قرية الشورانية تعيد فتح ملف البهائية فى مصر

مروة عبد الغني الصيفي

‏العدد30‏:4ابريل2009
شهدت قرية الشورانية بمحافظة سوهاج فى 31 مارس الماضى حريقا استهدف 6 منازل، منها اربعة يقطنها يهائيون. وكان احد أصحاب المنازل الأربعة قد ظهر قبل عدة أيام فى احد البرامج التليفزيونية فى قناة دريم الفضائية، مما أثار غضب أهالى القرية الذين اندفعوا لحرق منزله ومنازل آخرين، وبعدها فر باقي معتنقي البهائية من القرية خوفا من بطش الأهالي بهم، الذين رأوا فى وجود بهائيين فى قريتهم مسألة مشينة لهم. فضلا عن تناثر إشاعات عن ممارسات يقوم بها البهائيون غير مقبولة دينيا. أثار الحادث استنكار عدد من الكتاب الذين رأوا انه يعكس زيادة مستوى العنف لاسباب دينية، وغياب التسامح، وسطوة الافكارالمرسلة لدى العامة عن الآخر. فى حين لم يبرر أحد قيام المواطنين بحرق منازل مختلفين معهم فى العقيدة، ولكنهم أقروا بصعوبة أن يقبل المجتمع المسلم بوجود من يعتنق عقيدة غير سماوية لا يعترف بها الاسلام. وقع الحادث بعد أسبوعين من إصدار الحكم النهائي للمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة في مصر فى 16-3-2009 والذى نص على تأييد حق البهائيين المصريين في الحصول على بطاقات الرقم القومي وشهادات الميلاد دون ذكر أي ديانة. وقضي الحكم بتأييد حكم مماثل كانت قد أصدرته محكمة القضاء الإداري أقل درجة في يناير 2008 بعدم جواز إجبار البهائيين على اعتناق إحدى الديانات المعترف بها رسمياً ودستوريا ـ وهي الإسلام والمسيحية واليهودية ـ كشرط لحصولهم على الأوراق الثبوتية الشخصية. وقد أثار الحكم فى حينه كثيرا من التساؤلات حول حقيقة أعداد البهائيين فى مصر وحجم الخلاف فى عقائدهم عن الاسلام والاديان السماوية الأخرى. من هم البهائيون يعتقد البهائيون فيما يعتبرونه نبوة محمد الشيرازي الذى يلقب برأس البابية، والذى يعتبر نفسه نبي ورسول مثل الانبايء المرسلين. ويرجع ظهوره إلى العام 1819 في فارس (ايران حاليا). وفى ذلك الوقت انضم للطائفة البابية أخوان هما حسين النورانى وأخر غير شقيق له يسمى الميرزا يحيى. يؤمن البهائيون بكتاب لهم يسمى الأقدس، ويصفونه بأنه كتاب سماوى ناسخ للكتب التى سبقته، ويقولون انهم يؤمنون بكافة الرسل والديانات السماوية السابقة، ولكنهم لا يؤمنون بالحياة البرزخية ويحرمون الجهاد والحرب، ويدعون أن الوحي لا يزال مستمرا، و قبلتهم هي بيت البهجة بعكا بفلسطين حيث يرقد قبر بهاء الله، وهو المكان الذي يحجون إليه. وإجمالا يرى البهائيون ان دينهم منفصل تماما عن الاديان السماوية الثلاث الكبرى، وليس خليطا منهم. ووفقا لاحصائيات دولية فإن للبهائيين وجود محدود جدا فى مصر وفلسطين وسوريا ولهم تجمع كبير نسبيا في إيران، واغلبهم يعيش فى الولايات المتحدة الأمريكية، ويقدرون انفسهم بما يقارب 2 مليون بهائى منتشرون على أكثر من 600 جمعية. وأكبر معبد لهم موجود فى شيكاغو، و يسمونه بيت العدل البهائي أو مشرق الأذكار.
فى مصر .. بداية المشكلة
حتى وقت قريب لم يسمع الكثير فى مصر عن البهائية أو انهم موجودن فى بمصر. وكنت البداية حين حكم لمحكمة القضاء الإداري يُبيح لمواطن مصري وزوجته وبناتهما أن يُكتب في خانة الديانة بجوازات سفرهم انهم بهائيون. وألزمت المحكمة وزير الداخلية بسرعة إستخراج جوازات سفر لهم مكتوب في خانة الديانة البهائية. وأشارت المحكمة في منطوق الحكم إلى أن قانون الأحوال المدنية لسنة 1994 ألزم كل مواطن مصري باستخراج بطاقة شخصية مدون فيها اسمه وديانته وتاريخ ميلاده، ورأت المحكمة أن كتابة الديانة في البطاقة أو الشهادة لا تخالف الشريعة الإسلامية، رغم أنها لا تعترف بالبهائية وبرر منطوق الحكم أن تدوين ديانة المواطن في هويته أو شهادة ميلاده يضمن التعرف على صاحبها لكنه لا ينشئ مراكز قانونية تخالف روح الشريعة الإسلامية. كان البهائيون يعيشون في مصر ويكتبون في خانة الديانة إسم بهائي، حتى عام 1960، حين صدر القرار الجمهوري رقم 263 بغلق جميع المحافل البهائية ومراكزها، ومن يومها لم تعد تعترف الحكومة بوجود البهائيين ولم تسمح بوضع البهائية فى خانة الديانة فى الاوراق الثبوتية المختلفة. إلى أن صدر حكم المحكمة الإدارية العليا في 29/1/1983 والذي نص على أن امتناع السجل المدني عن إعطاء بطاقة شخصية لمن يدين بالبهائية هو قرار إداري مخالف للقانونـ وأنه لا يجوز للسجل المدني أن يمتنع عن إعطاء بطاقة شخصية لمن يدين بالبهائية ولا أن يغفل ذكر هذا الدين في بطاقة من يعتنقه. غير أن أغلب السجلات المدنية لم تنفذ هذا الحكم. وفي عام 2004 صدر القرار الجمهوري رقم 46 , الذي قصر كتابة إسم الديانة في البطاقات الشخصية على الديانات الثلاث السماوية وهى الإسلام والمسيحية واليهودية.
موقف الازهر
كان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، قد أصدر في شهر ديسمبر من عام 2003. فتوى تعلن أن الإسلام لا يقر أى ديانة أخرى غير ما أمرنا القرآن باحترامه، فلا ينبغي، بل يمتنع أن تكون في مصر ديانة غير الإسلام والمسيحية واليهودية لأن كل ديانة أخرى غير مشروعة ومخالفة للنظام العام. وطلبت الفتوى من السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية أعمال شئونها في هذا الأمر، ووصفت الفتوى البهائية وأمثالها من عقائد موضوعة من نوعيات الأوبئة الفكرية الفتاكة التي يجب أن تجند الدولة كل إمكاناتها لمكافحتها والقضاء عليها. وهذه الفتوى من قبل الأزهر تجاه البهائية ليست الفتوى الأولى، فقد أصدر الأزهر الشريف فتاوى عديدة بشأن البهائية وكفرها، ومنها فتوى للشيخ جاد الحق شيخ الأزهر السابق رحمه الله، والتي تقول أن البابية أو البهائية فكر خليط من فلسفات وأديان متعددة، ليس فيها جديد تحتاجه الأمة الإسلامية لإصلاح شأنها وجمع شملها، بل وضُح أنها تعمل لخدمة الصهيونية والاستعمار، فهي سليلة أفكار ونحل ابتليت بها الأمة الإسلامية حربا على الإسلام وباسم الدين. وقد تم اصدار العديد من الفتاوى في العالم الإسلامي في كفر وردة البهائيين.
رد فعل البهائيين ومطالبهم
لم يهتم البهائيون بهذا الأمر وانتقدوا فتوى الأزهر في الكثير من جوانبها، ويرون أن أى دين لا ينتظر القبول أو الشرعية من أي دين آخر، وأن هذه الفتوى لم تحدد الموقف تجاه البهائيين الذين قدموا من دول أخرى، والأطفال الذين يولدوا لأبوين مصريين بهائيين. ويطالب البهائيون المصريون بالاعتراف الرسمي بهم، ويشيرون إلى ما يرونه معاناة ناتجة من إلغاء تسجيل أنفسهم كبهائيين في خانة الديانة بشهادات الميلاد والبطاقات الشخصية وقسائم الزواج وجوازات السفر. وفي عام 2004 لجأ بعض البهائيين الذين تمت مصادرة أوراقهم الرسمية إلى القضاء الإداري للمطالبة بإعادة أوراقهم المصادرة أو تجديد وثائقهم التي انتهت صلاحيتها، وفي أبريل 2006 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكماً لصالحهم قضى بحقهم في إثبات أنهم بهائيون في الأوراق الثبوتية، إلا أن وزارة الداخلية طعنت على هذا الحكم، ثم جاء قرار حكم المحكمة الإدارية العليا في 16 ديسمبر 2006 بإلغاء الحكم السابق. وقد عقدت بعض مراكز حقوقية ندوات لمناقشة النتائج المترتبة على قرار حكم الادارية العليا، واعتبر بعض المناقشين أن هذا الالغاء يضع الحكومة في مأزق إزاء وضع المواطنين البهائيين الذين يريدون استخراج شهادات ميلاد أو بطاقات شخصية أو حتي شهادات وفاة مثبت فيها ما يرونه ديانتهم. وفي يناير 2007 لجأ البهائيون من جديد إلى محكمة القضاء الإداري مطالبين بحقهم في الحصول على وثائق ثبوتية دون ذكر أي ديانة، وهو المطلب الذي أيدته محكمة القضاء الادارى في يناير 2008، وألزمت مصلحة الأحوال المدنية بإصدار الأوراق المذكورة مع ترك خانة الديانة خالية أو وضع علامة (ــ) أمامها. ويبدو أن هذا الحكم قد وضع نهاية لصراع قضائي دام 5 أعوام، إلا ان الجدير بالذكر أن حكم المحكمة نفسه لم يتطرق إلى الاعتراف بالطائفة البهائية أو إلى صحة معتقداتها، وإنما ينحصر في حق المواطنين المصريين البهائيين في الحصول على أوراق رسمية تثبت معتقدهم الحقيقي أو تترك فيها خانة الديانة خالية. أما على الصعيد المجتمعى، فيبدو أن البهائيين ما زال عليهم مواجهة عدم قبول المجتمع بهم كأصحاب عقيدة مستقلة.

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023