أعادت أزمة العدوان الإسرائيلي الأخيرة على غزة والتي استمرت 22 يوما خلال الفترة من 27 ديسمبر 2008 وحتي 18 يناير 2009 إلي الأضواء أهمية الدور الاغاثي للمجتمع ، ونظرا لان معبر رفح الموجود على الحدود المصرية مع القطاع كان بمثابة المنفذ الوحيد الذي من خلاله تم إدخال مواد الإغاثة الطبية والغذائية سيكون من الأهمية بمكان إلقاء الضوء على الدور الاغاثي الذي قام به المجتمع المدني المصري تحديدا فى احتواء والتخفيف من آثار العدوان الإسرائيلي الغاشم على الأخوة الفلسطينيين فى غزة.
ويمكن تقسيم هذا الدور بين ثلاث فئات رئيسية من المجتمع المدني المصري هي؛ جمعية الهلال الاحمر المصري ونقابة الأطباء المصرية والجمعيات الأهلية. وذلك في ضوء عدد من الاعتبارات أهمها :جسامة العدوان الإسرائيلي وكثافة استخدام الأسلحة المدمرة للبني التعليمية والصحية، والذى طال حني مؤسسات وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا)، وضعف وتهالك البني التحتية الموجودة فى قطاع غزة نتيجة للحصار الإسرائيلي المفروض عليها منذ وصول حماس للحكم مطلع 2006. وتراجع الدور الفلسطيني الرسمي فى ظل حالة الانقسام الفلسطينية الحادة بين حماس والسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، فضلا عن وتراجع الدور العربي الرسمي فى ظل حالة الانقسام العربي الحادة بين معسكري الاعتدال والممانعة.
اولا : دور جمعية الهلال الأحمر المصري
ارتكز الدور الإغاثي للهلال الأحمر المصري على عدد من المرتكزات، منها:
1 ـ ضرورة التزام إسرائيل بالوقف الفورى لإطلاق النار.. تنفيذا للقرار الذى اعتمده مجلس الأمن الدولى رقم 1860.. وإتاحة دفع مساعدات الإغاثة عبر ممرات آمنة.
2 ـ حشد وتعبئة الموارد المالية والعينية للمساعدات المطلوبة، مع الأخذ فى الاعتبار التقدير الدقيق للاحتياجات الفلسطينية المتزايدة فى القطاع، والاستجابة الفورية لنداءات الطوارئ الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ودعم جهود وكالات الأمم المتحدة لمعالجة الوضع الإنسانى المتدهور فى قطاع غزة.
3 ـ أهمية تنسيق جهود ومساعدات الإغاثة بين كافة الأطراف الفاعلة، سواء فى الإطار الثنائي من الدول المانحة، أو فى إطار منظومة الأمم المتحد، ومنظمات المجتمع المدنى.
4 ـ التركيز فى المرحلة الحالية على توفير الاحتياجات الأساسية المتزايدة من الغذاء والدواء والوقود، والبناء على ما قامت به بعض الأجهزة الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الغذاء العالمى من تحليل شامل للأمن الغذائى فى الضفة الغربية وقطاع غزة عام 2007. مع ضرورة تحديث هذا التحليل ليصبح أحد العناصر الهامة فى تقدير الاحتياجات المستقبلية لأهالى غزة عقب انتهاء الاعتداءات الإسرائيلية.
5 ـ ضرورة استدامة الجهود اللازمة لمساعدة الشعب الفلسطينى على البناء والإعمار وإعادة التأهيل في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ومعالجة الدمار الذى ألحقه العدوان الإسرائيلى بمقدراته ومنشآته وبنيته الأساسية.
ثانيا: دور نقابة الأطباء المصرية
لم يقتصر دور نقابة الأطباء المصرية على الدور الإغاثي فقط وإنما امتد ليشمل دورا توثيقيا كاشفا عن جرائم العدوان الإسرائيلي على غزة خلال حرب الثلاثة أسابيع كما سنوضح فى العرض التالي:
1 ـ الدور الإغاثي: فوفق ما أعلنه الأمين للجنة الإغاثة بنقابة الأطباء الدكتور عبد القادر حجازي قامت اللجنة بتجهيز وإرسال40 سيارة إسعاف لقطاع غزة بتكلفة إجمالية بلغت نحو 5 ملايين جنيه، تم تجهيزها بالمستلزمات الطبية والأجهزة للتعامل مع الحالات الحرجة لحين نقلها للمستشفيات، وذلك لسد العجز فى عدد السيارات الإسعاف بالقطاع والتي دمر العدوان الإسرائيلي عدداً كبيراً منها.
كما أرسلت اللجنة أدوية ومستلزمات طبية ومساعدات إغاثية إلى القطاع حتى يوم الخميس 22 يناير 2009 بقيمة نحو 25 مليون جنيه، كما تم إرسال 5 مولدات كهرباء لتشغيل أجهزة المستشفيات وغرف العمليات، فضلا عن تنظيم عدة حملات للتبرع بالدم لانقاذ أهالى غزة.
ويدخل ضمن الدور الإغاثي للنقابة إرسال عدد من الأطباء المتطوعين إلى غزة، وقد بلغ عدد هؤلاء الأطباء 89 طبيباً، أقامت نقابة الأطباء واتحاد الأطباء العرب، حفل تكريم لـهم في يوم الطبيب. كما عقدت جمعية عمومية طارئة لنقابة الأطباء يوم الجمعة 9 يناير2009 لمتابعة وتنظيم وتنسيق جهود الإغاثة لغزة، واستضافت اجتماع تنسيقي لعدد من الهيئات والمؤسسات الإغاثية العربية والإسلامية بالتعاون مع ائتلاف الخير، وجارى دراسة وتنفيذ مشروعات إعادة إعمار القطاع الصحي الفلسطيني فى ضوء البيانات التى سيكشف عنها الواقع فى غزة.
2 ـ دور النقابة فى توثيق جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة: بدأت النقابة العامة لأطباء مصر بالتنسيق مع المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية وعدد من المنظمات الحقوقية الدولية، توثيق جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل خلال عدوانها على قطاع غزة. ويجرى تنظيم جلسات استماع للأطباء الذين نجحوا في الوصول إلى غزة خلال فترة العدوان وتوثيق شهاداتهم لإعداد ملف كامل ينوي المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية تقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية بالتنسيق مع المنظمات الحقوقية الدولية التي بدأت إجراءات فعلية لعرض القضية أمام المدعي العام للمحكمة الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو.
ثالثا: دور الجمعيات الأهلية
فى إطار الجهود الشعبية لمناصرة الفلسطينيين فى غزة، نظم الاتحاد الإقليمى للجمعيات والمؤسسات الأهلية بالإسكندرية يوم 12 يناير 2008 مؤتمراً للجمعيات والمؤسسات الأهلية لدعم أبناء غزة فى مجمع الشئون الاجتماعية بمحرم بك، حيث ناشد الاتحاد الجمعيات الأهلية بالتبرع فى حساب جمعية الهلال الأحمر المصرى لصالح المنكوبين، وطالب المشاركون ببذل أقصى الجهود الممكنة لإيصال الدعم المادى والعينى للمتضررين من العدوان الإسرائيلى على القطاع.
وبالرغم من ضيق الوقت الذي سمح فيه بتقديم المعونات العينية لأهالي قطاع غزة منذ فتح معبر رفح على الحدود المصرية / الفلسطينية يوم 23-1-2008، نجحت الجمعيات الأهلية والحركات الشعبية المصرية في إيصال مساعدات بقيمة نحو 22 مليون جنيه مصري لإغاثة حوالي 1.5 مليون فلسطيني محاصرين في غزة.
يأتي ذلك إضافة إلى نجاح هذه المنظمات في التنسيق مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لإدخال معونات بقيمة نحو عشرة ملايين جنيه مصري لأهالي غزة من خلال معبر كرم أبو سالم الحدودي بين مصر وإسرائيل،
وقد جاءت الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة على رأس الجهات المصرية غير الحكومية التي قدمت معونات خلال فتح معبر رفح. وفق تصريح رئيس الجمعية وقدمت لسكان غزة مساعدات بنحو نحو 10 ملايين جنيه مصري، بواقع أدوية بسبعة ملايين جنيه، ومواد غذائية بقيمة 3 ملايين جنيه (نصف مليون دولار). وأشار رئيس الجمعية الشرعية إلى أنها وقعت بروتوكولا مع الأونروا لإدخال 4500 طن مواد غذائية عبر معبر كرم أبو سالم بما لا تقل قيمته عن عشرة ملايين جنيه مصري.
دور المساجد: تنوع الدور الذي قامت به المساجد ما بين التبرعات والدروس التي توجه الأهالي إلى كيفية إغاثة الفلسطينين، والفتاوى التى تتعلق بكيفية توجيه أموال الزكاة لأهالي قطاع غزة.
فعلي سبيل المثال قام مسجد المنتصر بحي الوايلي (شرق القاهرة ) بتشكيل لجنة تعمل بشكل دوري لجمع تبرعات لغزة، وقالت مصادر في مجلس إدارة المسجد: إن التبرعات يتم جمعها وتحصيلها في صندوق خاص تحت إشراف مجلس الإدارة، وإرسالها بعد ذلك للفرع الرئيسي للجمعية؛ لشراء مستلزمات واحتياجات أهل غزة.
اما في مساجد وزارة الأوقاف فإن دعم غزة يتم بصورتين، بعيدا عن الإشراف الرسمي من الوزارة، الأولى تتمثل في تلقي إدارة المسجد التبرعات مباشرة من خلال صناديق للتبرع وتوجيهها إلى الجهات المنوط بها توصيل الأموال للفلسطينيين، أما الصورة الثانية فتتم بتوجيه المصلين لكيفية التبرع.
ومن بين المساجد التي تقوم بجمع التبرعات مباشرة مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر؛ حيث يقول الشيخ بسيوني عبد الحميد إمام المسجد: منذ وقوع أزمة غزة والاعتداءات الإسرائيلية، تم وضع صناديق لإغاثة المنكوبين تعكف عليها لجنة مختصة بإدارة المسجد، بناء على مطالب شعبية حيث يتم جمع الأموال وإرسالها للجهات المعنية بإغاثة الشعب الفلسطيني كلجان الإغاثة في النقابات العامة، أو من خلال حساب مخصص لذلك في بنك ناصر الاجتماعي.
أما الصورة الثانية التي يتم من خلالها دعم غزة في مساجد الأوقاف، فهي توجيه المصلين والمترددين على المسجد إلى الجهات المعنية بالتبرعات، والحسابات التي أعلن عنها في بعض البنوك، ويعد مسجد النور بالعباسية أحد هذه المساجد التي تلعب دورا في توجيه المصلين لكيفية التبرع، ويوضح الشيخ أحمد ترك، إمام المسجد، أن التوجيه كان يتم خلال دروس المغرب وصلاة الجمعة أثناء فترة العدوان الإسرائيلى على القطاع.
دور الكنيسة المصرية: تضامناً مع غزة، أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلغاء كافة مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد، حيث أعرب البابا شنودة خلال قداس عيد الميلاد عن تأييده لسياسات مصر الحكيمة تجاه أحداث غزة، ومساندته وتضامن الكنيسة مع الأشقاء الفلسطينيين ورفضها لهذا العدوان الهمجي والوحشي وداعياً في الوقت نفسه المجتمع الدولي لسرعة التحرك لوقف هذه الحرب. وفي ضوء ذلك أقامت الكنيسة صلوات تضامنية مع أهالي وضحايا العدوان مع إرسال الأموال المخصصة للاحتفال كتبرعات لأهالي غزة.
من ناحية أخرى، طالب الدكتور القس/ صفوت البياضي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر بإصدار بيان قوي يوجه إلي مجلس الكنائس العالمي وكل قوى السلام في العالم لوقف العدوان الإسرائيلي علي غزة قبل أن يحترق المدنيون، لاسيما الأطفال والنساء والشيوخ.
كما طالب البياضي مجلس الكنائس العالمي بتشكيل لجنة مشتركة لإجراء اتصالات ومقابلات بكل الجهات المعنية لوقف هذه الحرب فوراً، والبدء في مفاوضات سلام لبحث جذور المشكلة الفلسطينية ووضع الحلول الدائمة لها.
رابعا أحزاب وحركات
لم يقتصر التضامن مع أهالي غزة على الجمعيات الأهلية وحسب، إذ حرصت الحركات الشعبية وبعض الأحزاب السياسية على المشاركة في تقديم المعونات كما يلي:
دور الحزب الوطني الديمقراطي: بناء على تكليفات الأمانة العامة للحزب عقدت أمانات الحزب الوطني بالمحافظات المؤتمرات الحزبية الخاصة لمناصرة الشعب الفلسطيني في كل المحافظات المصرية وبحضور رموز الحزب الوطني. كما بدأ الحزب الوطني تنفيذ قرارات هيئة مكتب الأمانة العامة بتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية علي غزة حيث أصدر الأمين العام للحزب صفوت الشريف قراراً بتشكيل لجنة برئاسة د. علي الدين هلال عضو هيئة مكتب الأمانة العامة وأمين الإعلام بالحزب لتوثيق جرائم الحرب الإسرائيلية علي غزة وذلك من خلال التقارير التي سترد للأمانة العامة من أمانات الحزب بالمحافظات والزيارات الميدانية لقيادات الحزب من أعضاء هيئة المكتب والأمانة العامة وأمناء المحافظات والأمانات المركزية للمستشفيات التي بها مصابين وجرحي فلسطينيين حيث يتم إعداد الصور والشهادات ووضعها في شكل وثائق لكشف وفضح الممارسات الإسرائيلية وجرائمها في حربها العدوانية علي غزة، وإرسالها الي منظمات حقوق الانسان والجمعيات الدولية إضافة إلي إرسال صورة منها إلي الأحزاب الكبري علي مستوي العالم.
كما تعاونت الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) مع العديد من الجهات التي عنيت بجمع التبرعات لتقديم معونات لأهالي غزة، من خلال اندماجها مع اللجنة الشعبية لدعم الفلسطينيين بـ 40 طن أغذية وأدوية، وعملت كفاية من منطلق أن الجهد المطلوب لغزة ليس جهد إغاثة فقط، وإلا تحولت القضية الفلسطينية لمسألة إنسانية، وتم تنظيم المظاهرات الداعية لفتح معبر رفح بشكل دائم باعتباره شريان حياة سكان غزة والمنفذ الوحيد للخارج دون المرور على إسرائيل.
|