لرأي العام الأمريكي وسباق الانتخابات الرئاسية بقلم : د. محمد شومان
ا
يهدف هذا المقال إلي التعرف علي ملامح وتوجهات الرأي العام الأمريكي خلال فترة حكم الرئيس بوش الابن, مع محاولة تحليل المواقف الحالية والمتوقعة للرأي العام من إعادة انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة في نوفمبر القادم. ولاشك في صعوبة هذه المحاولة, بالنظر إلي كثرة وتنوع المتغيرات التي أثرت في مواقف الرأي العام الأمريكي خلال السنوات الأربع الماضية, بداية من حالة الحيرة والانقسام القانوني والنفسي التي ترافقت مع انتخاب الرئيس بوش الابن, مرورا بحادث11 سبتمبر2001 الذي شكل أول هجوم من نوعه يطال الأمن الداخلي للدولة الأقوي في العالم, ثم تباطؤ نمو الاقتصاد الامريكي, وتراجع أسواق المال الامريكية وانخفاض قيمة الدولار, وزيادة معدلات البطالة إلي مستويات غير مسبوقة, كل ذلك تفاعل مع تمهيد إعلامي ودعائي هائل يستهدف إعلاء وحشد الروح الوطنية الأمريكية باتجاه غزو أفغانستان, ثم العراق.
ومع أحداث وفصول العمليات العسكرية في البلدين طرحت في خلفية الأحداث قضايا شائكة حول مدي صدقية امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل, والعلاقة بين صدام والقاعدة, وعلاقة إدارة الرئيس بوش بدول الاتحاد الأوروبي, وإمكانيات العمل مع الأمم المتحدة في العراق.. كل ذلك تفاعل مع متغير تجربة فيتنام التي تعيها الذاكرة الأمريكية, خاصة جيل متخذي القرار. والمدهش أن كثافة المتغيرات الخارجية استمرت في تفاعلها في عملية تكوين الرأي العام الأمريكي علي أرضية استمرار الأزمة الاقتصادية وانتشار البطالة, واستمرار التهديد أو الشعور بوجود تهديدات إرهابية لأمن الولايات المتحدة في الداخل, لكن مع أولوية المتغيرات الداخلية ووزنها الأكبر في تشكيل مواقف الرأي العام الأمريكي.
ومن خلال كثرة وتنوع, وأحيانا تناقض المتغيرات التي شكلت مواقف الرأي العام الأمريكي تأرجحت مواقف الرأي العام الأمريكي تجاه كثير من القضايا الداخلية والخارجية, وحدث نوع فريد من الارتباط بين قضيتي الأمن الداخلي الأمريكي والحرب علي الارهاب, سواء في نسختها الأفغانية أو العراقية ومثل هذا الارتباط بين قضايا الداخل الأمريكي والخارج غاب أو غيب عن إدراك الرأي العام الأمريكي, حيث همشت القضايا الخارجية, خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لصالح القضايا الداخلية. تأرجح الرأي العام الأمريكي تعكسه نتائج أهم مراكز استطلاعات الرأي العام الامريكية خلال سنوات حكم الرئيس بوش, من أن نسبة التأييد للرئيس بوش كانت فوق نسبة الـ90% بعد هجمات11 سبتمبر2001, انخفضت إلي ما بين55 و63 عام2002, ثم مالبثت أن سجلت ارتفاعا ملحوظا بعد نجاح القوات الامريكية في احتلال العراق حيث تراوحت بين71-80%, خلال شهري أبريل ومايو2003, غير أن هذه النسب العالية سرعان ماتراجعت خلال شهري أكتوبر ونوفمبر لتسجل أدني نسب تأييد لادارة الرئيس بوش, فقد انحصرت بين51-56% استنادا إلي العديد من الاستطلاعات التي أجرتها جهات ومراكز مختلفة.
هذا التحول جاء في الواقع نتيجة مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية, في مقدمتها قوة وفاعلية عمليات المقاومة العراقية وسقوط مزيد من القتلي والجرحي في صفوف القوات الأمريكية, رغم الإعلان الرئاسي بانتهاء الحرب في العراق, وتواكبت عمليات المقاومة مع ارتفاع أصوات النقد داخل وخارج الولايات المتحدة بشأن الانفراد الأمريكي البريطاني بقرار الحرب وضعف أو زيف الادعاءات الخاصة بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل أو امتلاك مشروع طموح لانتاج أسلحة نووية, فضلا عن استمرار أزمة البطالة وارتفاع العجز الحكومي رغم تحسن مؤشرات أداء الاقتصاد الأمريكي. ولعل من المؤشرات ذات الدلالة لتحول الرأي العام الأمريكي عن تأييد الرئيس بوش أن بعض استطلاعات الرأي العام سجلت نسبا أقل من50% لشعبية بوش, حيث اظهر استطلاع لمؤسسة زغبي انترناشيونال اجري في سبتمبر2003 ان45% فقط من الناخبين يؤيدون بوش, وفي مطلع أكتوبر الماضي اظهر استطلاع اجري لمصلحة مجلة نيوزويك أن46% فقط قالوا نعم لاعادة انتخاب بوش. مقابل47% قالوا لا, وبلغت النسب فيما يتعلق بأدائه الاقتصادي وهي المسألة الأكثر أهمية لكثير من الناخبين حدا منخفضا, حيث وافق37% فقط علي أدائه مقابل55% عبروا عن عدم رضاهم.
مع نهاية عام2003 تحسنت شعبية بوش قليلا بعد النجاح في القبض علي صدام حسين حيث كشف استطلاع اجري لمصلحة نيويورك تايمز وشبكةCNN أن شعبية بوش ارتفعت بنحو6 نقاط, واعرب59% عن رضاهم لأداء بوش في العراق, مقابل54% قبل اعتقال صدام حسين, مثل هذا التغيير يجب أن يوضع في سياق ظاهرة تأرجح وتغير الرأي العام الأمريكي بمعني أنه لاينبغي الرهان علي نتائج استطلاعات الرأي العام في شهر أو حتي عدة اشهر متتالية, فالرأي العام الأمريكي لايختلف عن الرأي العام في أي مكان في العالم حيث تنطبق عليه القوانين العامة ذات الطابع النسبي في تشكيل الرأي العام وآليات تعبيره عن نفسه, ومن ثم فهو متقلب وقابل للاستهواء والتحول من موقف إلي آخر بحسب مصالحه أو ماتصوره له آلة الدعاية والإعلام علي أنه مصالحه أو مصالح وطنية عليا. أيضا الرأي العام يتماهي دوما مع المصلحة الوطنية ومع ضرورات التماسك الوطني في مواجهة المخاطر والتهديدات الخارجية, تماما كما حدث إبان هجمات11 سبتمبر, ثم في اثناء غزو افغانستان والعراق, من جانب اخر فمن قوانين الرأي العام أولوية المصالح والشئون الداخلية عن الشئون الخارجية. والميل نحو تشخيص وتجسيد الأفكار, والإدارك من خلال الصور النمطية.
القصد أن تأرجح الرأي العام الأمريكي أمر طبيعي ومفهوم خاصة في ظل كثرة وتداخل المتغيرات والعوامل التي تجاذبت التأثير في الرأي العام الأمريكي خلال سنوات حكم الرئيس بوش, أي أن التأرجح ليس سمة ينفرد بها الرأي العام الأمريكي وإنما هي ظاهرة ترتبط بطبيعة الرأي العام والقوانين النسبية التي تحدد مسار تشكله وآليات تعبيره عن نفسه وتأثيره في العمليات السياسية. علي أن الإقرار بتأرجح الرأي العام الأمريكي لايعني التعامل مع الظاهرة بشكل سطحي أو برجماتي, كما
لايعني إهمال الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية بل والجهوية التي تحدد الملامح العامة للرأي العام والتي تتسم بقدر من الثبات والرسوخ, فمثل هذه العوامل تحدد خريطة المصالح والقوي الفاعلة داخل المجتمع الامريكي والتي عادة ما تلعب دورا اكبر في تشكيل الرأي العام. من هنا فان القراءة المتفحصة لنتائج استطلاعات الرأي العام الامريكية تكشف لنا عن حالة من الانقسام العميق في الرأي العام الأمريكي حول أداء وتوجهات ادارة بوش الداخلية والخارجية, حيث يمكن القول أن حالة التأرجح الظاهر في الرأي العام تخفي وجود كتلتين أو محورين أساسيين يستقطب الأول نحو40% من مجموع الناخبين المؤيدين, مقابل نسبة لاتزيد أيضا عن40% من المعارضين, مع وجود أقلية مؤثرة متذبذبة تقدر بـ20%, وتتسم الكتلتان الرئيسيتان بثبات كبير في مواقفهما العامة مع وجود اختلافات في مواقفهما التفصيلية والأسباب والمبررات التي يستخدمها كل منهما, إذ أن كل كتلة تضم شرائح اجتماعية وسياسية مختلفة, كما أن هناك مصالح متفاوته داخل كل الفئات والقوي التي تشكل كل معسكر, لكنها في التحليل الأخير تتخذ مواقف موحدة تجاه ادارة بوش, وربما تجدر الإشارة هنا إلي حالة الانقسام والاستقطاب التي ارتبطت بفوز الرئيس بوش عام2000 بفارق ضئيل ومثير للجدل علي منافسه الديمقراطي آل جور, وقد عبرت حالة الانقسام عن نفسها من جديد وبشكل مغاير قبيل خوض الحرب ضد العراق, حيث عارضها بوضوح في استطلاعات الرأي العام نسب تتراوح مابين35 و45%.
والمفارقة أن حالة الاستقطاب أو ما يعرف أحيانا في الأدبيات الامريكية بانقسام الأمة لم ولن تقضي علي ظاهرة تأرجح المواقف النهائية للرأي العام, لأن التأرجح يعبر في الغالب عن توجهات ومواقف الأقلية غير المهتمة بالشأن العام والتي ليس لها رأي, وعادة ما تشكل هذه الأقلية فئة من لايعرف أو الذين ليس لديهم رأي في استطلاعات الرأي العام, وبالتالي فهي أكثر قابلية للتأثر بالأحداث كما تنقلها لها وسائل الإعلام ويصورها الخطاب الدعائي, بل أن هذه الفئة تتأثر أيضا بنتائج استطلاعات الرأي العام وغالبا ما تميل نحو التصويت في الاتجاه الذي تتبناه الاغلبية, والملاحظ أن هذه الاقلية أو فئة من لايعرف تشكل نحو20%, والاشكالية هنا أن آليات عمل استطلاع الرأي العام وطريقه طرح أسئلة الاستطلاع لاتستبعد هؤلاء من العينات, بل أن بدائل الإجابة تساعدهم أو توحي إليهم بإجابة ما, من جانب آخر فان عرض نتائج الاستطلاعات خاصة في وسائل الإعلام لاتركز علي فئة من لايعرف أو الذين لم يحددوا موقفا, بل يجري تجاهلهم في كثير من الحالات, رغم انهم يمثلون مابين8% و10% في نتائج معظم استطلاعات الرأي العام. في ضوء ماسبق يمكن القول إن ثبات الكتلتين الرئيسيتين في الرأي العام الأمريكي تجاه المرشحين في السباق الانتخابي يدعم من دور تأثير الاقلية التي لاتعرف, والتي تحدد مواقفها في الأيام الأخيرة من السباق الرئاسي, تحت تأثير مجموعة من العوامل والمتغيرات الطارئة كظهور أرقام اقتصادية ايجابية أو سلبية, أو وقوع عملية ارهابية أو سقوط عدد مؤثر من القتلي في صفوف القوات الامريكية, أو تحقيق إنجاز عسكري وسياسي كاعتقال بن لادن, من هنا تتبلور استراتيجية كارل روف المسئول عن حملة بوش في الأمن القومي والدفاع عن الحرب الاستباقية, والأمن الاقتصادي والدفاع عن التخفيضات الضريبية, وتأكيد صورة بوش كرجل مؤمن وحازم في مواجهة المخاطر, ومحاولة إشراك اكبر عدد من مؤيدي الحزب الديمقراطي في التصويت, خاصة الانجيليين وذوي الأصول الأسبانية لصالح بوش, لكن مهما تبلغ دقة هذه الاستراتيجية فانها قد لاتفيد كثيرا في التعامل مع الاحداث المفاجئة وغير الملائمة لفرص اعادة انتخاب بوش.
|