الجدل حول "الكوتا" النسائية فى البرلمان المصرى

 أحمد خميس كامل*

‏العدد 38 ‏: 22 يونيو 2009

 جاءت موافقة مجلس الوزراء المصري فى الثامن من شهر يونيو 2009، على مشروع تعديل قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972، بحيث يتم إضافة ٣٢ دائرة انتخابية جديدة، ويتم فيها انتخاب ٦٤ مقعداً إضافياً يقتصر الترشيح فيها على المرأة؛ وذلك لمدة فصلين تشريعيين مقبلين فقط، على أن ينتخب عن كل دائرة عضوان يكون أحدهما على الأقل من العمال والفلاحين. وهو ما يتسق مع ما طالب به الرئيس مبارك، فى المؤتمر السنوى الخامس للحزب الوطنى الديمقراطى (1-3 نوفمبر2008)، كلا من الحزب الوطنى والحكومة، بطرح التعديلات التشريعية؛ لاضافة مقاعد جديدة للبرلمان بمجلسيه (الشعب والشورى)، وتخصيصها للمرأة قبل إنتخابات عام 2010؛ من أجل تعزيز مشاركة المرأة فى الحياة السياسية.

ويتفق التعديل مع رؤية الحزب وحكومته، تجاه زيادة المشاركة السياسية للمرأة، وتفعيل المادة (62) من الدستور المصري التى تم تعديلها عام 2007، والتى تتيح المرونة للمشرع بأن يتبنى النظام الانتخابي الذى يمكن أن يضمن حدا أدنى لمشاركة المرأة فى البرلمان. وقد طرح الحزب الوطنى ملامح رؤيته لضمان زيادة تمثيل المرأة فى البرلمان، والتى تقوم على:

ـ تخصيص مقاعد للمرأة بالانتخابات فى مجلسي الشعب والشورى.

ـ إضافة مقاعد للمرأة الى عدد المقاعد الحالي لمقاعد مجلسي الشعب والشورى.

ـ ان يتم تخصيص مقاعد للمرأة وفقا للنظام الانتخابي المتبع ووفق قواعد الدستور.

ـ  أن يتم ادخال التعديلات التشريعية الخاصة بزيادة مقاعد المرأة فى البرلمان قبل الانتخابات القادمة لمجلس الشعب 2010؛ لكى تطبق فيها.

    وبناءا على ذلك، وما طرحه الرئيس فى خطابه أمام الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشورى، فى افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة، وقد تقدمت الحكومة بطلب تعديل قانون الانتخاب، بحيث يخصص مقعدين برلمانيين للمرأة عن كل محافظة بما يساوى 56 مقعدا على مستوى الجمهورية؛ وذلك تمشيا مع زيادة عدد السكان ، إلا أن الأمر قد استقر فى النهاية على تخصيص 64 مقعدا إضافيا تتنافس عليهم المرأة فقط.

     وتعرف الكوتا النسائية (حصص النوع الاجتماعى)، ب " الآليات المؤسسية التى تعمل على تزويد المرأة بالوسائل التى تضمن لها المشاركة فى المناصب السياسية العامة، التى كانت تقليديا دون مستوى المشاركة" .  

   كما يمثل نظام الكوتا انتقالا من مفهوم تكافؤ الفرص الى مفهوم تكافؤ النتائج ، على أساس أن إسقاط الحواجز الرسمية ليس كافيا ً في ظل العديد من المعوقات الواقعية والعملية، ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لذا يعد نظام تخصيص المقاعد وسيلة لتحقيق تكافؤ النتائج والقفز فوق تلك المعوقات، وتعتبر بمثابة تعويضا للمرأة عن التمييز ضدها. 

 الالتزام بإتفاقية السيداو

الجدير بالذكر أن الحكومة المصرية تبذل جهودا حثيثة من أجل إظهار التزامها بإتفاقية السيداوا، وهى الاتفاقية المعنية بالقضاء على كافة اشكال التمييز ضد المرأة)، التى صدقت عليها مصر، وتعمل على الالتزام بموادها المختلفة (بخلاف المتحفظة عليها)، فقد نصت المادة (7) من هذه الاتفاقية (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979) على ضرورة أن تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة على قدم المساواة مع الرجل الحق في (أ)التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام، (ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفي تنفيذ هذه السياسة، وفي شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية، (ج) المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد.

        كما نصت في المادة (4) من هذه الاتفاقية على أنه "لا يعتبر اتخاذ الدول الأطراف تدابير خاصة مؤقتة تستهدف التعجيل في المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة تمييزا بالمعنى الذي تأخذ به الاتفاقية، ولكنه يجب ألا يستتبع، على أي نحو، الإبقاء على معايير غير متكافئة أو منفصلة، كما يجب وقف العمل بهذه التدابير متى تحققت أهداف التكافؤ في الفرص والمعاملة" . ويعد من قبيل هذه التدابير الخاصة المؤقتة، الأخذ بنظام الحصص Quota. ويأتى إقرار التعديل التشريعى المشار إليه قبل تقديم مصر لتقريرها الدورى الى آلية متابعة تنفيذ إتفاقية السيداو عام 2010.

        وقد حث تقرير صادر عن معهد الامم المتحدة لبحوث التنمية، بعنون "المساواة بين الجنسين كفاح من أجل العدالة فى عالم غير متساو"، دول العالم الى الاخذ بالكتلة الحرجة، التى يمكن ان تسهم فى إحداث تغيير فى الثقافة والممارسة تجاه المرأة، وذكر بأن هذه النسبة الحرجة تبلغ حوالى 30%، سواء فى الهيئات الحكومية او فى المجالس النيابية؛ مسترشدا فى ذلك بتجربة الدول الاسكندنافية، التى أخذت بتلك الكتلة الحرجة من النساء، وجاءت بثمار تزايد مشاركة المرأة فى الحياة السياسية فى تلك الدول.

       وقد رأى تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2005 إستحالة النهضة العربية، فى ظل العوائق التى تقف عثرة أمام تمتع المرأة بحقوقها الانسانية، ومساهمتها فى التنمية. ويرى ضرورة إزالة التمييز ضد المرأة من جذورها، فى التقاليد العربية وخاصة الثقافية منها. ويقترح التقرير، مجموعة من الاصلاحات لضمان تمتع المرأة بكافة حقوقها السياسية والمدنية والاقتصادية، أهمها ضرورة "تحقيق الاتساق الكامل بين القوانين الوطنية من جهة، والاتفاقية العالمية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقات العمل الدولية من جهة أخرى، عن طريق تخصيص حصص للنساء في الهيئات السياسية، وتبني قوانين محدثة للأحوال الشخصية".  كما يدعو  إلى "اعتماد مبدأ الدعم التفضيلي المؤقت، أو التمييز الإيجابي، في كل مجتمع عربي حسب ظروفه الخاصة، لتوسيع نطاق مشاركة النساء في مختلف مجالات النشاط البشري". ويرى صعوبة تحقيق نهوض للمرأة في الوطن العربي بمعزل عن إصلاح السياق المجتمعي.

       وهذا ما يعبر عن إهتمام عالمى متزايد بضرورة تمكين المرأة ودفعها للمشاركة السياسية بوجه خاص، والمشاركة فى كافة أوجه الحياة بوجه عام، ومصر ليست بمعزل عن العالم وما يحدث فيه من تطورات، فهى متابع مدقق لما يحدث، لذا أخذت مؤخرا بنظام الكوتا؛ من أجل ضمان أكبر نسبة مشاركة للمرأة المصرية وتفعيل دورها.

محاذير حول الكوتا

       يرجع تبنى نظام الحصص الى واحد من أربعة أمور:

أولا، تعبئة النساء للحصص لزيادة تمثيل النساء، حيث يتم  الترويج لهن؛ ويرجع الفضل فى ذلك الى الحركات النسائية القوية، والضغط الذى يمارس من قبل مجموعات النساء داخل الأحزاب السياسية.

ثانيا، معرفة النخب السياسية لفوائد استراتيجية تبنى الحصص، فقد يرى إحدى النخب أن ضعف التنافس الحزبي قد يسهل استخدم النساء، خاصة فى حالة رغبة نظم الحزب الواحد أن تضفى على نفسها شرعية اجتماعية،  وقد يرجع ذلك الى الرغبة فى  تعزيز السيطرة، وليس بناء على معايير او قيم أو تطور طبيعى فى الحركة النسائية.

ثالثا، اتساق نظام الحصص مع الأفكار السياسية الحالية أو الصاعدة بشأن المساواة والتمثيل، لاسيما فى مراحل التحول الديموقراطى وبناء مؤسسات ديموقراطية جديدة؛ من اجل تأسيس الشرعية الوطنية والدولية لهذا النظام الجديد.

رابعا، حصص مدعومة من قبل المعايير الدولية، كالتى ترجع الى توصيات الاجتماعات والمؤتمرات الدولية، التى تحث الدول الاعضاء على تحسين وصول المرأة الى مواقع اتخاذ القرارات السياسية، كاتفاقية السيداو، ووثيقة عمل بكين، وهما الوثيقتان الاكثر تأثيرا فى العالم. فضلا عن مساعدتها فى رفع الظلم الواقع على المرأة والتمييز ضدها؛ بما يعبر عن رغبة عالمية فى نصرة حقوق المرأة السياسية بوجه خاص، والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

 انتقادات للكوتا

       وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة؛ التى تمثل إعترافا من المجتمع بأهمية ومحورية دور المرأة، الا أنها لم تسلم من العديد من الانتقادات، والتى تدور فى الغالب حول محاور أربعة، وهى:

1ـ عدم القدرة على توفير العدد (64) من المرشحات المؤهلات للترشيح فى كل المحافظات. 2ـ أن الاتجاه صوب تخصيص المقاعد للمرأة تتنافس عليها، قد لا يساعد على دمج المرأة فى المجتمع بوجه عام، وفى الحياة السياسية بوجه خاص، ومن ثم يتناقض مع ما تقوم به الدولة عبر مؤسساتها المختلفة بالتنسيق مع المجلس القومى للمرأة، المنوط بكل شئون المرأة. 3ـ أن الاخذ بنظام الكوتا للمرأة بصفتها فئة مهمشة، قد يغرى الفئات الاخرى التى تعانى من التهميش فى المجتمع للمطالبة بتخصيص مقاعد لها على شاكلة مقاعد المرأة.

4ـ أن من الضرورى وضع معايير للاختيار، على اساس الكفاءة، حتى لا يتحول التخصيص الى وضع ديكورى تزيينى، لا يحسن من وضع المرأة، ويكون غنيمة يقتنصها أحد الاطراف على حساب الأطراف الاخرى.

      ويقترح البعض، ضرورة الاخذ بنظام القوائم النسبية، وهو النظام الذى يعتبر صديقا للمرأة إذا ما تم إلزام الأحزاب بترشيح المرأة على قوائمها، وتحفيز الملتزم ومعاقبة المتخاذل، بالاضافة الى تنمية الوعى السياسي للمرأة المصرية، عبر تعريفها بحقوقها السياسية، وشن حملة إعلامية مخططة ومنظمة، لكسب تأييد مجتمع لصالح المرأة، حتى تتوفر لها سبل الجمع بين أعباء الحياة السياسية ومسئولياتها الأسرية، ووضع خطة لتدريب السيدات على خوض المعارك الانتخابية والقيام بحملات الدعاية وخلق نجم انتخابي، مع الحرص على ابراز قيم المساواة بين الرجل والمرأة وفق الدستور والقانون.

وفى مواجهة هذه الانتقادات يرى المناصرون لنظام الكوتا أن ما أقدمت عليه الحكومة المصرية خطوة هامة ولكنها تستلزم ايضا خطوات أخرى تصب فى مزيد من التوعية المجتمعية لدعم وضع المرأة فى الحياة السياسية، وحتى يجنى ثمار زيادة مشاركة المرأة سياسيا، وتحصل على حقوق ظلت على الورق لفترة طويلة. فضلا عما تمثله هذه الخطوة، من وفاء مصر بالالتزامات التى قطعتها على نفسها عندما صدقت على اتفاقية السيداو، وتفعيلا للتعديلات الدستورية الاخيرة فى عام 2007، خاصة المادة 62، الخاصة بتحديد حد أدنى من المقاعد للمرأة فى مجلس الشعب.

* معيد بقسم العلوم السياسية، ج.حلوان 


علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023