|
للمرة الثالثة وفى مطلع صيف هذا العام، سرت شائعات كثيرة حول قرب حل مجلس الشعب، وأخذت العديد من الصحف الخاصة وصحف المعارضة فى نشر تحليلات وتكهنات حول صدور قرار رئاسى قريب بحل المجلس والدعوة إلى انتخابات جديدة. وقد اثار الامر اسئلة اكثر مما قدم من اجابات حول الاسباب التى تدعو إلى ذلك، وما هى اعتبارات الضرورة التى تفرض مثل هذا التطور رغم عدم وجود اى مبررات ظاهرة.
تكهنات وشائعات
لقد جاء تركيز بعض الصحف الخاصة على احتمال حل مجلس الشعب بالتوازى مع عدد من البرامج الفضائية ذات كثافة المشاهدة العالية وكأنه يلعب دور المحرض بالفعل على حل مجلس الشعب. وقد أشارت بعض هذه التقارير إلى ان مصدر الشائعة هو الحزب الوطنى الحاكم نفسه، فى حين نفى الحزب هذا الامر عدة مرات.
وكان النائب مصطفي بكري قد أكد في برنامج القاهرة اليوم احتمال حل المجلس الشعب، إلا أنه لم يحدد سببا معينا وراء ذلك، وكذلك فعل آخرون، فى حين ربط البعض احتمال حل المجلس بأنه جزء من إعداد المسرح السياسى لكى يعتلى نجل الرئيس مبارك سدة الرئاسة لاحقا.
والمفارقة الكبرى أن كل الذين اكدوا احتمال حل المجلس ظهروا وكأن هناك سببا غامضا لا يعرفه أحد سيؤدى إلى قرار الحل، كما لم يشر اى منهم إلى مصدر صريح لهذا التكهن، الامر الذى طرح مسألة الضرورة المنصوص عليها فى الدستور والتى تبرر حل لمجلس فعليا وفقا لتقدير الرئيس.
فبالفعل حل الرئيس مبارك مجلس الشعب مرتين في الثمانينات وكان الحل لأسباب دستورية تتعلق بتكافؤ الفرص بين المرشحين كما أنه كان يستجيب لحكم المحكمة الدستورية العليا وليس لمجرد التمتع بحل المجلس. ومعروف أن المادة 136 من الدستور تجيز لرئيس الجمهورية إصدار قرار بحل المجلس عند الضرورة. وهو أمر يخضع أيضا لتقدير الرئيس نفسه، فما قد يراه البعض ضرورة تبيح حل المجلس، قد لا يراه الرئيس كذلك.
رغم غموض السبب وراء حل المجلس حسب الذين تكهنوا بذلك خلال الصيف الحالى، فقد اجتهد البعض فى طرح عددا من الاسباب التى تجيز حل المجلس من وجهة نظره، وهى:
تحديد حصة للمرأة فى مجلس الشعب: فقد جاءت موافقة مجلس الوزراء المصري فى الثامن من شهر يونيو 2009، على مشروع تعديل قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972، بحيث يتم انتخاب 64 مقعداً إضافياً يقتصر الترشيح فيها على المرأة؛ نصفهن من العمال والفلاحين، على أن يكون التنافس في 32 دائرة انتخابية في 28 محافظة تقتصر على المرأة فقط وقد أثار ذلك جدلا شديدا بين المعارضة والحكومة، بالإضافة الى انه أثار بعض المخاوف من ظهور مطالبات لتخصيص مقاعد لفئات أخرى في المجتمع، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تطرق البعض إلي اتهام المجلس بعدم الدستورية حيث أن هذا القانون الذى يبيح حصة للمرأة يتعارض من وجهة نظرهم مع المادّة 40 من الدستور، والتي تُـقر بالمُـساواة بين الرجل والمرأة، وتمنع التميّـز بينهما بسبب الجِـنس أو اللّـون أو العقيدة".
ورغم أن "المادة (40) تقرِّر المساواة بين المواطنين دون تمييز بين الجنسيْـن، ومِـن ثَـمَََّ فلا يجوز التمييز بينهما، باعتبار المساواة حقّ منصوص عليه في الدستور"، إلا أن المشرِّع الدستوري تدخل وقام بتعديل المادة (62) عام 2007 ونصّ في آخرها على ( ويجوز أن يتضمن حدّا أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين). ومع ذلك وبعد صدور القانون فقد اعتبره البعض سببا وجيها يقود مباشرة لحل مجلس الشعب.
ضغوط تزامن الانتخابات: علي الرغم من أن انعقاد الانتخابات الثلاثة، اى التشريعية لمجلس الشعب، والتجديد النصفي لمجلس الشوري، ثم الانتخابات الرئاسية، تعد بمثابة فرصة ذهبية للتنافس بين الأحزاب للترشيح في هذه الانتخابات والمشاركة السياسية الجادة، خاصة بعد أن أصبحت الانتخابات الرئاسية تجرى بطريقة تنافسية، إلا أن المتكهنين بحل المجلس وضعوا من تتالي الانتخابات خلال عامي 2010-2011 ذريعة لحل مجلس الشعبوذلك بحجة ألا تنشغل الدولة في هذا الوقت القصير بثلاث انتخابات مما قد يتسبب في إرهاق الأجهزة المعنية، الامر الذى اعتبروه مبررا معقولا لحل المجلس وإجراء انتخابات مبكرة كحل أمثل لإنقاذ مصالح الدولة السياسية والاقتصادية، فمن ناحية لإعطاء مساحة زمنية كافية بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية. وأما علي المستوي الاقتصادي فستضطر وزارة المالية لتوفير نحو 180 مليون جنيه كإعتمادات مالية لازمة لإدارة العملية الانتخابية وهو أمر مرهق للميزانية، علي الرغم من أن مسألة الميزانية وفقا للمواد الدستورية تقررها السلطة التشريعية بالدولة .
إعداد المسرح لتغييرات رئاسية مبكرة: ركز المتكهنون بحل مجلس الشعب على ما اعتبروه تمهيدا لتوريث الحكم، استنادا إلى افتراض بقرب تنحي الرئيس مبارك لإفساح المجال أمام نجله جمال للوصول إلى الرئاسة. غير ان هذا الافتراض بدا غريبا وغير مفهوم، إذ لو كان الرئيس يهدف من وراء حل المجلس التخلص من بعض النواب أو الكتل المعارضة فليس هناك اى ضمان أن يحصل الحزب الوطنى على الأغلية الكاسحة فى أى انتخابات مبكرة. ومع افتراض صحة هذا الأمر فمن هذا الذي أباح له الرئيس بمثل هذا التصور؟، وهل كان يستطيع هذا الشخص أن يسرب ذلك إلى الاعلام من اجل نشره بهذه الصورة المسيئة؟، الاكثر من ذلك فإن التعميق فى الأمر لا يكشف اى علاقة بين حل المجلس وبين الانتخابات الرئاسية المقبلة ايا كان الشخص الذى سيرشح نفسه فيها.
الحزب الوطني ومبررات النفى
بعد هذه الشائعات المتكررة بشكل مفرط اختلفت ردود أفعال الأحزاب والقوى السياسية فى التعامل معها، فبينما ارتبكت بعض الاحزاب نظرا لقصور مواردها وعدم قدرتها على المشاركة فى انتخابات برلمانية مبكرة للغاية، تعاملت بعض الاحزاب الاخرى مع الامر على انه انه احتمال جاد يجب الاستعداد له.
أما الحزب الوطنى الحاكم فقد تعامل مع التكهن بحل المجلس باعتباره إشاعة غير مبررة، وجاء رد قيادات الحزب فى صورة شرح مكثف لحل المجلس وفقا لما هو موجود فى الدستور، مع التأكيد على أن قرار الحل وتحديد معنى الضرورة هو بيد الرئيس اولا واخيرا.
فقد أكد الدكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب أنه لا يوجد خلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية يستدعى حل البرلمان. وأضاف أيضا أن "رئيس الجمهورية حكم بين السلطات، وهو قائد للحياة السياسية باعتباره منتخبا مباشرة من الشعب، فاذا وجد الرئيس أن هناك صراعا بين البرلمان والحكومة، وأن الخلاف بين الاثنين احتدم بصورة يتعذر معها حسن سير المؤسسات التشريعية والتنفيذية فانه قد يلجأ إلى الحل" .، وقد أكد أيضا أن حل مجلس الشعب يقتضى وجود ضرورة يحددها رئيس الجمهورية فحق الرئيس في حل مجلس الشعب موجود في العديد من الدساتير خصوصاً في الأنظمة الرئاسية كمقابل لحق البرلمان في أن يطرح الثقة بالحكومة.
وأوضح د. فتحى سرور أيضا أن ما تردد مؤخرا هو "شائعات غالبا ما تتردد عند نهاية كل دورة برلمانية".، وأضاف أنه لا يدرى من هم أصحاب المصلحة بشأن ترويج شائعة الحل .. لأن المصلحة الوحيدة للحل هى المصلحة العامة، وليست المصلحة الشخصية"، مشيرا إلى أنه ليس عيبا أن ينادى البعض بحل المجلس، فربما تكون فى أذهانهم أهداف معينة تتعلق بمصلحة عامة، إلا أن عليهم أن يفصحوا عنها.
ومن جانبه أكد د. مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والبرلمانية في تصريحاته لصحيفة الجمهورية أن حل مجلس الشعب هو سلطة تقديرية قررها الدستور لرئيس الجمهورية، وإن تكهنات بعض الصحف حول حل المجلس لا أساس لها من الصحة. وقال السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى والأمين العام للحزب الوطني الديمقراطيأنه "ستجرى انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى في ابريل 2010، ومجلس الشعب في نهاية دورته في 2010". وكان رده عن إحتمال حل المجلس كالتالي: "حل المجلس من حق رئيس الجمهورية"، وقال أن سبب هذه الأقاويل هو قانون المرأة وإتاحة 64 مقعداً للمرأة في مجلس الشعب. وحول استعدادات الحزب الوطنى للانتخابات المقبلة فى العامين المقبلين، اكد أن الحزب يعمل للانتخابات المقبلة منذ فترة طويلة سابقة، وأن الحزب يتحرك بشأن انتخابات 2010 وكأنها ستكون غدا، حيث اخذت هيئة مكتب الحزب الوطني عدة إجراءات وتدرس مع أمانة التنظيم الخريطة السياسية الموجودة وما هو تقييم أعضاء الهيئة البرلمانية وقدرتهم، وتقييم الآخر.
وهكذا فإن مجمل موقف الحزب الوطنى هو اعتبار التكهن بحل مجلس الشعب ليس سوى إشاعة لا ضرورة تسندها، وان القرار اولا واخيرا هو بيد الرئيس من الناحية الدستورية، وان الذين أشاعوا هذا الامر تحركهم مصالح شخصية فى حين ان الاصل هو المصلحة العامة التى يحددها الرئيس.
|