قانون نقل الأعضاء البشرية فى مصر

والاشكاليات القانونية والفقهية

  عبدالعال الديربى

‏العدد

31

:

18

ابريل

2009

أثار مشروع قانون نقل الأعضاء البشرية فى مصر جدلا فقهيا وقانونيا واسعا، ما بين مؤيد ومعارض لصدور مثل هذا القانون، وهو جدل ليس وليد هذا القرن بل إنه موضوع قديم وحديث، فمصر - على مدار ما يزيد عن خمسة عشر عاما مضت- تشهد مثل هذا الجدل على اختلاف تياراتها رسمية وغير رسمية بغية بحث هذه القضية وتأثيراتها على المجتمع من الناحيتين الدينية والصحية والأخلاقية، خاصة مع تفشى ظاهرة تجارة الأعضاء البشرية غير المشروعة والمحرمة دوليا؛ لكل هذا كان من الضرورى - وبأقصى سرعة ممكنة - أن يُطرح مشروع قانون يمنع مافيا تجارة الأعضاء من ممارسة تجارتهم ويضع قواعد وضوابط تتفق مع الدين والأخلاق بشأن تنظيم عملية نقل وزراعة الأعضاء.

وليس من التزيد فى شىء القول بأن الخلافات الواسعة بشأن مشروع القانون الخاص بتنظيم نقل وزراعة الأعضاء، يشهد عليها البرلمان المصري منذ أواخر القرن المنصرم، لا سيما فيما يتعلق بنقل الأعضاء من الميت الى الحي وما يتبعه من جدل حول تحديد حالة الوفاة، ففي الوقت الذى يعتبر فيه البعض أن موت جذع المخ يعتبر موتا بينا يمكن بعده استخدام أعضاء صاحبها، يعتبره البعض الآخر تقنين مستحدث لتجارة الأعضاء.

أمراض جديدة وبيئة ملوثة

وحقيقة الأمر أن قضية تلف الأعضاء البشرية والدخول فى جدل نقل وزراعة هذه الأعضاء من شخص سليم إلى شخص مصاب إنما يرجع – بدرجة أو بأخرى – إلى  الحياة البشرية  المعاصرة التى تعرضت لأنواع عديدة من الأمراض التي ترافقت مع تغير النظام الغذائي للانسان واستخدام أنماط متنوعة من الكيماويات في الإنتاج الغذائي الزراعي والصناعي، فضلا عن تقلص الحركة لدى الإنسان نظرا لاستخدامه الوسائل التكنولوجية المتنوعة البديلة أثناء نشاطه اليومى، مما جعله عرضة لإتلاف أعضاء جسده الداخلية، مع تراكم الالتهابات المرضية المزمنة لديه، وهنا يجد الإنسان نفسه – بين عشية وضحاها- عرضة لاحتياج أعضاء بديلة عن الأعضاء المريضة أو التالفة حتى ينقذ حياته من الموت المحتم، خاصة مع خطورة وحساسية العضو المريض لديه.

ويتعرض الإنسان مؤخراً لأشكال متنوعة من الأمراض المستعصية والمزمنة بسبب الفوضى الغذائية الملوثة واكتسابه أشكال غريبة من الفيروسات السامة والخطيرة من خلال سلوكه ونشاطه اليومي، والتي تسبب له العديد من الأمراض كالسكر، الكولسترول، الشحومات في الدم، الكبد، الكلى، القلب، العظم، السرطان......إلخ.

 

الدوافع العملية لمشروع قانون نقل الأعضاء البشرية

يمكن القول بأن انتشار تجارة الأعضاء البشرية فى مصر، يرجع إلى وجود فئتين؛ فئة تعانى المرض وتستحوذ على النفوذ المالى وأخرى تتمتع بالصحة وسلامة الجسد دون هذا النفوذ، ومن ثم يعتمد القائمون على هذه التجارة على أساليب اغرائية إزاء بعض الفقراء من المصريين الذين يعانون الحاجة ويسيل لعابهم للأموال التى يتقاضونها مقابل التفريط فيما رزقهم الله من أعضاء سليمة.

كما يأتى من بين الدوافع العملية التى تقتضى صدور مثل هذا القانون أن مصر باتت تحتل المرتبة الرابعة عالميًا في تجارة الأعضاء البشرية، وأن العديد من الجهات والمنظمات الدولية حذرت مصر من تفشي هذه التجارة غير المشروعة والتي لا تتفق وكل الأعراف الطبية والقانونية والدينية، حيث تحدث الخبراء عن أن الأمر أصبح يعني إمكانية أن تكون مصر هي الدولة الأولى في تجارة الأعضاء بين دول العالم، وكذلك يمكن أن تنمو السياحة القائمة على هذه التجارة، خاصة بعد أن أقرت الهند وبنجلاديش قوانين لزراعة الأعضاء، وأغلقت الصين عمليات نقل الأعضاء إلا بشروط صارمة، وهو ما أدى إلى أن سمعة مصر أصبحت غير مقبولة دوليًا، ومن ثم كان لابد من وجود نص تشريعي يكون على رأسه إنشاء هيئة قومية لزراعة الأعضاء لها صلاحيات واختصاصات محددة، وإلا سيفشل القانون.

وقد أكد نقيب الأطباء ورئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب على ضرورة إنشاء مثل هذه الهيئة لتكون مسئولة عن نقل وزراعة الأعضاء البشرية، غير أن إنشائها لم يلق قبولا وترحيبا لدى بعض نواب مجلس الشعب على أساس أن مجلس الوزراء يرفض إنشاء هيئات جديدة، لأن معنى ذلك تمويل وظائف جديدة، واقترحوا بدلاً منها، تشكيل لجنة يكون لها كل الصلاحيات لمراقبة ومتابعة عمليات نقل وزراعة الأعضاء البشرية بموجب القانون الجديد.

ومن الجدير بالذكر أن موافقة الحكومة على الاقتراح المقدم من نواب مجلس الشعب بشأن قانون نقل الأعضاء البشرية، يعد انجازا كبيرا على صعيد تقنين هذه العملية وقطع الطريق على المرتزقة من تجار هذه الأعضاء. وكانت لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بالمجلس قد تدارست المقترح المشار إليه، وارتأت أنه من المهم والضرورى أن تتبنى الحكومة مشروع قانون لنقل وزراعة الأعضاء لسرعة إحالته إلى مجلس الشعب.

وفى سياق الاهتمام بالجدل الواسع بشأن قضية نقل الأعضاء البشرية، أجرى المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية العام الماضى استطلاعاً للرأى على عينة من النخبة المتخصصة من رجال الدين والأطباء والقانون، وبعض الشخصيات العامة من الكتاب والصحفيين، حول مشروع قانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية وقد جاءت نتيجة الاستطلاع مؤيدة بنسبة كبيرة لعملية نقل الأعضاء البشرية، حيث وافق 89.9 % ممن شملهم الاستطلاع على نقل وزراعة الأعضاء، و أرجع 59 % من إجمالى عينة البحث سبب موافقتهم إلى أن نقل الأعضاء ينقذ مريضاً من الموت، ويقلل نفقات السفر للخارج لإجرائها، ورفض 10% من إجمالى عينة البحث نقل وزراعة الأعضاء ويرجع رفض هؤلاء إلى عدة أسباب - حسب الاستطلاع- منها ما هو دينى بحجة أن جسم الإنسان ليس ملكه، ولا يجوز له التصرف فيه بالبيع أو الهبة، ومنها ما يتعلق بتخوف البعض من استغلال السماسرة لحالة المريض فى ممارسة الإتجار غير المشروع بالأعضاء البشرية، بالإضافة إلى الخلاف القائم بين الأطباء ورجال الدين حول مفهوم الموت، فيما يرى آخرون أن هذه العملية بمثابة إهلاك لنفس المتبرع.

وكشف الاستطلاع عن أن تأييد عملية نقل وزراعة الأعضاء تتطلب شروطا طبية أبرزها الحفاظ على صحة المتبرع والعضو المتبرع به، وتوفير مكان طبى مجهز لعمليات النقل، تحت إشراف لجنة طبية متخصصة، وأن يكون زرع العضو هو الحل الوحيد لإنقاذ المريض. هذا عن الشروط الطبية، أما عن الشروط الدينية فتمثلت فى عدم تعارض التبرع مع الشريعة، والاتفاق على تعريف الموت، على أن يكون العضو المنقول غير محرم شرعاً، وغير مُباع، وقيام لجنة متخصصة بتنظيم عملية التبرع، وقد انصبت الشروط القانونية على ضرورة موافقة المتبرع، ووجود وصية بالتبرع بالنسبة للمتوفى مع تجريم سرقة أعضائه، وتجريم الإتجار فى الأعضاء البشرية، وحصر عملية النقل بين الأقارب حتى الدرجة الثالثة من المصريين فقط، وأن يكون المتبرع كامل الأهلية، وعلى علم بتأثير ومخاطر تبرعه.

ويعتبر مثل هذا الاستطلاع وغيره من الاستطلاعات والدراسات ذات الصلة من قبيل الدوافع العملية بل والعلمية الراقية التى تحض وبأقصى سرعة على صدور قانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية بما سيحققه من آمال جديدة ومشروعة بالنسبة للمرضى الذين يقاسون ويلات المرض من جانب، وصعوبات نقل وزراعة الأعضاء وعدم مشروعية طرق الأبواب الخلفية من جانب آخر.  

 الجدل الدائر فى الأوساط السياسية والحياة العامة بشأن القانون

لا شك أن مشروع قانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية قد تعرض لكثير من الجدل والخلاف بين الدوائر المختلفة سواء كانت سياسية أو قانونية أو ثقافية.

والجدير بالذكر فى هذا الصدد أن البرلمانى المصرى محمد كمال عويطة عضو مجلس الشعب، كان من أوائل الذين تقدموا بمشروع قانون في البرلمان خاص بتنظيم نقل  وزراعة الأعضاء عام 1996، كما أنه من أبرز المتحفظين على اعتبار موت جذع المخ موتا بينا، حيث قال في تصريح لبي بي سي إنه يعتبر إن مصطلح موت جذع المخ ليس سوى مسمى مغلوط و مزعوم اخترعه أطباء نقل وزراعة الأعضاء على حد تعبيره، والغرض من ذلك - فى نظره - الوصول إلى أعضاء جسم الإنسان الحيوية وهى حية ونقلها لآخر، مؤكدا أنه لا يجد مبررا وراء قتل إنسان وهو ما زال حيا لإنقاذ آخر، واعتبر أن الأمر يتضمن خطورة جسيمة غرضها هو تحويل الشعب المصرى الفقير الى قطع غيار بشرية لأثرياء المنطقة.

وعلى الجانب الآخر، فهناك فريق يتبنى التيار المؤيد لاعتبار موت جذع المخ موتا حقيقيا، فقد أكد د. حمدى السيد نقبيب الاطباء ورئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب فى حديث لبي بي سي إن موت جذع المخ مسألة محسومة باعتباره دليل وفاة حقيقي معترف به في كل بلاد العالم، وأن التشخيص اذا أثبت موت جذع المخ فيمكن بعده نقل الأعضاء، واضاف انه لم يثبت أبدا أن أحدا قد أصيب جذع مخه بالموت ثم عاد للحياة مرة أخرى، وهذه هي القاعدة التي يتم الاستناد اليها في كافة عمليات نقل الأعضاء من الاموات. وانتقد ما يدعو إليه البعض في مصر بالانتظار لحين وفاة كافة أعضاء الجسد.

ويؤكد هذا الفريق أن إصدار قانون نقل الأعضاء من الأمور التي تُحمد للجنة الصحة بمجلس الشعب، حيث إن هذا الأمر لا يعد تجارة بالأعضاء البشرية كما يدعي البعض، أو عبثًا بالأمانة التي أعطاها الله للإنسان كما يذكر بعض رجال الدين، ولكنها ضرورة لإنقاذ حياة المرضى الذين هم في أمس الحاجة إلى العضو الذي يتم نقله إليهم فى الوقت الذى يكون فيه آخرون أصحاء يمكنهم التبرع بهذا العضو دون أن يضر ذلك بصحتهم شيئًا.

ويضيف هذا الفريق أن هذا النقل في الأعضاء لا يتعارض مع الدين في شيء، والدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعض)، وكذلك قوله (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وبالتالي فإن صياغة قانون للتبرع بالأعضاء من قبل الأصحاء للمرضى وزراعتها سوف تساعد كثيرًا على التخفيف من آلامهم، وهو الأمر الذي نادت به كل الأديان السماوية، حيث دعت إلى ضرورة تخفيف أوجاع الناس إذا كانت هناك قدرة على فعل ذلك.

وترى جهات رسمية فى مصر أنه من المهم إنشاء هيئة عليا لزراعة ونقل الأعضاء بهدف تقنين الوضع العام لهذه العملية، ومنع أي جهة من استغلال ما تملك من نفوذ في المتاجرة بهذه الأعضاء أو التربح من ورائها، حيث إن حدوث ذلك يعني أن كل الجهود المبذولة في سبيل صياغة هذا القانون قد باءت جميعها بالفشل، وبالتالي فإن إنشاء هذه الهيئة أمر لا ضرر منه طالما أن هناك رقابة محكمة من قبل وزارة الصحة وكل الأجهزة المعنية في الدولة بما يسمح بسير العمل بدقة متناهية، ويمنع التلاعب.

وعلى هذا النحو وطبقا لما يذهب إليه ذلك الفريق ذو الطابع الرسمى يكون من الضرورى الإسراع فى عملية إصدار قانون يسمح بزراعة ونقل الأعضاء بين المواطنين، لكن لابد أن يكون ذلك وفق ضمانات كافية تؤكد للشخص المنقول منه العضو توافر الصحة والأمان في حالة تبرعه، وأن صحته لن تتأثر، بل ويحق لهذا الشخص في حالة حدوث أي ضرر له أن يقوم برفع دعوى يحصل فيها على كل التعويضات اللازمة عمّا لحق به من أضرار، كما أنه ليس من المهم الوقوف عند مسمى الهيئة المختصة بهذا الأمر لأن ذلك قد يثير  الخلافات حول القانون، وهو ما قد يؤجل صدوره، وبالتالي على القائمين على صياغة القانون ألا يهتموا بمسمى هذه الهيئة، فالمهم أن يكون لهذا الكيان صلاحيات تضمن الشفافية والتوزيع العادل للأعضاء وعدم المتاجرة بها.

ومن الأهمية بمكان التأكيد على بيان مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف الذى أجاز نقل الأعضاء من الميت أو الحى أو المحكوم عليه بالإعدام بعد وفاته إلى شخص آخر وفق ضوابط شرعية خاصة، وأن  مثل هذه الإجازة ستساهم- إلى حد كبير -  فى الإسراع فى إقرار قانون من مجلس الشعب لإجازة وتنظيم عملية زرع ونقل الأعضاء البشرية فى مصر ويعيد الامل أمام العديد من المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة ويحتاجون إلى زرع بعض الأعضاء، فضلا عن ذلك فقد اتفق رجال الدين والأطباء على ضرورة تغليظ العقوبات على الذين يقومون بالاتجار فى الاعضاء البشرية ويستغلون حاجة المرضى لما فى ذلك من مخالفة شرعية وقانونية، وهنا يبرز دور نقابة الأطباء فى مواجهة تلك الظاهرة ووضع الضوابط لعمليات نقل الأعضاء.

ويوضح النائب الدكتور أكرم الشاعر  ـ مستقل ـ عضو لجنة الصحة بمجلس الشعب أن فتوى المجمع سالفة البيان مُسيَّسة لتمرير قانون زراعة الأعضاء، مشيرًا إلى أن الموت الحقيقي هو توقف القلب والمخ معًا، وهو المتعارف عليه منذ ميلاد سيدنا آدم.

وأضاف إن الموت قضية محسومة لا تتبدل ولا تتغير إلى يوم القيامة، ولا يمكن تغييرها بهدف تمرير قانون أو إصدار آخر، مشيرًا إلى أن العلم سيتقدم ويثبت بعد ذلك أن كل من قُتل وتم اعتباره ميتًا حقيقيًّا كونه ميتًا إكلينيكيًّا فذنبه في رقبة من أصدر هذه الفتوى. وأشار إلى أن الله كرَّم الإنسان، ولكن هذه الفتوى اعتبرت الإنسان كالثلاجة أو العربة، وتناسى أنها روح ونفس يجب أن يتحروا الدقة وكافة السبل قبل الحكم عليها، موضحا أنه لا يجوز نقل الكبد أو الكُلى من ميت للحي، واعتبر أن المحتضر هو الوحيد الذي يمكن النقل منه، وهو الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهو ما لم يقره المجمع في دورته الأخيرة.

ومن جانبه، يستنكر علي لبن ـ مستقل ـ عضو اللجنة الدينية الإجراءات القانونية التي أدت إلى هذه الفتوى المزورة –حسب تعبيره - التي نُسبت إلى مجمع البحوث الإسلامية في دورته الثالثة عشرة، وقال إن الفتوى تمت سرًا وفي الكتمان، ومن دون الإعلان عن عدد الحضور ونسبتهم، مضيفا إن الفتوى ظهرت للجميع دون أى مقدمات، ودون النظر في ملخص آراء أعضاء المجمع ومناقشاتهم، وغير ذلك من الإجراءات القانونية، ونوه إلى إنه سيتقدم ببيان عاجل لرئيس مجلس الوزراء بصفته وزير شئون الأزهر؛ ليستفسر منه عن اجتماع المجمع وإصدار مثل هذه الفتوى المُختلف عليها في هذا التوقيت بالذات.

 رأى رجال الدين الاسلامى والمسيحى

أجازت دار الإفتاء المصرية نقل وزرع الأعضاء غير الفردية، أى التى يوجد لها بديل يقوم بوظيفتها، ولا يؤدى نقلها إلى الوفاة غالباً، ويتحقق ذلك فى الأعضاء الشفعية كالكلية (لها بديل يقوم مقامها) أو المتجددة كالجلد والدم - من الآدمى الحى إلى مثله عن طريق الهبة والتبرع مع مراعاة عدة ضوابط نصت عليها فى فتواها.

وأفتت بعدم جواز التصرف فى الإنسان، ببيعه، أو بيع أى عضو منه، ولا ينفذ ذلك البيع، لبطلانه، بينما أجازت نقل العضو البشرى من الميت إلى الحى مع مراعاة الضوابط، فلا يجوز نقل العضو نظير عوض بالبيع، لأن البيع فرع الملك، وجسد الميت ليس ملكاً لأحد حتى يجوز بيعه. ونقل عضو الميت على وجه الإذن، فهو مشروط بقيام حالة الضرورة أو الحاجة، والإذن يتصور صدوره من الميت قبل وفاته بأن يوصى بذلك، وهو فى كامل قواه العقلية، أو يصدر من أهله وأوليائه بعد موته.

وخلصت الفتوى إلى جواز الاستفادة بأعضاء الميت فى حالة الضرورة الشرعية المبيحة للمحظور. وانتهت بعدم جواز نقل الأعضاء التناسلية التى تؤدى إلى اختلاط الأنساب، فى جميع الأحوال، سواء من الحى أو الميت.

وكان شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي قد أجاز نقل الأعضاء من انسان ميت الى آخر حي،  ما دام ذلك يتم بطريقة سليمة وعن طريق التبرع، معتبرا ذلك نوعاً من الإيثار الذي ينال صاحبه أسمى ألوان الثواب من الله. وكان مجمع البحوث الإسلامية في مصر قد وافق على عمليات نقل الأعضاء قبل نحو عشر سنوات.

ويبدو لنا التناقض بين الفتاوى فى مصر باستطلاع فتوى مفتى الديار المصرية الدكتور علي جمعة          عام 2003 والذى كان قد حرم نقل الأعضاء قبل مناقشة القانون في مجلس الشعب في إحدى محاولات إصداره، واستند في فتواه إلى أن الإنسان لا يملك أعضائه وأنها ملك لله تعالى، وبالتالي لا يجوز له التبرع بها، مؤكداً أن فتح باب التبرع سيفتح مجال التجارة بالأعضاء على مصراعيه، غير ان المفتى لم يظل على هذا الرأى القاطع حيث أكد أن هناك فرقاً بين نقل الأعضاء وبيعها، موحياً بإتاحة الأولى وتحريم الثانية.

ويقول الدكتور أحمد محمود كريمة ـ أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر ـ إن جمهور الفقهاء المعاصرين قد ذهبوا إلى جواز نقل عضو من إنسان لآخر من حيث المبدأ، طالما أن الضرر لن يصيب أيًا منهما، وطالما أن الهدف من ذلك هو الحفاظ على حياة إنسان من الموت، مضيفا أنه مع تطور العلوم الطبية في العصر الحاضر، والتقدم الكبير الذي أحرزه العلماء في زراعة الأعضاء، أصبحت هذه العمليات تتم بشكل أسهل، ولكن ينبغي وجود شروط معينة لضمان عدم حدوث مشكلات بعد ذلك، ومن هذه الشروط أن يكون المتبرع بالعضو كامل الأهلية، وأن يكون تبرعه دون إكراه مادي أو معنوي، وأن يقر بذلك بخط يده، وألا يكون هناك فرق بين أن يكون المتبرع مسلماً أو غير مسلم، كذلك ينبغي أن يكون الشخص الذي يُزرع له العضو مضطراً لهذا العضو، وأن يكون نجاح عمليتي الاستقطاع والزراعة محققًا في العادة. كذلك يجب أن تكون المنفعة الناتجة عن زراعة العضو في جسم المريض أعظم من المفسدة التي قد تلحق بالمتبرع.

وفيما يتعلق برأى رجال الدين المسيحى، فإنهم وبإجماع يؤكدون على جواز نقل وزراعة الأعضاء البشرية دون التقيد بالدين أو أى مبررات أخرى للمنع من منطلق أن هذا الاجراء يكون فيه الخير للبشرية ولبنى الإنسان، حيث يتسبب فى شفاء إنسان مريض أو اتقاذ آخر من الموت، فالبابا شنودة يرى أنه لا خطأ فى أن يتبرع إنسان سليم مسلما كان أو مسيحيا بأحد أعضائه لانقاذ إنسان آخر مسلما كان أو مسيحيا، فالمهم هو بقاء الإنسان سليما من الأمراض حتى يعم الخير وينتشر السلام بين الناس جميعا. ويقول البابا شنودة فى هذا الخصوص إنقاذ حياة انسان أمر لا يتعارض مع الدين واستخدام العلم من أجل حياة الانسان لا يتعارض مع الشرائع، فالعلم نفسه هبة من الله والعقل كذلك هبة من الله ويمكن استخدامهما لاحداث الخير وليس للشر.

إذن وجود مثل هذه النشاطات الطبية كنقل وزراعة الأعضاء البشرية فى ظل سماح الأديان بها، وفق ضوابط دينية وأخلاقية ينفى عنها صفة التأثيم والتجريم، فأهل الفقه والعلم ورجال الدين،  لا يرون ضررا من تبرع الإنسان لأخيه الإنسان بالعضو الذي ينقذ حياته طالما أن هذا العمل لا يضر بحياة الإنسان المتبرع، أو يشكل لديه أي ضرر جسدي مستقبلا، ومن ثم فقد ساهم التشريع الديني الاسلامى أوالمسيحى - بدرجة أو بأخرى -   في سهولة انتشار مثل هذه الأعمال خاصة مع توافق مبدأ التبرع وهبة الأعضاء التي تنقذ حياة المريض مع تلك الشرائع.

 

تجارب عربية فى مجال نقل الأعضاء البشرية

بنظرة سريعة على خبرات الدول المجاورة نجد أن دولة سوريا وعلى سبيل المثال، فقد حدد المرسوم التشريعي رقم 39 للعام 2003 عقوبات تصل إلى الأشغال المؤقتة وغرامة مالية تعادل نحو 2000 دولار لكل من يقوم بالاتجار بنقل الأعضاء، ويشترط المرسوم أن  لا يتم النقل من متبرع قاصر إلا إذا كان المستفيد والمتبرع شقيقين توأمين بشرط موافقة الأبوين، وشدد المرسوم على أن  لا يتم تنازل المتبرع عن أحد أعضائه لقاء بدل مادي أو ربح.

أما في السعودية التي تسعى نقابة الأطباء المصرية إلى إتباع نموذجها، فيقوم المركز السعودي لزراعة الأعضاء باتخاذ احتياطات لمنع قيام تجارة غير شرعية بالأعضاء، ومع ذلك فهناك أربعة شروط للتبرع وهي أن يكون التبرع من قبل الأشخاص غير السعوديين لجنسياتهم إذا كان المتبرع لشخص بعينه، وأن يحضر المتبرع من غير السعوديين موافقة من كفيله، وموافقة من سفارة بلاده، إضافة إلى شرط أن يكون من المقيمين في السعودية منذ سنة على الأقل، بالإضافة إلى أن يكون المتبرع من نفس الدين.

وفي لبنان تم صدور المرسوم رقم 109/ تاريخ 16/9/1983 والمسمى بأخذ الأنسجة والأعضاء البشرية لحاجات طبية وعلمية، وفي 22/2/1994 صدر القانون رقم 288 والمتعلق بالآداب الطبية، وكذلك فعل المشرع الأردني والكويتي حيث صدر في دولة الكويت عام 1983 قانون رقم 7 بشأن زرع الكلى مع الفتوى الشرعية رقم 132/1979 والفتوى رقم 87/1981.

 

مستقبل نقل وزراعة الأعضاء البشرية فى مصر

حقيقة وبلا أدنى شك لا يمكن الجزم بمستقبل هذه العملية خاصة أن لها سوقها الرائج حاليا – وإن كان فى الخفاء- بواسطة تجار لحوم البشر الذين حققوا أرباحا طائلة من تجارتهم المشبوهة، لاعبين على وتر الحاجة والفقر. ويقينهم بأن هؤلاء الفقراء سيُضحون بأجسادهم من أجل لقمة العيش. ويثار فى هذا  الصدد تساؤل مهم: هل بالفعل سيحقق القانون الخاص بنقل الأعضاء البشرية أهدافه الخاصة بقطع الطريق على مافيا تجارة الأعضاء؟ وهل سيوفر هذا القانون أعضاء غير التى تلفت أو تعطلت لآلاف المرضى خاصة المرضى الفقراء؟

اعتقد أن الإجابة الأقرب إلى واقع الحال والظروف الاقتصادية التى تمر بها البلاد من حالة ارتفاع الاسعار التى بلغت حدا لا يطيقه السواد الأعظم من الشعب المصرى، أن مافيا تجارة الأعضاء البشرية لن تهدأ ولن تتوقف عن ممارسة نشاطها المشبوه، ذلك لأن الفساد له أعوان وله أنصار فى كل مكان وهذا معلوم للكافة، ولطالما أن هناك فساد وفاسدين، فالأمر لن ينته بهذه السهولة المسطرة إلى الآن على الأوراق دون الواقع العملى.

الثانية، أنه لن يستفيد المرضى الفقراء من هذا القانون، الا فى اضيق الحدود وبشروط شديدة، لأنهم لن يكون لديهم المقدرة المالية لدخول المراكز والمستشفيات التى تتخصص فى زراعة هذه الأعضاء إن وجدت هذه الأعضاء بالشكل الذى تناوله مشروع القانون أصلا، مما يجعل الامر فى نهاية بمثابة خدمة جاهزة للأغنياء الذين سيكون باستطاعتهم دخول هذه الأماكن والتمتع بمميزات القانون الجديد سواء وجدت الأعضاء أو أوجدوها هم بطريقتهم الخاصة.

الثالثة، أنه من الضرورى ان تكون هناك ضوابط قوية لضمان نزاهة وأمانة القائمين على عملية نقل وزراعة الأعضاء، وكذلك أولئك الذين ستتشكل منهم الهيئة المقترح إنشائها للإشراف على هذه العملية وتنظيمها، والأمر يحتاج قدرا واسعا من الرقابة وتغليظ العقوبات على من يمكن أن تسول له نفسه من المسئولين، المساهمة بأى شكل وبأى درجة فى رواج تجارة الأعضاء البشرية، وحتى لا يتحول القانون الجديد إلى مجرد ستار لعملية النقل المباح ومن ثم رواج هذه التجارة المشبوهة فى سياق مغاير للسياق الحالى.      

 

* باحث قانوني بوزارة العدل - باحث دكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية

 


علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023