تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
التقرير الإستراتيجي العربي
جديد
تقارير
تقرير الحالة الدينية
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
المقالات الإسبوعية
تحليلات عربية و دولية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
كراسات إستراتيجية
الجنيه المصرى : من التثبيت الى التحرير
عبد الفتاح الجبالى

كراسات استراتيجية، السنة الثالثة عشرة 2003، العدد رقم 124


مقدمة:
دخل الجنيه المصري مرحلة جديدة من التطور وذلك في أعقاب إطلاق حرية التعامل بالنقد الأجنبي بالأسواق المصرية في نهاية يناير 2003. وقد أثارت تلك الخطوة العديد من التساؤلات والاستفسارات ، واحتلت مكان الصدراة في معظم الحوارات التي دارت في المجتمع المصري، خاصة وأنها جاءت بعد سلسلة من الأزمات، ترتب عليها انخفاض كبير في القيمة الخارجية للعملة المصرية مقابل الدولار الأمريكي، الأمر الذي بدا للبعض على أنه بداية التعويم الحر للجنيه المصري، وأستتبعه بالضرورة التساؤل عن سر هذه العملية ومستقبل الجنيه المصري ؟ وبمعنى أخر، هل سيؤدى هذا التحرير ألي استقرار أسعار صرف الجنيه، أم أنها ستكون بمثابة البداية لمزيد من التدهور؟
وقبل الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها، تجدر الإشارة إلي أن قضية إدارة أسعار الصرف والنظم المرتبطة بها عموما، قد أصبحت من أهم القضايا التي تواجه بلدان العالم أجمع ( المتقدمة والمتخلفة منها)، وخاصة منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين مع التغييرات والتبدلات التي جرت على الساحة العالمية عموما والنظام النقدي على وجه الخصوص، وذلك عقب انهيار نظام الصرف الثابت والقابل للتحويل والذي كان قائما وفقا لاتفاقية بريتون وودز، والدخول في مرحلة التعويم الجماعي للعملات بعد أن تخلت الدول الصناعية الكبرى نهائيا عن ذلك النظام، وفقا لاتفاقية جامايكا 1976( ). وكان من شان النظام الجديد أن يسمح، من الناحية النظرية ، للدول بأن تتجه نحو القابلية التامة للتحويل، وانعدام الحاجة إلي فرض قيود لتعزيز سعر صرف عملة معينة . ولكن من الناحية العملية، فإن عددا كبيرا من الحكومات ظل غير مستعد لإعطاء الحرية الكاملة لتحركات العملات. وأصرت على تحديد أسعار الصرف ، أو على الأقل حددت أرقاما مستهدفة لقيمة صرف عملاتها، وذلك انطلاقا من الدور الذي تلعبه أسعار الصرف في اقتصادات الدول.
ومنذ ذلك التاريخ دخل النظامان المالي والنقدي العالميان في مرحلة متتالية من الأزمات، منها على سبيل المثال لا الحصر، أزمة آلية الصرف الأوروبية (1992- 1993)، وأزمة تكيل في أمريكا اللاتينية (1994-1995)، والأزمة المالية في جنوب شرق أسيا (1997 - 1998)، وغيرها من الأزمات التي برزت بشدة وازدادت حدتها منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي. وتشير إحصاءات صندوق النقد الدولي إلي أنه خلال الفترة بين عامي ( 1975-1997) حدثت نحو 158 أزمة كبيرة في سوق الصرف الأجنبي و54 أزمة مصرفية ، ومن بين نحو 55 أزمة من أزمات العملة التي تم رصدها ، كان مكون سعر الصرف يمثل اكثر من 75% من قيمته الكلية( ). وهى الحالات التي عرفت بانهيارات العملة، أما مكون الاحتياطات الأجنبية فقد شكل مساحة لا بأس بها في عدد من الحالات الأخرى.
وفى هذا السياق برز العديد من نظم الصرف الأجنبي ، والتي تراوحت بينمجلس العملة شديد الجمود في الأرجنتين ، ونظام الصرف المرن في العديد من الدول . وبين هذين النقيضين احتفظت بعض الدول بنطاقات لتقلبات أسعار الصرف.
ومن الطبيعي أن يتم الاهتمام بهذه العملية لما لسعر الصرف من آثار وتداعيات ليس فقط على الاقتصاد القومي فحسب ولكن، وهو الأهم، على المجتمع المصري ككل. والمتتبع لتطور قيمة العملة المصرية وسياسات الصرف الأجنبي يلحظ على الفور مدى التغيير والتبدل الذي طرأ على الاثنين، بغية إيقاف التراجع في قيمة الجنيه المصري أو على الأقل الحد من المضاربات التي تطفو على السطح بين فترة وأخرى، وذلك عن طريق تخفيف القبضة على سوق الصرف. واتبعت الحكومات المختلفة سياسة نقدية أفضت في النهاية إلي تخفيضات (رسمية أو فعلية ) للجنيه، الأمر الذي أدى إلي سيادة نوع من الفوضى والارتباك في سياسات الصرف الأجنبي، كما أدت إلي تعدد أسعار صرف العملات الأجنبية . وازدادت حدة هذه المسألة خلال عامي 2001 و2002. وكلها أمور تشير إلي أن الجنيه المصري يعانى من أزمة حقيقية بكل معاني الكلمة. فالتعريف العلمي لأزمة العملة ينصرف إلي الحالة التي يحدث فيها هجوم شديد على عملة بلد ما، وينتج عنه انخفاض شديد في قيمتها ، يقدره البعض بنحو 25% سنويا على الأقل مع زيادة هذا الانخفاض عن السنة السابقة بمعدل 10% سنويا، أو تدهور في الاحتياطات، الدولية نتيجة لإجبار السلطات على الدفاع عنها عن طريق إنفاق كم هائل من الاحتياطات أو اللجوء إلي رفع أسعار الفائدة بشكل حاد( ). وغالبا ما تحدث الأزمة بسبب تراكم الاختلالات الاقتصادية بالبلاد، أو بسبب خلل في التمويل الخارجي يؤدى إلي كشف جوانب الضعف الاقتصادية والمالية في الاقتصاد القومي.
وقبل التعرض بالتحليل لأسباب هذه المسألة، يجدر بنا البحث أولا في طبيعة سعر الصرف ودوره . ثم نعرج بعد ذلك إلي تتبع التطور التاريخي لنظم الصرف الأجنبي بالبلاد، وأخيرا العوامل المؤثرة عليه، ومستقبل الجنيه المصري في ظل سياسة التحرير.

أولا: طبيعة وتطور سوق الصرف الأجنبى فى مصر

لابد بادئ ذي بدء من التأكيد على أن التعامل مع قضية سعر الصرف يحتاج إلى معاملة خاصة تنسجم مع طبيعته والعوامل المؤثرة فيه، وذلك في ضوء اتساع دائرة الآثار التي تنتج عن تغييره . فمن المعروف أن أهمية سعر الصرف تكمن في قدرته على تسهيل تحقيق الأهداف والغايات الاقتصادية الأساسية. فسعر الصرف يؤثر على كافة قطاعات الاقتصاد القومي ويلعب دورا هاما في تحديد السياسة النقدية والتعامل مع العالم الخارجي . هذا فضلا عن أن سعر الصرف - كأحد أنواع الأثمان السائدة - يؤثر على نظام الأثمان بأكمله . وهو ما يتطلب الدراسة المتأنية والمتعمقة لطبيعته والعوامل المؤثرة فيه.
1. طبيعة سعر الصرف
لسعر الصرف خصوصيته ، مقارنة بباقي الأسعار ، هذه الخصوصية تتشابه إلى حد كبير مع سعر الفائدة ، فكلاهما يتعلق بتبادل بين وسائل الدفع في شكل نقود أو صكوك دائنيه أو مديونية، وكلاهما مع اختلاف في التفاصيل يتحدد بعرض وطلب مشتقين من عرض وطلب السلع والخدمات ، لأغراض الاستهلاك والاستثمار .
من هذا المنطلق يمكننا مناقشة سياسة الصرف المثلى التي تحقق السعر التوازنى للعملة. هذا مع تسليمنا الكامل بصعوبة الإمساك بفكرة التوازن، خاصة عندما يكون المستوى العام للأسعار بعيدا عن التوازن. وهو ما دفع بالاقتصادية الإنجليزية مسز روبنسون للقول بأن سعر الصرف التوازنى ليس إلا وهما أو حلما لا سبيل إلى تحقيقه.
وقبل التعرض لهذا الموضوع، لابد من تصحيح بعض الأخطاء الشائعة والمتداولة في هذه المسألة، إذ يخلط البعض بين التعويم والتخفيض، على الرغم من الفارق الكبير بينهما، فالأول يشير إلى ترك سعر العملة ليتحدد وفقا لظروف العرض والطلب ، وهو ما يعنى نظريا على الأقل إمكانية الانخفاض أو الارتفاع . وبالتالي فليس شرطا أن يكون التعويم مرادفا للتخفيض.
ومن جهة أخرى، فإن هناك درجات مختلفة لعملية التعويم تختلف كثيرا عن مجرد ترك العملة لقوى السوق وحدها، فهناك التعويم المدار والتعويم النظيف والتعويم القذر… الخ. وكل منها له سياسة اقتصادية محددة .
كما يخلط البعض بين التخفيض والانخفاض . إذ أن التخفيض عمل إرادي يتم في إطار سياسة اقتصادية ونقدية متكاملة، تهدف إلى تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية للدولة ، أما انخفاض قيمة العملة، والذي يبلغ حد التدهور، إذا ما استمر بمعدلات مرتفعة ومتراكمة، فيعبر عن محصلة تفاعل قوى السوق وما يعانيه الاقتصاد القومي من اختلالات هيكلية من شانها استمرار وتراكم عجز ميزان المعاملات الجارية.
عموما فإن سعر الصرف يلعب دورا مزدوجا فى الاقتصاد القومي ، إذ يعزز القدرة التنافسية للبلد مما يكفل سلامة ميزان المدفوعات (فيما اصطلح على تسميته أثر محول الإنفاق) كما يعمل على تثبيت الأسعار المحلية (أثر الثروة). وبمعنى آخر فإن سعر الصرف ينتج أثره من خلال التأثير على الإنفاق، وذلك أساسا من خلال تغيير الحوافز النسبية بين المعروض المحلى للصادرات وبدائل الواردات، والإنفاق المحلى على الواردات وسلع التصدير. وتتوقف هذه الحوافز على أسعار سلع التبادل التجاري بالعملة المحلية بالقياس الى التكلفة المحلية (الأجور والمواد الخام وتكاليف عناصر الإنتاج الأخرى) والأسعار المحلية التي لايتم تبادلها تجاريا. وهذه الأهداف قد تتعارض مع بعضها البعض، فاستقرار الناتج والحد من التضخم وعلاج مشكلة ميزان المدفوعات، تتناقض مع بعضها فى كثير من الحالات. وبالتالي فإن مناقشة المفهوم الأمثل لإدارة الصرف الأجنبي لابد أن تتم فى ضوء عدد من العوامل الهامة مثل: الأهداف الاقتصادية لدى راسمي السياسات، والهيكل الاقتصادي للدولة، ومصدر الصدمات التي تلحق بالاقتصاد المعنى( ).
من هنا فإن تحديد الهدف سيحدد المتغيرات المستهدفة، وعندئذ يمكن الحديث عما يسمى سعر الصرف التوازنى الذي يتسق مع المتغيرات الرئيسية ، وليس ذلك السعر الذى تحدده المضاربات. وبالتالي فإن المستوى السليم لسعر الصرف لا يمكن أن يتحدد فى نهاية الأمر، إلا بالاستناد إلى فكرة التوازن العام، أى بحث التفاعل بين سعر الصرف والمتغيرات الرئيسية الأخرى للاقتصاد الكلى، والتي لا تتأثر جميعها فى نفس الوقت بسعر الصرف فى حد ذاته فحسب، بل تتأثر بالسياسة العامة للدولة . فعند ظروف اقتصادية معينة، يمكن تعديل أسعار الصرف بدرجة معقولة ولكن شريطة الإدراك التام لكافة العوامل والعناصر المؤثرة على هذه العملية واحتمالاتها المستقبلية. وهو ما يتوقف على طبيعة النظام الاقتصادي للدولة أو مدى الثقة فى العملة، والاستقرار السياسي، وطبيعة الأسواق المالية ومدى تحررها من القيود . فالمسألة ليست التثبيت الدائم أو المرونة الكاملة، ولكن درجة المرونة المطلوبة فى ظروف معينة . ويتوقف الأمر على نوع الصدمة التي يرجح أن يتعرض لها الاقتصاد المعنى.
ففي حالة الصدمات الخارجية ، فإن مرونة أسعار الصرف تستطيع الحد من آثارها ، بمعنى ان الأسعار المحلية يمكن استقرارها عند مواجهة الاقتصاد لحركة الأسعار الأجنبية عن طريق إدخال التعديل الملائم فى سعر الصرف. بينما فى حالة الصدمات الداخلية، فإن الأمر يتوقف على طبيعة الصدمة المحلية من حيث كونها نقدية (أي تنشأ في سوق النقد)، أم حقيقية (تنشأ في سوق السلع).
وتذهب وجهة النظر التقليدية الى أن الحفاظ على سعر صرف ثابت هو الأسلوب الأكثر فاعلية فى تحقيق استقرار الإنتاج حين تكون الصدمات المحلية ذات طبيعة نقدية. اما حين تكون الصدمات المحلية حقيقية، فيجب تعديل سعر الصرف لتحقيق الاستقرار فى الناتج عن طريق توليد الطلب الخارجي ( ).
والقاعدة العامة هى أنه اذا كانت السياسة الاقتصادية تهدف الى تحقيق استقرار الناتج فى وجه الصدمات المؤقتة، فيجب تعديل سعر الصرف حين تنبع الصدمات من الخارج أو من سوق السلع المحلية ، ولكن ينبغي تثبيته فى حالة حدوث الصدمات من سوق النقد المحلية.
ولاشك أن تحديد طبيعة الصدمة المسئولة عن الإخلال بالاستقرار الاقتصادي مهمة شاقة، فالاقتصاد غالبا ما يتعرض فى وقت واحد لعدد من الصدمات النابعة من مصادر مختلفة يصعب تحديدها بدقة. فغالبا ما يصعب معرفة ما إذا كان الكساد الاقتصادي يرجع الى بطء الطلب المحلى أو تشدد السياسة النقدية ، أو ضعف الطلب الخارجي، أم خليط من هذا أو ذاك، وبأي درجة. هذا فضلا عن صعوبة تحديد ما إذا كانت هذه الصدمة مؤقتة أم دائمة .
ويعتمد تحديد مستوى توازن سعر الصرف الحقيقي على مدخلين أساسيين. أولهما هو فكرة تعادل القوى الشرائية النسبية. والفكرة هنا هي أن سعر الصرف التوازنى يتناسب مع مستويات الأسعار بين البلد المعنى وشركائه التجاريين، أي مع القوى الشرائية النسبية للعملة الوطنية.
أما المنهج الثاني فهو تعريف سعر الصرف الحقيقي على أنه السعر النسبي بين السلع القابلة للتجارة الدولية والسلع غير القابلة للاتجار، فإذا ارتفع السعر المحلى للسلع القابلة للاتجار بالمقارنة بالسلع غير القابلة، فإن ذلك يعنى إعادة تخصيص الموارد لصالح الأولى . وبهذا المعنى يصبح سعر الصرف الحقيقي هو ذلك الذي يناظر السعر النسبي بين السلع التجارية وغير التجارية ( ).
من هذا المنطلق يمكننا تناول الأزمة الراهنة في سعر صرف الجنيه المصري ، وذلك انطلاقا من أن القضية ليست تخفيض الجنيه أو تعويمه، ولكنها بالأساس هي إدارة نظام الصرف الأجنبي عموما. وقبل الدخول فى هذه المسألة بالتفصيل لابد من بحث التطور التاريخى لسعر ونظم الصرف الأجنبي في مصر.
2. تطور سوق الصرف الأجنبي في مصر:
مر الجنيه المصري بعدة مراحل هامة، بدءا من محاولة محمد على فى عام 1830 إقامة نظام نقدي مستقلا، ثم تشكيل لجنة إصلاح العملة في أغسطس عام 1884، وخروج مصر عن قاعدة الذهب في أغسطس 1914 حينما أعفى البنك الأهلي من الالتزام بدفع مقابل ما يصدره من أوراق بالنقد المصري بالذهب، فغدت هذه الأوراق غير قابلة للتحويل . ثم دخلت بعد ذلك في منطقة الاسترلينى حينما رخص للبنك الأهلي الاستعاضة بأذون الخزانة البريطانية عن غطاء الذهب المنصوص عليها فى القانون الأساسي للبنك، مع ما يعنيه ذلك من الأرتباط ببريطانيا.
وفى سبيل التخلص من التبعية للنقد الاسترلينى، قامت الحكومة المصرية باتخاذ خطوتين هامتين. أولاهما الانضمام الى صندوق النقد الدولى عام 1945 مع تحديد سعر الجنيه المصرى بقيمة ثابتة من الذهب تعادل 3.6728 جراما ( او 4.133 دولار )( ). أما الخطوة الثانية فقد تمثلت فى خروج مصر من المنطقة الاسترلينية فى يوليو 1947 وفرض الرقابة على عمليات الصرف الأجنبي . وقد تم تعديل قاعدة الاسترلينى المتبعة، فجمد الجنيه الاسترلينى المستعمل فى غطاء العملة ابتداء من يوليو 1947 ، وأوقف التحويل الآلى بين الجنيه والاسترلينى. وذلك عقب صدور القانون رقم 119 لسنة 1948 والذى زاد نسبة السندات المصرية فى غطاء العملة، وأوقف أى زيادة فى السندات الإسترلينية وهو ما يعد بمثابة إلغاء فعلى لقرار أكتوبر 1916 الذى كان يسمح باستخدام الاسترليني كغطاء للجنيه المصري بدلا من الذهب.
وقد ظل الجنيه المصري يعادل 4.1 دولار حتى عام 1949، أي لمدة عامين بعد خروج مصر من منطقة الاسترلينى، ولكن عندما اتضح للحكومة المصرية أن انجلترا تتعمد الحد من فاعلية استخدام الأرصدة الاسترلينية فى تعزيز الجنيه المصرى خفضت قيمته بنسبة 30 % فأصبح يعادل 2.87 دولار( ).
وكانت مصر قد خرجت من الحرب العالمية الثانية وهى دائنة لبريطانيا فيما عرف بمشكلة الأرصدة الإسترلينية التى تجمدت بعد الحرب العالمية الثانية وقيمتها 430 مليون جنيه استرلينى. وتجدر الاشارة الى أن هذه الأرصدة تختلف عن الأرصدة الاسترلينية التى كانت قائمة قبل الحرب العالمية الثانية ، حيث كانت قابلة للتصرف فيها فى أي دولة من دول العالم وقابلة للتحويل الى أى عملة أجنبية ، أما الأرصدة التى تجمعت أثناء الحرب فقد كان لايمكن تحويلها الى أى عملة غير الاسترلينى( ).
ومع تزايد الصعوبات الناجمة عن نقص العملات الأجنبية قامت الحكومة المصرية باتخاذ عدة اجراءات ووسائل جديدة، فأنشأت حسابات التصدير (1949 - 1955 ) وحسابات الاستيراد. وهكذا، اتسم سعر صرف الجنيه المصرى خلال الخمسينيات بالتعدد وسيادة أربعة أنواع رئيسية هي ( ):
§ سعر التعادل، وطبق فى بعض المدفوعات كالسياحة والهجرة وهو السعر الذى تحدد وفقا لعلاقة مصر بصندوق النقد الدولى.
§ سعر اتفاقيات الدفع، وهو سعر اتفاقى.
§ جنيه التصدير، وهو جنيه قابل للتحويل يتغير سعر صرفه طبقا للعرض والطلب ويستخدم فى العمليات الجارية غير المباشرة أي في التجارة الثلاثية.
§ جنيه حق الاستيراد، وهو جنيه حر حتى داخل البلاد يستخدم فى العمليات الجارية فى البداية بغرض تشجيع شراء القطن وتسهيل دفع ثمنه ثم امتد العمل به فشمل جميع الصادرات.
ومع دخول حقبة السبعينيات بدأت السياسة الاقتصادية للدولة فى تغيير المسارات والاتجاهات السابقة وذلك باتباع سياسة الانفتاح الاقتصادى، وهو ما تطلب بالضرورة تغيير سياسة الصرف الأجنبي بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة. من هنا كان إنشاء السوق الموازية بالقرار الوزارى رقم 477 لسنة 1973، وذلك على أن يتم فى نطاقها التعامل طبقا لأسعار الصرف التشجيعية وهى عبارة عن سعر الصرف الرسمى، مضافا اليه علاوة تسمى بالعلاوة التشجيعية وقد حددت هذه العلاوة بواقع 50 % من السعر الرسمى للشراء على أن يزيد السعر التشجيعى للشراء بنسبة 5 %.
وقد تم رفع هذه العلاوة عدة مرات حتى وصلت الى 79 % من الأسعار الرسمية للشراء، ويضاف إليها 2% للوصول إلى سعر البيع التشجيعى. وبالتالى هبط سعر الجنيه المصرى من 2.5 دولار إلى 1.7 دولار فى سبتمبر 1973، ثم الى 1.42 دولار للجنيه فى نهاية 1973. وقد تم تطوير هذا السوق في عام 1974 حيث أجاز المشرع للمصريين الحائزين على موارد بالعملات الأجنبية، أن يقوموا بتحويلها للبلاد في شكل عيني ، كما أجاز القرار لغير المقيمين (أجانب ومصريين) القيام بتوريد السلع. واتسع نطاق هذا النظام وتصاعدت أهميته بصدور القانون رقم 118 لسنة 1975، والذي تقرر بموجبه أن يكون استيراد احتياجات البلاد من السلع عن طريق القطاعين العام والخاص. وقد أضفي هذا القانون على القطاع الخاص حرية ممارسة الاستيراد والتجارة بما فى ذلك إنشاء وكالات تجارية للاستيراد. ثم قرار وزير التجارة رقم 427 لسنة 1977، والذي سمح للقطاعين العام والخاص والأفراد بالاستيراد المباشر مع التمويل من موارد السوق الموازية في حدود السلع المدرجة دون التقييد بالحصص المحددة، وذلك باستثناء بعض السلع الأساسية ( القمح، الدقيق، السكر، الشاي، زيت الطعام ,المبيدات الحشرية، الأسمدة الكيماوية، المنتجات البترولية) ثم أضيفت بنود جديدة من المتحصلات المنظورة وغير المنظورة، بحيث أصبحت كافة المتحصلات تتم بالأسعار التشجيعية باستثناء السلع الأساسية وهى القطن والأرز والبترول ومنتجاته، وكذا رسوم المرور فى قناة السويس وخط سوميد.
وكانت موارد هذه السوق عبارة عن حصيلة مدخرات وتحويلات المصريين العاملين فى الخارج وإيرادات السياحة وحصيلة الصادرات السلعية، باستثناء السلع التقليدية وتحويلات مواطني الدول العربية لغير أغراض الاستثمار. وبنهاية عام 1975 كانت السوق الموازية هى السوق التى تجرى فى داخلها كل تقلبات سعر صرف الجنيه المصرى.
وقد أدت الأوضاع سالفة الذكر إلي تعدد أسعار الصرف السائدة خلال تلك الفترة، فكان هناك سعر صرف مجمع البنك المركزي ( الدولار يساوى 70 قرشا)، وسعر مجمع البنوك المعتمدة ( الدولار يساوى 83.2 قرشا )، وسعر الصرف بعلاوة متغيرة في المجمع المستقل للنقد الأجنبي والمنشأ وفقا للقرار الوزاري رقم 3 لسنة 1985 والذي وصل فيه سعر الدولار إلى 130 قرشا، هذا فضلا عن سعر الصرف الخاص باتفاقيات الدفع التي كانت سارية المفعول آنذاك.( )
ويلاحظ أن نسبة الفرق بين سعر الصرف التشجيعي المعلن وسعر السوق السوداء قد بلغ 14.3% في ديسمبر 1980، ثم ازداد في ديسمبر 1981 إلى نحو 22.6%، والى 35.8% في عام 1982، و45.3 % في عام 1983، وبلغ فى ديسمبر عام 1984 نحو 23.7% وذلك بعد إقامة السوق الثالثة للنقد الأجنبي فى الجهاز المصرفى فى مارس 1984 وتحديد السعر المرن بنحو 112 قرشا للدولار. ارتفع في ديسمبر 1985 إلى 38 %( ). ( انظر جدول رقم 1)
وكان من الطبيعي إزاء التدهور المستمر فى قيمة العملة والتشوهات العديدة فى سعر الصرف أن تحاول الحكومة علاج هذا الموقف. وقد تمثل ذلك فى القرارات الوزارية رقم 222 و223 و 224 لسنة 1987، والخاصة بانشاء السوق المصرفية الحرة للنقد الأجنبي. والتي تعتبر بداية لتوحيد سعر الصرف، إذ سُمح بمقتضى هذا النظام للبنوك المعتمدة بشراء وبيع النقد الأجنبى وفقا لأسعار تحددها لجنة إدارة السوق المصرفية في ضوء مؤشرات العرض والطلب . وبناء على ذلك تحدد سعر صرف الدولار عند 217 قرشا بدلا من 136 قرشا، ويتم التعديل يوميا بواسطة لجنة إدارة السوق.
وقد تناول القرار رقم 223 لسنة 1987 المدفوعات والمتحصلات لهذه السوق، وأهمها مدخرات العاملين بالخارج والسياحة ومشتريات البنوك من كافة أنواع حسابات النقد الأجنبي وحصيلة صادرات القطاع الخاص المسموح بتجنبها وحصيلة صادرات القطاع العام المحددة . وقد ترتب على ذلك نقل نحو 85 % من استخدامات القطاع العام من مجمع البنوك إلى تلك السوق ثم اتساعها لتشمل عمليات مجمع البنوك فى مارس 1988 والخفض التدريجي لسعر صرف مجمع البنك المركزي اعتباراً من أغسطس 1989 ، إلي أن تم تحديد سعر يقترب من السوق المصرفية الحرة فى فبراير 1991 .
ودخلت هذه العملية مرحلة جديدة بدءا من عام 1991 حين قامت الحكومة المصرية بتوحيد سعر صرف السوق الأولية والثانوية اعتباراً من أكتوبر 1991 ، وأعلنت حرية التعامل فى النقد الأجنبي من خلال المصارف المعتمدة والجهات الأخرى ، غير المصرفية ، التي يرخص لها التعامل فى النقد الأجنبي .
وقد سار هذا النظام سيرا حسنا خلال النصف الأول من التسعينيات ، وتحديدا حتى في عام 1996/1997 حين أخذ الفائض فى ميزان العمليات الجارية فى التراجع، فبعد أن سجل فائضا قدره 118.6 مليون دولار عام 1996/1997، حقق عجزا بلغ 2.5 مليار دولار في عام 1997/1998 وذلك نتيجة للأزمات المالية التى شهدتها الأسواق الآسيوية، حيث أدت تلك الأزمة إلى زيادة التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية إلى خارج مصر لاستثمارات الحافظة خلال العامين الماليين 1997/1998 و 1998/1999 بنحو 422 مليون دولار. كما أدى الانخفاض الحاد فى أسعار صرف عملات عدد من دول جنوب شرق آسيا إلى ارتفاع الواردات المصرية التى زادت خلال العام المذكور بنو 1.7 مليار دولار. كذلك أدت حادثة الأقصر إلى انخفاض عائدات البلاد من السياحة والتي تراجعت من 3.6 مليار دولار عام 1996/1997 إلى 2.9 مليار خلال العام التالي. وتزامن ذلك كله مع تراجع أسعار النفط بالأسواق العالمية، فهبط متوسط سعر تصدير البرميل من 15.6 دولار عام 1996\1997 إلى 9.7 دولار عام 1997/1998. وكلها أمور ضغطت بشدة على سوق الصرف الأجنبي في مصر. وقد حاولت الحكومة المصرية علاج ذلك من خلال إصدار مجموعة من القرارات والإجراءات بهدف إعادة الانضباط إلى السوق المصرفية وضبط تحركات الجنيه المصري مقابل العملات الأخرى.
وفى هذا الإطار، اتخذت الحكومة عدة إجراءات في يناير 2001 ، تمحورت حول عدة محاور أساسية. أولها يهدف إلى إعادة سيطرة البنك المركزي على الأوضاع بالأسواق عن طريق الإعلان عن سعر مركزي للدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري وقدره 385 قرشا، وهو المتوسط المرجح لأسعار التعامل في السوق (بنوك وشركات صرافة) خلال الأسابيع الثلاثة السابقة على صدور القرار، وتتحدد أسعار باقي العملات الأجنبية مقابل الجنيه المصري بناء على هذا السعر. وتقوم البنوك وشركات الصرافة بتحديد أسعار بيع وشراء الدولار الأمريكي بما يتوافق مع آليات السوق وفى حدود هامش لا يزيد عن 1% صعودا وهبوطا من السعر المركزي الذي يعلنه البنك المركزي. على أن يتدخل البنك المركزي بائعا أو مشتريا للنقد الأجنبي كلما اقتضت الحاجة، وذلك لموازنة تحركات الصرف بالسوق على أن تتم مراجعة السعر وفقا لظروف السوق.
أما المحور الثاني فقد تمثل في إحكام السيطرة على تعاملات شركات الصرافة بالسوق. وفى هذا الإطار تم تعديل اللائحة التنفيذية لقانون النقد الأجنبي رقم 38 لسنة 1994 بالقرار الوزاري رقم 103 لسنة 2001، وتم بمقتضاه استبدال المادة الرابعة من اللائحة التنفيذية للقانون المذكور بمادة أخرى تلزم كافة المصارف المعتمدة والجهات الأخرى المرخص لها بالتعامل في النقد الأجنبي بإبلاغ الغرفة المركزية بالبنك المركزي عن الحجم الإجمالي لعمليات الشراء والبيع التي تمت عن طريقها والأسعار التي تمت بها في إطار السوق الحرة للنقد الأجنبي. وتعلن الغرفة المذكورة بصفة دورية متوسط أسعار الصرف لمختلف العملات الأجنبية وفقا للعمليات الفعلية، وكذا موارد واستخدامات السوق الحرة
وفى هذا السياق أيضا، تم تعديل نص البند الثالث من المادة التاسعة من اللائحة التنفيذية بحيث لا يقل رأس مال شركات الصرافة المدفوع عن عشرة ملايين جنيه مصري . مع الزام الشركات القائمة وقت العمل بهذا القرار توفيق أوضاعها خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ العمل بهذا القرار. وهى الآلية التى أصبحت سارية فى 30 يناير 2001 .
وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية قد استبقت هذه القرارات بمجموعة من الإجراءات تم بمقتضاها معاقبة 26 شركة صرافة، بعضها بالشطب والأخرى بالإيقاف أو الإنذار. وقد تعرض هذا النظام لمزيد من الهجمات من جانب المضاربين، الأمر الذي أدى إلى تعديل السعر المركزي عدة مرات فى 28 مايو 2001 ليصل إلى 386 قرشا وبنفس الهامش. ثم تم تعديله مرة أخرى في 2 يوليو 2001 ليصبح 390 قرشا مع زيادة الهامش إلى 1.5 % . ثم فى أغسطس 2001 تم تحريك السعر إلى 415 قرشا ، مع تحريك الهامش ليصل إلى 3 % . وفى 4 أكتوبر 2001 صدرت مجموعة جديدة من الإجراءات تم بمقتضاها الاتفاق على أهمية تحركات البنوك في سوق الصرف الأجنبي بهدف تحقيق الانضباط فى المعاملات وذلك عن طريق تحريك أسعار البيع والشراء وفقا لمتغيرات السوق، اى إطلاق حرية البنوك فى دخول السوق والسماح لها بتخطي الهامش الذي يحدده البنك المركزي لسعر الصرف ، خاصة وأنه تزامن مع تطوير غرفة تداول النقد الأجنبي لتتحول من رصد حركة التداول الى غرفة لضبط الأسعار وتلبية طلب الأسواق، والتأكيد على حظر العمليات التي من شأنها المضاربة على الجنيه المصري باستخدام المشتقات المالية، ولذلك تم الاتفاق على عدم فتح حسابات بالجنيه المصري لبنوك تعمل في الخارج بغرض المضاربة . وكان من المفترض ان تسهم تلك الإجراءات في إعادة الانضباط إلى السوق، خاصة وأن تحديد السعر المركزي وفقا لهذه الإجراءات عند 415 قرشا للدولار، كان مرتفعا عن السعر المتداول والذي كان يتراوح بين 405 و410 قرشا، وهو تحرك إيجابي كان من الممكن أن يحد من هجمات المضاربين على العملة لما يعنيه ذلك من مجازفة غير محسوبة العواقب. أما النقطة الثانية فهي الخاصة بتوسيع هامش التذبذب من 1% كما كان سائدا من قبل إلى 3% . وهو ما يجعل النظام أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات التي يمكن أن تتعرض لها العملة مستقبلا.
وتمثل المحور الثالث في القرار المتعلق بالاتفاق على حدود للمعاملات النقدية بالعملات الأجنبية، والتي تم بمقتضاها الاتفاق على أن يكون التعامل بالبنكنوت الأجنبي إيداعا وسحبا في الحدود المعقولة، والتي قدرت بـ20 ألف دولار يوميا. وهو القرار الذي أثار لغطا كثيرا بالأسواق، واعتبره البعض تراجعا عن حرية النقد الأجنبي. وسادت حالة من الارتباك والتوتر بالأسواق إلى أن قام البنك المركزي بإلغاء هذا القرار في 22 أكتوبر من نفس العام.حيث ترك الأمر في النهاية وفقا لعلاقة البنك بالعميل.
وقد أدت سياسة التخفيض المتتالية والمتعاقبة إلى ازدياد المضاربة على الجنيه المصري وتنامي السوق السوداء واتساع الهامش بينهما. بل وأخذ الهامش بينهما في الاتساع بشدة ووصل قبل القرارات الخاصة بتحرير التعامل بالجنيه إلى نحو 80 قرشا على الأقل. وخطورة هذا الأمر تكمن في أن نمو هذه المعاملات بصورة متزايدة يساعد على تهريب رؤوس الأموال من جهة وتناقص متحصلات البلاد من العملات الأجنبية من جهة أخري . إذ يدفع هذا الوضع إلى تزوير فواتير الصادرات والواردات حيث يبالغ المستوردون في قيمة وارداتهم ويثبت المصدرون قيم الصادرات بأقل من حقيقتها، وغير ذلك. كما أنه يؤدى إلى لجوء مدخرات المصريين العاملين بالخارج إلي هذه الأسواق أو الاحتفاظ بمدخراتهم في الأسواق الخارجية.
بل والأخطر من كل ما سبق هو ازدياد الطلب على العملة للمضاربة وليس لأغراض التعامل التجاري العادي ، ويؤدى إلي توظيف جانب كبير من مدخرات العملات الأجنبية فى عمليات المضاربة فى السوق السوداء ، خاصة مع كثرة القرارات الاقتصادية المتعلقة بالنقد الأجنبي والتعديل المستمر عليها فى فترات زمنية قصيرة وهو ما يمثل التربة الملائمة لنمو الطلب على العملات الأجنبية لأغراض المضاربة.
ونظرا لأن هذه السوق غير منظمة على الإطلاق، فقد أدت إلي ارتفاعات متتالية في أسعار الصرف غير مبررة على الإطلاق إلا فى ضوء مغالاة تجار العملة لتحقيق أقصى أرباح ممكنة، الأمر الذي جعل أسعار الصرف لا تعكس حقيقتها ومغالى فيها كثيرا.
ومن المعروف أن أسعار الصرف المغالى فيها تعنى مساواة متوسط أسعار عوامل الإنتاج المحلية بمتوسط أسعار عوامل الإنتاج الأجنبية بالرغم من اختلاف الإنتاجية بينهما، وبالتالي لا يسمح هذا السعر بإعمال قوى السوق لكي يتم تخصيص الموارد بين مختلف الاستخدامات على النحو الأمثل .
هذا فضلا عن الآثار السلبية الأخرى سواء تمثل ذلك في خفض القدرة التنافسية للصادرات، حيث يقلل الارتفاع في أسعار الصرف من الحوافز لانتاج السلع التصديرية، كما أنه يؤدى إلى نوع من الإضرار بالزراعة والمناطق الريفية نتيجة لتحيز شروط التبادل الداخلية ضد الزراعة مع ازدياد الحاجة لاستيراد الغذاء ، كما أن هذا الوضع يفيد المستوردين بشكل خاص( ). ناهيك عما يحدثه من آثار على حساب المعاملات الرأسمالية، حيث يزداد الشعور بالقلق ويدفع رأس المال إلى الهروب خاصة في ضوء التخوف من تخفيضات جديدة ، مع فقدان الثقة في السياسات التي تعتمدها الحكومة في إدارة الاقتصاد، وفقدان الثقة في النظام النقدي السائد.
وكان من الطبيعي إزاء التدهور المستمر في القيمة الخارجية للعملة والتشوهات العديدة في سوق الصرف الأجنبي أن تحاول الحكومة معالجة الموقف، خاصة وأن الاستمرار في الوضع السابق كان يتطلب التدخل المستمر من البنك المركزي بالعملة الأجنبية ، فخلال الثلاثة شهور التالية لقرارات أغسطس تدخل البنك المركزي بنحو 1.6 مليار دولار بالأسواق. ورغم ذلك استمرت الضغوط على الجنيه، الأمر الذي أدى لتدخله مرة أخرى بنحو 600 مليون دولار فى شهر ديسمبر من العام نفسه . مما ترتب عليه فقدان جزء لا يستهان به من الاحتياطات النقدية ، دون أن تحقق الاستقرار المرجو منها( انظر جدول رقم 2)، وتراجع صافى الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي من 29.4 مليار جنيه في نهاية يونيه 1999 إلى 17.3 مليار في نهاية يونيه 2002، وهو ما يشير إلي زيادة سحب العملات الأجنبية وارتفاع حجم الطلب عليها (انظر جدول رقم 3 )
في هذا الإطار، جاء الإعلان عن الإجراءات الجديدة المتمثلة في تحرير التعامل بالنقد الأجنبي شراء وبيعا في إطار السوق الحرة، وذلك وفقا لما جاء بقرار رئيس الوزراء الصادر في نهاية يناير 2003، والقاضي بتعديل اللائحة التنفيذية للقانون رقم 38 لسنة 1994 الخاص بتنظيم التعامل بالنقد الأجنبي. ووفق القرار السابق أصبحت المصارف المعتمدة والمرخص لها بالتعامل بالنقد الأجنبي حرة في تحديد أسعار البيع والشراء للنقد الأجنبي على أن يعلن البنك المركزي يوميا سعر تعامله بالنقد الأجنبي حسب المتوسط المرجع لسعر الإغلاق والمعلن من جانب غرفة إحصاءات النقد الأجنبي. وعلى الجانب الأخر، سمح القرار لشركات الصرافة بشراء وبيع النقد الأجنبي وذلك شريطة الالتزام بأسعار الصرف المعلنة لدى أحد المصارف المعتمدة مع الإعلان عن اسم المصرف وإخطار البنك المركزي بذلك.
وهكذا، يتضح بجلاء شديد أن القرار يهدف إلى تحرير التعامل بالنقد الأجنبي وليس تعويم العملة كما تصور البعض. وتهدف هذه العملية إلى الوصول لسعر صرف واقعي للجنيه المصري ، وتشجيع الصادرات والحد من الواردات، مع قيام الجهاز المصرفي بدور فعال كقناة شرعية وقانونية في سوق الصرف الأجنبي، وبما يحقق الاستقرار النسبي لسعر الصرف.
ولاشك أن هذه العملية تهدف إلى إعادة التنظيم للأوضاع داخل السوق ، التي كانت تتسم بالتعدد وسيطرة الوسطاء والسماسرة عليها ، الأمر الذي جعلها لا تعكس حقيقتها . كما أصبحت السوق الرسمية هي الأساس وليس العكس ، كما كان يحدث من قبل إذا كانت السوق الرسمية تابعة للسوق السوداء خلال فترة الثمانينيات .
وإذا كان النظام الحالي قد ألغي كافة القيود التي كانت قائمة ، وأعطى الحرية للأفراد في تملك النقد الأجنبي أو التعامل فيه ، حيث أصبح التعامل حراً في جميع البنوك والصيارفة ، الأمر الذي يزيد من إمكانية الوصول إلى أسعار حقيقية لأسعار الصرف تعكس قوى السوق بالأساس ، إلا أنه لم يستطع - حتى الآن حل المشكلة الأساسية الخاصة بالاستقرار النقدي طويل الأمد.
وهكذا، يتضح لنا بما لا يدع مجالا للشك أن ما يحدث في سوق الصرف حاليا لا يعكس الأوضاع الاقتصادية الحالية للدولة ، ولكنه يرجع إلى عوامل هيكلية في الاقتصاد القومي هي أوضاع ميزان المدفوعات والسياسة النقدية، فضلا عن سياسة التعقيم التي قامت بها الحكومة في النصف الأول من التسعينيات. وهو ما سنتناوله فيما بعد.


ثانيا: العوامل المؤثرة على سوق الصرف الأجنبى فى مصر

يلاحظ المتتبع لتطور نظام الصرف الأجنبي في مصر أنه تأثر بالعديد من السياسات الاقتصادية والنقدية ، خاصة أن الجنيه المصري ظل هو محور الارتكاز للسياسة الاقتصادية خلال حقبة التسعينيات، وهو ما أثر بدوره على أوضاع الصرف الأجنبي في مصر. وفيما يلي عرض لأهم العوامل التي أحدثت آثارها على هذه السياسة.
1. امتصاص فائض السيولة: تعقيم السياسة النقدية
تؤدى عملية إصلاح القطاع المالي وتحرير الحساب الرأسمالي إلى تعرض البلاد لتدفقات رأسمالية كبيرة ومفاجئة، وهو ما يثير العديد من المشكلات لدى صانعي السياسة النقدية بالبلاد، وعلى الأخص احتمال فقدان السيطرة على أدوات صنع السياسة، والزيادة المفرطة فى سعر الصرف الحقيقي، وما يستتبع ذلك من ضعف للحساب الجاري. وكلها أمور يمكن أن تجهض محاولة الإصلاح واسترداد الاقتصاد لعافيته. وبمعنى آخر، فإذا ما أدى التفاؤل بشأن السياسة الاقتصادية للدولة، سواء كان ذلك بسبب أم لا، إلى زيادة أسعار الصرف، بينما تقبع في الأعماق العلاقة الجامدة بين الأجور والأسعار لتمنع هبوطهما، فإن هذا يمكن أن يعادل أثر ارتفاع سعر الصرف في أسواق المنتجات، ويصبح الانزلاق إلى مرحلة الركود والكساد أمرا لا مفر منه.
وتزداد خطورة هذه المسألة إذا كانت الدولة لم تطور سوقا للأوراق المالية يسهل فيه تداول الأوراق الحكومية بشكل كفء، فقد تواجه معضلة تتعلق بكيفية الاستجابة، أي الاختيار، بين زيادة قيمة سعر الصرف مع التضحية بالقدرة التنافسية للاقتصاد، أو السماح بعرض النقد المحلى بالتوسع، مما يفقدها السيطرة على معدلات التضخم( ).
وفى كل الأحوال ينبغي للدولة أن تفكر جديا في ظروفها الخاصة مثل وضع الحساب الجاري ونظام الصرف الأجنبي لديها والتوازن المالي العام. وهنا يمكن للبنك المركزي القيام بعملية لتعقيم وكبح تأثير التدفقات الرأسمالية الوافدة على العرض المحلى من النقود. ولكن قدرة السلطات على تنفيذ ذلك كثيرا ما يعرقلها قدرة أسواق رأس المال الخاصة على استيعاب مبيعات الأوراق المالية الحكومية أو أذونات البنك المركزي( ).
ومن بين السياسات المكملة أيضا، وهى قصيرة الأجل، سياسة تشجيع التدفقات للخارج من خلال التسديدات المبكرة للدين الخارجي، أو عدم تشجيع التدفقات الوافدة من خلال فرض قيود مؤقتة على حساب رأس المال بميزان المدفوعات.. الخ.
وهناك وسيلة أخرى لتجنب أية زيادة حقيقية في سعر الصرف وهى دعم موقف المالية العامة، فتشديد سياسة المالية العامة يساعد على تخفيف الضغط على أسعار الفائدة المحلية، وهو عكس الأثر المترتب على السياسة النقدية المتشددة. وفى بعض البلدان، أثبتت سياسة تقييد المالية العامة المصحوبة بزيادة الإيداعات الحكومية لدى البنك المركزي، أنها الأكثر فعالية في تعقيم الأثر النقدي لتدفقات النقد الأجنبي إلى داخل البلاد.
في هذا الإطار، نلحظ أن مصر قد توافر لديها قدر لا بأس به من النقد الأجنبي، خلال حقبة التسعينيات بسبب العديد من العوامل، أهمها( ):
1- إعادة جدولة الديون الخارجية وما ترتب عنها من وفر في الأموال،
2- الزيادة الكبيرة في المعونات العربية عقب حرب الخليج الثانية (1990/1991)،
3- التدفق الكبير في موارد السياحة،
4- زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج بالعملات الأجنبية.
وهذه الزيادة لم يواكبها طلب مناظر في سوق النقد، نتيجة لطبيعة البرنامج الاقتصادي الذي طبق خلال هذه الفترة، خاصة خلال الفترة (1991-1993). وكان من الطبيعي أن يتدخل البنك المركزي لشراء هذا الفائض وتركيمه في شكل احتياطات. وذلك للحيلولة دون ارتفاع سعر الصرف للجنيه المصري وللحد من الضغوط التضخمية في الاقتصاد.
وفى هذا السياق، جاءت سياسة التعقيم من جانب البنك المركزي لاحتواء هذه الآثار السلبية، خاصة مع زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى مصر منذ بداية التسعينات، ونتيجة للتحول في ميزان المدفوعات من عجز إلى فائض، الأمر الذي زاد من حيازة البنك المركزي للعملات الأجنبية، وبالتالي محاولته للحد من أثار هذه التغييرات على القاعدة النقدية. وهكذا، تبنى فلسفة هذه السياسة على فكرة اتخاذ التدابير التي تمكن السلطة النقدية من ضبط التوسع النقدي لتوافق حاجة المتعاملين في الاقتصاد والتحكم في المعروض النقدي.
وحملت هذه المسألة الاقتصاد المصري تكاليف عديدة، تقاس بالفرق بين الفائدة المدفوعة على أذون الخزانة الجديدة، ومع فرض ثبات سعر الصرف، والعائد من الزيادة في الاحتياطات الدولية (من الممكن افتراض أنها تساوى 5%، أي العائد على سندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل). وفى هذا الإطار، تشير التقديرات إلي أن تكلفة التعقيم خلال الفترة(1990/91- 1993/94) وصلت إلى 3.9% من الناتج المحلى. فإذا ما أضفنا إليها زيادة الاحتياطات لدى البنوك التجارية، والتي يحصل بعضها على فائدة من البنك المركزي، تصل هذه التكلفة إلى 5%.( )
وكان تعقيم احتياطات البنوك التجارية يتم عن طريق مبيعات أذون الخزانة الحكومية، وكانت الزيادة في صافى الاحتياطات الدولية للبنك المركزي متوازية مع التراجع في صافى الأصول المحلية للبنك المركزي، والتي تلاحظ بشدة في زيادة صافى الأصول المحلية للجهاز المصرفي، باستثناء البنك المركزي. وإذا ما أخذنا في الحسبان النقص في متحصلات الضرائب، سوف تصل التكلفة المالية للتعقيم إلى 10% من الناتج خلال الفترة (1991/92 - 1995/96). فإذا ما أضفنا إلي ذلك المساوئ الناجمة عن سياسة التعقيم وعلى رأسها الميل إلى رفع أسعار الفائدة المحلية، مما يؤدى إلى جذب المزيد من رؤوس الأموال قصيرة الأجل، لاتضح لنا حجم العبء الناجم عن هذه السياسة، خاصة وأن السياسة النقدية المتشددة، التي ربما تتبع بغرض الحفاظ على سعر صرف أسمي معين، تؤدى لارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، مما يؤدى إلى تضخم تكلفة الدين التي تدفعها الحكومة، والنيل من سلامة الوضع المالي. كما أنه عادة ما يشكل اقتراض الحكومة من الجهاز المصرفي عاملا أساسيا في التأثير على المعدل الكلى للتوسع الائتماني النقدي.
2. السياسة النقدية والائتمانية
ينصرف مفهوم السياسة النقدية والائتمانية إلى التحكم في عرض النقود وأداوته ، بما يتلاءم مع الأوضاع الاقتصادية المرغوبة ، ويضمن التشغيل الكفء للموارد الاقتصادية ، واستقرار مستويات الأسعار ، درءا للتضخم وحفاظاً على قيمة العملة الوطنية .
من هذا المنطلق تلعب السياسة النقدية دوراً هاما ورئيسياً في الاقتصاد عموما وسعر الصرف على وجه الخصوص ، نظرا لقدرتها على مواجهة الخلل بين معدلات الادخار المحلية، والاستثمار القومي. وبناء على ذلك فإن العلاقة بين النمو الاقتصادي والتوسع النقدي، أو التوسع في الائتمان المحلى، لها أهمية حاسمة في سياسات سعر الصرف المتبعة.
وهنا تطرح عدة تساؤلات تتعلق بمدى قدرة السلطة النقدية المصرية في السيطرة على المعروض النقدي بالبلاد ؟ أي تأثير المضاعف النقدي في علاقته بحجم السيولة النقدية واستقرار الطلب على العملة ؟ ثم مدى إمكانية القضاء على العجز الخارجي في ميزان المدفوعات عن طريق تعديل القيمة الخارجية للجنيه المصري ؟
وعند محاولتنا الإجابة على هذه التساؤلات تجدر الإشارة إلى أن خبرة مصر في التسعينيات تؤكد على ان الاتساق والتزامن بين السياسات النقدية والسياسات المالية العامة وسياسات سعر الصرف هو سر نجاح التجربة المصرية في الإصلاح الاقتصادي خلال سنواتها الأولى (1991-1997 ) التي استهدفت أساسا تحقيق الاستقرار الاقتصادي، خاصة وان البلدان الأخرى التي اتجهت إلى تحرير سعر صرف عملتها دون الاهتمام باتباع سياسات نقدية ومالية مناسبة قد عانت من تدهور سعر عملتها كنتيجة لاستمرار السياسات النقدية والمالية التوسعية. كما أن سعر الصرف المناسب قد انعكس إيجابيا على أوضاع الموازنة العامة بما ساعد بدوره على تحقيق هدف الاستقرار النقدي.
وقد دعم الاتساق المشار إليه في السياسات الاتجاه المتزامن إلى تحرير وتطوير الجهاز المصرفي، حيث ساعد هذا التطوير مع زيادة الثقة في نظام سعر الصرف الجديد وفى ظل أوضاع مضطربة في المنطقة نتيجة أزمة حرب الخليج على عودة الأموال المهاجرة إلى مصر وزيادة الثقة في النظام المالي والنقدي المصري وتفضيل تحويل المدخرات السابق إيداعها في الخارج من جانب المصريين المغتربين إلى البنوك المصرية، بل التحول إلى تفضيل الادخار في ودائع بالجنيه المصري عن الادخار في ودائع بالعملات الأجنبية ( ).
وقد انعكس الاتجاه العالمي نحو زيادة الاعتماد على آليات السوق والتحرير الاقتصادي إلي التحول نحو الاعتماد على الأساليب غير المباشرة في تنفيذ السياسات النقدية التي تقوم أساسا على البعد عن الأوامر المباشرة مثل السقوف الائتمانية والتحديد الإداري لسعر الفائدة وأسعار الخدمات المصرفية، إلى اعتماد السلطات النقدية على آليات السوق سواء في التحكم في أسعار الفائدة أو العرض النقدي من أكثر الأدوات فاعلية في هذا الشأن ممارسة عمليات السوق المفتوحة. كما زاد اهتمام البنوك المركزية بدعم المنافسة بين البنوك بهدف زيادة الكفاءة، وكذلك الاهتمام بالتنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية( ).
وانعكست الظروف السابقة على البرنامج المصري للإصلاح الاقتصادي في مجالات السياسة النقدية والقطاع المالي. فقد اتجه البنك المركزي إلى التحول إلى الأساليب غير المباشرة، فألغيت السقوف الائتمانية على القطاع الخاص في أواخر عام 1992، والسقوف الائتمانية على القطاع العام في أوائل عام 1993. هذا وقد تم تحرير أسعار الفائدة في يناير 1991، كما توقف البنك المركزي عن تمويل عجز الموازنة وبدأ في تنظيم مزادات أسبوعية لأذون الخزانة. وبناء على تلك المزادات يتحدد سعر الفائدة وفقا للعرض والطلب كما تستخدم إما فى تمويل عجز الموازنة أو امتصاص فائض السيولة، حيث تعد ممارسة لعمليات السوق المفتوحة من خلال السوق الأولى. كما كان يستخدم سعر الفائدة على الأذون كمؤشر للبنك المركزي لتحديد سعر إعادة الخصم، وكذلك كمؤشر للبنوك لتحديد أسعار الفائدة الخاصة بها. ثم تنويع آجال أذون الخزانة ما بين ثلاثة أشهر، ستة أشهر، وسنة.
وهنا نلحظ انه على الرغم من أن السياسة النقدية القائمة على استخدام الأساليب غير المباشرة تضمن في جانبها الأساسي التحكم في النقد الاحتياطي، إلا أن السنوات الثلاث الأولى من بدء الاعتماد عليها قد شهدت زيادة في النقد الاحتياطي بمعدلات كبيرة ومتزايدة كنتيجة للزيادة الكبيرة في صافى الأصول الأجنبية للبنك المركزي التي لم يصاحبها انخفاض بنفس القدر في الأصول المحلية للبنك نتيجة انخفاض الائتمان الممنوح للحكومة بعد توقف البنك المركزي عن تمويل عجز الموازنة وزيادة الودائع الحكومية من حصيلة بيع أذون الخزانة بما يزيد عن حاجة تمويل عجز الموازنة بهدف امتصاص فائض السيولة الناجمة عن زيادة صافى تدفقات الأموال من الخارج. وقد تم التغلب جزئيا على أثر تلك الزيادات الكبيرة في النقد الاحتياطي من خلال خفض مضاعف النقود بما أدى إلى عدم زيادة السيولة المحلية بنفس تلك المعدلات المرتفعة للزيادة في النقد الاحتياطي.
3 . الميزان التجاري وأوضاع ميزان المدفوعات
من المعروف أن أوضاع ميزان المدفوعات تؤثر بدرجة كبيرة على سعر الصرف وذلك في ضوء الروابط المعروفة بين القطاع النقدي وميزان المدفوعات . وهو ما يتطلب الدراسة الكاملة لتطور هذا الميزان والتغييرات التي طرأت عليه خاصة الميزان التجاري وميزان المعاملات الرأسمالية. وهنا نلحظ أن هذا الميزان قد شهد العديد من التطورات الهامة التي أثرت بالسلب على العملة المصرية، يأتي على رأسها تحول الفائض الذي تحقق في عام 1996/1997 ومقداره 118.6 مليون دولار إلى عجز وصل إلى 1163.1 مليون في عام 1999/2000، ثم تراجع قليلا ليصل إلى 33 مليون و8.5 مليونا0 خلال عامي 2000/2001 و2001/2002 على التوالي. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها على سبيل المثال تحول صافى الاقتراض من الخارج إلى صافى سداد. وهنا نلحظ أن رصيد الدين الخارجي قد ارتفع من 26.6 مليار دولار عام 2000/2001 إلى 28.7 مليار عام 2001/2002 وذلك على الرغم من سداد 1.4 مليار دولار خلال العام المذكور. وبذلك ارتفعت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلى الإجمالي من 28.3 % إلى 33.2 % خلال نفس الفترة. وارتفع نصيب الفرد من الدين الخارجي من 399.5 دولار في نهاية يونيه 2001 إلى 422.2 دولار بنهاية يونيه 2002 . وفيما يتعلق بخدمة الدين فقد ارتفع من 1.6 مليار دولار عام 2000/2001 إلى 2 مليار دولار عام 2001/2002 (انظر جدول رقم 4). وتزايد الاعتماد على المعاملات قصيرة الأجل ، إذ ارتفع الدين قصير الآجل من 1707 مليون دولار إلي 2150 مليون خلال العامين المذكورين. وتراجعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من 1.6 مليار دولار في عام 1999/2000 إلى 509 مليون دولار عام 2000/2001 والى 428 مليون عام 2001/2002. ( انظر جدول رقم 5)
كذلك أسفرت نتائج ميزان المعاملات الرأسمالية عن ارتفاع صافى التدفق للخارج إلى 1037.7 مليون دولار خلال العام المالي 2001/2002 مقابل 541.7 مليون في العالم المالي 2000/2001. وبالمثل ارتفع صافى تدفق الأصول والخصوم للخارج ( والتي تتمثل في التغير في كل من الأصول والخصوم الأجنبية غير الاحتياطية للبنك المركزي والمقابل لبعض البنود المدرجة في الحساب الجاري ) ليبلغ 2.4 مليار دولار مقابل 1.5 مليار خلال العام السابق. (انظر جدول رقم 6)
وتبرز هذه المسالة بشدة في الميزان التجاري، إذ وصل عجز هذا الميزان إلى 8.8 مليار دولار في عام 2001/2002 مقابل 7.5 مليار دولار عام 1990/1991، واصبح يشكل أحد القيود الأساسية على حركة ميزان المدفوعات والاقتصاد المصري ككل ، خاصة أن هذا الميزان يعكس الهيكل الإنتاجي للدولة ومدى تطوره ، وهو ما يظهر في المعاملات السلعية وتركيبة السلع الداخلة في حركة التجارة المصرية .
ومن المعروف أن هذا الميزان يعكس طبيعة الهيكل الإنتاجي للدولة ومدى تطوره ، وهو ما يظهر في المعاملات السلعية وتركيبة السلع الداخلة في حركة التجارة المصرية ( تصديراً واستيرادا ). وهنا نلحظ أن حصيلة الصادرات السلعية مازالت تتسم بالثبات النسبي، حيث ارتفعت من 3.6 مليار دولار عام 1991/1992 إلى 4.9 مليار عام 1996/1997 ثم إلى 6.6 مليار دولار عام 2001/2002( انظر جدول رقم 7 ). هذا في الوقت الذي تزايدت فيه حركة التجارة العالمية بصورة كبيرة، الأمر الذي ترتب عليه انخفاض نصيب مصر من الصادرات العالمية من 0.2% عام 1985 إلي 0.07% عام 1995. فإذا أردنا الحفاظ على هذا النصيب يصبح من الضروري تحقيق معدل نمو في الصادرات 35% سنويا لمدة خمس سنوات، من أجل استعادة نصيبها في حجم الصادرات العالمية عام 1980.
وعلى الجانب الآخر، فإن التحسن الذي طرأ على ميزان المدفوعات ككل(خلال النصف الأول من التسعينيات) ، وتحويل العجز المزمن إلى فائض جارى ، خلال نفس الفترة ، يرجع بالأساس إلي توفر مصادر متعددة للعملات الأجنبية، بما كان يسمح بحرية الحركة في مواجهة المشاكل التي قد تظهر في أي قطاع من القطاعات ، لكنها مصادر مرتبطة أساسا بعوامل خارجية ، وهو ما يجعل أوضاع الميزان عرضة للتقلبات والهزات العنيفة عند حدوث أي تغيير في هذه العناصر .
وما يهمنا الإشارة إليه في هذا الصدد هو التأثير السلبي لهذه المسألة على الصادرات، إذ أدى تدفق العملات الأجنبية من المصادر الأخرى ( كتحويلات العاملين بالخارج والسياحة وقناة السويس والبترول) إلي تأخر الاهتمام بضرورة التوسع في الصادرات السلعية ، وساعد على أن يظل الاقتصاد مهيأ للاستيراد بدلا من التصدير . كما ساهم في قوة سعر صرف الجنيه المصري بالرغم من التباين النسبي المتزايد بين معدلات التضخم المحلية والعالمية.
وبتحليل هيكل الصادرات المصرية يلاحظ أن السلع التقليدية ( البترول الخام ومنتجاته والقطن والموالح والبصل والأرز) تستحوذ على 70% من إجمالي الصادرات تقريبا. مع ملاحظة التناقص المستمر في قيمة الصادرات السلعية عموما ، والزراعية منها على وجه الخصوص، وبالتالي تدهور مكانتها النسبية داخل الهيكل .
وقد تزامن ذلك مع استمرار الزيادة في الواردات السلعية ، والتي وصلت إلى 14.7 مليار دولار عام 2001/2002 ، مقابل 14.1 مليار عام 1995/1996. وبالتالي وصلت نسبتها للناتج المحلى الإجمالي إلى 40% ( انظر جدول رقم 8 ). وذلك بسبب الوفرة النسبية في موارد النقد الأجنبي آنذاك، فضلا عن السياسات الاقتصادية الراهنة والتي خففت كثيراً من القيود على الاستيراد، وبالتالي زاد الطلب على السلع الوسيطة والاستهلاكية والتي تمثل أكثر من ثلثي الواردات، وهذه الزيادة لم تنعكس إيجابيا على حجم الصادرات .
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الزيادة في التحويلات من الخارج، قد أدت إلي زيادة الطلب على كل من السلع القابلة وغير القابلة للتبادل. وفى حين أن أسعار السلع غير القابلة للتبادل (مثل الأرض والعمل) ليست محكومة بعوامل السوق الدولية، حيث تتحرك أسعارها بحرية في الأسواق الداخلية ، فإن أسعار السلع القابلة للتبادل (مثل الخضراوات والطعام) تتأثر بعوامل السوق الدولية. وعلى ذلك فإن التحويلات من الخارج قد أدت إلى زيادة أسعار السلع غير القابلة للتبادل دوليا، أكثر من تلك السلع القابلة للتبادل ، وإذا افترضنا مساواة أثر العوامل الأخرى فإن هذا الاختلاف النسبي في السعر سيشجع على إنتاج السلع غير القابلة للتبادل على حساب السلع التي يمكن تصديرها. وبالتالي المزيد من الفجوة بين الواردات والصادرات.
في هذا السياق، يمكننا القول أن سياسة التخفيض، المترتبة على التحرير، لن تؤتى ثمارها إلا إذا توافرت شروط معينة، أهمها أن يكون مجموع المرونات الخاصة بالطلب على الصادرات والواردات أكبر من الواحد الصحيح. أي أنه يفترض مرونة كبيرة في الطلب على الصادرات وكذلك الواردات وعدم التعرض للتدهور في معدلات التبادل التجاري، والتمتع بجهاز إنتاجي متنوع وقادر على الإحلال محل الواردات، وإمكانية الانتقال لعناصر الإنتاج بين القطاعات الاقتصادية. أي أن يكون قادرا على المنافسة الدولية، بما في ذلك جودة الإنتاج، وأيضا يستطيع سد حاجة الطلب المحلى. فإذا ما أضفنا لذلك خصوصية الحالة المصرية ، التي تتميز بارتفاع المكون الأجنبي في الإنتاج المحلى والاعتماد الشديد على الواردات في تلبية الطلب المحلى، يتضح لنا أن تخفيض العملة يمكن أن يؤدى إلى المزيد من الأضرار في ظل استمرار العجز التجاري، الأمر الذي يفضي إلى التدهور المستمر للعملة المحلية( )، خاصة أن الاعتماد على رفع الأسعار وحده ، للحد من الواردات، يؤدى عند مستوى معين إلى الاستمرار في الاستيراد، مما يترتب عليه إما ارتفاع تكلفة الإنتاج، أو انخفاض حجم الإنتاج وتدهور الطاقة الإنتاجية، لأن جانبا كبيرا من الواردات يمثل مدخلات لإنتاج سلع صناعية وقطع غيار للآلات والمعدات، ويعنى نقص المعروض منها عدم تشغيل المصانع بطاقتها وظهور طاقة إنتاجية معطلة. وعلى الجانب الآخر، فإن السلع التي يتم تصديرها للخارج تخضع لعدة عوامل من أجل تسويقها، منها مدى وطبيعة الطلب عليها، ودرجة مرونة هذا الطلب، درجة المنافسة مع السلع الأخرى، وطبيعة السوق الموجهة له، والقوى التي تتحكم فيه، ودرجة جودة السلع المصدرة، ودرجة استجابة إنتاج وعرض هذه السلع للتغيرات في الطلب... الخ .
وبمعنى آخر، فإن العجز المستمر والمتزايد في الميزان التجاري هو حصاد لجوانب الخلل الهيكلي في البنيان الاقتصادي والذي يفرض نفسه على المشكلة النقدية، بحيث يصبح التحرك نحو حل المشكلة الأخيرة مرهونا بالقضاء على جوانب هذا الخلل. وبالتالي فإن استخدام سعر الصرف كأداة للتصحيح ، في الحالة المصرية، أمر ضئيل الأثر، في ظل استمرار جوانب المشكلة الاقتصادية على ما هي عليه . وبالتالي يتطلب الأمر إعادة صياغة السياسة الاقتصادية للبلاد بما يجعلها أكثر كفاءة لزيادة حصيلة الصادرات وجذب رؤوس الأموال من الخارج.


ثالثا: السياسات المقترحة لعلاج أوضاع سوق الصرف الأجنبى

مما سبق يتضح لنا أن تحرير التعامل بالنقد الأجنبي سوف يحقق العديد من المزايا الهامة، على رأسها إعادة التنظيم والانضباط للأوضاع داخل السوق ، فالوضع في السوق سوف يحكمه العرض والطلب. من هنا فإن عودة البنوك للسيطرة على هذا النشاط ستؤدى حتما إلى عدة مزايا منها الزيادة المتوقعة من جانب العرض، حيث يستطيع العامل المصري فى الخارج تحويل مدخراته بسعر السوق دون تردد أو تخوف، كما يؤدى إلى استبعاد السماسرة الذين كانوا يتسببون في زيادة قيم العملات الأجنبية . وبالتالي تهدئة المنافسة على استقطاب مصادر البلاد من العملات الأجنبية كالسياحة أو الصادرات أو التحويلات. أضف إلي ذلك أن تحرير التعامل بالنقد الأجنبي سيؤدى إلي تسهيل التعامل بالنقد الأجنبي، كما سيساعد على الوصول إلى التكاليف الفعلية لكافة المنتجات. أما من ناحية الطلب، فإن العبء الأكبر يقع على الدولة التي تستطيع التحكم في معظم الواردات.
وعلى الجانب الآخر، ولكي تؤتى السياسة الجديدة ثمارها، فإن الأمر يتطلب بالضرورة استكمالها بعدة إجراءات هامة وضرورية ، ليس فقط لعلاج الآثار السلبية التي يمكن أن تنجم عن هذا القرار ، ولكن أيضا وهو الأهم لأنها سوف تساعد على تعزيز الاقتصاد القومي ككل، لأن الإصلاح الاقتصادي ينبغي أن يكون حزمة متكاملة من الإجراءات التي تنسجم وتتناغم مع بعضها البعض .
1- إصلاح الجهاز المصرفي وشركات الصرافة
في إطار سياسة الإصلاح الاقتصادي في التسعينيات تم إلغاء أي شكل من أشكال التمييز بين البنوك العامة والبنوك الخاصة، وبين الائتمان الممنوح للقطاع العام والائتمان الممنوح للقطاع الخاص، حيث أصبح التركيز في منح الائتمان على الجدارة الائتمانية للعميل، كما توقف العمل على النظر للقطاع العام على أنه مضمون من الحكومة. وتضمن الإصلاح أيضا إلغاء تسعير الخدمات المصرفية وتركها للعرض والطلب والمنافسة، وتم ذلك في البداية من خلال وضع حد أدنى يساوى صفرا وحدا أعلى مرتفعا، ثم جاء التحرير الفعلي بقانون صدر في عام 1997. ومع بداية الإصلاح الاقتصادي تم إلزام البنوك في عام 1991 بمعايير الملاءة المالية وفقاً لقواعد لجنة بازل وتمهيداً لذلك تم رفع رؤوس أموال البنوك العامة. ووضع حد أدنى لرأسمال البنوك العاملة في مصر يقدر بنحو 100 مليون جنيه مصري على أن يكون رأس المال المدفوع 50 مليون جنيه، أي ما يعادل (30)،(15) مليون دولار على التوالي وتطبق نفس القواعد على فروع البنوك الأجنبية .
كما تم إلزام البنوك بتصنيف الأصول وفقا للمخاطر، وتحديد المخصصات وفقاً لذلك، وإلزام المراقب الخارجي للبنك برفع تقرير للبنك المركزي يتضمن تقييم مدى كفاية المخصصات ومدى ملاءمة نظام الرقابة الداخلية ونظام منح الائتمان. وتم إلزام البنوك أيضاً بنسب معينة تمنع تركز استثماراتها سواء بالنسبة للعملاء أو المراسلين أو الاستثمار بعملة معينة، وتم فرض حد أقصى لانكشاف البنك بما لا يزيد عن (10%) للعملة الأجنبية الواحدة و(20%) للعملات الأجنبية ككل. هذا إلى جانب إلزامها بنسبة لا تقل عن 105% للأصول بالعملات الأجنبية منسوبة للخصوم بالعملة الأجنبية( ).
وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات، إلا أن الجهاز المصرفي لم يتمكن من فرض سطوته والسيطرة على هذه السوق رغم ما لديه من إمكانيات وقدرات تؤهله للاضطلاع بهذا الدور، نتيجة للمشاكل الكامنة فى الجهاز المصرفي ذاته. فمن المعروف أن الجزء الأكبر من التعاملات بالسوق المصرفية يأتي من تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وهؤلاء ينقسمون إلي قسمين أولهما يميل للاحتفاظ بالدولار وهى الشريحة الأعلى في السلم الوظيفي والمهارى وذلك للعديد من الأسباب على رأسها التحوط للمستقبل . وهذا ما عبر عنه البعض في أحد التحقيقات الصحفية التي أجرتها جريدة الأهرام ( ) قائلا إنني أفضل الاحتفاظ بمدخراتي انتظارا لأعلى سعر للدولار لتحقيق أكبر عائد ممكن، مشيرا إلى أن المصري في الخارج يرى أن السياسة النقدية تقوم على ردود الأفعال لما يدور في الأسواق النقدية دون وجود خطط مستقبلية واضحة المعالم.
أما العمالة متوسطة المهارة أو غير الماهرة فهي لا تتعامل مع الجهاز المصرفي على الإطلاق وتفضل التعامل مع مندوبي ووكلاء تجار العملة في مصر، وذلك نظرا لتعقيدات المعاملات البنكية أو لسيادة انطباع لدى البعض بسوء المعاملة وتكلفتها. وخير دليل على ذلك ما جاء على لسان أحدهم في التحقيق الصحفي المشار إليه سابقا حين سأله الصحفي حول ما إذا كان يقوم بإرسال المبلغ عن طريق البنوك؟ أجاب بالنفي، معللا ذلك بأن والده رجل مسن ولا يتحمل تعقيدات البنوك والتي ترهق المستفيد من الحوالة للحصول على دولاراته، إذ أنه يضطر إلي الذهاب عدة مرات حتى يحصل على أمواله ، وذلك على العكس من التجار الذين يأتون إليهم في أماكن إقامتهم ويرسلون الأموال إلي ذويهم أينما كانوا في القرى والنجوع التي يقيمون بها.
وهكذا، فمازالت البنوك غير قادرة على خدمة هؤلاء ولم تقم بأي مبادرة لاجتذاب هذه الأموال، وذلك على الرغم من الاتفاق على تحريك أسعار البيع والشراء وفقا لمتغيرات السوق. أي إطلاق حرية البنوك في دخول السوق والسماح لها بتخطي الهامش الذي يحدده البنك المركزي لسعر الصرف، خاصة وأنه تزامن مع تطوير غرفة تداول النقد الأجنبي لتتحول من رصد حركة التداول إلي غرفة لضبط الأسعار وتلبية طلب الأسواق، والتأكيد على حظر العمليات التي من شأنها المضاربة على الجنيه المصري باستخدام المشتقات المالية. ولذلك تم الاتفاق على عدم فتح حسابات بالجنيه المصري لبنوك تعمل في الخارج بغرض المضاربة، وكلها أمور كان من المفترض أن تسهم كثيرا في إعادة الانضباط إلي السوق.
ومما يزيد من صعوبة المشكلة، طبيعة العادات المصرفية السائدة بالبلاد والتي مازالت بعيدة تماما عن مفهوم التعامل المصرفي، ومازالت تفضل التعاملات النقدية في كافة السلوكيات. وهناك العديد من الأمثلة الدالة على ذلك، منها احتفاظ بعض المصدرين ورجال السياحة بنتيجة أعمالهم خارج البلاد في حسابات خاصة، الأمر الذي يقلل من المعروض بالأسواق، ناهيك عن تفضيل المعاملات النقدية عن المعاملات البنكية. وخير دليل على ذلك ما جاء بالصحف من أخبار مفادها قيام سائق سيارة أجرة بإعادة مبلغ أربعة ملايين من الجنيهات إلى صاحبها الذي كان قد نسيها في السيارة. ومن المفارقات أن هذا المبلغ كان سيدفعه الرجل إلي آخر نظير مزرعة يعتزم شراءها. وليس أدل على ذلك أيضا من ارتفاع عنصر النقود بمعناها الضيق في السيولة المحلية. وهى المسألة التي ينبغي أن تولى عناية القائمين على الجهاز المصرفي للعمل على تغيير هذه العادات عن طريق دراسة أسبابها والقضاء على المعوقات التي تحول دون تطوير العادات المصرفية بالمجتمع( ).
كل هذه الأمور وغيرها جعلت البيئة الحالية أكثر ملاءمة لزيادة الطلب لأغراض المضاربة والتي أصبحت العنصر الفاعل بالأسواق ، خاصة مع التضارب في القرارات المنظمة للتعامل بالأسواق وعلى رأسها القرار الخاص بإلغاء المعاملات المستندية ثم العدول عنه، وتردد البنك المركزي في الدخول للأسواق في اللحظات التي تتطلب ذلك ، ناهيك عن التصريح الحكومي بعدم الرغبة في استخدام الاحتياطي النقدي وهو ما أدى لسيادة الانطباع بقرب تخفيض العملة وليس العكس. ومن العناصر الأخرى التي غذت المضاربات بالأسواق دخول الصحف اليومية القومية والحزبية في مزايدات يومية حول سعر الصرف، ،دون أدنى علاقة بالواقع ولكنها كانت أشبه بمبارزة صحفية بين الصحف المختلفة حول أيهما سيعلن سعرا أعلى للدولار بغض النظر عن السعر الفعلي بالأسواق !!
وقد أحسنت شركات الصرافة استغلال هذا الموقف تماما ، وهو ما أدى إلى ارتفاعات متتالية في أسعار الصرف وغير مبررة على الإطلاق ، إلا في ضوء مغالاة الصيارفة في رفع أسعار الدولار بغية تحقيق أقصى ربح ممكن. ومما شجعهم على ذلك السفه الاستيرادي الحالي والذي يؤدى إلى استيراد المزيد من السلع الاستهلاكية والترفيهية التي تجد الزبون الدائم والمستعد للدفع عند أي مستوى للأسعار.
وترجع خطورة هذا الأمر إلي الدور الذي تلعبه شركات الصرافة رغم محدودية معاملاتها بالسوق ، إذ إنها تعد اللاعب الرئيسي بالسوق ، بل أصبحت هي المحدد الأساسي ونقطة البدء عند رسم السياسة الخاصة بالنقد الأجنبي. وذلك في ضوء ما تتمتع به من قدرات على جذب المزيد من موارد النقد الأجنبي، نظرا لما تتميز به من مرونة مقارنة بالجهاز المصرفي ، وهو ما يؤكده التزايد المستمر في استحواذ هذه الشركات على نسبة متزايدة من موارد السوق حيث ارتفعت نسبتها من 25.9 % في عام 1996/1997 إلي 35.1 % في عام 2000/2001. وتراجعت بعد ذلك إلي 25 % خلال العام المالي 2001/2002 ( انظر جدول رقم 10) ناهيك عن الأوضاع الاحتكارية لهذه السوق، حيث يتحكم فيها مجموعة ضئيلة من الأفراد أو الشركات ويسيطرون على معظم التعاملات التي تتم فيها.
وهنا نلحظ أن العجز بين الموارد والاستخدامات في هذه السوق يتزايد عاما بعد آخر والذي تحول من فائض بلغ 2 مليار دولار في عام 1996/1997 إلى عجز وصل إلي 5.6 مليار دولار في العام المالي 1999/2000 والى 5.1 مليار عام 2000/2001، ثم تراجع قليلا ليصل إلي 3 مليارات في عام 2001/2002 مع ملاحظة أن هذا العجز يعانى منه الجهاز المصرفي بالأساس وليس شركات الصرافة، إذ تشير المؤشرات إلي أن العجز لدى هذه الشركات لم يتعد 80 مليون دولار في العام المالي 2000/2001 ثم تحول إلي فائض قدره 256 مليون دولار عام 2001/2002. وهو ما أدى إلي ارتفاعات متتالية في أسعار الصرف وغير مبررة على الإطلاق، إلا في ضوء مغالاة الصيارفة في رفع أسعار الدولار بغية تحقيق أقصى ربح ممكن. ومما شجعهم على ذلك السفه الاستيرادى كما أشرنا سابقا، خاصة في ظل السياسة الاقتصادية الحالية والتي تؤدى إلي المزيد من الطلب على العملات الأجنبية وليس العكس، حيث يتم استخدام هذه العملات في تسوية العديد من المدفوعات المحلية. واصبح البعض يشترط الدفع بالدولار وليس الجنيه عند شراء سلعة معينة مثل السيارات ، بل ووصلت إلي مصروفات المدارس واشتراكات الأندية، ناهيك عن الفنادق وغيرها من الأنشطة. هذا فضلا عن قيام بعض المؤسسات بدفع المرتبات والأجور للعاملين بها بالدولار وليس بالجنيه. الأمر الذي يجعلنا نطالب بضرورة إعادة الاعتبار للجنيه المصري عن طريق تجريم أي مدفوعات تتم على أرض الوطن بالعملات الأجنبية، أي ضرورة خلق طلب على الجنيه المصري وليس العكس.
وقد ركزت الحلول المختلفة لهذا الوضع على زيادة رأس مال شركات الصرافة إلي عشرين مليون جنيه، مع ادخال الجهاز المصرفي كشريك في هذه العملية بنسبة 51 % من رأس مال هذه الشركات. الأمر الذي يعتبر بمثابة انهاء حقيقي لدور هذه الشركات وجعلها مجرد فرع للبنك المعنى. وهنا نتساءل عن الحكمة وراء ذلك ؟ وما هي العلاقة بين رأس المال وضبط سلوك هذه الشركات؟ إن الأمر على هذا النحو لا يخرج عن كونه مجرد رغبة في إعادة الاحتكارات مرة أخري إلي هذه السوق، خاصة أن طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الشركات لا يتطلب مثل هذا الحجم الكبير من الأموال. ثم من قال أن أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة هم الأكثر انضباطا في التعاملات، إن المسألة على العكس من ذلك تماما كما تدلنا على ذلك القراءة المتأنية والمتابعة الدقيقة لعمل هذه الشركات خلال الفترة السابقة. إن إصلاح أوضاع الصرافة لا يأتي بالمصادرة أو التأميم، ولكن يأتي عبر التفعيل الجيد للأطر المنظمة للتعامل بالنقد الأجنبي، ووضع كافة القيود التي تمكننا من ضبط سلوك هذه الشركات ، بل والجهاز المصرفي أيضا. ومن هنا تأتى أهمية الدور الذي تلعبه السياسة النقدية في هذا المجال.
2. سعر الفائدة :
من المعروف أن سعر الفائدة على العملة المحلية يؤثر بشدة على الجنيه المصري، ولذلك كان من الطبيعي أن يدور الجدل والحوار حول هذه الأداة وكيفية استخدامها، خاصة في ظل حالة التباطؤ والركود التي يمر بها الاقتصاد القومي منذ عدة سنوات. ويرى البعض ضرورة تخفيض المعدل الحالي، وذلك انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن هناك علاقة سببية مباشرة بين أسعار الفائدة وحركة الاستثمارات في المجتمع وهو ما ينشئ صلة مباشرة بين السياسة النقدية وسلوك القطاع الخاص الاستثماري. ويري هؤلاء أن البيئة قد أصبحت مهيأة تماما لهذه العملية، خاصة بعد أن نجحت الحكومة المصرية في كبح جماح التضخم بالمجتمع خلال الفترة السابقة ووصوله إلى مادون 3% وهو ما يجعل هذا الأمر أكثر سهولة ويسر من ذي قبل.
وينطلق أصحاب هذا الرأي أساسا من كون أسعار الفائدة تمثل نفقة الاقتراض بغرض الاستثمار، ومن ثم فإن خفضها سوف يترتب عليه زيادة كمية النقود ، الأمر الذي من شأنه تشجيع الاستثمار، ومن ثم زيادة الإنتاج. وذلك عن طريق انتقال اثر التغير في كمية النقود إلى الاقتصاد الحقيقي، وبذلك تؤدى السياسة التوسعية إلى زيادة الإنفاق على الاستثمار. كذلك فإن تخفيض الفائدة يقلل من أسعار الاستهلاك الجاري بالقياس إلى الاستهلاك في المستقبل، بحيث يكون من المتوقع ارتفاع الطلب على الاستهلاك الحالي، وذلك على حساب المدخرات الخاصة. ونتيجة لذلك يرتفع الإنفاق الخاص على كل من الاستهلاك والاستثمار وتحدث زيادة عامة في الطلب الكلى يمكن أن تؤدى بدورها إلى انتعاش الاقتصاد والخروج به من دوامة الركود الحالية( ).
والسؤال الذى يتبادر للذهن سريعا هو إلى أي مدى تنطبق هذه الفرضية على الواقع الاقتصادى المصرى، أو بمعنى آخر هل يلعب سعر الفائدة دورا مؤثرا وأساسيا عند اتخاذ القرار الاستثماري في مصر؟ وما هو الثقل النسبى لهذا السعر على كافة العوامل الأخرى المحددة للقرار الاستثمارى ؟
وقبل الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها لابد لنا من العودة الى التذكير ببعض البديهيات التى لامناص منها عند الحديث فى هذا الموضوع الشائك ، خاصة أن الأسس النظرية والموضوعية لأي قرار هى المعيار الأساسي للحكم على مدى نجاعته للاقتصاد القومى. فإذا كانت أسعار الفائدة تؤثر على جانب العرض لأنها تؤثر على حجم الاستثمار ونوعيته، وبالتالى التأثير على حجم الاقتراض وتوزيعه بوصفه عنصرا من عناصر التكلفة، ومن ثم على نمو الانتاج ، فإنها تؤثر أيضا على حجم الطلب الكلى عن طريق التأثير فى حجم الاستهلاك الجارى ومن ثم الادخار. وبالتالي فعند تناولنا لقضية سعر الفائدة يجب دراسة كل من هذين العنصريين معا ، أي التأثير على معدلات الادخار وتلك الخاصة بالاستثمار لمعرفة سعر الفائدة التوازنى الذي يجب أن يسود بالأسواق ويحقق الهدفين معا .
إذ أن تحقيق مستوى مرتفع للنمو الاقتصادى يتطلب إحداث زيادات منتظمة فى رأس المال وكذلك فى فاعلية استخدامه. غير أن ازدياد حجم الاستثمارات لن يكون قابلا للاستمرار إلا إذا تحقق بشكل ينسجم مع وجود وضع اقتصادى سليم وبيئة استثمارية مناسبة وهو ما يتطلب ايضا، وبنفس القدر، الاهتمام بتعبئة المدخرات المحلية.
فالادخار المحلى يعد أحد أهم مصادر تمويل الاستثمارات ، بل هو المصدر الرئيسى لها ، حتى فى ظل تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، بل إنه ضرورى لجذب هذه الأموال . وذلك لأن نجاح أي مشروع جاد، فى المديين المتوسط والطويل يتوقف على حسن أداء الاقتصاد فى مجموعه. ونظرا لضرورة رد هذه الاستثمارات فى المستقبل، فمن الضرورى أن تستخدم بشكل منتج وفعال، ومن ثم فإن اجتذاب المدخرات الخارجية يتطلب أولا زيادة المدخرات المحلية وتعبئتها فى استثمارات رشيدة ومنتجة. وبالتالى فإن زيادة معدلات النمو تتطلب أولا زيادة المدخرات لتحفيز تكوين رأس المال. إذ كلما ارتفع معدل الادخار كلما أثر ذلك بالإيجاب على معدلات النمو، وهنا تشير الدراسات العلمية الى أن هناك علاقة دائرية موجبة بين النمو والادخار، فزيادة المدخرات تؤدى لزيادة النمو ، وكذلك زيادة النمو تؤدى لرفع مستويات الادخار. وهنا نلحظ أن معدل الادخار المحلى فى تراجع مستمر خلال الفترة السابقة، إذ هبط من 12.7% في عام 1995/1996 إلى 10.4% في عام 2001/2002. وهو معدل منخفض للغاية لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع معدلات الاستثمار المطلوبة لرفع معدل النمو بما يحقق الأهداف التنموية للبلاد.
من هذا المنطلق يمكننا مناقشة الفرضية السابقة لمعرفة مدى انطباقها على الواقع المصرى من عدمه. وهنا نرى أنه من الضروري التفرقة بين الاستثمار الفعلى والاستثمار المرغوب فيه، إذ أنه وعلى الرغم من أهمية تراكم رأس المال فى حد ذاته، إلا أن تحسين نوعية الموارد وفاعلية استخدامها له أهمية كبيرة أيضا. وكذلك معرفة طبيعة المناخ الاقتصادى السائد ومدى قدرته على جذب الاستثمارات. وبمعنى آخر، هل القرار الاستثمارى من جانب القطاع الخاص يتوقف بالأساس على معدل الفائدة بالبنوك، أم أن هناك العديد من المسائل الهامة والأكثر حيوية بالنسبة لهذا القرار ؟
وعلى الرغم من أن الإجابة على هذا التساؤل ليست بالسهولة التى يتصورها البعض، إلا أننا نرى أن المناخ الاستثمارى أكثر تأثيرا من الاعتماد على آلية واحدة لضبط الأمور بالسوق.
وخير دليل على ذلك، هو الخبرة المصرية خلال المرحلة الأولى للإصلاح الاقتصادي ، منذ تحرير أسعار الفائدة فى يناير 1991، حيث توقف البنك المركزى عن تمويل عجز الموازنة وبدء فى تنظيم مزادات أسبوعية لأذون الخزانة يحدد بناء عليها سعر الخصم ومن ثم سعر الفائدة وفقا للعرض والطلب، إذ اصبح هذا السعر مؤشرا للبنوك لتحديد أسعار الفائدة الخاصة بها. فحينما ارتفعت اسعار الفائدة آنذاك، ازداد أيضا حجم الائتمان المصرفى، إذ ارتفع سعر الفائدة على القروض لأقل من عام الى 15.5% فى يونيه عام 1996، وفى نفس الوقت ازداد الائتمان الموجه للقطاع الخاص بصورة كبيرة، بل وعلى العكس من ذلك فقد لوحظ ان الاتجاه المستمر للانخفاض فى اسعار الفائدة خلال الفترة التالية ووصوله إلى 14% ( انظر جدول رقم 11) لم يصحبه زيادة فى حركة الائتمان الخاص بنفس الدرجة والوتيرة التى كانت سائدة فى ظل الأسعار المرتفعة. الأمر الذي يؤكد أن القرار الاستثمارى لا يتوقف على سعر الفائدة فقط كما سبقت الإشارة وأن العلاقة بين الاستثمار والفائدة ليست بنفس درجة المرونة التى يراها المؤيدون لخفض الفائدة.
بالإضافة إلى ما سبق، هناك العديد من الآثار السلبية المحتملة لخفض الفائدة يجب العناية بها ودراستها دراسة متأنية ودقيقة حتى لا يحدث مالا يحمد عقباه فى الاقتصاد القومى. ويأتي على رأسها أن أسعار الفائدة المنخفضة قد تدفع المؤسسات والشركات إلى المزيد من الاقتراض ليس فقط لتمويل الاستثمار الثابت، ولكن أيضا لتمويل المخزون السلعى والعقارات وهو ما حدث بالفعل خلال الفترة الراهنة، حيث لوحظ التوسع المستمر وغير المدروس فى الأنشطة الاقتصادية والدخول في مجالات ليست بالضرورة نفس مجالات التخصص، وهى أحد الأسباب الأساسية وراء فشل العديد من المشروعات التي أنشئت مؤخرا وترتب عليها تعثر العديد من المستثمرين والمقترضين من البنوك، وأدت إلى استفحال مشكلات الديون المتعثرة. وبمعنى آخر، فإن أسعار الفائدة المنخفضة سوف تؤدى إلى زيادة الاستثمارات المحلية التي لا تغل عائدا ملائما على الاقتصاد القومي، خاصة على المدى البعيد.
وثاني الآثار التي قد تنجم عن هذه العملية هى التحول للنقد الأجنبي والعودة إلى ظاهرة الدولرة من جديد. خاصة مع التراجع المستمر فى قيمة الجنيه المصرى، وهى الظاهرة التي بدأت تبرز بشدة خلال الفترة الراهنة، إذ تشير الاحصاءات الرسمية إلى أن معدل الدولرة كنسبة من إجمالي السيولة قد ارتفع من 17% عام 1998/1999 الى 23.3 % عام 2001/2002 (انظر جدول رقم 12).
وثالثا، فإن السياسات التى تبقى على أسعار الفائدة دون مستوى التوازن تؤدى إلى تحيز لصالح الاستثمارات ذات الكثافة الأعلى لرأس المال، وهو ما يؤثر على معدلات البطالة المرتفعة أصلا، ناهيك عما تحتاجه هذه النوعية من تمويل خارجي ضخم، الأمر الذي يزيد من الطلب على العملة الأجنبية ويضغط بدوره من جديد على سعر الصرف.
رابعا، يمكن أن تؤدى هذه السياسة الى قيام البعض ، خاصة المدخر الصغير ، بسحب جزء من ودائعه لدى الجهاز المصرفى، إما للاكتناز أو للاستهلاك وهو ما يؤدى فى الحالتين الى تراجع حجم المدخرات المحلية.
3. استقلالية البنك المركزي:
يشير الفكر الاقتصادي إلى أن مصداقية السياسة النقدية وبالتالي قدرتها على تحقيق استقرار طويل الأجل للأسعار ، مع حد أدنى من التكاليف الاقتصادية الحقيقية، يتطلب بالأساس أن تكون صياغة السياسة فى أيدي مسئولين بعيدين عن السياسة يكون فى استطاعتهم النظر إلى المدى البعيد، خاصة وأن سياسة الصرف الحر تحتاج إلى محور ارتكاز أسمى غالبا مايتمثل في معدل التضخم المستهدف الذي يعد البديل الأفضل فى الحالة المصرية. ويتلخص هذا النظام فى تقدير معدل متوقع للتضخم فى ضوء التطورات والتغييرات خلال الأعوام السابقة والمستجدات المحتملة على الساحة المحلية، بالإضافة إلى الإمكانيات المتاحة لدى السلطة النقدية وحدود أدوات السياسة المتبعة. وهكذا تستطيع السلطة النقدية عبر العديد من الأدوات التأثير لتحقيق معدل تضخم معين. ونظرا لأن هذا الهدف لا يتحقق إلا بعد فترة زمنية تستغرق عاما على الأقل، وفقا لطبيعة الاقتصاد ومرونة الأسعار وسرعة تداول السلع، فإن السلطة النقدية عادة ما تعتمد على أهداف وسيطة ترتبط ارتباطا وثيقا بهذا الهدف للاطمئنان على السير في الطريق الصحيح. وغالبا ما تكون هذه الأهداف معدل النقد الكلى أو الائتمان الكلى أو سعر الفائدة، وهى كلها أمور تتوقف على طبيعة الصدمات التى يتعرض لها الاقتصاد.
كل هذه الأمور تتطلب بالضرورة تفعيل دور البنك المركزي لكي يدير تحركات أسعار الصرف وفقا للأهداف الموضوعة للسياسة الاقتصادية للدولة. فمن المعروف أن الهدف الأساسي للسياسة النقدية هو الحفاظ على استقرار معقول للأسعار، نظرا لأن أفضل إسهام للسياسة النقدية هو مساندة أفضل مسارات النمو قابلية للاستمرار بالنسبة للإنتاج والعمالة والحد من التقلبات الدورية حول مسارات النمو تلك. ففي ظل انفتاح الاقتصاد، وما ينطوي عليه من تدفقات حرة لرؤوس الأموال ومرونة أسعار الصرف، وهنا يأتي دور البنك المركزي الذي عليه أن يدير تحركات سعر الصرف بما يضمن تنظيم السوق والسيطرة عليه مما يمكن سعر الصرف من أداء الوظائف المنوط بها ، وهذا ما لم يحدث في معظم الأزمات التي جرت مؤخرا، إذ نلحظ انه غالبا ما يتدخل متأخرا كثيرا عن التوقيت السليم . وبالتالي يكون لتدخله أثر عكسى، أي يؤدى إلى تفاقم الأزمة وليس العكس. فالعبرة ليست فقط بالقرار السليم ولكن الأهم هو التوقيت .خاصة فى سوق تلعب فيه العوامل النفسية دورا كبيرا مثل سوق الصرف الأجنبي. فالتقلبات الفجائية فى سعر الصرف هي الخطر الحقيقي الذي يعمل على تفاقم المشكلة نظرا لما يخلقه من طلب غير طبيعي مما يقلل من العرض المتاح ويؤدى إلى المزيد من التردد من جانب العرض ووقوفه وقفة المترقب لما سيؤول اليه الحال فيما بعد.
من هذا المنطلق تأتى أهمية العمل على تدعيم مقدرة البنك المركزى على إدارة الشئون النقدية والتحكم فى السيولة المحلية، عن طريق المحافظة على معدل ملائم لنمو النقود لكى يضمن تحقيق نمو اقتصادى معتدلا ويحمى النظام من التوترات المؤسمية أو غيرها التى تهدد سلامة العملة، والتى تصل فى أقصى حالاتها الى أزمات سيولة أو ذعر مالى.
وهكذا، إذا كان تحقيق الاستقرار الاقتصادى يترجم فى النهاية إلى هدف يرتبط بالتغيير فى الأسعار، فإن الآراء تتباين حول ما إذا كان من الواجب على السياسة النقدية تبنى فكرة الاستقرار الكامل للأسعار أو الالتزام بمعدل تضخم تعتبره معقولا من وجهة نظرها. وهذا هو لب الحديث عن استقلالية البنك المركزي . ويرى ستانلى فيشر أن الحجج المؤيدة لاستقلالية البنك المركزى هى حجج من يبحثون عن افضل الحلول من الدرجة الثانية. ولكن فى عالم يبحث عن أفضل الحلول، فإنه يجب أن تكون السياستان النقدية والمالية متسقتين تماما( ). فمن المعروف أن السياسة المالية ترتبط بالسياسة النقدية، وذلك من خلال الدور الذى تقوم به السلطات النقدية فى تمويل عجز الموازنة العامة. وعلى هذا فإن العلاقة بين السياستين تنعكس فى النهاية على صافى الاقتراض الحكومى من الجهاز المصرفى. وهو ما يؤثر بدوره على السيولة المحلية والقاعدة النقدية( ).
وحتى الآن لم تستطع الخبرة التاريخية والدلائل التطبيقية حسم مسألة الاستقلالية، إذ بينما نلاحظ أن هناك العديد من البلدان ذات البنوك المركزية المستقلة تحقق معدلات تضخم منخفضة للغاية دون أن يؤثر ذلك على النمو، فإن هناك العديد من الدول ذات التضخم المنخفض ، ولكن دون بنك مركزى مستقل. الأمر الذى يدفعنا للاعتقاد بأن هذه المسالة تظل رهنا بمدى وطبيعة التطور الاقتصادى بالبلاد والأوضاع المصرفية والنقدية السائدة( ).
من هذا المنطلق يمكننا مناقشة هذه المسألة فى ضوء الواقع المصرى المعاش. وهنا يصبح التساؤل هو: هل ينبغى أن يكون البنك المركزي مستقلا عن السلطة الحكومية أم لا؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فما هى حدود هذه الاستقلالية ؟ وماهى السلطات التى يجب أن تمنح له والمسئوليات التى يجب أن يضطلع بها؟
وقبل الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها تجدر الإشارة إلى أنه توجد عدة جوانب لمفهوم الاستقلالية سياسيا وقانونيا ووظيفيا. وهى أمور يجب دراستها وحلها بالطريقة التى تجعله يمارس سلطاته دون تدخل من أحد. وهذه المسألة تتطلب ألا يطلب ولا يتلقى تعليمات من الحكومة أو أية مؤسسات أخري. وثانيا أن يكون البنك المركزى مستقلا وظيفيا بمعنى أن توضع تحت تصرفه الأدوات اللازمة لممارسة السياسة النقدية بطريقة فعالة. وثالثا يجب أن يكون أعضاء هيئات صنع القرار فى البنك المركزى مستقلين شخصيا.
وهذه المشكلات الثلاث توضح لنا مدى التشابك والتعقيد فى هذه العملية لأن أى بنك مركزى لا يمكن أن يكون مستقلا عن الحكومة بصورة كاملة، إذ غالبا ما توجد عدة قنوات رسمية وغير رسمية يمكن للحكومة التأثير من خلالها على السياسة النقدية. يأتي على رأسها السياسة الضريبية وسعر الصرف. كما أن سلوك البنك المركزى يتأثر بسلوك الجماعات التى تؤثر على قراراته.
والمسالة الثانية ترتبط بالعلاقة بين البنك المركزى والوزارات المعنية الأخرى، سواء نتيجة للوضع التشريعى أو من حيث الممارسة. إذ أن تبعية السلطة النقدية للسلطة المالية ، على سبيل المثال ، تؤدى إلى تسخير الأولى كأداة لتمويل عجز الموازنة الحكومية أو التوسع المالي.
من هذا المنطلق، نرى أن الظروف الحالية في المجتمع المصري تحتاج إلى الفصل التام بين السياسة النقدية والمالية عن طريق تدعيم سلطات البنك المركزي وضمان استقلاليته عن السلطات الأخرى فى الدولة، ووضع الآليات والوسائل التي تحقق الشفافية الكاملة فى أعماله.
ويشير مشروع القانون إلى أن الهدف من وراء استقلالية البنك المركزي هو الحفاظ على استقرار الأسعار. وهنا تتباين الآراء بين: هل المطلوب هو استقرار الأسعار بالمعنى العلمي المتفق عليه، أو الالتزام بمعدل تضخم مناسب للاقتصاد القومي.
إذ أن الاستقرار الكامل للأسعار يشير إلى أن هدف السياسة النقدية هو تحقيق معدل تضخم يساوى صفرا، وأيضا إذا ارتفعت الأسعار فلابد أن تعود إلى سابق حالها، بينما التضخم المعتدل يدعم الاستقرار ويجعل الاقتصاد فى حالة توازن حركي منتظم ويزيد من الناتج المحلى.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن هناك العديد من المعايير للحكم على مدى استقلالية البنك المركزي من الناحية القانونية من حيث المهام الرسمية للبنك المركزي و الجهة التي تتولى مساءلة ومحاسبة المسئولين و تعيين المحافظ وأعضاء مجلس الإدارة ومدة عملهم. وثانيا من الناحية الاقتصا
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://www.ahram.org.eg/acpss/

http://www.ahram.org.eg/