر عقدها فى يناير المقبل قد أصبحت وشيكة. وفي أول رد فعل سياسي لتفجيرات بغداد تم تشكيل ائتلاف شيعي جديد بالعراق لإحكام السيطرة على السلطة قبل الانتخابات التشريعية في يناير القادم. وتم استبعاد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من هذا الائتلاف الشيعي الجديد. وسيتضمن الائتلاف الجديد المجلس الأعلى الإسلامي العراقي الموالي لإيران والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر وبعض العناصر المناهضة للولايات المتحدة.

الفكر الأمريكى وتحديات الانسحاب

الظاهر أن هناك تباينا بين الجمهوريين والديموقراطيين وكذلك بين العسكريين انفسهم فى البنتاجون ومسئولى البيت الأبيض فى تناول الانسحاب الامريكى من العراق، وقد وضح هذا الامر فى طريقة تحليل كل طرف لمغزى التفجيرات فى بغداد وتداعياتها على عمل القوات الامريكية لاسيما ما يتعلق بتدريب القوات العراقية.

        على مستوى التصريحات السياسية، أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن الانفجارات لن تثني البنتاجون عن خططه للانسحاب من العراق، لاسيما وأن مثل هذه الهجمات ليست سوى محاولات من بعض الجماعات المسلحة لإثارة الفتنة الطائفية في العراق، ولا ترقى لمستوى العنف الذي شهدته البلاد بين عامي 2006 و2007.

        ولكن إذا ما تجاوزنا هذا التصريح السياسي الذي يعبر عن الرأي الرسمي للبيت الأبيض، فسوف نجد أن الرؤية العسكرية الميدانية تأخذ مَنحىً آخر متبايناً مقانة بالتصريح السياسي، إذ أعلن الجنرال الأمريكي فرانك هلميك المسئول عن تدريب قوات الأمن العراقية عن إحباطه من وتيرة التقدم في مهمته التي اعتبر أنها تسير بخطى بطيئة، موضحا أنه غير متأكد من إنهاء بعض الجوانب الفنية المتعلقة بتأهيل الجيش العراقي قبل رحيل القوات الأمريكية من البلاد المقرر له 2011 طبقاً للاتفاق المُوقَع في نوفمبر الماضي بين العراق والولايات المتحدة، ومشيرا إلى أن تأهيل سلاح الجو العراقي لن يتم كُلياً قبل نهاية عام 2011 مما يشكل تحدياً كبيراً.

        ويتضح من هذا التصريح الميداني للجنرال فرانك هلميك أن المواعيد المحددة في الاتفاقية الأمنية هي مواعيد مضغوطة للغاية وأنه يتعذر إعداد القوات العراقية في إطار هذه المواعيد إعداداً مكتملاً متكاملاً. وبالتالي فإنه إذا تم الالتزام حرفياً بهذه المواعيد فإن الانسحاب سيتم والوضع الأمني في العراق مُخلخلٌ تماماً.

هذا الموقف المستند إلى الحقائق الميدانية تتقارب جزئيا مع رؤية الرئيس اوباما الذى يبدو على وعى تام بحقيقة الوضع الامنى الهش فى العراق. فقبل يومين من تفجيرات قال الرئيس اوباما، إن العراقيين وهم يأخذون مصيرهم بأيديهم سوف يُختَبرون وسوف يكونون هدفاً، وأن الذين يسعون إلى بث الانقسامات الطائفية سوف يُطلقون تفجيرات جديدة غير عاقلة وسوف يقتلون الأبرياء. ولكن بالنسبة لأمريكا فإن الحرب العراقية هي في سبيلها إلى الانتهاء".

إن القراءة الواعية لتصريحات الرئيس الأمريكي تدعو إلى الاعتقاد بأن البيت الابيض لديه تقارير تفيد بأن انسحاب القوات الأمريكية من نقاط التمركز يحتمل أن يتبعه تفجيرات. وهو الافتراض الذي تحقق بالفعل.

        وبالرغم من أن العسكريين الامريكيين المعنيين بالشأن العراقى لم يعترضوا على مبدأ الانسحاب وفقا للاتفاقية الموقعة مع العراق، إلا أن بعضهم ربط هذا الانسحاب بشروط كالتدرج والبطء والتأكد من حُسن تأهل المؤسسات الأمنية والجيش العراقى وربط الانسحاب بحقيقة الأوضاع الميدانية، وذلك حتى لا تخسر الولايات المتحدة المكاسب التى حققتها هناك.

        وكانت صحيفة الوشنطن بوست قد استطلعت آراء كبار العسكريين الاميكيين فى 18 نوفمبر 2008 ، وهو يوم توقيع الاتفاقية الامنية مع العراق، وجاء فى آراء هؤلاء العسكريين أن الاتفاقية قد استبعدت خيار الانسحاب المشروط بناءً على تقييم الموقف ميدانياً وحددت بدلاً من ذلك جدولاً زمنياً للانسحاب. وأفاد هذا الاستطلاع بأن المسئولين في البنتاجون، وبالرغم من توقيع الاتفاقية الأمنية، لازالوا مُصرين على موقفهم وهو "أن الانسحاب لا ينبغي أن يتم إلا إذا توافرت الظروف الميدانية التى تبرر هذا الانسحاب، بمعنى أن يظل الانسحاب مرتهناً بالتقديرات الميدانية للعسكريين أنفسهم.

ويمكن القول بناء على شواهد عديدة أن مثل هذا الخلاف بين كبار العسكريين ومسئولى البيت الابيض بشأن طريقة وجدول الانسحاب من العراق ما زال قائما، وهو ما يؤثر على أداء القوات الامريكية فى الميدان العراقى بدرجة ما.

ومع حدوث تفجيرات بغداد يطرح التساؤل مجددا، هل تستمر الولايات المتحدة في الانسحاب وفق الجدول الزمني المنصوص عليه في الاتفاقية الأمنية حتى وإن أدى هذا الانسحاب إلى تراجع حاد فى الحالة الامنية بالعراق، أم أن البنتاجون سوف يلجأ إلى تنفيذ الانسحاب على أساس التقارير الميدانية للعسكريين الأمريكيين ومدى توافر إعداد وتدريب القوات الأمنية العراقية والجيش العراقي بحيث تكون أُطر الاستقرار اللازم لأداء النظام السياسي العراقي قد توافرت فعلياً؟

                         


علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023