|
خلافات شديدة بين شيوخ الطرق الصوفية في مصر حول خلافة الشيخ أحمد كامل ياسين، بدأت وانتهت بأزمة تفجرت بوادرها عند إقالة الشيخ علاء أبو العزايم من منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية بعد 48 ساعة من إعلان فوزه بالمنصب، واختيار الشيخ عبد الهادي القصبي محله وهو أصغر الأعضاء سناً. إذ اعتبر مشايخ الطرق الصوفية بأن اختيار القصبي ضد القانون ونقض للبيعة الأولى التي اختير فيها أبو العزايم، مما جعلهم يتفقوا على عقد جمعية عمومية في 27 ديسمبر الماضي أقرت بسحب الثقة من مجلس عبد الهادي القصبي، والتهديد برفع دعوة قضائية بفرض الحراسة على المشيخة وانقسام المجلس الأعلى إلى طرفين متنازعين كليهما يعلن أحقيته بالخلافة.
تنظيم المجلس الاعلى للطرق الصوفية
معروف أن المجلس الأعلى للطرق الصوفية تنظمه عدة لوائح وقوانين تتعلق بالطرق الصوفية فى مصر، فالمادة الثالثة من القانون رقم 118 لسنة 1976 نصت على تأسيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية كهيئة ذات شخصية معنوية مستقلة وذات أغراض دينية وروحية واجتماعية وثقافية ووطنية ويتبع المجلس الأعلى للطرق الصوفية مشيخة الطرق الصوفية. ويتشكل المجلس الأعلى للطرق الصوفية من عشرة أعضاء يتم انتخابهم من مشيخة الطرق الصوفية، وغالباً ما يكونون مشايخ طرق بالإضافة إلى ممثلين عن الأزهر ووزارة الأوقاف ووزارة الداخلية والثقافة والحكم المحلي، ومفوض من مجلس الدولة.
ويرأس المجلس الأعلى للطرق الصوفية شيخ المشايخ ويتم تعيينه بقرار جمهوري وحددت المادة الرابعة من القانون 118 لسنة 1976 اختصاص المجلس الأعلى للطرق الصوفية في الإشراف العام على النشاط الصوفي ودعمه والموافقة على انشاء طرق صوفية جديدة ومتابعة نشاط كل الطرق وأعضائها وإصدار قرارات بحظر نشاط أية فئة أو جماعة أو شخص يزعم الانتساب إلى الطرق الصوفية أو يباشر نشاط صوفياً. وتنص اللوائح الداخلية للمجلس الأعلى للطرق الصوفية والمشيخة العامة على الموافقة على تعيين وتأديب وعزل مشايخ الطرق الصوفية ووكلائها، ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية يتولى منصبه طوال حياته إلى أن يتوفى أو يعتذر عن المنصب ، ويتم انتخابة غالباً بالاجماع وهو ما حدث مع القصبي والذي يرفضه أبو العزايم.
بداية الازمة
بدأت الأزمة عندما أطاح سبعة من أعضاء المجلس الأعلى للطرق الصوفية فجأة بالشيخ علاء أبو العزايم من منصب شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والمنتخب بعد وفاة أحمد كامل ياسين، وذلك عقب اجتماع طارئ عقده عدد من الأعضاء في المجلس، حيث اختاروا الشيخ عبد الهادي القصبي شيخاً للطرق الصوفية ، حيث وقع الشيخ محمد علاء الدين أبو العزايم على محضر اجتماع المجلس بمقر المشيخة العامة في 25 نوفمبر الماضي، والتي انعقدت بحضور مجلس العشرة المنتخبين مع مندوب من الخمسة ممثلي الوزارات المعينين من رئاسة الجمهورية، وحضور مستشار المجلس الأعلى، ومجلس الدولة وافتتحت الجلسة في ذات الوقت بقراءة الفاتحة على روح الشيخ الراحل أحمد كامل ياسينوأعلنت الأمانة الفنية في ذات الجلسة أنها تسلمت إقرار المشايخ المنتخبين في جلسة السبت الموافق 22 نوفمبر الماضي، وتفويضهم الشيخ علاء أبو العزايم رئيساً لمجلس إدارة شئونها، وتسيير أعمال المشيخة لحين انتخاب شيخ مشايخ الطرق الصوفية ورئيس المجلس الأعلى لأنه أكبر الأعضاء سناً.
وكانت الجلسة قد بأت بالنداء على من يرغب من الأعضاء المنتخبين في المجلس للتقدم للترشيح للمنصب الشاغر، وأعلن كل من الشيخ علاء أبو العزايم رئيس الجلسة والشيخ عبد الهادي القصبي التقدم بتكرار النداء فلم يتقدم أحد، وبناء عليه قام المستشار محمد الدمرداش اثبات اسميهما في أوراق عملية الاقتراع السري ووزعت على أعضاء المجلس الأعلى وأجريت عملية الانتخاب، وأثبت محضر الجلسة نتيجة التصويت بحصول الشيخ القصبي على 7 أصوات مقابل 4 أصوات للشيخ أبو العزايم. ولم يوجد بين الحاضرين أي صوت باطل. وأقفل محضر الجلسة في الساعة الخامسة وخمسة وخمسين دقيقة ليعلن فوز الشيخ عبد الهادي القصبي برئاسة المجلس الأعلى وشيخ مشايخ الطرق الصوفية بمصر، وكشف محضر الجلسة توقيعات جميع الحاضرين ومنهم الشيخ أبو العزايم نفسه مع باقي الحاضرين وهم الشيخ أحمد الصاوي شيخ الطريقة الصاوية وسالم حسين الجازولي شيخ الطريقة الجازولية، ومحمد عبد الخالق الشبراوي شيخ الطريقة الشبراوية، ومحمد عاصم زكي ابراهيم شيخ الطريقة المحمدية الشاذلية ورائد العشيرة المحمدية، وعبد الرحيم العزازي شيخ الطريقة العزازية، ومحمود أبو الفيض المنوفي شيخ الطريقة الفيضية، وإبراهيم سلامة الراضي شيخ الطريقة الحامدية الشاذلية، ومختار علي محمد شيخ الطريقة الشاذلية وتوقيع محمد نصر الدين شيخون مندوب الرئاسة وممثل الوزارات.
ولكن رغم مشاركة الشيخ أبو العزايم في تلك الانتخابات إلا أنه خرج بعدها يقول أنه تعرض لخدعة وخيانة وأعلن حصوله على موافقة 15 طريقة صوفية لعقد اجتماع عاجل للجمعية العمومية من أجل حل المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وهدد أكثر من 30 شيخ طريقة في بيان صادر يوم الثلاثاء 9 ديسمبر الماضي عقب مؤتمر حضره عدد كبير من مشايخ الطرق الصوفية تضامناً مع الشيخ أبو العزايم برفع دعوى قضائية لفرض الحراسة على مشيخة الطرق الصوفية في حال فشل الجمعية في التوصل إلى قرار بحل المجلس مستندين في ذلك إلى :
(1) أن المجلس الحالي غير قانوني وبه مشايخ طرق صوفية غير معتمدة ووجودهم داخل المجلس خطأ لأن طرقهم غير مشهرة وليست مسجلة في المجلس الأعلى، كما أن ثلاثة ممن انتخبوا القصبي ليسو مشايخ طرق معتمدة، ومنها الطريقة القصبية وشيخها عبد الهادي القصبي والمنتخب رئيس المجلس والطريقة الجازولية وشيخها سالم الجازولي والذي أعطى صوته لأبو العزايم والطريقة الصاوية الخلوتية وشيخها مختار على أحمد والذي أعطى صوته للقصبي والطريقة التيجانية وشيخها أحمد التيجاني والطريقة الخلوتية الشاذلية وشيخها سامي سليمان والطريقة الجريرية وشيخها نصير سرى والطريقة الهاشمية وشيخها محمد أبو هاشم والطريقة الجعفرية الأحمدية وشيخها الشيخ صالح الجعفري والطريقة القصبي وشيخها القصيبي والطريقة الخطيبية وشيخها محمد الخطيب والطريقة الحصافية وشيخها أبو الوفا الحصافي.
(2) اعتقادهم بأن حليفهم تعرض لخداع من جانب أعضاء بالمجلس فقد أقنعوه بأن الانتخابات ستكون شكلية باعتبار أن القصبي انتخب رئيساً بالفعل في البيعة الأولى في 22 نوفمبر.
(3) أن اختيار القصبي مخالف للأعراف الصوفية وللشريعة الإسلامية ونقضاً للبيعة الأولى والعهد الذي مُنح للشيخ أبو العزايم.
(4) أن ترشيح القصيبي جاء بناء على تعليمات عليا وأن هناك تدخل حكومي في ترشيحه.
وعلى الجانب الآخر وفي ذات الوقت تمسك الشيخ عبد الهادي القصبي بمنصبه كرئيس للمجلس الأعلى للطرق الصوفية مستنداً في ذلك إلى ما يلي:
(1) أن الاجتماع الأول الذي أعلن فيه الشيخ أبو العزايم نفسه شيخ لمشايخ الطرق الصوفية لم يكن اجتماعاً قانونياً لأن القانون رقم 118 لسنة 1997 المنظم للطرق الصوفية ينص على وجوب دعوة أعضاء المجلس للانتخاب شيخ المشايخ الجديد قبل موعد الانعقاد بـ 48 ساعة وهو ما لم يتحقق.
(2) أن جلسة 25 نوفمبر 2008 والموقع عليها أبو العزايم قانونية وتم رفع المحضر للاعتماد من رئيس الجمهورية، وصدر قرار جمهوري بتعيينه رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية.
ومع التهديد بسحب الثقة وانقسام المجلس بين أحلاف القصبي ومؤيدين أبو العزايم انتهى الأمر في 27 ديسمبر 2008 بعقد جمعية عمومية بقيادة أبو العزايم قررت التالي : سحب الثقة من المجلس الأعلى برئاسة الشيخ عبد الهادي القصبي، وفتح باب الترشيح لانتخاب أعضاء المجلس الأعلى الجديد، وتشكيل لجنة من خمسة أعضاء من الجمعية العمومية لإدارة شئون المشيخة العامة فيما قررت الجمعية العمومية في الوقت ذاته ارسال محضر الجلسة إلى كل الوزارات المعنية بشئون المجلس، وهي الداخلية والثقافة والأزهر والتنمية المحلية والأوقاف لتبليغهم قرار الجمعية العمومية بسحب الثقة من المجلس، والتعامل مع اللجنة المشكلة لإدارة شئون المجلس الأعلى.وانتهى الأمر بعد انعقاد الجمعية وإبلاغ القصبي قراراتها رفضه لها واعتبرها غير شرعية وغير قانونية ولا يترتب عليها أي آثار قانونية، بل وازداد تمسكه بالخلافة معتبراً أن اختياره عقب وفاة الشيخ أحمد كامل ياسين كان وفقاً لجمعية عمومية سليمة وقانونية وتحت إشراف المستشار القانوني للمشيخة.
محاولات التوسط وفشلها
ونتيجة لإصرار أبو العزايم وأحلافه على سحب الثقة وتمسك القصبي وأحلافه على الشرعية واستمرار الأزمة، سعى بعض المشايخ لتدخل وسطاء محايدين لحل النزاع يرضى جبهة عبد الهادي القصبي الذي انتخب في البيعة الثانية رئيسا للمجلس، وجبهة الشيخ محمد علاء أبو العزايم عضو المجلس للوصول إلى حل نهائي، وكان أول من سعى لتدخل وسطاء محايدين هو الشيخ محمد مختار محمد عضو المجلس وشيخ الطريقة الدسوقية المحمدية والذي سعى لوساطة د. علي جمعة مفتي الجمهورية و دكتور أحمد عمر هاشم والدكتور عبد الجليل التهامي، إلا أن جميع محاولات الوسطاء انتهت بالفشل واستمر الصراع على ما هو عليه.
تدخل حكومى
وبعيداً عن موقف أبو العزايم وتمسك القصبي بمنصبه يبقى سؤال هل فعلاً حدث تدخل حكومي في اختيار شيخ مشايخ الطرق الصوفي؟. وهل هناك رضا عن القصبي وعدم رضا عن أبو العزايم؟.
تقول بعض التفسيرات أن البيت الصوفي سيودع هدوءه المعتاد وخصوصاً أن إعلان جمعية لحسم الخلاف والاستقرار على مسألة حل المجلس من قبل أبو العزايم لاقت ترحيباً شديداً من مريدي الطرق الصوفية الذين حضروا المجلس وأخذوا يهتفون للصوفية ولأبو العزايم باعتباره وعدهم بإنشاء محطة فضائية صوفية تعبر عنهم. ويضيف هؤلاء ان الظاهر أن أبو العزايم مثار شكوك تدور حول علاقاته القوية مع إيران، وأن الطريقة العزمية بمثابة قنطرة التشييع في مصر، وفي الوقت نفسه نجد أن الشيخ القصيبي هو نجل الرئيس الأسبق لشيخ مشايخ الطرق الصوفية كما أن والده له باع طويل في تشجيع أتباعه على ممارسة العمل السياسي من خلال الحزب الوطني، وبالتالي فمن الطبيعي أن يمارس ابنه النشاط مع اتباعه، وهذا يتماشى مع توجيهات الحكومة التي تهدف إلى إعطاء دور أكبر للصوفية في مواجهة الحركات الإسلامية بشقيها السياسي والدعوي.
وبعيداً عن موقف الحكومة من هذا وذاك المتوقع نتيجة التطور السريع في أحداث نوفمبر وديسمبر الماضيين ستشهد الأيام المقبلة اشتعال واستمرار الصراع بين قطبين صوفيين حول رئاسة المجلس الأعلى للطرق الصوفية إلى حين أن تفرض الحراسة على اعتبار أن الجماعة الصوفية فشلت في الدور الذي كُلفت به.
|