محمد عز العرب | ||||||||
| العدد | 34 | : | 12 | مايو | 2009 |
وفي تلك الفترة، يشهد هيبا مقتل فيلسوفة الإسكندرية هيباتيا، ولأنها خطية بليغة اتهمها رجال الكنيسة بالهرطقة، وتم الاعتداء عليها وقتلها. كما تصور المخطوطات العلاقات العاطفية في حياة الراهب هيبا والتي تكون أولها مع امرأة وثنية تهجره وتطرده من حياتها بعد معرفتها بأنه راهب مسيحي. ورغم مشاعر الإحساس بالذنب التي يحملها هيبا في عقله ووجدانه فإنه يقع مجددا في معصية الجسد بعد أن يبدأ علاقة جديدة مع مرتلة الأناشيد الدينية في الكنيسة كنوع من البحث عن استمرارية الحياة خصوصا وأنه طبيب ينتصر لصالح الحياة دائما. وبالتالي فإن تسمية الرواية بعزازيل، باعتبار الأخير الشيطان (إبليس) الذي يغري هيبا بأن يحكي سيرته ويعزي إليه بارتكاب الخطايا ويجمل في عينيه المعاصي.
ويضيف بينما رأت رواية كينجسلي أن خلاص الراهب يتحقق بالعودة للدير ترى عزازيل أن الخلاص في خلع ثوب الرهبنة تماما، إضافة لتصوير رجال الكنيسة في ذلك الوقت بصورة سلبية للغاية. كما اعتبر الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس ومطران دمياط الرواية بأنها تمثل تعصبا ضد المسيحية أو تتدخل في أمور داخلية تخص العقيدة المسيحية. وأضاف نحن ككنيسة وطنية وقفنا ضد كل ما يسئ للإسلام، وأوقفنا القمص زكريا بطرس ورفضنا الرسوم المسيئة للرسول. وشبه فوز زيدان بالجائزة بفوز سلمان رشدي بجائزة مماثلة عن روايته آيات شيطانية، وهذه الجائزة ستشجع على الأدب المناهض للأديان خاصة أن القائمين عليها لم يكونوا متخصصين وغير مدركين للقضية التي ترصدها الرواية وتخالف الحقيقة.
ويرى رمسيس النجار عضو هيئة مستشاري الكنيسة الأرثوذكسية أنه من الممكن في وسط المناخ الطائفي السائد في مصر أن يخرج علينا باحث لاهوتي مسيحي برواية للسيرة النبوية قد تلقي اعتراضات من الجانب الإسلامي ونصبح في سباق طائفي لا نعرف مدى نهايته. وقد برز في الاتجاه القبطي الرافض للرواية ما يشير إلى وجود النية لرفع قضايا في المحاكم المصرية لمصادرة العمل، حيث بدأ بعض المحامين الأقباط في تحريك دعاوى ضد الرواية لمنع ترويجها ومصادرتها، ومن بينهم المحامي نجيب جبرائيل رئيس مركز حقوق الكلمة، الذي اعتبر الرواية مسيئة، تطعن في العقيدة المسيحية، حيث تقول ببشرية المسيح وليس بألوهيته، معتمدة في ذلك على آراء نسطور والمحروم من الكنيسة الذي فصل بين الطبيعتين البشرية واللاهوتية للمسيحية.
ويشير جبرائيل إلى أن زيدان عبر في تلك الرواية عن آرائه بهجومه اللاذع على الكنيسة القبطية، وأنه سوف يقوم بصفته - المستشار القانوني للبابا- برفع دعوى عاجلة لمنع تداول الرواية. ومن وجهة نظره، ثمة حق للكنيسة في المطالبة بمصادرة أي عمل إبداعي يتعدى على القيم المجتمعية والرموز الدينية والموروثات الثقافية. ويتفق مع الرأي السابق القمص صليب متى ساويرس وكيل المجلس الملي وكاهن كنيسة الجيوشي أن الكنيسة مثلها مثل المؤسسة الأزهرية لها الحق في أن تطالب بمصادرة أي كتاب يهدم في الأسس الدينية، أو يتطاول على الأديان. وواقع الامر أن رواية عزازيل لم تكن العمل الأدبي أو الفني الوحيد الذي يثير لغطا واسعا حول حق الكنيسة في طلب المصادرة أو منع النشر أو حظر الترويج، حيث تكرر هذا الوضع مع فيلمي بحب السيما وواحد صفر، ومسلسلي أوان الورد وبنت من شبرا، ورواية وليمة لأعشاب البحر.
ويقول د.البياض بشأن الخطوط الفاصلة بين المقدس والإبداع بالتطبيق على رواية عزازيل إن المقدس هو النصوص القطعية السماوية غير القابلة للتأويل، لكنها قابلة للتفسير، ولا يوجد نص لا يخضع للتفسير، وكل المتون والنصوص يجب أن تفسر، فالنص حمال أوجه، فالنص لابد أن يتفق مع العصر، وأن أهم ميزات النصوص الإلهية أنها صالحة دائمة لكل الأزمنة. ويرى كمال زاخر المنسق العام لجبهة العلمانيين الأقباط أن رواية عزازيل أدبية مكتملة الأركان، تعبر عن رأي الكاتب وإبداعه، ولا يمكن نقدها على أساس مرجعية دينية، وإنما وفقا للأدوات الأدبية ورؤية المتخصصون في هذا المجال.
ويرى هاني جرجس فوزي المنتج السينمائي أنه لا يجوز لأحد مصادرة أي عمل إبداعي، فأحد الحقوق الأساسية للإنسان إنتاج عمل فكري، ومن حق الرافضين لعمله القيام بإصدار عمل فكري مضاد، أو يقوموا بدورهم في ترسيخ وعي جيد لدى الجمهور، وتنبيههم بأن هذه الأعمال هشة. فالمشكلة في الكنيسة (أو المؤسسة الدينية على وجه العموم) أنها غير قادرة على بلورة وعي لدى الجمهور. فالخوف من الرد على العمل الإبداعي يظهر أن هناك أشياء لدى المؤسسة الدينية تفضل إخفاؤها وتخشى من ظهورها للعيان. وبالتالي، يقف هذا الاتجاه ضد فكرة مصادرة أي عمل إبداعي مرئيا أو مكتوبا، لأنها تعطي مشروعية وانتشار للعمل المراد مصادرته.
كما أن حدود النشر ومساحات الحرية اتسعت بدرجة لم يعد تخيلها بحيث صار من الصعوبة على أي جهة رقابية أن تصادر العمل بشكل كامل في وجود فضاء عام جديد الإنترنت وتزايد مساحة النشر الإلكتروني بخلاف انتشار كبير للفضائيات. علاوة على ذلك، فإن جمهور الديانة الذي سيتأثر إيمانه بعمل إبداعي ليس أهلا لأن يعتنق هذه الديانة، وإيمانه بها محل شك. فالمعيار الوحيد للحكم على العمل الفني أو الأدبي هو قواعد هذا العمل، وأنه من الخطأ تقييم الأشياء والحكم عليها بوجهة نظر غير القواعد الفنية التي ينتمي إليها العمل أيا كان لونه أدبي/ مسرحي/ درامي..إلخ.
أما الناقد والأديب محمد السيد عيد فقد أوضح أن كاتب عزازيل أراد من تصويره للصراع بين المسيحية والوثنية، وبين الفرق المسيحية وبعضها أن يبين خطورة سيطرة المتشددين الدينيين على الرأي العام في أي مكان، حيث لا يترتب عليه سوى العنف والقتل والدم، والصورة التي يقدمها زيدان للاسكندرية الوثنية تجعل الفرد يتحسر على اندثارها، ولا يقصد بالوثنية في هذا السياق الكفر، بل الوثنية كمرحلة تاريخية، ازدهر فيها العلم والفكر، وسبقت الإسكندرية كل ما عداها من مدن. ويرى السيد عيد أنه يحسب لزيدان الدخول في منطقة لم يتطرق إليها الأدباء من قبل، لعدم توفر مراجعها، وصعوبة التوغل فيها، حيث طّوع المادة التاريخية للعمل الأدبي، دون أن يطغى التاريخ على الفن، وهو ما كان مأزقا يواجه العديد من الكتاب.
علق على المقال نسخة الطباعة
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037 فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023 |