انقطاع خدمة الانترنت في مصر وإعادة الاعتبار للأمن المعلوماتي

عادل عبد الصادق

‏العدد25‏:24يناير2009
للمرة الثانية خلال عام واحد تعرضت ثلاثة كابلات للاتصالات البحرية تربط أوروبا والشرق الأوسط للانقطاع بما أدى إلى تعطيل خدمات الانترنت والاتصالات الدولية في مناطق من الشرق الأوسط وجنوب آسيا.وأدي ذلك إلى خفض طاقة الانترنت في مصر بنسبة 80 % وتم تحويل حركة الاتصالات عبر البحر الأحمر، ويأتي هذا بعد حدوث انقطاع سابق في يناير 2008 أدى لتعطيل خدمة الانترنت في مصر ومنطقة الخليج وجنوب اسيا . وعلى الرغم من أن تلك الأزمة اختلفت عن الأولى إلا أنها عكست أهمية وجود امن معلوماتي في مصر وأثارت التساؤلات حول طبيعة الحادث وأثاره وأسباب حدوث ذلك الانقطاع للمرة الثانية خلال عام واحد.
انقطاع ثاني في عام
وفي 19 ديسمبر 2008 حدث قطع بحرى لـ6 كابلات بحرية دولية، منها 3 كابلات تربط بين ايطاليا والشرق الاوسط وكابل بين ايطاليا وشمال افريقيا وكابلين بين ايطاليا ومالطة على مسافة تقدر بحوالى 100 كيلو متر من السواحل الايطالية فى البحر المتوسط، وحدث القطع على مسافات متباعدة تصل بعضها الى اكثر من 120 كيلو مترا. وقد قامت مؤسسة ميكما المسئولة عن إصلاح الكابلات الدولية بالتنسيق مع الشركات مالكة هذه الكابلات لاصلاحه. وتأثرت خدمات الانترنت فى الربط بين جنوب اوروبا فى ايطاليا وفرنسا من ناحية وجنوب شرق اسيا عبورا بالبحر المتوسط بنسب وصلت فى الهند الى 70 % وباكستان الى 75 % اضافة لتأثر تونس والجزائرتأثرا سلبيا لفصلهما عن فرنسا وايطاليا. وجاء انقطاع هذه الكابلات خارج المياه الاقليمية المصرية حيت وقعت في المياه الاقليمية الايطالية، وكان قطع آخر لتلك الكابلات كان قد حدث في البحر الاحمر، كما أدى زلزال في جنوب شرق اسيا في 27 ديسمبر 2006 بقوة 7.1 ريختر الى قطع تسعه كابلات بحرية بين تايوان والفلبين مما قطع الاتصالات بين جنوب شرق اسيا وباقي العالم، وتعطلت اتصالات الانترنت في الصين وهونج كونج وسنغافورة وتايوان واليابان والفلبين. وفي 30 نوفمبر 2006 حدث خلل لشبكة الانترنت بالبحرين بسبب قطع كابل مع الهند ويمتد الى مصر في الغرب وهونج كونج في الشرق ، وفي 28 يونيو 2005 حدث في باكستان عطل ادى الى تعثر اتصالاتها بالعالم الخارجي . ولقد أثيرت عدة افتراضات حول التسبب في القطع منها ما يتعلق بقيام السفينة بإلقاء مرساتها في قاع البحر وهذا ما تسبب في القطع، وتعلق الافتراض الثاني بالظروف الطبيعية كسوء الأحوال الجوية وتيارات المد والجز او وجود اخاديد زلزالية او حدوث انهيارات أرضية تحت سطح البحر، وأيضا قد تكون هناك مسئولية للدولة عن الحادث بهدف تحقيق أهداف إستراتيجية، او كنتيجة لنشاطات عسكرية من دول أجنبية نتج عن مرور غواصات بها، أو نتجت عن استخدام قاذفات الأعماق في مناورات بحرية سرية او وجود دوافع ارهابية خلف هذا القطع. وقد رصدت المراكز الجيولوجية الأمريكية زلزال تحت قاع البحر المتوسط بين إيطاليا ومالطا كان هو المسئول عن هذا القطع، وقد سبق أن تسبب زلزال مماثل في الجزائر في يناير 1995 في قطع عدد من الكابلات المغذية للإنترنت أمام السواحل الفرنسية.
مواجهه الأزمة
على الرغم من أن مصر ليست مسؤولة عن عملية إصلاح الكابلات أو متابعتها أو تسديد مبالغ لإعادة تشغيلها، لأن لها شركات تديرها، كما أن لكل دولة مسؤولية تجاه الأعطال التى تحدث فى مياهها الإقليمية، فقد جرت إدارة جيدة للازمة قادتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث ارتكز الأداء على الشفافية وسرعه الاستجابة على كافة المستويات، وذلك عبر تشكيل غرفة عمليات على مدار 24 ساعه وأتي هذا الاجراء بعد ان استطاعت وزارة الاتصالات توجية الحركة الى مسارات بديلة مع تزامن عمليات الاصلاح لهذه الكابلات من قبل الشركات التي تمتلكها. وكانت وزارة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات عملت على تلافي الازمة السابقة التي كانت اكثر فجائية من الثانية والتي حدثت في يناير 2008، وقامت وزارة الاتصالات بتوقيع عقد تركيب كابل بحري شمالي بين الشركة المصرية للاتصالات وشركة الكاتيل لوسنت الفرنسية والذي تبلغ تكلفته 125 مليون دولار وذلك لمواجهه الطلب المتزايد على خدمات الانترنت فائقة السرعه والعمل على تدعيم البنية الاساسية لعبور الكوابل البحرية من قارة اسيا وافريقيا الى قارة أوربا . وعملت وزارة الاتصالات على تشجيع الاستثمار في مجال مد الكابلات البحرية ومنح التراخيص لشركات مصرية لتركيب وتشعيل تلك الكابلات بدلا من استئجار سعات دولية من كابلات عالمية وتم الاتفاق مع شركات تعمل في الاتجاه العكسي من اسيا الى اوربا لتوفير سعات اضافية من الكابلات القادمة عبر المحيط الهادي والهندي والبحر الاحمر. وتتجة وزارة الاتصالات لتخصيص كابلات خاصة بمصر، بميزانية تبلغ 200 مليون دولار، ومن المنتظر أن تنتهى عملية التوصيل مع نهاية عام 2010 ، ودفعت الحكومة المصرية للإسراع فى الاستثمار فى مجال المسارات البديلة لكابلات الألياف الضوئية البحرية خارج مصر مع باقى دول العالم. وبرزت الحاجة مؤخرا بسبب التوسع فى استخدام الانترنت وزيادة حركة الانترنت الصادرة من مصر من 2 فى المائة إلى 50 فى المائة. وقام الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات بإصدار 3 رخص لإنشاء كابلات من هذا النوع خلال عامى 2007 و 2008، وأوضح أن هذه المشاريع ستربط مصر بأوروبا وجنوب شرق آسيا وسوف توفر مسارات بديلة تساعد على تجنب مثل هذه المشاكل.
مجال استراتيجي
أدى زيادة الاعتماد على الانترنت في تقديم الخدمات الحكومية وفى أداء مهام فى الاقتصاد والتجارة والثقافة والإعلام الى ان يصبح بذلك عصب استراتيجي هام داخل المجتمع المصري ومرشح للزيادة في المستقبل. فقد زاد عدد مشتركي خدمة الانترنت في مصر إلى 12 مليون ، وهناك اتجاه إلى المزيد من التوسع في خدمة الحكومة الاليكترونية والبنوك والمؤسسات المالية والمصرفية ليبرز ذلك نواة مجتمع معلومات فى مراحله الأولى، وهو ما يثير إشكالية وجود بيئة آمنة لنمو قطاع تكنولوجيا الاتصال والمعلومات يشمل مكونين هما البرمجيات والمعدات، حيث أصبحت عملية نمو ذلك المجتمع مرتبط بالتقدم بهما. وتقع مصر في موقع استراتيجي يتيح مرور كابلات بحرية عبر أراضيها حيث تساهم هذه الكابلات البحرية بـ 95% من الاتصالات وخدمات الانترنت في أنحاء العالم، بينما تأتي النسبة الباقية عبر الأقمار الصناعية التي ما زالت في طريقها للتطوير. وتعد الكابلات البحرية خطوط توضع في أعماق البحار والمحيطات لتوفير خدمة الاتصالات بين دول العالم عبر نقل البيانات بما فيها الراديو والتلغراف والتلفزيون والهاتف والانترنت وشبكات الكمبيوتر وذلك بعد ان كانت مقتصرة على نقل بيانات التلغراف حيث ينقل الكابل الواحد نحو 150 مليون مكالمة هاتفية، وشهدت عملية الربط بين أجزاء العالم المختلفة تطورا كبيرا، فمنذ عام 2005 أصبحت الكابلات البحرية تربط كل قارات العالم ما عدا مناطق القطب الجنوبي غير المأهولة .
تصدير الخدمات التكنولوجية
ان وجود زيادة في عدد مشتركي الانترنت والارتباط المتزايد بتكنولوجيا الاتصال والمعلومات ، والذي كشف أن تكنولوجيا المعلومات لم تعد مرفقاً وحسب، بل أصبحت صناعة تحسن من رأس المال، وعملت الحكومة المصرية على تخصيص 75 فداناً بمنطقة المعادى لإنشاء مشروعات تصدير الخدمات التكنولوجية للخارج. وتمتلك مصر كل المقومات والكفاءات التي تمكنها من أن تصل إلى المركز الذي وصلت إليه الهند لتصبح القوة الجديدة في تصدير الخدمات أو الحلول في المنطقة العربية. وقطعت مصر شوطاً كبيراً في سعيها لكي تنضم إلى مصاف كبار المنافسين في قطاع تصدير خدمات تكنولوجيا المعلومات وخدمات إجراءات الأعمال، إذ أنها تُصدّر حلول تطوير البرمجيات وحلول مراكز الاتصال ليس إلى بلدان تقع في منطقتها فحسب، ولكنها أيضاً قد بدأت تتوغل بشكل متزايد في القارة الأوروبية المجاورة. وقد أدى هذا الإقبال المتنامي من دول منطقة التعاون الخليجي لتوريد الخدمات من مصر عوضاً عن اللجوء إلى الهند أو أوروبا إلى استحواذ مصر على حصة كبيرة من أعمال تصدير الخدمات إلى منطقة الخليج بحيث باتت هذه المنطقة تشكل 29% من قيمة كافة المشاريع التي تنفذها مصر، وذلك وفقاً لمرصد مشاريع الاستثمار الشرق أوسطية. وأمام مصر فرصة كبيرة لتصبح مركزا عالميا لخدمات التعهيد، وأن تكون من بين أبرز 30 دولة على مستوى العالم فى تقديم هذا النوع من الخدمات. وكانت مصر قد فازت في نوفمبر الماضي بجائزة أفضل دولة تقدم خدمات التعهيد بعد اختيار لجنة تحكيم مسابقة الجمعية الوطنية البريطانية لخدمات التعهيد . وقد احتلت مصر في عام 2005 المركز الـ 13 في قائمة الدول الواعدة في هذا المجال، ولكن مع بداية عام 2008 أصبحت مصر في المركز الخامس، حيث تتمتع بمميزات فريدة، خصوصا بعد قيام الحكومة المصرية بوضع خطط وأهداف طموحة للحصول على حصة لا تقل عن 1.1 مليار دولار من سوق التعهيد العالمي بحلول 2010، بزيادة أربعة أضعاف حصتها عام 2005 (250 مليون دولار). كما أن نجاح هذه الخطط سيوفر لمصر حوالي 50 ألف فرصة عمل بحلول 2010 منها 25 ألف فرصة عمل متخصصة للمهندسين والإداريين. وتتمتع مصر بالعناصر الخمسة الجاذبة للشركات العالمية لنقل عملياتها إلى مصر. وأول هذه العناصر الرخص النسبي للأجور حيث تتراوح المرتبات ما بين 350 و450 دولارا شهريا. ووجود مهارات عالية ومؤهلة حيث يتخرج من الجامعات المصرية نحو ربع مليون خريج سنويا، وهو ما يتيح فرصا عالية وتنوعا في توفير خدمات التعهيد. ويعتبر الدعم الذي تقدمه الحكومة لصناعة تكنولوجيا المعلومات وتوفير المناخ اللازم للعمل عنصرا ثالثا في عملية جذب الشركات للحصول على خدماتها عبر البوابة المصرية. وتتطلع الشركات في المقام الرابع إلى توافر تعددية لغوية لخدماتها، وهو ميزة تتيح لمصر احتلال مكانة متقدمة حيث تتوافر خدمات التعهيد بنحو 9 لغات، مما يشجع الشركات على تجميع عملياتها في منطقة واحدة بدلا من توزيعها على عدة وكلاء في مناطق مختلفة. أما الميزة الخامسة فتتمثل في الموقع الجغرافي الاستراتيجى لمصر حيث تربط بين القارات، وتقع في توقيت عالمي متوسط يؤهلها لخدمة أي منطقة في العالم على مدار الأربع وعشرين ساعة. ومن المتوقع ان تصل صادرات مصر فى مجال تصديرالخدمات التكنولوجية بنظام التعهيد فى نهاية عام 2010 إلى حوالى مليار دولار وفى نهاية علم 2012-2013 إلى مليارى دولار، خاصة بعد إقبال رؤساء الشركات العالمية على زيارة مصر مثل شركات إنتل و زيروكس و أى بى إم وغيرها ممن يعتبرون مصر شريكا قويا فى مجال الاستثمار فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لما تتمتع به مصر من مقومات كمركز لصناعة تعهيد الخدمات فى منطقة الشرق الأوسط. وبدأت شركات عالمية مثل مايكروسوفت و أوراكل و أى بى إم و أورانج فى افتتاح مراكز لها فى مجال الابتكار والإبداع فى القرية الذكية، لأنها ترى أن مصر شريكا قويا يمكن الاعتماد على كفاءاته البشرية المتميزة.
الأمن المعلوماتي
تكشف حوادث التعرض لقطع الكابلات البحرية الى ان بعدي امن المعلومات لا ينفصلان عن بعضهما، أما أحدهما فيتعلق بالبرمجيات واما الأخر فيتعلق بالبنية التحتية واللذين أصبحا من مقومات المجتمع المعلوماتي الحديث، كما ان عملية التوسع المستمر في تقديم خدمات الانترنت والاتصالات في مصر والشرق الاوسط لم تواكبة استثمارات إضافية في البنية التحتية المعلوماتية. وهناك حاجة ماسة الى تشجيع القطاع الخاص العامل في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في إستراتيجية موحدة لأمن المعلومات وفي مجال الاستثمار في الكابلات البحرية وخاصة أن الكابل الواحد يكلف نحو 150 ـ 250 مليون دولار ويستغرق تنفيذه نحو عام ونصف العام، وهو ما يستدعي وجود تعاون عربي في الاستثمار في هذا المجال. وذلك للعمل على توسيع حجم البدائل في حالة الأزمات والعمل على تنوع مصادر الاتصال وعدم حصرها بمزود واحد وكذلك أهمية التعاون الإقليمي والدولي في مجال امن المعلومات على اعتبار ان تلك الكابلات متعدية الحدود ومن ثم فإنها تستلزم تعاونا دوليا، وكذلك العمل على تعزيز اللجنة الدولية لحماية الكابلات البحرية التي تضم 82 شركة لتشغيل الكابلات البحرية في العالم .

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023