
|
|
||
الاستيطان في القدس:
هل يتحول إلى قضية أمريكية- إسرائيلية!
صبحي
عسيلة صبحي عسيلة* العدد 132 :12 أغسطس 2009 يعتبر الاستيطان الإسرائيلي في القدس جوهر العملية الاستيطانية الإسرائيلية، إذ
تحتل القدس منزلة هامة لدى اليهود، وهي تمثل منطقة جذب لهم وللمهاجرين إلى
إسرائيل. وفي الواقع فإن الاستيطان الإسرائيلي في
القدس مدانا ليس فقط من قبل الفلسطينيين بل من قبل قطاعات معينة في إسرائيل مثل
حركة السلام، ومعظم الدول والقوى الدولية ترى فيه خروجا سافرا على الشرعية
الدولية. إذ انتهكت إسرائيل بأنشطتها الاستيطانية العديد من القرارات الدولية
التي انكرت أي صفة قانونية للاستيطان أو الضم وطالبت
بإلغائه وتفكيكه بما في ذلك الاستيطان في القدس الشرقية ومنها قرارات مجلس الأمن
رقم 446 لسنة 1979 الذي أكد علي أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي
الفلسطينية المحتلة غير شرعي، كما قضي قرار رقم452 للعام نفسه بوقف الاستيطان في
القدس وعدم الاعتراف بضمها، كما دعا إلي تفكيك المستوطنات القرار رقم 465 لسنة 1980 ، بالإضافة إلي قرارات الجمعية العامة بهذا الصدد حتى
بداية عقد التسعينيات، بل إنها ـ أي إسرائيل ـ قد انتهكت ما وافقت عليه منذ بدء
عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي. واللافت للنظر أن كافة الحكومات
الإسرائيلية تصر على الاستمرار في الاستيطان ـ بصرف النظر عما إذا كانت حكومة
عمالية أو ليكودية ـ إذ أن تلك الحكومات تعتمد في تشكيلها غالبا على أحزاب تعتبر
الاستيطان خطا أحمر لا يجب تجاوزه. فالاستيطان لا يمثل فقط أحد المرتكزات
الأساسية للصهيونية، باعتباره الركن الأساسي الذي قامت عليه إسرائيل كدولة منذ
بداياتها الأولى، حيث كانت الخطة التي وضعها مؤتمر "بازل" بسويسرا
لإنشاء وطن قومي لليهود تقوم على إنشاء المستوطنات، بل إنه كما قال عضو الكنيست
الإسرائيلي السابق "يشعياهو بن فورت" في
صحيفة يديعوت أحرونوت
الإسرائيلية في يوليو عام 1972، "إن الحقيقة هي لا صهيونية بدون استيطان،
ولا دولة يهودية بدون إخلاء العرب ومصادرة أراضي وتسييجها". وعندما بدأت عملية التسوية بمدريد،
كان هناك نحو 75000 مستوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة، وارتفع العدد إلى 95000
قبل توقيع اتفاقية أوسلو، ثم ازداد بنسبة حوالي 50% في الفترة ما بين عامي 1993
و 1996 حيث وصل إلى 147000، في ظل فترة حكم حزب العمل. وقد كان المتصور عند
بداية عملية التسوية أن الاستيطان سيتوقف، فاستمرار النشاط الاستيطاني يتعارض مع
مقتضيات عملية التسوية، على نحو ما أكد وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر أثناء دعوته للفلسطينيين
لحضور مؤتمر السلام، إلا أن جوهرية عملية الاستيطان ضمن الركائز الأساسية التي
تتبناها إسرائيل قد حالت، وما زالت، دون تراجع أولوية الفكرة وبالتالي دون تراجع
عدد المستوطنين والمستوطنات بصرف النظر عن توجهات الحكومات الإسرائيلية
المتعاقبة. ومنذ بدأت المفاوضات في واشنطن أوائل
ديسمبر 1991 طالب الوفد الفلسطيني بوقف النشاط الاستيطاني التزاما بالمرجعية ـ
القرار 242 ـ ولمبدأ أهمية التوقف عن أي عمل يمكن أن يؤثر على مفاوضات المرحلة
الثانية لتقرير الوضع النهائي للمناطق المحتلة، إلا أن إسرائيل رفضت هذا الطلب،
الذي أصر عليه الجانب الفلسطيني، ولم يتخذ الراعي الأمريكي الموقف المنسجم مع
مرجعية السلام لدفع إسرائيل نحو التوقف عن الاستيطان. وخلال العامين الأولين من عقد التسعينيات،
وعلى الرغم من أن معدل بناء المستوطنات قد انخفض بشكل ملحوظ عما كان عليه الوضع
في الثمانينيات، فإن الحركة الاستيطانية قد استمرت خاصة مع تولي رئاسة الحكومة
الإسرائيلية الليكودي "إسحاق شامير" الذي
كان يجسد الفكر الصهيوني الاستيطاني، حيث أقيمت سبع مستوطنات شكلت نحو 5% من
مجموع المستوطنات القائمة حتى عام 2001. ومنذ عام 1992 وحتى عام 2000 استمرت
الحكومات الإسرائيلية العمالية والليكودية في سياسة توسيع الاستيطان وفتح
الشوارع الالتفافية وإصدار الأوامر العسكرية القاضية بوضع اليد على الأراضي
الفلسطينية. واستنادا إلى تقارير حركة السلام الآن، فقد تزايد عدد المستوطنين
منذ عام 1992 من 107 آلاف مستوطن إلى ما يزيد على 145 ألف مستوطن في نهاية حكومة
العمل برئاسة بيريز. وتواصل
النمو الإسكاني في المستوطنات حتى وصل عدد المستوطنين في عام 2002 إلى حوالي
200000 مستوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة. تهويد القدس أما فيما يتعلق بالقدس، فالثابت أن الحكومات
الإسرائيلية المتعاقبة منذ اتفاقات أوسلو في عام 1993 سعت إلى تهويد الجزء
الشرقي من مدينة القدس لمحاصرة آمال الفلسطينيين، خاصة تلك المتعلقة بجعل الجزء
الشرقي عاصمة الدولة الفلسطينية، وتبعاً للتوجهات الإسرائيلية، وبفعل النشاط
الاستيطاني وجذب مزيد من اليهود إلى الجزء الشرقي من المدينة المقدسة وصل مجموع
المستوطنين اليهود في هذا الجزء من القدس إلى (246.843) مستوطناً
يهودياً في عام 2009 مقابل (310) آلاف عربي مقدسي. وفيما
يتصل بحركة البناء الاستيطاني، فقد أشار تقرير لحركة "السلام الآن"
الإسرائيلية في يناير الماضي إلى أن البناء الاستيطاني في الضفة الغربية بصفة
عامة قد ارتفع خلال عام 2008 بنسبة 60% مقابل العام الذي سبقه. ويؤكد التقرير إنه بالرغم من إعلان الحكومة
مرارا عن وقف البناء الاستيطاني ومصادرة الأراضي، إلا أن الحقائق على الأرض
تتناقض مع هذا التعهد، وشهدت المستوطنات عمليات بناء واسعة، إلى جانب مصادرة
مساحات شاسعة من الأراضي. وقال التقرير إن مشاريع البناء الكبيرة في عدة
مستوطنات أهمها مستوطنة "موديعين عيليت" ومستوطنة "بيت أرييه".
وبشأن ما يسمى بالبؤر الاستيطانية، أي تلك التي لم تحظ بترخيص الإدارة المدنية
للاحتلال، وحصل سكانها على دعم وتسهيلات، يؤكد التقرير أنه لم يتم إخلاء أي بؤرة
استيطانية عام 2008. والأسوأ من ذلك أن بؤرة "ميغرون"
التي تعهدت الحكومة للمحكمة العليا بإخلائها، شهدت أعمال توسيع وبناء مبان
جديدة. ويشير هذا الأمر، حسب التقرير، إلى أن ذلك دفع
المستوطنين إلى تعزيزها. من يخلى المستوطنين؟ وعلى صعيد موقف الرأي العام
الإسرائيلي من ملف الاستيطان، فإنه يمكن القول أنه على الرغم من وجود اعتقاد بين
الإسرائيليين بأن عملية
إخلاء مئات الآلاف أو حتى عشرات الآلاف من المستوطنين قد تواجه
بمعارضة مسلحة وعصيان مدني من مستوطنين متطرفين، وقد ينتج عنها حدوث انشقاق في
المجتمع الإسرائيلي بين مؤيدي ومعارضي الإخلاء، بما يغذي الاعتقاد بأن عملية
الإخلاء هذه ستتطلب تأييدا واسعا لدى الشارع من أجل ضمان عدم تحولها لصراع أهلي
داخلي. على الرغم من ذلك فإن اختلاف تقييم الإسرائيليين
لأهمية المستوطنات يفتح نافذة مهمة في جدار معضلة إخلاء المستوطنات،
فالإسرائيليون ينظرون لبعض المستوطنات على أن لها قيمة أمنية أو تاريخية-دينية،
وهذا النوع من المستوطنات هو الذي يمثل المشكلة الأهم عند الحديث عن إخلاء
المستوطنات، في حين يتعامل مع المستوطنات الأخرى، ليس باعتبارها أقل أهمية، بل
باعتبارها تمثل مشكلة أمنية لإسرائيل، وعبئا عليها يتعلق بتكلفة ضمان أمن
المستوطنين بها. فعلى سبيل المثال أيد 45% في عام 1994
إخلاء المستوطنات الواقعة داخل أو بالقرب من التجمعات السكنية الفلسطينية، ثم
ارتفعت هذه النسبة إلى 50% في العام التالي. وفي هذا
الإطار، لابد من الإشارة إلى أنه لم يتبلور إجماع يهودي مؤيد لكافة المستوطنات
عبر سنوات عملية التسوية. ففي عام 1990 مثلا، لم
تتجاوز نسبة مؤيدي كافة النشاطات الاستيطانية 31%، بينما عارضها 26%، فيما بقي
أقل من النصف قليلا بين الموقفين. الولايات المتحدة
والاستيطان الاسرائيلى أما بخصوص موقف الولايات المتحدة،
فإنها ظلت بصفة عامة تتبنى موقفا من الاستيطان يقوم على أنه عقبة في طريق السلام
بين الجانبين، دون الإشارة أو التورط في الحديث عن شرعية الاستيطان وعدم
قانونيته في ضوء قواعد القانون الدولي. ومع ذلك فإن الموقف الجديد من الرئيس أوباما، وإن كان يأتي تأكيدا على الموقف الأمريكي المستمر
من الاستيطان، إلا أنه يذهب خطوات أبعد من سابقيه في محاولة التصرف تجاه إسرائيل
انطلاقا من هذا الموقف، على اعتبار أنه إذا كان الاستيطان عقبة في طريق السلام
وإقامة الدولة الفلسطينية طبقا للرؤية الأمريكية، فإنه يجب أن تتوقف إسرائيل عن
الاستمرار فيه، ويبدو أن الرئيس الأمريكي مصرا على التصرف على هذا النحو. إذ
تراكمت التصريحات الأمريكية، سواء على لسان الرئيس باراك أوباما
أو على لسان مبعوثه للسلام في المنطقة جورج ميتشيل أو المتحدثين باسم البيت الأبيض والخارجية، التي
تؤكد على معارضة الولايات المتحدة للمنهج الإسرائيلي في الاستمرار في عملية
الاستيطان في القدس، وعلى ضرورة أن تنفذ إسرائيل التجميد الكامل للمستوطنات,
بما في ذلك ما تسميه إسرائيل النمو السكاني. والمشكلة
الحقيقية التي تواجه الرئيس الأمريكي في موقفه من الاستيطان الإسرائيلي، وعلى
الرغم من التأييد الدولي بشكل أو بأخر لهذا الموقف، فهي موقف رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نيتنياهو، الذي يصر على تحدي
الولايات المتحدة الأمريكية وعدم التعاون معها في هذا الملف، مدعوما بأقطاب
حكومته اليمينية، الذين يرون ضرورة عدم التعاطي مع الموقف الأمريكي باعتباره
يمثلا خطرا على المصالح الإسرائيلية. إذ دعا رئيس الكنيست رؤوبين
ريبلين رئيس الحكومة إلى إبداء موقف غير متهادن تجاه
الموقف الأمريكي، كونه يعرض القدس ومستقبلها للخطر. وقال أنه "من دون
البناء في "معاليه أدوميم"
والبناء في المنطقة المعروفه
باسم "أيه 1" لتحقيق التواصل بينهما وبين القدس، لن يكون سلام إنما تقسيم للقدس،
والتقسيم سيفاقم النزاع". وقد شاركه في هذا الموقف
نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية زعيم حركة "شاس"
إيلي يشاي مؤكدا على أن
مواصلة البناء في القدس والضفة الغربية المحتلتين ليست موضع تدخل خارجي ولا
تحتاج إلى ضوء أخضر أمريكي. وهو الأمر الذي يصفه الكثير بالقول أن إسرائيل باتت
في تحدي واضح للسياسة الأمريكية، وهو تحدي يرى الإسرائيليون ضرورة أن يكسبوه،
فيما يأمل الفلسطينيون والعرب أن تكسبه الولايات المتحدة. وفي الحقيقة، فإنه إذ
كان نجاح الولايات المتحدة في هذا التحدي معقود ـ بالدرجة الأولى ـ بالرغبة
الأمريكية لإثبات أن ثمة تغيرا قد حدث بوجود أوباما،
فإن تحول ملف الاستيطان في القدس ليصبح قضية أمريكية إسرائيلية ـ وليس فلسطينية
إسرائيلية ـ سيكون عاملا أساسيا في التعامل مع ملف الاستيطان الإسرائيلي في
الأراضي المحتلة برمته. * باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام |
|
|
|
علق على المقال نسخة الطباعة |
||
|
الإراء و الأفكار
الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا
تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز |