|
|
| المقالات الإسبوعية |
التغييـر الـوزاري والإصــلاح الإعــلامي! بقلم: د.محمد شومان
طرحت الوزارة الجديدة هدف تطوير الرسالة الاعلامية, في اشارة واضحة إلي الإبقاء علي مجمل الأوضاع القائمة مع العمل علي تطوير المنتج الإعلامي كيفيا وكميا, بينما اقترح البعض خصخصة الصحافة والإذاعة والتليفزيون. ولعل التعارض بين الاصلاح والخصخصة هنا يثير قضية تضييق الخيارات والبدائل المتاحة بين بديلين متعارضين, والتي أصبحت حالة تسم الحوار العام في مصر, بين خيارين أو بديلين فقط دون النظر إلي بدائل أخري ربما تكون أصلح. بما في ذلك صياغة بديل ثالث يعتمد علي بعض عناصر البديلين المتعارضين. ولايتسع المجال لسرد نماذج من الثنائيات العديدة المتعارضة, لكن فيما يختص بأفكار ومقترحات اصلاح أو تغيير النظام الإعلامي المصري أعتقد بداية أن مقرطة الإعلام المصري هي الهدف الأساسي الذي يجب أن نسعي إليه, عبر حوار واتفاق عام تشارك فيه كل قوي وفاعليات المجتمع المصري, فمثل هذا الحوار مطلوب وضروري دعما للمشاركة الشعبية من جهة, واعترافا بأهمية الإعلام في عملية اصلاح وتجديد النظام السياسي المصري من جهة ثانية.
وإذا كان الإعلام إحدي أهم وسائل الاصلاح والتجديد الديمقراطي, فإنه لن يقوم بدوره إلا بعد تحقيق الحد الأدني من الحريات والحقوق الاعلامية سواء للمواطنين أو للعاملين في وسائل الإعلام. ومن الصعب الحديث عن تعديل في الدستور وتداول سلطة بينما الإعلام المصري خاضع لسيطرة حكومية وتنظمه قوانين ولوائح لا تتماشي والاتفاقات الدولية بخصوص حقوق الإعلام, ولاتستجيب لمتطلبات عصر عولمة الإعلام والميديا الجديدة. السيطرة الحكومية المتوارثة بلورت نظرية في الهيمنة الاعلامية القائمة علي تبعية الإعلام للسياسة, وتحويله إلي أداة عملاقة للحشد والتأييد, مع استبعاد كافة الأصوات المعارضة أو تهميشها, وقد خلقت نظرية الهيمنة الحكومية آلياتها ونظمها الخاصة القائمة علي أوهام السيادة الإعلامية, والتوسع الكمي في ساعات الإرسال وعدد الإصدارات والصفحات بغض النظر عن مستوي القائمين بالاتصال ونوعية المضامين المقدمة وقدرتها علي المنافسة, الأمر الذي أدي ـ ويجب أن نعترف بذلك ـ إلي البيروقراطية والرضا الزائف عن الذات والمحسوبية وانعدام الكفاءة, فضلا عن ظهور مراكز وقنوات اعلامية عربية أكثر تأثيرا من بعض أهم وسائلنا الإعلامية, والمفارقة أن هذه القنوات الحديثة العمر تعتمد علي كفاءات وكوادر مصرية!
مقرطة الإعلام المصري تعني أولا إنهاء الهيمنة الحكومية, والبحث في وسائل وآليات جديدة للعمل الإعلامي تقوم علي توسيع المشاركة في كافة مجالات انتاج وتداول الخطاب الإعلامي سواء بالنسبة للمواطنين أو العاملين في وسائل الإعلام, مع استحداث نظم وتشريعات تضمن هذه الحقوق, وتتماشي مع التوجهات التشريعية الجديدة في مجال حرية الإعلام. ومثل هذه الأفكار تتجاوز كلا من عملية الإصلاح والخصخصة, وتطرح منظورا أوسع وأكثر فائدة للإصلاح الإعلامي, إذ لايمكن اصلاح الرسالة الإعلامية بدون اصلاح السياسة الإعلامية القائمة علي الهيمنة واستبعاد المخالفين في الرأي, كما لايمكن اصلاح أو تجديد الرسالة الاعلامية بدون اصلاح مجمل مكونات النظام الاعلامي, فالرسالة هي منتج نهائي يعبر عن سياسات ورؤي وأساليب عمل, ولن تنجح رسالة اعلامية أيا كانت جاذبيتها أو قدراتها التكنولوجية طالما افتقرت للحرية والمصداقية. أما الدعوة لخصخصة الإعلام فلا تضمن بالضرورة تحقيق ديمقراطية الإعلام بل علي العكس قد تقود وعلي نحو ما حدث في روسيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا إلي ظهور احتكارات رأسمالية تقمع حرية الإعلام, أي أن الخصخصة قد تستبدل ملكية وسائل الإعلام من الدولة إلي ملكية احتكارية تهيمن فيها الشركات الرأسمالية, ولاشك أن هيمنة الدولة أو الشركات الاحتكارية أمر مرفوض من منظور السعي نحو ديمقراطية الإعلام المصري.
في الوقت نفسه فإن تفكيك ملكية وهيمنة الدولة علي الإعلام قد يكون أمرا ضروريا لعملية التحول الديمقراطي ولمقرطة الإعلام, بشرط ألايتم ذلك من خلال الخصخصة, وإنما من خلال صيغ جديدة تفعل بشكل حقيقي النصوص الدستورية الخاصة بملكية الشعب لوسائل الإعلام, وتمكن الإعلاميين والمواطنين عبر جمعيات المجتمع المدني والأحزاب والجامعات من ممارسة حقوقهم الاعلامية, وثمة تجارب وخبرات مفيدة في هذا المجال منها نظام تخصيص ساعات للبث الإذاعي والتليفزيوني للأحزاب وجمعيات المجتمع المدني علي مدار العام, مع إيجاد قنوات عامة تديرها هيئات منتخبة وممثلة لكافة فاعليات المجتمع, بحيث تضمن مشاركة المواطنين بدون تمييز بينهم, كذلك يمكن التوسع في نظام الدعم المالي للصحف الصغيرة لتحقيق توازن في الساحة الصحفية, علي أن توضع اشتراطات معينة لتلقي هذا الدعم مثل تخصيص نسبة معينة للمواد التحريرية أو وضع سلم تصاعدي مرتبط بمدي الزيادة في التوزيع أو مدي الزيادة في المساحة المخصصة للمواطنين. إن النظام التشريعي والقوانين المنظمة للإعلام المصري تنص عل ملكية الشعب لوسائل الإعلام غير أن الصيغ التنفيذية القائمة أفرغت هذه النصوص من مضمونها الحقيقي, وبالتالي لابد من استحداث صيغ جديدة ومبتكرة, وهو مايتطلب إجراء حوار عام حول أوضاع ومستقبل الإعلام المصري وديمقراطيته. من جانب آخر فإن التعديلات التشريعية التي أدخلت علي النظام الإعلامي المصري سمحت وبشكل محدود لظهور قنوات تليفزيونية واذاعية وصحف لشركات خاصة, وقد حققت بعض هذه القنوات انتشارا واسعا جاء أحيانا علي حساب نوعية المضامين المقدمة. من هنا لابد من طرح هذه القضايا للحوار العام للبحث في اطلاق حق الأفراد والشركات في امتلاك وسائل الإعلام لكن مع اخضاع الجميع لقوانين ملزمة تمنع الاحتكار والتركيز في الملكية, بالإضافة إلي مواثيق شرف اعلامية تحمي قيم وتقاليد المجتمع وحقوق المواطنين في الإعلام.
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|
|