اعاده الجدل حول النقاب في مصر

وسـام مهران

 

‏العدد

45

:

15

اكتوبر

2009

إنشغل الرأى  العام فى الآونة الأخيرة بردود الفعل المتابينة  والجدل الواسع المحتدمً  بين عدة إتجاهات وتيارات فكرية إثر صدور قرار المجلس الأعلى للأزهر برئاسة  د. محمد سيد طنطاوى شيخ الجامع الأزهر بمنع إرتداء النقاب لأى طالبة أو مدرسة أو موظفة داخل أماكن العمل بالأزهر الشريف أو أي من معاهده ومؤسساته التعليمية .وكانت الأزمة قد تفجرت بعد تعنيف د. طنطاوى لطالبة فى المرحلة الإعدادية بأحد المعاهد الأزهرية - خلال جولة تفقدية قام بها- لإرتدائها النقاب فى الفصل الدراسى دون داعٍ ، الأمر الذى أثار ردود فعل غاضبة .

وكان شيخ الأزهر قد برر قراره – إزاء حملة الرفض الشعبية الواسعة ضده - بأنه حريص على نشر قيم الوسطية.

وفى سياق متصل كان وزير التعليم العالى والبحث العلمى  د. هانى هلال قد أصدرقراراً بمنع المنقبات من دخول المدينة الجامعية مؤكداً فى تصريحات صحفية أنه قرار " لا رجعة فيه " مفسراً موقفه ذلك و المساند لقرار رؤساء الجامعات بأنه حماية للطالبات وحفاظاً عليهن موضحاً أنه قد تم ضبط 17 حالة فى العام الماضى لرجال وشباب متخفيين فى زى النقاب ولم يتم الإعلان عن ذلك وقتها مراعاة لمصلحة الطالبات وأسرهن وأوضح أن الجدل الدائر حول شرعيته إرتداء النقاب من عدمه لاعلاقة للجامعات به ولكن مايخص وزارة التعليم العالى فى المقام الأول تحقيق الأمن للطالبات داخل المدن الجامعية.

وقد شهدت جامعة القاهرة إثر هذا القرار مظاهرات إحتجاجية ،  كما إعترضت عدد من الطالبات "المنقبات" موكب الوزير هلال، أثناء زيارته لجامعة المنصورة ، معبرات عن احتجاجهن على رفض إدارة الجامعة قبولهن بالمدينة الجامعية، رغم موافقتهن على خلع الحجاب داخل سكن الطالبات .

وفيما يبدو أنه محاولة لإحتواء الموقف الرافض والوصول إلى حل وسط معقول صرح الوزير هانى هلال فى إحدى جولاته بالجامعات أنه لن يمنع إرتداء النقاب داخل الجامعات والمعاهد الجامعية ولن يتم استبعاد أو عدم قبول أي طالبة منتقبة بالمدينة الجامعية لمجرد أنها منقبة ، شرط التعرف على هويتها من خلال أجهزة الأمن الموجودة على الأبواب دون أن تلتزم الجامعة بتعيين شرطة نسائية ؛ حيث لايوجد فى القانون ما يلزم بذلك وأنه إذا ما طلب من الطالبة الكشف عن شخصيتها فعليها الإلتزام بذلك .

وتجدر الإشارة فى هذا الصدد إلى أن جامعة القاهرة قد وفرت – بالفعل-  ضابطة شرطة عند أحد أبواب الجامعة لتتأكد من هوية المنتقبة ، حسب ما أكدته مصادر مطلعة.

وفى نفس السياق من الآداء الحكومى تجاه تدعيم القرار ،  طبع د.محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف 100 ألف نسخة من كتاب" ا لنقاب عادة وليس عبادة " لتوزيعه على ما وصفها بالجهات ذات التأثير فى فكر المجتمع، "بهدف توعيته بموقف الإسلام من النقاب، الذى يذهب د.زقزوق  إلى أنه لا أصل له فى تعاليم الإسلام ولا صلة له بالدين ".

وأشار زقزوق إلى أن الكتاب يسجل الرأى الشرعى الصحيح فى مسألة النقاب بأقلام كبار علماء الإسلام المشهود لهم بالاستنارة وثقة المجتمع فيهم، مضيفاً أن وزارة الأوقاف كانت قد قامت، فى وقت سابق، بتوزيع أكثر من 150 ألف نسخة من الكتاب على دعاة المساجد ووزارتى التربية والتعليم والتعليم العالى والمجلس القومى للشباب والمجلس القومى للمرأة.

أما  رئيس جامعة الأزهر د.أحمد الطيب فقد أكد  أن النقاب ليس حراما أو مكروها ولكنه مباح وفق ما أقرته الشريعة الإسلامية والمذاهب الفقهية وهو عادة من العادات كالزى العربى القديم وأن الفريضة هى الحجاب ، مشيراً إلى أن علماء الأزهر ليسوا ضد النقاب. 


وطالب طالبات جامعة الأزهر فى حواره معهن حول النقاب في إطار جولة تفقدية على بعض الكليات ، بعدم ارتداء النقاب داخل المدينة الجامعية أو أثناء أداء الامتحانات وعدم الانسياق وراء الفتن ومروجى الأفكار الهدامة.  وأشار إلى أن الجامعة ستخصص مشرفات وحرس نسائى للتأكد من حسن سير العملية التعليمية ،ولن تسمح بأى تجاوزات فى هذا الموضوع .

 وأكد وزير التربية والتعليم يسري الجمل، أن الزي المدرسي لا يشمل النقاب، مشيراً إلى أن قضية النقاب " تُعد محسومة " في مدارس التربية والتعليم، طبقا للقرار الوزاري الذي صدر عام 1995 بتحديد الزي المدرسي.

وبالنسبة للمعلمات الراغبات في إرتداء النقاب، قال الوزير،إن تعبيرات الوجه داخل الفصل بالنسبة للأطفال جزء من العملية التربوية لتوصيل الرسالة التربوية لهم، وبالتالي سيكون من غير المسموح لهن إرتداء النقاب.وكانت وسائل الإعلام المختلفة بمثابة منابر للآراء التى تباينت مابين آراء مؤيدة وداعمة وأخرى مستنكرة ومهاجمة وتيار ثالث محايد بعيداً عن التأييد المطلق أو الرفض التام

تيار داعم لقرار شيخ الأزهر

فى موقف مؤيد لقرار شيخ الأزهر إستنكر أحمد السايح الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر فى قناة أزهرى الهجمة التي شنها البعض على شيخ الأزهر ، قائلاً إن النقاب يعطل تطبيق آية " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " ،موضحاً أن تطبيق الآية مشترط بأن تكون المرأة كاشفة لوجهها، وأن علماء المسلمين الذين أخذوا الحديث عن أم المؤمنين عائشة زوجة رسول الله ،  لم يثبتوا أنها كانت منقبة

وأشاد بجهود شيخ الأزهر فى " صد الوباء السلفى " معتبراً النقاب "عادة جاهلية". رافضاً قيام البعض بالربط بين موقف طنطاوي من النقاب، ومواقف حكومات بعض الدول الأوروبية التي تحظر ارتداء الحجاب في الأماكن العامة .

كما أعربت د. سعاد صالح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهرعن تأييدها لقرار حظر النقاب فى الجامعات قائلة " إنه ليس بفرض أو سنة " ،و يسبب عزلة إجتماعية للمنقبات من جهة ، ومن جهة أخرى فإنه يجسد نظرة سلبية لغير المنقبات لا تمت للدين الاسلامي بصلة .

ولا تنفك الآراء المؤيدة لقرار منع النقاب ومعارضة إرتداءه عن رصد الجرائم التى أرتكبت تحت ستاره ، فأشار خالد منتصر فى مقال أن قضية طبيبة سوهاج التى قتلت فى عيادتها على يد رجل يرتدى النقاب قد فتحت ملف الخطر الأمنى والاجتماعى الذى يمثله إنتشار النقاب بصورة سرطانية فى مصر ، ولم تكن هذه الجرييمة الأولى ، فمنذ فترة طعن رجل يرتدى النقاب، طبيبة عيون، بالسكين فى مستشفى العريش ولاذ بالفرار، ومن قبلها كان النقاب بطل تفجيرات عبدالمنعم رياض والسيدة عائشة ، وبناء عليه فمنع النقاب فريضة أمنية.

تيار الرفض تتزعمه جماعة الإخوان المسلمين

وعبرت جماعة " الإخوان المسلمين"، عن رفضها لقرار منع النقاب في المؤسسات التعليمية، خاصة في المعاهد الدينية التابعة للأزهر، الذي يُعد أكبر مرجعية دينية للمسلمين السُنة، في الوقت الذي تتزايد فيه "المعركة" ضد النقاب في الغرب.

 فقد طالب النائب حمدى حسن، عضو كتلة الإخوان المسلمين بمجلس الشعب، بعزل شيخ الأزهر من منصبه ،واصفاً إياه بأنه يسئ إلى الحكومة وللمؤسسة الدينية التى ينتمى إليها.خلال سؤال برلمانى توجه به إلى رئيس الوزراء ، 

موضحاً إستهجانه بقوله : " ألا يدرى شيخ الأزهر أن مدارس مصر ومعاهدها وجامعاتها كلها منتقبة الآن طلابا ومدرسين رجالا ونساء بكمامات الوقاية من أنفلونزا الخنازير"كما أبدى إستيائه من طريقة تعنيف شيخ الأزهر للطالبة المنقبة  

أما النائب الاخوانى محمد البلتاجي فقد قال لـشبكةCNN الإخبارية : "من غير المقبول أن يتم التعامل مع النقاب وكأنه عادة منبوذة يجب التخلص منها ومن غير المقبول أيضاً انتهاك خصوصية النساء في هذا الشأن"، معتبراً أنها مسألة اختيار شخصي لا يجب أن يحجر عليه شيخ الأزهر وأضاف " أنه كان المفترض أن يتبنى شيخ الأزهر ووزير التعليم العالي ، الأفكار التي تتحدث عن التعددية وقبول الآخر وإحترام الحريات، ولكن موقفهم من النقاب جاء مخيباً للآمال".

وفى سياق حقوقى صرح مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن منظمته لا تدعم إرتداء النقاب ، ولكنها تدافع عن الحرية الشخصية والحق فى إختيار الذى يتماشى مع المعتقدات الدينية حتى وإن لم تكن هذه المعتقدات محل إتفاق فقهى ودينى ويصف إقصاء المنقبات بأنه سلوك تمييزى يخالف الدستور والقانون على الرغم من أنه يتفق مع شيخ الأزهرفى أن النقاب لاعلاقة له بالدين الإسلامى وأنه دخيل على الثقافة المصرية إلا أنه يرى أنه لايحق للأزهر فرض رأى دينى معين .

اتجاهات الجدل

هناك اتجاه يتمثل في ان القناعة المجتمعية وليس القرارات الإدارية وهو الداعي الى أن أزمة  النقاب لن تحل بقرار أو قانون ولكن باقتناع تام من المواطنين أنفسهم  مؤكدة على أهمية دور الإعلام والمجتمع المدنى  فى رفع وعى المجتمع  وخلقه حالة حوار مجتمعى حر يؤدى إلى قناعة بضرر النقاب ؛حيث أنه غالباً ما يتم الالتفاف على القرارات الادارية والتحايل عليها.

وهناك اتجاه ثان راى انه إستهداف للوسطية المصرية من خلال الإرهاب المعنوى الذي تقوم به بعض التجمعات السلفية المتشددة بالرغم من تأكيد علماء الأزهر الذين تناولوا الموقف الشرعي من قضية النقاب وأكدوا أنه عادة وليس عبادة. كما أن القضاء قد حسم هذا الأمر منذ سنوات في حكمها الشهير الصادر بجلسة 18 مايو لسنه 1996 في الدعوى المحالة من محكمة القضاء الإداري رقم 21 لسنة 49 قضائية والمقيدة دستوريًا برقم 8 لسنة 17، وأكدت في حيثيات حكمها وضع قيود على ارتداء النقاب بعد أن نزعت عنه صفة الشرعي خاصة إذا ما تعارض مع مصلحة اجتماعية، وهو ما كان يجب أن يكون وفقًا للحجية المطلقة لأحكام المحكمة الدستورية مانعًا من العودة لمناقشته أو إعاده طرحه. لكن شيء غير مفهوم في علاقة مؤسساتنا الوطنية ببعضها البعض عطل بشكل ضمني نفاذ هذا الحكم بحيثياته في مواجهه سلطات الدولة وأفرادها التي تملك تحريك دعوى التنازع أمام المحكمة الدستورية لإزالة أي عائق أمام نفاذ حكمها السابق ذكره، وهو اختصاصها الأصيل طبقًا للدستور وتملك وفقًا لسلطاتها إبطال وإزالة هذا العائق سواء كان تشريعيًا أو حكمًا قضائيًا أو قرارًا تنفيذيًا يتعارض مع ما حكمت به احترامًا للمسئولية الدستورية لمؤسسات الدولة .

وهناك اتجاه ثالث يرى انه يعبر عن صراع بين تيار مدنى علمانى وتيار دينى متشدد يرى في النقاب أحد أهم مظاهر خطابه الديني والتنظيمي لأن هذا التيار المتشدد يتعامل مع المنقبات على أنهن أعضاء في تنظيمه السياسي، وهو بالأساس يدافع عن وجوده السياسي في الشارع. ويجب تبسيط الأمور للعامة دون الدخول فى جدل سياسى وفقهى لتوضيح أن الحرية الشخصية فى مقدمة حقوق الإنسان ولكنها لا تنفصل عن حق المجتمع ومؤسساته والخضوع لقانون المجتمع.

وهناك اتجاه رابع يرى انها تمثل إدارة عشوائية لقضية مؤسسية تهدد منطق وجود وإستمرارية مؤسسات الدولة ، أدارتها  أجهزة الدولة إدارة عشوائية ؛ فليس من وظائف وزارة الأوقاف أن تدخل فى جدل فقهى حول رأى الفقهاء الأربعة فى النقاب أو فى غيره، فهذا الإجراء هو بمثابة اعتراف من قبل الدولة بوصاية هؤلاء الأئمة على مقدرات الدولة المصرية! ماذا لو أن فقيها من هؤلاء الذين استدعت الوزارة فقههم لدعم موقفها من النقاب كان له رأى فقهى فى مسألة أخرى لا يتفق مع سياسات الدولة المصرية ومصالحها العليا؟ 

 

 

 


علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023