السياسية الخارجية التركية تجاه الازمة العراقية_السورية

يسرى العزباوي*

 

           العدد136 : 13 اكتوبر 2009

  في تحرك سريع، وتطبيقا لمبادئ السياسة الخارجية التركية، قام وزير خارجيتها الدكتور أحمد داود، بمحاولة الوساطة بين العراق وسوريا عقب الأزمة التى اندلعت بين البلدين الشقيقيين آثر التفجيرات التي هزت بغداد في 19 أغسطس الماضي والتي اتهم مسؤولون عراقيين جماعات عراقية تتواجد في سوريا بالتخطيط لها، وهو ما رفضته سوريا جملة وتفصيلاً. مما أدى إلى قيام الحكومة العراقية بطلب رفع الموضوع برمته إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم التي تستهدف أمن واستقرار العراق.

وعلى الرغم من التحرك التركي لاحتواء الأزمة، إلا أنها لم تنجح حتى الآن في اقناع الحكومة العراقية بوقف التحرك باتجاه تشكيل محكمة دولية رغم إعلان الخارجية العراقية استمرار التواصل مع الوساطة، كما لم تنجح في إقناع سوريا بتسليم المطلوبين والتي وصفت الاتهامات العراقية بأنها لا تستند إلى أدلة واعتبرت ما قدمه العراق من معلومات لا يمت بصلة للتفجيرات.

وتعتبر هذه الأزمة بين الطرفين العربيين بلونة اختبار حقيقية للسياسية الخارجية التركية الجديدة في المنطقة والتى سنها وزير الخارجية الحالى، فإذا ما استطاع تركيا حلها فإنه على مصر والسعودية -على وجه التحديد - أن تثمن هذا الجهود وأن يبذلان جهدا أكبر  في المنطقة التي تزايدت فيها الأيدى الخارجية الإقليمية والدولية حتى لا يتم سحب البساط من الدولتين في ظل الأزمات الداخلية لبعض الدول العربية (اليمن والعراق ولبنان)، أو الأزمات الخارجية (العراق وسوريا، إيران وإسرائيل، سوريا وإسرائيل).

وعامة، لا يستطيع أحد، من داخل مصر أو خارجها، أن يقلل من أهمية الدور المصرى في المنطقة، والذي أكسبها إلى حد بعيد الكثير من زخمها وهيبتها منذ أمد طويل. بيد أنه في الآونة الأخيرة ثارت علامات استفهام كثيرة حول طبيعة هذا الدور، خصوصا في ظل ما يعتريه من تغيرات صبت في مجملها في انحساره وتراجعه بعض الشئ،  مما جعل المنطقة تشهد تنامي ملحوظ للدور التركي الإيراني في ملفات شائكة كانت تلعب فيها مصر والسعودية الدور المحورى والأساسي بقوتهما السياسية والناعمة.

والسؤال هنا، هل تنامى الدور الإقليمي لطرف من الأطراف الإقليمية يأتى على حساب باقى الأطراف؟. بمعنى أن تنامى الدور التركي حاليا، على سبيل المثال، يسبب خفوت وتضاءل للدور الإقليمي لباقى الأطراف. أم أن تنامى الدور الإقليمى لدولة ما لا يعاني تضاءل للدور الإقليمي لباقى القوى السياسية والأطراف الفاعلين في المنطقة، وهل يمكن أن تتكامل الأدوار في المنطقة؟.

فعلى الرغم من السرعة اللافتة للتحرك التركي لاحتواء الأزمة العراقية السورية، كما لو بدا أن هناك سباقا بين طهران وأنقرة للقيام بدور لحل هذه الأزمة، شعرت الجامعة العربية بشيء من الخجل وأرادت أن تتدارك الغياب أو الفراغ العربي الذي حاول الأتراك والإيرانيون ملئه، فدخلت علي خط الوساطة. ولاشك في أن التدخل في الأزمة العراقية السورية هو بمثابة تطوير للدبلوماسية التركية ليس فقط تجاه العراق ولكن تجاه العالم العربي بأكمله، والتي تستند إلى نظرية "العمق الاستراتيجي"، وتعني ببساطة –من وجهة النظر التركية- أن موقع تركيا وتاريخها يضطرانها إلى التحرك في كل اتجاه للحفاظ على مصالحها وأمنها خصوصا في جوارها الجغرافي. كما تعني أن قطيعة تركيا لمنطقة الشرق الأوسط وقضاياها لعقود طويلة يجب أن تنتهي إذا ما أرادت دورا عالميا.

 ومن ثم تأتى دوائر التحرك التركي في المنطقة مرتكز على ثلاثة مبادئ سنها المفكر أحمد داود أوغلو، هي: أولا، مبدأ التوازن بين الحرية والأمن، بحيث لا يؤدي تحقيق الحرية إلي تهديد الأمن وبحيث يتم فض الاشتباك مع الجيران وواضح هذا المبدأ في العلاقات مع سوريا التي تحولت من عداء صريح إلى مشاركة وصداقة، والعكس بالنسبة إلى إسرائيل التى تقابل كل يوم بنقد شديد من قبل رئيس الوزراء التركي على ما تفعله في فلسطين.

 ثانيا، مبدأ سياسة السلام الاستباقية، بمعني المبادرة للسعي لحل المشكلات والصراع في المناطق المحيطة بتركيا وقد بدأ هذا في الوساطة بين سوريا وإسرائيل وبين السنة والشيعة في العراق والحوثيين والسلطات في اليمن. ثالثا، مبدأ المشاركة الفاعلة إزاء مناطق المجال الحيوي لتركيا.

واللافت أن المبدأ الثالث في السياسية الخارجية التركيا، هو الرسالة الصريحة التي أرد وزير خارجية تركيا توجيهها إلى العالم العربي من خلال محاضرته التى ألقاها في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية منذ ..... ومفاده أن تركيا لن تعمل منفردة في المنطقة، وأنها سوف تتبنى حوارًا استراتيجيًا مع الشركاء في الأقاليم المختلفة التي تنتمي لها أو تتماس معها وهي الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطي والقوقاز والبلقان، فضلا عن تحقيق الأمن للجميع، والاعتماد الاقتصادي المتبادل بين تركيا وجيرانها بحيث تتجاوز مرحلة التعاون إلي الاندماج الإقليمي، بالإضافة إلي التعايش الثقافي الذي يمكن أن يسهم في الحد من الصراعات داخل الإقليم الواحد.

والدليل التركي على صدق نواياها في سياستها الخارجية الجديدة، هو نجاحها في اتفاقهما التاريخي مع أرمينيا مؤخرًا، والذي يعيد فتح الحدود والعلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ويعد هذا الاتفاق الأول بين البلدين منذ اتفاقية قارص في 13 أكتوبر في العام 1921 التي كانت تركيا وأرمينيا طرفين فيها، إلى جانب أذربيجان وجورجيا لرسم الحدود بين دول القوقاز. ونظرًا إلى التاريخ الطويل من العداء بين البلدين فإن توقيع مثل هذه الاتفاقية، يعتبر من جميع الزوايا نجاحًا غير مسبوق يؤسس لمرحلة جديدة ولدينامية مختلفة من السياسية الخارجية التركيا عن المرحلة الماضية.

وفي الواقع، يبدو أن شهية تركيا باتت مفتوحة للتحرك في العالم العربي، في ظل التنافس مع إيران وإسرائيل علي المصالح والأدوار في الشرق الأوسط، ويعزز من ذلك حالة الانقسام العربي بعد تفكك ما يمكن تسميته بمثلث التنسيق (المصري - السوري – السعودى) الذي كان له دوره قبل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في عام 2005، وقبل انقسام الدول العربية إلى دول ممانعة ودول معتدلة.

وعطفا على ما سبق، لابد من تثمين الدور التركي في حل هذه الأزمة العراقية السورية الحالية حتى لا تتخذ كذريعة للتدخل في الشئون الداخلية السورية من قبل قوى متربصة بلا شك بهذه الدولة العربية الشقيقة. واعتقد أن هذا ما دفع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى زيارة سوريا مؤخرا -والمعروف عنه انتمائه الإسلامي العروبى- لتأتى ضمن إطار سلسلة الخطوات الإيجابية التي بدأت منذ فترة من الزمن في مسار تحسن العلاقات السعودية-السورية، ونقلها من مرحلة التأزم والاحتقان إلى مرحلة التفاهم والانفتاح.

ولا بد أيضا من تشجيع المبادرات العربية العربية لحل الأزمات العربية عامة. ولكى يكتمل أضلاع المثلث العربي، فلاغنى عن حل الخلافات بين سوريا ومصر والسعودية. وبذلك تستطيع المملكة العربية السعودية وسوريا ومصر التأثير ليس فقط في محيطنا العربي ولكن الإقليمي والعالمي كما كان من ذى قبل.

وعلى جامعة الدول العربية أن تستفيد من هذا المثلث (المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا) بتشكيل لجنة دائمة لحل الأزمات والخلافات العربية العربية التي قد تنشأ بين الدول العربية، والتى من الممكن أن تتكون من المثلث سابق الذكر بالإضافة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية وطرفي النزاع، على أن تأخذ هذه اللجنة صفة الاستمرارية في الانعقاد وتثمن جهودها من قبل حكام وملوك الدول العربية.

* باحث في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام – مهتم بالشئون التركية