مشكلة شركات توظيف الاموال فى مصر

كمال نصر حماد

‏العدد25‏:25مايو2009
لم تعد مشكلة شركات توظيف الأموال غريبة على المجتمع المصري فمنذ بداية ظهورها فى اواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، ورغم الضجة الكبيرة التى اثارتها أشهر تلك الشركات انذاك ( الريان، السعد، الشريف، الهدى مصر، بدر، الهلال..) وما بذلته الحكومة من جهود لتجنب تكرارها، الا ان حالاتها استمرت فى الظهور خلال العشرين عاما الماضيةوكان اقربها خلال العامين الماضيين سقوط عدد من شركات توظيف اموال فى مجال تجارة كروت شحن المحمول وشركات تجارة السيارات الى ان تفجرت فى قبل شهرين آخر وأحدث هذه الحالات وهى قضية مالك شركة أوبتيما جلوبال هولدنج لتداول الأوراق المالية نبيل البوشي المتهم بالاستيلاء على أموال نحو 48 شخصا والتي بلغت أكثر من 37 مليون دولار بزعم توظيفها واستثمارها فى نشاط تجارة الأوراق المالية مقابل عائد شهرى يفوق عوائد الايداع فى البنوك، ويفوق ايضا العوائد من كافة مجالات الاستثمار المتاحة حيث بلغ هذا العائد نحو 30%.
بيئة حاضنة
تتعدد حالات وقضايا شركات توظيف الاموال وان اختلفت أشكالها وأدواتها وأوقات ظهورها، فتارة تظهر فى شكل شركات تجمع الاموال لأوجه الاستثمار الانتاجى، وتارة أخرى تظهر لتوظيف الاموال فى النشاط التجارى، وهما الشكلان الأغلب لهذه لشركات. ثم ظهرت مؤخرا تحت ستار السمسرة في الاوراق المالية، إلا أن كل هذه الشركات يجمعها دائما تشابه كبير فى مسببات ظهور نشاطها وكذا البيئة التى يعمل خلالها اصحاب هذه الشركات فى نصب شباكهم والايقاع بضحاياهم، حيث تجمع اراء الخبراء الاقتصاديين على ان عددا من الظروف الإقتصادية منها إنخفاض أسعار الفائدة بالجهاز المصرفى، وارتفاع معدل التضخم، وإرتفاع أسعار الذهب، وركود السُوق العقارى، والركود والاقتصادى، ومحدودية وعدم تنوع أوجُه الإستثمار، فضلا عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية السائدة تشترك جميعها فى ايجاد مناخ مُناسب لظهور هذا النشاط، كما ان هذه القضايا تجتمع فى تهديدها للاقتصاد المصري من خلال تأثيراتها السلبية على النظام المصرفي وما تحدثه من اهتزاز الثقة فى بيئة الاستثمار فى الاقتصاد المصرى. ويمكن توضيح بشكل مجرد وموجز أهم الأسباب التى تؤدى الى ظهور مثل هذه الشركات وكذا تداعياتها على الاقتصاد المصرى وكيفية تلاشى تكراره كما يلى:
أسباب اقتصادية واجتماعية و ثقافية
ـ يرجع البعض سبب ظهور شركات توظيف الاموال الى انخفاض سعر الفائدة فى الجهاز المصرفى مقارنة بمعدل التضخم مما يجعل سعر الفائدة الحقيقى سلبيا، فوفقا للأرقام والمؤشرات الرسمية فإن سـعر الفائدة الحقيقى بلغ نحو ـ 1.3% ، وـ 2.4% و ـ 3.7% خلال الاعوا الثلاثة الاخيرة 2006 و2007 و2008 على التوالى، مما يجعل توظيف الاموال في البنوك يمثل خسارة ويعرض قيمة المدخرات للتأكل ويؤدى إلى اتجاه اصحاب هذه المدخرات للبحث عن الربح السريع خارج البنوك. ويزيد من هذا الاتجاه تزايد مدخرات الافراد فى ضوء تزايد معدل نمو الناتج المحلى الاجمالى الحقيقى خلال السنوات الاخيرة والذى بلغ نحو 6.9% و7.1% و7.2% خلال السنوات الثلاث الاخيرة على التوالى. - ـ عدم التنوع فى قنوات وبدائل الاستثمار مع تدنى عوائد صناديق الاستثمار والتى لاتتجاوز 15% ، وينظر اليها على انها لا تتناسب مع معدلات التضخم الحقيقية، كما يضاف الى ذلك الركود الحالى فى سوق العقارات والانهيار الذي حدث في البورصة بعد الازمة المالية العالمية الاخيرة، فبعد أن اجتذبت البورصة فى مطلع هذ العقد عددا كبيرا من المدخرين ـ أغلبهم ليس لديهم الثقافة والخبرة الكافية لهذا المجال من الاستثمار ـ حيث حقق مؤشرها العام ارتفاعات غير مسبوقة بلغت نحو 134% عام2003 ونحو122% و146% عامى 2004 و2005 على التوالى، الا ان خسائر البورصة العام الماضى والتى بلغت نسبتها 56% أدت الى تراجع معدلات توجيه المدخرات الى البورصة يضاف الى ذلك انخفاض ثقافة الاستثمار لدى ضحايا هذه الشركات. ويزداد الأمر صعوبة مع وجود طاقات ادخارية ضخمة غير مستغلة، ووجود نحو 60% من الاقتصاد غير الرسمى الذى يبحث عن صيغ ادخارية. ـ الافتقار الى إطار قانونى صارم وملزم لشركات توظيف الاموال ويمنع تجاوزاتها، فرغم اصدار القانون رقم 146 لسنة 88 الذى ينظم عملية تلقى الاموال واستثمارها وكذا اصدار هيئة سوق المال القانون 92 لسنة 95 والخاص بعمل صناديق الاستثمار كبديل لشركات توظيف الاموال، إلا انه لا يوجد شركة واحدة مسجلة حتى الان ، كما ان هذه القوانين لم تحد من تجاوزات هذه الشركات نظرا لميل الافراد للإبتعاد عن رقابة الدولة وعدم احترام القانون فى ضوء عدم وجود جزاءات صارمة ورادعة لهذه المخالفات. ـ يرجع البعض اسباب اتجاه المدخرين الى شركات توظيف الاموال الى وجود عدد من الاختلالات التى اصابت المجتمع المصرى واثرت على معاييره الاخلاقية والقيمية حيث طغى على اثرها تفضيل المادة والمال على كافة المعايير، وسادت حالة من الجشع والرغبة فى الثراء السريع ايا كانت الوسيلة ودون النظر الى مشروعية النشاط، ودعم ذلك الاتجاه ارتفاع معدلات البطالة التي بلغت نحو 12% من إجمالي قوة العمل إلى جانب زيادة معدلات نسبة الإحباط بين الشباب بسبب ضبابية الرؤية المستقبلية، وعدم توافر مقومات الحياة الأساسية. ـ يؤكد تكرار وقوع حالات شركات توظيف الاموال الى قصور شديد فى درجات الوعى والذكاء لدى معظم ضحايا هذه الشركات حتى وان اختلفت مستوياتهم العلمية، فعندما يتعلق الأمر بجنى الأرباح تتنحى الثقافة والوعى جانبا ويحل محها الجشع والطمع فرغم أن أغلب ضحايا هذه الشركات فى الثمانينات والتسعينات كانوا من الفئات منخفضة التعليم والثقافة إلا أن مشكلة نبيل البوشى الاخيرة والذى كان ضحاياه من صفوة المجتمع والمثقفين وهو ما يؤكد ان كافة ضحايا هذه الشركات سواء فى انخفاض درجات الوعى والذكاء. والاصعب فى هذا الوضع هو النظر الى عدم وجود جدوى لاى حملات للتوعية بعدم التعامل مع هذه الشركات. فدروس العشرين عاما الماضية ومآسى الاسر التى فقدت اموالها فى هذه الشركات لم تمنع من وقوع مزيدا من الضحايا بل جاء الضحايا مؤخرا من الصفوة اجتماعيا وثقافيا. - استغلال بعض هذه الشركات الجدل المستمر حول مشروعية الحصول على الفائدة البنكية على الودائع من الناحية الدينية فعملت على استقطاب فئة المدخرين التى ترتاب من التعامل بالفائدة المصرفية حيث كثيرا ما عملت شركات توظيف الاموال تحت غطاء الاستثمار الاسلامى ووفقا لمبدا المشاركة الحلال شرعا، وعزز ذلك اغراءات ارتفاع العائد الذى تعطيه هذه الشركات والذى وصل فى بعض الاحيان الى نحو 30% و40% شهريا .
تداعيات القضية
ـ ضياع أموال المودعين هى الخسارة المباشرة واول تداعيات مشكلة شركات توظيف الاموال حيث تتفاوت التقديرات لحجم هذه الاموال الا انها تجازت مليارات الجنيهات. ـ الاقتصاد المصرى هو اهم الخاسرين من جراء نشاط هذه الشركات حيث تخرج فى العادة أغلب الاموال التى تجمعها هذه الشركات من دائرة الاستثمار المباشر المنتج الذى يخدم الاقتصاد ويساعد على رفع معدلات نمو الناتج القومى ودخل الافراد وزيادة مستويات التشغيل وخفض معدل البطالة، بل والأسوأ أن كثيرا من هذه الاموال يتم تهريبها واستثمارها خارج البلاد بما بما يزيد من نسبة التسرب من الاقتصاد وتضيع على البنوك وغيرها من قنوات الادخار فرصة استثمار هذه الاموال في تمويل المشروعات التى تساهم فى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ـ يؤدى تكرار وقوع هذه المشكلات الى زيادة اهتزاز الثقة فى بيئة الاستثمار فى مصر ويزيد من التذبذب فى قرارات الاستثمار خاصة بالنسبة لصغار المدخرين مما قد يرجح التوجه من جديد الى بدائل الاستثمار العقارى الغير منتج او الاكتناز.
فرص المواجهة
ـ أهمية وضع خريطة للفرص الاستثمارية المباشرة فى كافة المحافظات فى مصر والترويج لها مع تقديم الحوافز المناسبة للاستفادة منها والتدريب لرفع القدرات على استغلال هذه الفرص الاستثمارية مع إعطاء أولوية لتشجيع صغار المستثمرين. ـ توفير تنوع فى البدائل والادوات الاستثمارية لتجتذب الفئات المختلفة من المدخرين ولتجمع بين مزايا العائد وتحقيق الامان على اموال المدخرين، مع ضرورة تحرك الجهاز المصرفى للمساهمة فى ذلك . ـ إعطاء المزيد من الاهتمام بصيغ الاستثمار الاسلامية ( المشاركة - المرابحة -المتاجرة .... الخ) والترويج لهذه الصيغ الاستثمارية من خلال المصارف الاسلامية العاملة فى مصر أو من خلال فروع المعاملات الاسلامية فى البنوك التقليدية. ـ اهمية تشديد العقوبات فى قانون الشركات العاملة فى مجال تلقى الأموال، بل ويرى البعض إمكانية النظر فى معاقبة من يتعامل مع مثل هذا النوع من الشركات وكذا اخضاع أى فرد أو شركة تعمل فى مجال تجميع الاموال الى السلطات الرقابية ومراجعة نشاطها للتأكد من مدى صحة ما تحققه من ارباح تجعلها تعطى هذا العائد المرتفع.

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023