تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
تقرير القاهرة
جديد
تقارير سنوية
التقرير الإستراتيجي العربي
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دليل الحركات الإسلامية
تقرير الحالة الدينية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
تحليلات عربية و دولية
برامج بحثية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
سلسلة الأحزاب المصرية
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
كراسات إستراتيجية




كردستان العراق
أكثر من فيدرالية وأقل من استقلال

رجائى فايد


السنة الخامسة عشرة - العدد 156 - 2005


مقدمة*
عشت فى مدينة أربيل العاصمة الإقليمية لكردستان العراق لتسع سنوات متصلة خلال العقد التاسع من القرن الماضى. فى هذه الفترة كانت المنطقة يطلق عليها فى الخطاب السياسى الرسمى منطقة الحكم الذاتى. وتضم مدينة أربيل المجلس التشريعى للمنطقة والمجلس التنفيذى وما يتبعه من أمانات عامة تنفيذاً لقانون الحكم الذاتى الصادر فى 11 مارس 1974. وكانت منظمات حزب البعث العربى الاشتراكى في ذلك الحين تنتشر فى الإقليم، وينخرط فى صفوفها أكراد طمعا فى ذهب المعز أو خوفاً من سيفه، وعلى رأس تلك المنظمات عرب من وسط وجنوب العراق. وتصورت قيادة البعث فى بغداد أنها ضمنت بذلك ولاء الإقليم للأبد.
كان التعليم فى المنطقة فى أغلبيته الساحقة يتم باللغة العربية فى الوقت الذى توجد فيه بعض المدارس المحدودة التى يتعلم فيها الطلاب باللغة الكردية. كما كانت اللغة العربية هي لغة التعليم في الجامعة الوحيدة (جامعة صلاح الدين بمدينة أربيل)، لذلك كان انتشار اللغة العربية بالمنطقة واسعاً وملحوظا. ومن ناحية أخرى، كانت هناك أحزاب كردية على الساحة تابعة للحكومة، شملت الحزب الديموقراطى الكردستانى وهو غير الحزب الآخر الذى حمل الاسم ذاته، والحزب الثورى الكردستانى. وكانت الجماهير الكردية تطلق على هذه الأحزاب الأحزاب الكرتونية.
أيضا كانت الشوارع تموج بميلشيات متعددة وكلها تتبع الحكومة، شملت ميلشيات حزب البعث العربى الاشتراكى (الجيش الشعبى)، وميلشيات فرسان صلاح الدين وهى ميلشيات كردية عشائرية تتبع كل منها زعيم العشيرة الذى يتبع بدوره الحكومة العراقية ويدافع عن مصالحها فى المنطقة. هذه الميليشيات كانت موضع استهزاء الجماهير الكردية لأنها وضعت نفسها في الخندق المعادى للحركة القومية الكردية، فضلا عن الميليشيات التابعة للأحزاب الكردية الحكومية وهي ميليشيات محدودة. وكانت الحكومة العراقية تتواجد بقوة فى كل مكان فى المنطقة، وبدا حزب البعث العربى الاشتراكى كما لو أن جذوره ضربت فى العمق الكردى ويستحيل اقتلاعها..!! .
تركت المنطقة فى صيف 1988، وعدت إليها من جديد فى صيف 1999، والحال لم يعد هو الحال، المنطقة أصبح يحكمها من كان يلوذ بالجبال معارضاً الحكومة، وانتهى حزب البعث ومقاره وميلشياته وكل ماله علاقة ببغداد. كانت هناك ميلشيات ولكنها مليشيات من نوع جديد، وهي قوات البيشمركة التابعة للحركة القومية الكردية. اختفت كافة الشعارات البعثية التى كانت تملأ أرض وسماء المنطقة، وحلت محلها شعارات أخرى تتغنى بالحركة الكردية وبأسماء كان مجرد النطق بأحدها فى الماضى القريب يؤدى بناطقها إلى غياهب السجون إن لم يكن إلى ساحة الإعدام. وبدأت فى الظهور الأعلام الحزبية الكردية والأحزاب الإسلامية والتركمانية والمسيحية. ولكن كان العلم العراقى بألوانه الثلاثة ونجومه الثلاثة وكلمتى الله أكبر مازال مرفوعاً على الأبنية الحكومية. وكان اللافت للنظر آنذاك وجود بعض المحاولات المحدودة لكتابة اللغة الكردية بالحروف اللاتينية، التي قام بها على استحياء بعض الأدباء. كما لاحظت أن اللغة العربية كانت قد بدأت فى التقلص فى المنطقة لحساب اللغة الكردية.
وفى زيارتى الثانية للمنطقة فى خريف 2000 لوحظ أن العلم العراقى مازال متواجداً فى حين أن الأعلام الحزبية الكردية الأخرى أصبحت أكثر كثافة. وبدأ فى الظهور على استحياء علم جديد هو العلم الكردى فى الوقت الذى بدأت المنطقة تشهد مزيداً من التقلص فى التعليم بالعربية واتساعاً فى مساحة التعليم بالكردية. فى الوقت ذاته جرت محاولات لتتريك المنطقة ثقافياً من خلال التوسع فى فتح مدارس تركية وإغراء الطلاب للالتحاق بها بالمال والطعام والمنح الدراسية فى تركيا. ووصل الأمر بهذه المدارس إلى رفع العلم التركى وصورة كمال أتاتورك وأداء النشيد الوطنى التركى كل صباح. لكن الإدارة الكردية أخذت موقفاً حازماً إزاء ذلك وتقلصت هذه الظاهرة إلى أن توقفت تماماً. لكن ظهور العلم الكردى تزايد، وراحت اللغة الكردية تتسع واللغة العربية تتقلص فى الوقت الذى واكب ذلك شعور قومي متنام. لكن العلم العراقى حتى تلك اللحظة ظل صامداً.
وفى زيارتى الثالثة خلال شهري مارس وأبريل 2005 كانت الأمور قد تحولت بالكامل، اختفى العلم العراقى تماماً وانتشر العلم الكردى بكثافة، وتقلصت اللغة العربية إلى حد كبير، وارتفع الشعور القومى إلى ذرى لم يصل إليها من قبل. الأمر الذي أثار تساؤلا مهما: هل هذه المنطقة مازالت بالفعل جزءاً من العراق؟ وهل الانفصال هو ميثاق يكتب فى أوراق أم أنه واقع يتم على الأرض؟

1- حضور علم وغياب علم
يصادف المسافر إلى مطار أربيل علما ضخما يشبه إلى حد كبير العلم الإيرانى بألوانه الثلاثة الأحمر والأبيض والأخضر إضافة إلى قرص شمس ذهبى يتوسط تلك الألوان. هذا العلم هو العلم الكردى والذى رفع لأول مرة فى جمهورية مهاباد الكردية بإيران عام 1946 عندما تمكن الأكراد وبمعاونة الاتحاد السوفيتى من إقامة أول جمهورية كردية فى التاريخ بزعامة رئيس الحزب الديموقراطى الكردستانى الإيرانى قاضى محمد. وفى إطار قومية المعركة الكردية ساند الملا مصطفى البارزانى ومن خلفه البارازانيون هذه الجمهورية وتولى منصب وزير الدفاع فيها.
سقطت جمهورية مهاباد وسقط معها العلم الكردي، إلا أنه ظل محفوظاً فى صدور الأكراد يتناقلونه من جيل إلى جيل إلى أن حانت الفرصة فارتفع عالياً بعد أن كان محظوراً. وعندما نقول إنه ارتفع عالياً فإننا لا نحصر ذلك فى المبانى الحكومية والحزبية فقط، ولكنه مرفوع فى كل مكان، على أسطح المنازل، وواجهات المحلات، وزجاج السيارات يحمله الطفل والشيخ، الرجل والمرأة، الشاب والفتاة. لكن أين العلم العراقى؟ أليست هذه المنطقة مازالت جزءاً من العراق حتى هذه اللحظة؟ إذن أين علم العراق؟ وتجيب القيادات الكردية: هذا ليس علم الدولة العراقية، إنه علم الطاغية صدام حسين، الذي تعرض على يديه الشعب الكردى للاضطهاد والإبادة والقصف بالغازات السامة، حيث ساحات الإعدام العلنى، وعمليات الأنفال، والترحيل والتهجير، وهدم القرى والقبور الجماعية. لهذا يرفض الأكراد رفعه فى سماء كردستان. ومع هذا فإن القيادات الكردية تؤكد أنه عندما يصبح للعراق علم جديد فسيرفع عالياً إلى جوار علم كردستان. وتأكيداً لهذا الطرح، فإنه عند افتتاح جلسة البرلمان الكردى فى أربيل، والتى حضرتها شخصيات من الحكومة المركزية من بغداد على رأسهم جلال الطلبانى بصفته رئيس جمهورية العراق وحاجم الحسنى رئيس الجمعية الوطنية العراقية المؤقتة وآخرون، كان لابد من رفع علم يرمز إلى الدولة العراقية، وتوصل الطرفان إلى حل مبتكر، حيث تم رفع علم الجمهورية العراقية الأولى في عهد عبد الكريم قاسم والذى لا يتذكره أحد. لكن العلم الكردى ورفعه بهذا الشكل فى الإقليم يشكل ظاهرة، فالمسألة ليست مجرد علم ولكنها تأخذ بعداً آخر إنه البعث، ولكنه بعث القومية الكردية من جديد، إنه الزهو بما تحقق للأكراد، راية التحدى لكل من يعارض حقوق الأكراد، بل الطموح إلى ما هو أبعد مما هو معلن رسمياً.
وحتى لو اصًبح للعراق علم جديد فهل بالإمكان أن يأخذ فى الإقليم نفس المكانة التى أخذها العلم الكردى؟ بالقطع لا، سيرفع بالتأكيد، ولكن على الأبنية الحكومية فقط.
2- التعليم فى كردستان
عندما نجد أحد الآباء يجيد اللغة العربية حديثاً وكتابة بل إذا طلب منه فى عمله الوظيفى تحرير مذكرة باللغة الكردية فإنه يعتذر لعدم مقدرته على ذلك فى الوقت الذى نجد فيه أبناءه لا يعرفون كلمة عربية واحدة فهم يتحدثون ويكتبون باللغة الكردية. وعندما نجد فى أسرة أخرى أن الأب وزوجته يجيدان العربية حديثاً وكتابة ومعهما الابن الأكبر فى حين أن الأبناء الأصغر عمراً لا يعرفون العربية، فإن الأمر حينئذ يستوجب وقفة وبحثاً فى هذا الأمر. الملاحظة الأولية هي أن اللغة العربية تنحسر فى المنطقة بالتدريج، وكلما نزلنا إلى الأعمار الأصغر سناً وجدناها تتلاشى إلى أن تختفى بصورة شبه تامة لدى الأطفال. وكان من الضرورى لبحث هذه الظاهرة الاطلاع على المناهج التعليمية والتى كانت سبباً مهما لهذه الظاهرة.
ومن خلال الاطلاع على الكتب المدرسية والمقابلات مع القائمين على التعليم في كردستان يتأكد وجود تعديلات مهمة جرت فى لغة ومناهج التعليم. فقبل عام 1991 عندما كانت المنطقة تحت سيطرة الحكومة المركزية فى بغداد وكان يطلق عليها منطقة الحكم الذاتى كانت المناهج مركزية، وكانت الأغلبية الساحقة من المدارس تدرس المناهج لطلابها باللغة العربية فى حين كانت توجد مدارس محدودة تدرس باللغة الكردية تنفيذاً لما جاء فى قانون الحكم الذاتى، ولم يكن الإقبال حينئذ كبيراً على المدارس الكردية رغم أنها اللغة الأم لأن التعليم بالجامعات كان يتم بالعربية.
وعندما تولى الأكراد إدارة منطقتهم فعلياً، بعد أن سحبت بغداد إداراتها المدنية من المنطقة فى خريف 1991، أجريت تغييرات تدريجية مهمة فى التعليم في اتجاهين رئيسيين. الأول: زيادة كبيرة فى عدد المدارس الكردية على حساب المدارس العربية خصوصاً فى المراحل الدراسية الأولية، كما تم فتح معاهد جديدة لإعداد المعلمين الأكراد لمواجهة التوسع فى استخدام اللغة الكردية. الثانى: تغيير كبير فى المناهج الدراسية خصوصاً مناهج الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، وقد وصلت درجة التغيير أحياناً إلى الانقلاب من النقيض إلى النقيض فى رؤية واقعة تاريخية أو وصف حركة أو حزب سياسي، وهو ما فسره وزير التربية والتعليم فى حوار معه بقوله: هل من المقبول أن يدرس أبناؤنا فى منهج التاريخ المعاصر أموراً تسيء إلى الحركة الكردية وتصفها بالزمرة العميلة الخائنة والرجعية؟ أما بالنسبة لمسألة اللغة فإن من حق المواطن أن يتعلم ابنه باللغة التى يريدها، ولأن اللغة الكردية هى اللغة الأم وهى الأسهل للأبناء فى استيعاب دروسهم فقد أبدى المواطنون رغبتهم فى ذلك وتم تلبية هذه الرغبة تدريجياً بزيادة عدد الفصول الدراسية الكردية وتقليص عدد الفصول العربية لعدم الإقبال عليها. فى الوقت نفسه، تم تلبيه رغبات أبناء الطوائف الأخرى فتم افتتاح مدارس تركمانية وأخرى سريانية لأبناء الطائفة الكلدو آشورية، بل إنه فى إطار القبول بالآخر واحترام خصوصياته تم تدريس الديانة الأيزيدية فى المدارس الواقعة فى مناطق هذه الطائفة فى زاخو وسميل والشيخان.
3- المحتوى السياسي والقيمي للمقررات الدراسية في إقليم كردستان
للتعرف على طبيعة المحتوى السياسي والقيمي للمقررات الدراسية في إقليم كردستان، لجأت الدراسة إلى تطبيق منهج تحليل المضمون على عينة من الكتب الدراسية، هي:
- التربية والتعليم فى إقليم كردستان العراق (1992- 2002)، الصادر عن وزارة التربية بالإقليم.
- التاريخ الحديث والمعاصر للوطن العربى للصف السادس الأدبى (الثانوية العامة)، الصادر عن وزارة التربية ببغداد.
- التاريخ الحديث والمعاصر للصف السادس أدبى (الثانوية العامة)، الصادر عن وزارة التربية بإقليم كردستان.
- المواد الاجتماعية للصف السادس الابتدائى، الصادر عن وزارة التربية بالإقليم.
- التربية المدنية للصف السادس الابتدائى، الصادر عن وزارة التربية بالإقليم.
وهذه الكتب جميعها باللغة العربية وبالطبع فإنه يقابلها كتب باللغة الكردية، بل إن معظم هذه الكتب تمت كتابتها باللغة الكردية أولاً ثم ترجمت إلى العربية بعد ذلك.
أ- كتاب التربية والتعليم (1922- 2002)
تضمن الكتاب مقارنة بين واقع التعليم قبل أن تتولى الإدارة الكردية شئون المنطقة خلال الفترة التى يطلق عليها الأكراد سنوات النكسة، وهى فترة ما بعد عام 1975عندما انهارت الحركة الكردية نتيجة لاتفاقية الجزائر 6/3/1975، وما حدث من تطور كمى وكيفى في ظل الإدارة الكردية. وهو ما يوضحه الشكل رقم (1)، الذي يشير إلى تراجع عدد المدارس في كردستان في الفترة السابقة على تولي الإدارة الكردية.
شكل رقم (1)
انهيار أعداد المدارس بالمنطقة قبل تولى الإدارة الكردية

كما حدث انخفاض حاد في عدد المدارس بمحافظتي أربيل والسليمانية، وصل إلى أدناه فى العام الدراسى 1988/1989، حيث انخفض عدد تلك المدارس من 1686 مدرسة فى العام الدراسى 1982/1983 إلى 745 مدرسة فقط فى العام الدراسى 1988/1989. ويرجع الكتاب السبب فى ذلك إلى عمليات الأنفال والتى كان من ضمنها هدم القرى الكردية على نطاق واسع وتهجير أهلها مما أدى إلى هدم تلك المدارس وزيادة الكثافة فى فصول المدارس الباقية إلى أكثر من 65 طالباً فى الفصل الواحد وعمل المدارس لثلاث فترات يومياً.
أما من الناحية الكيفية، فإن المناهج الدراسية المقررة في مرحلة النكسة لم تكن تنسجم مع بيئة الطالب وتطلعاته، وغدت محشوة بالأفكار الشوفينية والتربية العسكرية، وتعلم لغة البندقية والانتقام من الأعداء والاستعداد للحرب كما جاء في الكتاب، وتحول ذلك إلى محاور رئيسية فى المناهج الدراسية من تاريخ وجغرافيا وتربية وطنية وحتى المناهج العلمية وتمارين القراءة ومواضيع التعبير لم تخل منها.
أما في المرحلة التالية فقد توافرت للإقليم مساعدات دولية مهمة، فضلاً عن الاستفادة الكاملة من الحصة المقررة للإقليم فى مشروع النفط مقابل الغذاء (13%). ونتيجة لذلك تمكنت إدارة الإقليم من التوسع فى بناء المدارس الجديدة وتوسعة المدارس القائمة، واستئجار أبنية فى بعض المناطق لتخصيصها كمدارس، كما تم بناء فصول دراسية ملحقة بالمدارس لمعالجة مشكلة الفترات الدراسية الثلاث فى البناية الواحدة، بالإضافة إلى بناء عدد كبير من المدارس ذات الفصلين (298) بهدف تعميم التعليم الإلزامي، وهو ما توضحه الجداول الأربعة التالية:
جدول (1)
تطور عدد المدارس التي بناؤها خلال الفترة (1991- 2002)
المجموع محافظة دهوك محافظة أربيل السنوات
4 4 1991
43 24 19 1992
30 20 10 1993
17 10 7 1994
53 45 8 1995
18 12 6 1996
31 14 17 1997
87 47 40 1998
72 44 28 1999
388 44 + 94غرفتين 46 + 204غرفتين 2000
113 70 43 2001
139 12 - تمت بناؤها
71 - تحت البناء 7 - تمت بناؤها
49 - تحت البناء 2002
996 512 484 المجموع الكلى
جدول (2)
الفصول الدراسية الملحقة بالمدارس لمعالجة مشكلة الفترات الدراسية الثلاث
المجموع محافظة دهوك محافظة أربيل
194 42 152
جدول رقم (3)
المدارس ذات فصلين التي تم بناؤها بهدف تعميم التعليم الإلزامي
المجموع محافظة دهوك محافظة أربيل
298 94 204
جدول رقم (4)
مقارنة بين عدد المدارس التي تم بناؤها قبل وبعد تولي الإدارة الكردية
المجموع عدد المدارس الجديدة
(1992 - 2002) عدد المدارس قبل تولى الإدارة الكردية
2525 1603 922
كما تم من ناحية أخرى، إعادة النظر فى المناهج التعليمية، فقد كانت تلك المناهج، خاصة الاجتماعية، تعتمد على الفلسفة السياسية لحزب البعث العربى الاشتراكى لذلك كان من الواجب إجراء عدد من التعديلات، شملت:
- فى مادة التربية الوطنية بدءاً من الصف الرابع الابتدائى وإلى الصف الثالث المتوسط (الإعدادية) تم تغيير المنهج بنسبة 80%-100%. وعلى سبيل المثال، فإن منهج التربية الوطنية فى الصف الثالث المتوسط تغير بنسبة 100%، وفى منهج التاريخ أضيف تاريخ الشعب الكردى.
- إضافة ملحق فى مناهج التاريخ عن تاريخ الأكراد فى جميع صفوف مناهج المرحلة الإعدادية (الثانوية).
- إضافة منهجى الديمقراطية السياسية وحقوق الإنسان إلى مناهج الإعدادية (الثانوية العامة)
- إضافة جغرافية كردستان العراق إلى منهج الصف الثالث المتوسط (الإعدادية).
- زيادة عدد الحصص الأسبوعية للغة الكردية مع تقلص عدد الحصص الخاصة بتدريس اللغة العربية. ويتضح ذلك بصورة متزايدة كلما نزلنا إلى المراحل الدراسية الأولى وكما هو مبين فى الجدولين (5)، (6).
جدول رقم (5)
عدد الحصص الخاصة بتدريس اللغة العربية في المرحلتين المتوسطة والإعدادية
المرحلة المتوسطة والإعدادية

اسم المادة/ الصف عدد الحصص فى الأسبوع الواحد
المرحلة المتوسطة المرحلة الإعدادية
الصف الأول الصف الثانى الصف الثالث الرابع العام الخامس العلمى الخامس الأدبى السادس العلمى السادس الأدبى
التربية الدينية 2 2 2 2 2 2 2 2
اللغة الكردية 4 4 4 4 4 4 4 4
اللغة العربية 5 5 5 4 4 6 4 6
اللغة الإنجليزية 5 5 5 5 5 6 5 6
جدول رقم (6)
عدد الحصص الخاصة بتدريس اللغة العربية في المرحلة الابتدائية
المرحلة الابتدائية
المادة عدد الحصص الأسبوعية لكل مادة
الصف الأول الصف الثانى الصف الثالث الصف الرابع الصف الخامس الصف السادس
التربية الدينية 3 3 3 3 2 2
التربية الكردية 10 10 10 6 4 4
حقوق الطفل 1 1 1
اللغة العربية 6 4 4
اللغة الإنجليزية 6 6 4 4
ففى المرحلتين المتوسطة والإعدادية (الإعدادية والثانوية العامة) كان عدد الحصص الأسبوعية للغة الكردية 22 حصة، وللغة العربية 39 حصة، وللغة الإنجليزية 42 حصة. نجد أن العكس قد حدث فى المرحلة الابتدائية حيث أصبح عدد حصص اللغة الكردية 44 حصة أسبوعياً وتقلص عدد حصص اللغة العربية إلى 14 حصة أسبوعياً فقط، بل لا توجد حصص لغة عربية فى الصف الأول والثانى والثالث الابتدائى. وإذا سارت الأمور على هذا المنوال من المتوقع أن تنتقل النسبة القائمة فى المدارس الابتدائية إلى المدارس الأعلى وهى بالفعل قد انتقلت حالياً لأن هذا التقرير يتحدث عن الفترة المنتهية فى عام 2002 فى الوقت الذى من المؤكد فيه أن تكون النسبة القائمة حالياً فى المدارس الابتدائية تؤشر إلى مزيد من التقلص فى تدريس اللغة العربية.
- تخصيص بعض المدارس لتدريس الديانة الأيزيدية فى مناطق تواجدهم.
- استحداث مديرية عامة للدراسة السريانية لتلبية احتياجات طائفة الكلدو آشور. ويوضح الجدول رقم (7) تطور أعداد المدارس السريانية خلال الفترة (1996- 2002).
جدول رقم (7)
تطور أعداد المدارس السريانية خلال الفترة (1996- 2002)
عدد المعلمين عدد الطلاب عدد المدارس السنوات
127 3422 27 1996 - 1997
350 3539 27 1997 - 1998
327 3522 27 1998 - 1999
284 3552 27 1999 - 2000
320 3691 27 2000 - 2001
625 8859 29 2001 - 2002
- استحداث مديرية عامة للدراسة التركمانية. ويوضح الجدول رقم (10) تطور عدد المدارس والطلاب والمعلمين بالمدارس التركمانية.
جدول رقم (8)
تطور عدد المدارس والطلاب والمعلمين بالمدارس التركمانية
عدد المعلمين عدد الطلاب عدد المدارس السنوات
207 2219 13 1996 - 1997
233 2427 13 1997 - 1998
234 2317 13 1998 - 1999
218 2146 13 1999 - 2000
242 2024 15 2000 - 2001
265 2448 15 2001 - 2002
ب- التاريخ الحديث والمعاصر للصف السادس أدبي (الثانوية العامة)
وللتعرف على التغييرات التي تم إدخالها على مقرر التاريخ الحديث والمعاصر، فإنه يجب المقارنة بين كتابين مهمين، هما التاريخ الحديث والمعاصر للوطن العربى، الصادر عن بغداد، وتتصدره صورة الرئيس القائد صدام حسين حفظه الله ورعاه رئيس الجمهورية العراقية، حسب النص الوارد أسفل الصورة، وكتاب التاريخ الحديث والمعاصر، الصادر عن الحكومة الإقليمية فى أربيل، حيث يتفق الكتابان فى أسماء المؤلفين رغم أن الكتاب الثانى يقل عن الأول بحوالي 73 صفحة، وهو ما يعني تقليص وحذف أجزاء من الكتاب الأول رغم وجود بعض الإضافات فى الكتاب الثانى تتعلق بالتاريخ الكردى. كما يلاحظ أن عنوان الكتاب الثانى جاء خالياً من عبارة (الوطن العربى). وفيما عدا الحذف والإضافة جاءت باقى الفصول متطابقة فى الكتابين. وتضمنت الإضافات التى أضيفت إلى الكتاب الثاني:
- الصراع بين الدولتين العثمانية والفارسية وتأثيره على الكرد.
- الحكومات والإمارات الكردية.
- تاريخ الصحافة الكردية.
- محاولات النظام العراقى لصهر القومية الكردية.
- التأكيد على بطولة قوات البيشمركه فى أكثر من موضع.
- التطور الذى حدث للمنطقة سياسياً واقتصادياً.
ويلاحظ أيضاً أن هناك من الأحداث المشتركة بين الكتابين ولكن التناول لكل حدث كان متبايناً تبايناً حاداً بين الكتابين، فالحرب العراقية الإيرانية فى الكتاب الأول كانت قادسية صدام وكانت رد فعل لمواقف نظام خومينى المعادية للعراق والوطن العربى ومساندته للزمرة الخائنة العميلة العشائرية (الحركة الكردية) وأنها كانت حرباً دفاعية دفع إليها العراق. وفي المقابل قامت رؤية الكتاب الثاني للحرب على العناصر التالية:
- صراع عربى فارسى لفرض الهيمنة على الخليج
- صراع مذهبي
- إهمال لاتفاقية الجزائر والاتهامات المتبادلة بخرقها
- التسليح المكثف للنظام العراقى بالأسلحة الفتاكة
كذلك كان هناك تباين شديد بين الكتابين فيما يتعلق برؤية حرب تحرير الكويت أو أم المعارك، بالإضافة إلى موضوعات أخرى متعددة.
ج- كتاب التربية المدنية، الصادر عن حكومة إقليم كردستان للصف السادس الابتدائي
وقد أعدت هذا الكتاب لجنة من وزارة حقوق الإنسان بالإقليم، وابتعدت دروس الكتاب عن الأسلوب الوعظى المباشر، كما يقدم الكتاب وبأسلوب سهل وميسر تعريفات لأمور مهمة وصعبة مثل: السلطة، الحكومة الداخلية، القيم، الواجبات، القوانين، الحدود، مكانة السلطة. ويعد هذا الكتاب بديلا لكتاب التربية القومية والذى كان يدرس فى المحافظات غير الكردية حتى سقوط النظام. والكتاب بشكل عام يساهم في خلق وعي سياسي لدى الطلاب فى هذه المرحلة العمرية المبكرة.
د- كتاب المواد الاجتماعية للصف السادس الابتدائى الصادر عن حكومة كردستان
والكتاب كسائر الكتب السابقة وضع أولاً باللغة الكردية ثم ترجم إلى اللغة العربية. وفى تصورى أن هذا الكتاب هو أهم الكتب على الإطلاق لأنه يسعى إلى ترسيخ مفاهيم معينة فى ذهن الطالب فى هذه العمر المبكرة، فعندما يتحدث عن العراق فإنه يقول العراق الفيدرالى. وعندما يتحدث عن اقتصاديات العراق يخصص قسماً عن اقتصاديات الإقليم وبشكل منفصل مؤكداً على مصطلح إقليم كردستان.
فى القسم الثانى من الكتاب الخاص بتاريخ العراق وعنوانه كردستان والعراق فى العهد العثمانى، يضع كلمة كردستان سابقة على العراق وموازية له مما يرسخ فى ذهن الطالب أنه أمام كيانين متوازيين. وفى الفصل الخاص الذى يحمل عنوان كردستان والسلطة العثمانية يؤكد الكتاب على مفهوم كردستان الكبرى من خلال عرضه للإمارات الكردية وموقعة جاليدران ودور الأكراد فيها والاتفاقيات التى كان الأكراد طرفاً فيها، ثم يعرض بعد ذلك للوعى السياسى الكردى وما لحق به من نمو.
أما فى الفصل الرابع الذى يحمل عنوان ظهور العراق الحديث نجده لا يترك فرصة إلا ويتحدث عن الأكراد ودورهم فى مقاومة الاحتلال. وفى الفصل الخامس الذى يحمل عنوان بداية القضية الكردية فى العراق فيشرح قضية ولاية الموصل ثم ثورات الأكراد المختلفة بدءاً من الشيخ محمود الحفيد إلى الشيخ أحمد البارزانى إلى الملا مصطفى البارزانى وجمهورية مهاباد.
أما القسم الثالث -والأهم- بعنوان المواطنة، فيشرح الفصل الأول المعنون الدولة المقومات التى تقوم عليها الدولة وهى: الشعب، السلطة، السيادة. وعندما يتعرض الكتاب بالشرح لكل مفردة من هذه المفردات فإن الإيحاءات كلها تتوجه إلى الدولة الكردية. فالشعب هو مجموعة من الأشخاص الذين يعيشون على قطعة أرض جغرافية معينة ويتميزون عن الشعوب الأخرى بسبب اللغة والعادات والتقاليد الخاصة. وبعد هذا التعريف مباشرة يطلب من التلميذ ضمن أنشطته المدرسية أن (يلصق صورة طبيعية لكردستان الوطن فى الدفتر) أو (ألصق صورة علم كردستان بألوانه الجميلة فى الدفتر). وفى الفصل الثالث الذى يحمل عنوان الأعياد الوطنية، يحدد هذه الأعياد في عيد النوروز (21 مارس أول السنة الكردية)، اتفاقية 11 مارس آذار (اتفاقية الحكم الذاتى)، انتفاضة شعب كردستان (5 مارس 1991) ثم يشرح يوميات الانتفاضة بالتفصيل، انتخاب برلمان كردستان (19 مايو آيار 1992)، إعلان النظام الفيدرالى لكردستان (24 تشرين أول أكتوبر 1992)، عيد الجمهورية العراقية (عبد الكريم قاسم) (14 يوليو تموز 1958) .
وكما هو واضح، فباستثناء عيد واحد فإن باقى الأعياد خاصة بإقليم كردستان وحده أو بكردستان الوطن.
وفى الفصل الرابع بعنوان القومية يتحدث عن مقومات القومية، والتي يحددها فيما يلي:
- الوطن المشترك: فأرض كردستان التى عاش عليها الأجداد منذ آلاف السنين هى (أساس مهم لتوحيد أبناء شعب كردستان).
- اللغة المشتركة: اللغة الكردية هى من مقومات القومية وقد فشلت كافة محاولات تعريب وتتريك وتفريس الأكراد وحافظ الأكراد على سلامة لغتهم.
- التاريخ المشترك للأكراد نضالاً ودفاعاً عن أرضهم.
ويتأكد إذن من خلال هذا العرض أن الكتاب يسعى إلى التأكيد على أنه عند الحديث عن الدولة فإن ذلك يعنى الحديث عن الدولة الكردية وكذلك الوطن والشعب والقومية.
وهكذا، نخلص أنه لاشك قد حدث لقاء بين رغبة الأهالى فى تعليم من نوع جديد لأبنائهم وإجراءات الإدارة الكردية لتحقيق ذلك من خلال دعم التعليم باللغة الكردية على حساب اللغة العربية وتغيير المناهج خصوصاً الإنسانية منها لتتواءم مع ما استجد من ظروف على الساحة. وأصبح هناك ما يمكن أن نطلق عليه عملية بعث كردى شاملة، وأصبحت مفاهيم مثل الدولة والوطن والقومية والشعب لا تعنى فى ذهن التلميذ سوى الدولة الكردية والوطن الكردى والقومية الكردية والشعب الكردى. وانعكس ذلك بالتالى على المجتمع بأسره لتظهر صورته كما هى الآن: شعب تشبع بأفكاره القومية، طموحه لا يقف عند حد، المنطقة أصبح اسمها كردستان فى الأدبيات الدارجة، حتى أن لفظ العراق لم يعد ينطق على المستوى العام إلا نادرا.
4- كركوك قدس الأقداس الكردى والمادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية
خلال المداولات الشاقة والمتعثرة لإعداد مسودة الدستور العراقى الدائم تمهيداً لعرضه على الجمعية الوطنية العراقية المؤقتة، تمهيدا لطرحه على الشعب فى استفتاء عام، لم تنل أى مادة فى قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية من المناقشات مثلما نالت المادة (58) من هذا القانون، وهي المادة التي تتحدث عن الإجراءات الواجب اتخاذها بشأن المناطق التى حدثت فيها عمليات هندسة سكانية فى العهد السابق وبالذات مدينة كركوك، فضلا عن الوضع الخاص لمدينة كركوك، فهى بالنسبة لأكراد العراق قدس الأقداس التى لا يمكن المساومة عليها. وكما جاء فى حديث لمسعود البارزانى إلى قيادات حزبه فى محافظة كركوك في 19/7/2004: يجب ألا يفكر أى شخص فى المساومة على كردستانية كركوك، كركوك مدينة كردستانية وقلب كردستان. وأضاف: من غير الممكن القبول بواقع التغيير السكانى فى كردستان ولسنا مستعدين للمناقشة حوله. نحن نفضل عقد علاقات جيدة مع القوميات الأخرى فى مركز محافظة كركوك خاصة مع الذين يعترفون بحقيقة كركوك( ). والإصرار الكردى على الهوية الكردستانية لكركوك هي مسألة أساسية في أى لقاء مع شخصيات عراقية أو أجنبية، ويستند الأكراد إلى نتائج الإحصاء السكانى الذى أجرى في عام 1957الذى يرى فيه الأكراد أنه أدق إحصاء أجرى فى العراق والذى أثبت أن كركوك ذات أغلبية كردية. كما لايتوانى الأكراد عن نشر بعض وقائع تهجير الأكراد من كركوك وإحلال عرب الجنوب محلهم. وقد عرضت صحيفة الحياة (اللندنية) فى عددها الصادر في 16/7/2005 إحصاء لموظفى وعمال شركة نفط الشمال فى كركوك والذى يشير إلى أن نسبة العاملين الأكراد فى الشركة تراوحت بين (38%-60%) بين عامى 1958 و1960 لتبدأ فى الانخفاض التدريجى إلى 28% في عام 1968 ثم إلى 5% عام 1991 ثم إلى 1% فقط عام 2000 قبل سقوط النظام. وتذهب بعض قيادات حزب الاتحاد الوطنى الكردستانى إلى أن هذه الإحصائية خير دليل على توطين حزب البعث العربى للعرب الوافدين من جنوب العراق ووسطه فى محافظات الشمال ذات الغالبية الكردية. ويؤكد المصدر ذاته أن كركوك مدينة كردية من النواحى الجغرافية والتاريخية والسكانية.
ويلقى الطرح الكردى بشأن كركوك معارضة من معظم النخب العراقية، فى حين يلقى تفهماً حذراً من البعض الآخر، فحميد مجيد موسى، الأمين العام للحزب الشيوعى العراقى والمكلف من قبل الحكومة العراقية برئاسة الهيئة العليا لتطبيع الأوضاع فى كركوك، اعتبر أن قضية كركوك قضية حساسة وذات جذور قديمة وهو ما يخلق صعوبات وعراقيل بعضها موضوعى خارج إرادة الأكراد والأخرى تتعلق بأن هناك أصحاب مصالح لا يهمهم حل مشكلة كركوك بل يرغبون فى إدامتها. وعن المادة (58) المشار إليها استبعد موسى تطبيقها قبل الاستفتاء على الدستور العراقى فى منتصف أكتوبر وتساءل: هل نستطيع أن ننجز هذه المادة قبل الاستفتاء على الدستور؟ أعتقد أن هذا شيء صعب، فقانون إدارة الدولة واضح وهناك مراحل لهذه العملية، ونحن نعطى الأولوية لتصفية آثار النظام العراقى السابق فى عملية التطهير العرقى وتغيير التركيبة السكانية وبعدها نبدأ كنقطة بداية فى إعادة من تم طردهم وترحيلهم ونهب ممتلكاتهم وتعويضهم وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية. ثم شدد موسى على أهمية قضية كركوك لكل العراقيين قائلاً: لفترات طويلة كانت قضية كركوك بؤرة توتر وأحيانا منطقة احتقان فى العلاقات السياسية وذات تأثيرات سلبية على عموم الوضع السياسى. وهناك مصلحة بحل هذه المشكلة على أساس عادل ومنصف( ).
وهناك من يظن أن الموقف الكردى المعلن من كركوك هو موقف قيادات فقط لكن الواقع يؤكد عكس ذلك، فالشعب الكردى يتجاوز ما تطالب به قياداته، ويتضح ذلك من خلال تظاهراته المستمرة فى كافة المدن الكردية.
إن الواقع الحالى والتاريخ يؤكدان على أن مدينة عراقية غير كركوك لم يكن لها هذا الاهتمام وذلك التأثير فى مجريات الأحداث. فعلى صخرة كركوك تحطمت اتفاقيات، وبسبب نفط كركوك شرد أكراد وقامت حروب. هذه المدينة كانت أحد أهم الأسباب لرفض الأكراد تطبيق اتفاقية الحكم الذاتى لأن النظام العراقى صمم على أن تكون خارج المنطقة الكردية، فقامت حرب الشمال من جديد فى صيف 1974 إلى أن توقفت بعد توقيع اتفاقية الجزائر في مارس 1975 وإجبار الحكومة العراقية على التسليم بالمطالب الإيرانية الخاصة باقتسام السيادة على شط العرب وتعديل الحدود بين الدولتين.
وكركوك مدينة مهمة بالنسبة لأطراف إقليمية ودولية، فضلاً عن أهميتها بالنسبة لأكراد العراق والتى لا تنحصر أهميتها بالنسبة لهم فى كونها مدينة تقوم على بحيرة من النفط فقط ولكن الأمر يتعدى ذلك إلى مسألة فلسفية فهى رمز للاضطهاد الذى تعرض له الشعب الكردى فما هو غير قابل للنقاش عندهم هو هوية كركوك الكردستانية( ) وخلال أيام الحرب خطب البارزانى فى وفد من المهجرين الأكراد قائلاً: إن العودة إلى كركوك أصبحت وشيكة، وقد اتخذت الإدارة الكردية تدابير لتسهيل العودة ومنع حدوث الفوضى خلال هذه العملية. وتقدر بعض المصادر الكردية أعداد الذين هجروا من كركوك بنصف مليون نسمة فى حين تنزل مصادر أخرى بهذا الرقم إلى مادون ذلك بكثير.
وإقليمياً نجد لتركيا موقفاً معلناً من كركوك. ففى الأدبيات التركية نجد عبارة كركوكن بيزين أى كركوك لنا. ولتركيا خطوط حمراء ثلاثة يشكل تجاوز أى منها مبرراً لتدخلها فى المنطقة. أحد هذه الخطوط استيلاء الأكراد على كركوك أو تعديل التركيبة السكانية بها، ففى آخر انتخابات تركية جرت في عام 2002 أعلن رئيس الحكومة التركية حينئذ بولاند أجاويد أن كركوك والموصل أمانتان لدى الحكومات العراقية المتعاقبة وقد آن الأوان لاستردادهما. هدد بعدها وزير الخارجية التركى باجتياح العراق إذا استولى الأكراد على كركوك( ).
والموقف التركى من كركوك بشكل خاص والمنطقة الكردية بشكل عام ينطلق من أن المنطقة بأسرها سلبت من تركيا سلباً بعد تأسيس الدولة العراقية عام 1921 رغم أنها كانت الأحق بها من وجهة نظرها، فضلاً عن أن مدينة كركوك -وفقا لوجهة النظر التركية أيضا- هى مدينة تركمانية، حيث تشكل تركيا حامية التركمان فى العراق. ومن ناحية أخرى، هناك عامل نفط كركوك الذي يعني سيطرة الأكراد عليه إمكانية نجاح الأكراد في إقامة دولتهم الكردية مما يؤثر تأثيراً خطيراً على الأمن القومى التركى. ومنذ الأيام الأولى لسقوط نظام بغداد كانت تركيا تراقب وترصد ما قد يحدث بشأن كركوك وأبلغت الولايات المتحدة الأمريكية بعدم ارتياحها بشأن سعى الأكراد للسيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط( ).
لقد رأى العالم على شاشات الفضائيات فى اليوم التالى لسقوط النظام مباشرة الشاحنات التى تحمل الأعلام الخضراء والصفراء (علمى الحزبين الكرديين الرئيسيين) والمحملة بالأسر الكردية التى كانت قد هجرت من المدينة فى السنوات الماضية. جاء كل هؤلاء ليتسلموا بيوتهم ومزارعهم وأعمالهم فى المدينة. ووقفوا على أبوابها يهتفون ويغنون ويدبكون. بعض العرب فى المدينة آثروا السلامة فرحلوا عنها فوراً والبعض الآخر صمد انتظاراً لما قد تسفر عنه الأحداث، وحدثت مواجهات دامية وسقط ضحايا، وظهرت أعلام زرقاء للجبهة التركمانية التى وجدت أنه يجب ألا يمر هذا المشهد دون أن يكون لها نصيب فيه، فتركمان المدينة نالهم أيضاً نصيب من التهجير فى السنوات السابقة.
وسيطرت قوات البيشمركه على المدينة، وهو ما وجدت فيه تركيا أمراً خطيراً أو تجاوزاً لخط أحمر تركى غليظ، فاجتمعت الحكومة التركية على الفور وحضر الاجتماع رئيس الأركان التركى ليعطى طابعاً عسكرياً للاجتماع الذى خرجت عنه على الفور تصريحات غاضبة وصارمة ومهددة أنه لن يكون مقبولاً أن يؤسس مقاتلو البيشمركه الأكراد وجوداً دائماً فى كركوك الغنية بالنفط.. لن يكون مهماً إذا كانت البيشمركة تعمل بصورة عفوية وأنها ستنسحب لكن لن يكون مقبولاً أن يتواجدوا هناك بصفة دائمة.. فسيطرة الأكراد على مدينتى الموصل وكركوك ستكون سبباً لتدخل الجيش التركى فى شمال العراق. وكانت تركيا جادة فى تهديداتها، فانسحبت قوات البيشمركه على الفور من كركوك.
فيما بعد لوحظ أن الموقف التركى من كركوك وقضايا أخرى أصبح أقل صرامة، فالتصريحات التى كانت تصدر عن الحكومة التركية من حين لآخر كانت تصريحات واهنة، وكان السبب وراء ذلك هو مفاوضات تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبى ومحاولتها تحسين صورتها لتعزز فرصها فى الانضمام إلى هذا الاتحاد، لذلك كان الأكراد يقومون تلقائياً بعمليات تصحيح للأوضاع فى كركوك وفى هدوء. رغم ما كان يحدث من حين لآخر من مواجهات دموية وعمليات انتقامية.
إن المشهد الحالى بالنسبة لهذه المدينة والقرى المحيطة بها يتلخص فى إصرار كردى على كردستانية كركوك وأنها لابد أن تكون عاصمة لإقليم كردستان بعد توسيع حدوده لتضم مناطق أخرى يعتبرها الأكراد كردستانية فى محافظات الموصل وكركوك وديالى وواسط، وأنه لا مساومة حول ذلك. يقابل هذا الموقف بمعارضة عراقية داخلية من بعض الطوائف غير الكردية وبعض الاحتجاجات التركية التى تخف حدة تأثيرها يوماً بعد يوم، بل وتقابل أحياناً بتحد كردى واضح. يقول جلال طلبانى فى حديثة لفضائية الحرة فى 9 مارس 2004: هل نحن مستعمرات لدول الجوار؟ هل نحن عبيد لدول الجوار؟ هل نحن تحت رحمتهم أم نحن نعيش لنطيع دول الجوار؟ دول الجوار عليها أن تهتم بشئونها الداخلية إذا تدخلنا فى شئونها عليها أن تعترض، غير ذلك دول الجوار ليس لها الحق فى الكلام عن أدوار داخلية للشعب العراقى.
5- قراءة فى بعض مواد قانون رئاسة إقليم كردستان العراق والفيدرالية
قبل التوصل إلى صيغة مقبولة من جميع الأطراف العراقية لمسودة الدستور العراقى والذى يتحدد من خلاله الشكل السياسى للعراق، وبالتالى موقع الإقليم الكردى ضمن هذا الشكل، وهل ستوافق كافة الأطراف على الصيغة الفيدرالية لعلاقة الإقليم بالسلطة المركزية وبالتالى يصبح لهذا الإقليم قوانينه الخاصة ونظم تعليمه وغيرها حسب ظروف الإقليم الخاصة التى تتباين مع ظروف باقى مناطق العراق، قبل أن يتم كل ذلك سارت المنطقة فى طريقها على أساس أن الفيدرالية أمر واقع، وما يجرى التباحث حوله فى بغداد هو مجرد تحصيل حاصل، وأن النتيجة محسومة مسبقاً إذ لا أحد يستطيع أن يقف فى وجه الخيار الكردى. والدليل على ذلك أن بغداد كانت حاضرة بقوة فى افتتاح البرلمان الكردى فى أربيل.
لقد كان أول قرار عن الفيدرالية هو ما صدر عن البرلمان الكردى فى 4/10/1992، والذي نص على ما يلي( ):
أولاً: إقرار بيان الاتحاد الفيدرالى المقدم من قبل رئاسة المجلس الوطنى لكردستان العراق بتاريخ 4/10/1992 بما تضمن من معطيات ووقائع تاريخية وسياسية وقانونية واعتبارها ديباجة لهذا القرار وسنده القانونى.
ثانياً: تحديد العلاقة مع السلطة المركزية واختيار المركز السياسى لإقليم كردستان العراق وشعبه انطلاقاً من حقه المشروع فى تقرير مصيره فى هذه المرحلة التاريخية على أساس الاتحاد الفيدرالى ضمن عراق ديمقراطى برلمانى يؤمن بتعدد الأحزاب ويحترم حقوق الإنسان المعترف بها فى العهود والمواثيق الدولية.
وفى إطار ما يقوم به الأكراد من إجراءات لتدعيم فيدراليتهم تم إصدار قانون رئاسة الإقليم. وقد صدر هذا القانون عن المجلس الوطنى الكردستانى فى 11 يونيو 2005. بعد ذلك اختار البرلمان الكردى مسعود البارزانى رئيساً للإقليم. وكما ذكرنا سابقاً فإن البرلمان الكردى عندما انعقد لأول مرة اختار عدنان المفتى من الاتحاد الوطنى الكردستانى رئيساً له، وكان ذلك فى حضور قيادات من الحكومة المركزية ببغداد. وفى هذا الاجتماع كان الخطاب الكردى كله خطاباً فيدرالياً، الأمر الذي يشير إلى اعتراف بغداد الكامل بهذا الوضع.
وبالعودة إلى قانون رئاسة إقليم كردستان، جاء فى الأسباب الموجبة لإصداره أنه بعد إقرار الفيدرالية كنظام سياسى فى قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ،ونجاح الانتخابات العامة فى العراق فى تشكيل أول جمعية وطنية عراقية منتخبة، ومشاركة الكرد فى السلطات الاتحادية بما فيها رئاسة الجمهورية، وبما أن المرحلة القادمة تتطلب توحيد المواقف والجهد لتحقيق طموحات شعب كردستان العراق فى الحرية والديمقراطية والفيدرالية اقتضى تشريع هذا القانون.
وكما جاء فى الأسباب السابقة فإن إصدار هذا القانون استند إلى إقرار الفيدرالية كنظام سياسى فى قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية وهو ما جاء فى المادة الرابعة من هذا القانون والتى تنص على أن نظام الحكم فى العراق جمهورى اتحادى فيدرالى ديمقراطى تعددى، ويجرى تقاسم السلطة فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية.
ولكن المشروع الكردى فى استناده إلى هذا القانون تعمد إغفال ما جاء فى الفقرة (ح) من المادة الثالثة منه والتى تنص على: ينتهى سريان هذا القانون عند تشكيل حكومة منتخبة وفقاً لدستور دائم. ومن المفترض وفقاً لخطة نقل السلطة إلى الشعب العراقى والتى وقع عليها بول بريمر وجلال طلبانى فى 15 نوفمبر 2003 أن تتشكل تلك الحكومة فى ظل دستور جديد، فكيف يمكن أن يشرع قانون دائم لرئاسة إقليم كردستان استناداً على قانون مؤقت..؟‍!
وبالرغم من ذلك فقد صدر هذا القانون لينفذ على الفور وكما جاء فى المادة التاسعة عشرة منه ينفذ هذا القانون من تاريخ صدوره وينشر فى الجريدة الرسمية وقائع كردستان. وبالفعل كان اختيار البرلمان الكردى فوراً لمسعود البارزانى رئيساً للإقليم والذى أصبح متحدثاً باسم أكراد العراق على الصعيدين الداخلى والخارجى ومدافعاً عن حقوقهم تنفيذاً لما جاء فى المادة الثانية من هذا القانون: يمثلهم ويتحدث باسمهم على الصعيدين الداخلى والخارجى ويتولى التنسيق بين السلطات الاتحادية وسلطات الإقليم.
لكن ما هى الشروط الواجب توافرها للمرشح لهذا المنصب؟ تجيب على هذا السؤال المادة الخامسة من هذا القانون فتحدد ثلاثة شروط كان أحدها أن يكون من مواطنى كردستان العراق وساكنا فيها. والمتأمل لهذه المادة يخرج منها بما يلى:
- لم تشترط أن يكون المرشح كردى القومية بل جعلت الانتماء إلى الأرض (كردستان العراق) هو الشرط، بمعنى أنه على المستوى النظرى من الممكن أن يكون المرشح لهذا المنصب تركمانياً أو كلدانيا أو آشوريا أو أرمنيا أو عربياً على أساس أن كردستان العراق تضم على أرضها هؤلاء.
- حدد القانون الانتماء لكردستان العراق حصراً وهذا معناه أنه لا يجوز أن يرشح للمنصب كردى من أكراد دول الجوار.
- قطع شرط الإقامة فى كردستان العراق الطريق على من يقيم فى الخارج كى يتقدموا لهذا المنصب.
ونأتى إلى القسم الذى يجب أن يردده من سيتولى هذا المنصب، وكما جاء فى المادة التاسعة من هذا القانون: أقسم بالله العظيم أن أحافظ على حقوق ومكتسبات ووحدة ومصالح مواطنى كردستان وأن أؤدى مهامى بصدق وإخلاص. ويلاحظ على هذا القسم أنه لم يتطرق إلى العراق كدولة وانحصر فى كردستان فقط. كما ذكر كردستان بشكل مطلق ولم يحددها بكردستان العراق وهنا يصبح القسم تعهداً لشعب كردستان بأكمله. ونصت المادة 13 من هذا القانون على أن رئيس الإقليم هو القائد العام لقوات بيشمركه العراق. أما اختصاصات رئيس الإقليم والتى حددت فى المادة العاشرة، فقد كان أحد هذه الاختصاصات عدم السماح بإدخال قوات مسلحة اتحادية إلى الإقليم عند الاقتضاء إلا بموافقة المجلس الوطنى للإقليم. الأمر الذي يفسر المناقشات الطويلة التي استغرقتها مناقشة وضع قوات البيشمركه في مداولات كتابة الدستور العراقي.
هل نحن أمام دولة واحدة أو دولتين؟ هذا هو السؤال الذى يطرح بعد قراءة هذه المادة، فبغداد وقواتها وفق هذه الفقرة لا ولاية لها على الإقليم الكردى ومحظور على قواتها دخول المنطقة إلا بموافقة البرلمان الكردى وعند الضرورة. كل هذا صدر عن البرلمان الكردى وتم تنفيذه رغم أن طبيعة العلاقة بين بغداد والمنطقة لم تكن قد حددت بعد.
لكن منذ متى كانت الفيدرالية مطلباً للأكراد، وهل بالإمكان أن تتطور تلك المطالب مستقبلاً إلى ما هو أبعد من الفيدرالية؟ وللإجابة على هذا السؤال ينبغى العودة إلى تاريخ الحركة الكردية منذ بدايات القرن الماضى، وعندها سيكتشف أن سقف تلك المطالب ارتفع تدريجياً مع تغير الأحداث والأزمنة، وسيكتشف أيضاً أن ما يمكن أن يكون مقبولاً فى زمن معين وظروف معينة قد لا يكون كذلك فى زمن آخر وظروف أخرى. ينطبق ذلك تماماً على المسألة الكردية. فالمتتبع لمطالب الأكراد منذ بدايات القرن الماضى يجد أنها كانت فى بدايتها مجرد مطالب متعلقة بإهمال السلطة المركزية للمنطقة وضرورة العمل على إعمارها في ضوء شكوى الأكراد من تهميشهم عراقياً رغم أنهم اختاروا الانضمام للمملكة العراقية الناشئة من خلال آرائهم الاختيارية التى أبدوها للجنة المشكلة من عصبة الأمم عام 1925. لكن الحكومة العراقية لم تعط بالاً لتلك المطالب وبدأ الصراع المسلح ليرتفع سقف المطالب الكردية إلى شكل من أشكال الحكم الذاتى. وعندما أسفر الصراع فى النهاية عن توقيع اتفاقية الحكم الذاتى فى 11 مارس 1970 ظن الجميع أن المسألة وجدت فى النهاية طريقها إلى الحل. وبالفعل كانت تلك الاتفاقية هى الفرصة الذهبية التى كانت تستحق الإمساك بها. لكن النظرة الحكومية لأسلوب تنفيذ الاتفاقية فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية والتى كان من صالح أصحابها أن يظل الصراع قائماً كل ذلك أدى إلى ضياع وفشل هذه الفرصة( ).
وبعد أن قبرت تلك التجربة المهمة، وبرزت المشكلة من جديد ارتفع سقف المطالب الكردية إلى مستوى المطلب الفيدرالى.
والحقيقة أن اتفاقية الحكم الذاتى كان من الممكن أن تكون أساساً جيداً لو تم التعامل معها برؤية جديدة فى ظل المتغيرات الجديدة بعد إدخال بعض التحسينات عليها مثل إعطاء المزيد من السلطات والصلاحيات للبرلمان الإقليمى وكذلك تبعية قوى الأمن الداخلى للحكومة الإقليمية.
وفى وقت سابق وقبل سقوط نظام بغداد حملت هذه الأفكار إلى رئيس البرلمان الكردى الدكتور روز نورى شاويس (بعد السقوط تولى منصب نائب رئيس الجمهورية العراقية ثم نائب رئيس الحكومة). وكان تعليقه على هذا الطرح بأنه لا توجد ثقة بنظام بغداد إذ أن سوابقه متعددة فى نقض أى اتفاق أو إفراغه من مضمونه وتجارب الماضى كثيرة. لذلك فإن إعلان الجمهورية العراقية على أنها جمهورية فيدرالية فيه ضمانة إضافية للأكراد لأن هذا الاسم سيسجل فى الأمم المتحدة هكذا.
لكن بعد السقوط أصبح الأكراد فى مقدمة المشهد العراقى. وبعد أن كانوا جزءاً من فصائل المعارضة أصبحوا فى مقدمة النخبة الحاكمة فى بغداد بعد أن تبوأوا مناصب مهمة وسيادية فى الدولة العراقية الجديدة. إذن هل من المنطقى الحديث عن أزمة ثقة بين الأكراد والحكومة العراقية فى بغداد والأكراد هم الحكومة العراقية؟
وفى محاولة لتفسير هذا الموقف يمكن مراجعة ما حدث من مؤتمرات للمعارضة العراقية قبل وبعد السقوط وما صدر عنها من مقررات فى لندن وصلاح الدين والناصرية، حيث صدر عن هذه المؤتمرات جميعها اعتماد صيغة الفيدرالية كشكل سياسى للدولة العراقية. لكن عندما انتقلت المعارضة إلى سدة الحكم أصبح لبعض فصائلها رأي آخر يعارض التوجه الفيدرالى. ومن هنا انبعثت مسألة عدم الثقة من جديد وتعددت تصريحات القادة الأكراد فى هذا الصدد. ففي حواره مع فضائية الحرة قال جلال طلبانى في 8/3/2004: الشعب الكردى له الحق فى تقرير مصيره وحق تقرير المصير يتضمن الانفصال أيضاً.. والشعب الكردى كان مستقلاً عندما أقر بإجماع آراء مجلسة الوطنى البقاء ضمن الوحدة الوطنية العراقية والاتحاد الاختيارى مع الشعب العربى. ويستطرد قائلا: مصلحة الشعب الكردى هى فى البقاء ضمن وحدة وطنية عراقية قائمة على أساس الاختيار والديمقراطية والفيدرالية وحقوق الإنسان، والانفصال الآن ليس فى صالح الشعب الكردى ولا يمكن تحقيقه فى الظروف الحالية. ونتأمل هنا لفظى الآن والظروف الحالية، ذلك هو موقف القيادات الكردية أما على المستوى الشعبى فإن الأمر يأخذ بعداً آخر.
من مطالب إعمار المنطقة وإخراج الأكراد من التهميش عراقياً إلى شكل من أشكال الحكم الذاتى، إلى الحكم الذاتى نفسه، ثم إلى الفيدرالية تدرج ارتفاع سقف المطالب الكردية إلى ما هو أبعد من الفيدرالية، إذ لم تكن الفيدرالية هى نهاية المطاف كما اتضح عند التهيئة لمناقشة مسودة الدستور والتفاعلات التى كانت تجرى فى الشارع الكردى. فقد بدأ يتردد حديث عن حق تقرير المصير، وتحديد فترة زمنية أقصاها ثماني سنوات يتقرر بعدها هذا الحق، وضرورة النص على ذلك صراحة فى الدستور العراقى.
المظاهرات فى المدن الكردية تطالب وتلح وتضغط على قياداتها، ومنظمات أهلية وشبه حكومية واتحادات مهنية تجمع توقيعات المواطنين وترفعها فى عرائض إلى الأمم المتحدة مطالبة بهذا الحق. وبلغ عدد من وقع على تلك العرائض 1.7 مليون مواطن كردى. وعندما جرت الانتخابات البرلمانية العامة فى آخر يناير 2005 جرى استفتاء نظمته تلك المنظمات خارج اللجان الانتخابية وقال فيه الناخبون بأغلبية ساحقة تجاوزت 98% نعم لحق تقرير المصير.
وعن ضرورة تثبيت هذا الحق فى الدستور العراقى الدائم يقول فريدون عبد القادر، أحد قيادات الاتحاد الوطنى الكردستانى وعضو البرلمان العراقى، لإحدى الفضائيات: حق تقرير المصير مثل حق الطلاق، الحق موجود ومثبت فى العلاقة الزوجية لكن هل يستخدم كل الأزواج هذا الحق؟ إذا اتضح لى أن العراق أصبح جنة وأننى أتمتع بحقوقى كاملة فهل من صالحى استخدام هذا الحق؟ ولكن إذا وجدت أن العراق صار جهنم ولا يمكن أن أعيش فيه فسأستخدم هذا الحق فوراً. هناك فرق بين وجود الحق واستخدامه وحق تقرير المصير هو حق كفلته كافة القوانين الدولية.
والحقيقة أن الشارع الكردى تجاوز فى مطالبة طرح قياداته بمراحل، ففى الوقت الذى تدرك فيه تلك القيادات الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التى تجعل من الانفصال خياراً صعباً ومغامرة لها خطورتها فإن الشارع الكردى لا يضع مثل هذه الأمور فى حسبانه، لذلك فإن الجموح هو طابع مطالب الشارع الكردي، بينما تحاول قياداته كبح هذا الجموح من حين لآخر، لتجد نفسها فى مأزق بين محاولة إرضاء الشارع الكردى ومحاولاتها مع الأطراف العراقية الأخرى تثبيت حقوق الأكراد فى الدستور. يقول نيجيرفان البارزانى رئيس حكومة إقليم كردستان العراق أن 98% من شعب كردستان طالبوا بالاستقلال فى استفتاء غير رسمى أجرى فى كانون الثانى يناير الماضى، وحتى نتمكن أنا والمسئولين الآخرون من إرضائهم كجزء داخل العراق يجب أن نطمئنهم على حماية الدستور الجديد لكافة حقوقهم( ).
وخلال شهري يوليو وأغسطس 2004 اندلعت بعض التظاهرات الكردية، إذ اندلعت تظاهرة في 24 يوليو بمدينة السليمانية، طالبت باستقلال إقليم كردستان العراق، شارك فيها أكثر من 500 من المثقفين والجامعيين الأكراد الذين طالبوا أيضاً بضم مدينة كركوك إلى الإقليم. كما اندلعت مجموعة من التظاهرات الأخرى في 9 أغسطس في كردستان، وذلك قبل ساعات محدودة من الموعد النهائى لتقديم مسودة الدستور إلى الجمعية الوطنية العراقية، شارك فيها مئات الآلاف من الأكراد، طالبت بتضمين الدستور فقرة تنص على حق تقرير المصير للشعب الكردى فى العراق. وقد دعت إلى تلك التظاهرات حركة الاستفتاء وهى منظمة كردية غير حكومية. ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها لا تنسوا 98.76% من أصوات الشعب الكردستانى المطالب بالاستقلال، كركوك كردستانية، لا اتفاق حول مصير كردستان من دون العودة لإرادة شعبها. وقد أرجع كاروان عبد الله، عضو حركة الاستفتاء، نشوب تلك التظاهرات في ذلك التوقيت إلى وجود شعور متعاظم بالقلق يساور أبناء الشعب الكردستانى بأن الدستور العراقى الجديد لن يكون منصفاً لهم، بسبب مواقف المماطلة والتأجيل فى شأن القضايا التى تهمهم.
وخلال الزيارة الأخيرة لمؤلف الدراسة إلى كردستان العراق أُجري استبيانا على طلاب جامعتى صلاح الدين بأربيل ودهوك فى مدينة دهوك للتعرف على ما يدور فى أذهانهم من أفكار حول مستقبل المنطقة، على أساس أن من بين صفوف هؤلاء سيخرج قادة مستقبل المنطقة. وكانت بعض نتائج الاستبيان كما يلى( ):
- فيما يتعلق بالمواطنة، أظهرت نتائج الاستبيان أن الوطن الكردى هو الأولى بالاهتمام لدى الطالب، حيث صوت 88% من الطلاب للوطن الكردى فى حين لم تحصل الدولة العراقية إلا على 10% فقط.
- تركت ممارسات النظام العراقى السابق ضد الأكراد آثاراً سلبية قوت فيهم عوامل الانفصال، إذ أبدى 95% من الطلاب أنهم أو أقاربهم تعرضوا للاضطهاد من قبل النظام السابق. كما قرر كافة الطلاب علمهم الكامل بتعرض أكراد العراق للقصف الكيماوى وأنه لابد من إجراء تحقيق فى هذه الجريمة.
- رأى 7% فقط من الطلاب أن الأكراد حققوا طموحهم، فى حين تراوحت إجابات 93% منهم بين نفى تحقيق الطموح أو تحققه إلى حد ما.
- شارك 90% من الطلاب فى حملة التوقيعات التى رفعت إلى الأمم المتحدة. وبرر هؤلاء مشاركاتهم بأنها تعبيراً عن الطموح الكردى، أو من أجل تحقيق حلم الدولة الكردية، أو ومن أجل تحقيق مكاسب جديدة للأكراد.
- شارك 93% من الطلاب في الاستفتاء الموازى للانتخابات، وأكد 81.5% أن المشاركة فى هذا الاستفتاء وحملة التوقيعات لم تسبب حرجاً للقيادة الكردية.
- أبدى 93.5% من الطلاب رغبتهم فى أن تقتسم الثروة الموجودة فى الإقليم (نفط - مياه - معادن) بينه وبين الحكومة المركزية.
- رفض الطلاب جميعاً أن يظل وضع كركوك كما هو حالياً، فى حين رأى 7% فقط منهم أن تكون مدينة مفتوحة للتآخى العراقى، بينما رأى 93% أن تكون مدينة كردستانية وعاصمة لكردستان العراق.
- وعند سؤال الطلاب عن الفيدرالية وهل هى هدف نهائى أم مرحلى أجاب 5% فقط بأنها هدف نهائى، فى حين رأى 90.5% أنها مرحلة على طريق الاستقلال بينما لم تحدد نسبة 4.5% موقفها من تلك المسألة.
- وحول وعى الطلاب بوجود مخاطر تواجه الاستقلال رأى 82.5% وجود هذه المخاطر، بينما أخذت المخاطر الإقليمية النسبة الأكبر (68.5%).
- وطالما أن فكرة الاستقلال مهيمنة على فكر الطلاب فكان لابد من سؤالهم عن العوامل التى لابد من توافرها ليتحقق الاستقلال، وكان أهم عامل أبداه الطلاب هو الإصرار الكردى (72%)، إضافة إلى المباركة الأمريكية (61%)، إضافة إلى الذكاء الكردى (40%)، وموافقة دول الجوار(21.5%).
- كشف الاستبيان أن الطلاب فى معظمهم على يقين من أن دولة كردستان ستقوم فى يوم ما (77.5%).
- كان للطلاب رؤية حول وضع كردستان الجنوبية (كردستان العراق) من الداخل مستقبلاً، فرأى 69.5% أن كردستان ستكون موحدة وستكون علاقتها بدولة العراق علاقة إخاء وتعاون 82.5%، وتباينت آراء الطلاب حول علاقتها المستقبلية بالدول العربية ما بين موافق على قيام علاقة (36%) وغير موافق (47%).
- أما عن رأى الطلاب حول قيام علاقة مع إسرائيل فقد وافق 55% على قيام هذه العلاقة، بينما اعترض 30%.
تلك هى الأفكار السائدة على أكثر من مستوى فى كردستان العراق: تظاهرات فى الشوارع تطالب بحق تقرير المصير وتوسيع حدود المنطقة، توقيعات ترفع إلى الأمم المتحدة مطالبة بذات الحق، استفتاء يؤكد موافقة الأغلبية الكاسحة على حق تقرير المصير، نخبة مثقفة على يقين من إقامة الدولة الكردية. كما يؤكد المشهد العام وجود فرز عام لهذه المنطقة عن سائر العراق، ففى الوقت الذى تتردى فيه الأمور فى كافة أنحاء العراق، نجد العكس تماماً فى المنطقة الكردية فهناك سباق هائل على الإعمار وجذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، فضلا عن تحسن الظروف والبيئة الأمنية بالمقارنة بباقي الأقاليم العراقية.
6- ماذا يبقى لإعلان الدولة ؟
خلال المناقشات والمفاوضات حول وضع مسودة الدستور العراقى كانت أكبر العقبات التى وقفت فى طريق الاتفاق هو رفض بعض الفئات العراقية للمطالب الكردية، خاصة المتعلقة بالفيدرالية واقتسام الثروة والنص على حق تقرير المصير وهوية الدولة العراقية. كما رفض الأكراد مطالب بعض الفئات الأخرى، خاصة عرب العراق الذين يريدون أن تكون هوية العراق عربية، فضلا عن رفضهم نص الدستور على أن العراق جزء من الأمة العربية. كما يطالب شيعة العراق بأن ينص الدستور على أن الإسلام هو المصدر الرئيسى للتشريع، وهو ما يرفضه الأكراد استنادا إلى تعدد الأديان فى العراق وفى منطقتهم على وجه الخصوص. والفيدرالية هى الحد الأدنى الذى يمكن أن يُقبل كردياً، ولكن الطوائف الأخرى تخشى أن يكون ذلك بداية لتقسيم العراق إلى كانتونات، خاصة بعد أن أعلن عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عن إقامة فيدرالية شيعية فى جنوب العراق.
واقتسام الثروة بين الإقليم والمركز يعارضه سنة العراق بشكل قاطع على أساس أن غرب العراق - حيث يتركز السنة- هى المنطقة الأفقر نفطياً على الإطلاق فى العراق، وإذا تحقق ما يطالب به الأكراد فإن غبنا فادحاً سيلحق بهذه المنطقة. أما حق تقرير المصير فهو ما ترفضه كافة الطوائف الأخرى، وبالفعل لم يتطرق الدستور إلى ذلك واعتبر الأكراد أنه كان تنازلاً منهم. ويؤكد الواقع أن تنازل الأكراد عن بعض المطالب هو تنازل مرحلى لأن المنطقة الكردية على أرض الواقع منفصلة فى كل شيء عن باقى العراق، وإذا كان رئيس الإقليم، وحسب نص قانون رئاسة الإقليم، من حقه أن يتعامل مع الخارج ممثلاً للإقليم وقفزاً على حكومة المركز فماذا يبقى إذن لنقول إنه فى شمال العراق قامت جمهورية اسمها كردستان أوكردستان الجنوبية حسب الأدبيات الكردية؟
وقد لوحظ أن المعارضة للفيدرالية خفت حدتها كثيرا فيما يتعلق بالأكراد وتركزت فقط حول المطلب الشيعى لفيدرالية الجنوب، بل أخذ الحديث يتطرق إلى الوضع الخاص للمنطقة الكردية. وعندما أعلن عن الشكل النهائى لمسودة الدستور بعد مخاض عسير تبين أن معظم المطالب الكردية قد تحققت بإعلان العراق دولة فيدرالية، دينها الرسمى الإسلام الذى هو أحد مصادر التشريع وليس المصدر الوحيد أو الرئيسى للتشريع، وأن من حق بعض الأقاليم أخذ حصة من الثروة تعويضاً لها عن ظلم لحق بها فى الماضى، وإن جاءت هذه الفقرة شديدة الغموض مما يجعلها بذرة لخلافات مستقبلية حول مقدار تلك الحصة وفترتها الزمنية. أما عن حق تقرير المصير والنص على فترة انتقالية فقد تنازل الأكراد طواعية عن هذا الحق فى إطار المحاولات التوافقية التى جرت كى تخرج المسودة إلى النور وكما سبق ذكره.
7- موقف دول الجوار من المطالب الكردية
بينما ينقسم العراقيون بين مؤيد ومتحفظ ومعارض للمطالب الكردية، تهتم دول الجوار بالشأن الكردي بدرجة كبيرة. ودول جوار المنطقة الكردية هى إيران شرقاً وتركيا شمالاً وسوريا غرباً وكل من هذه الدول لها مشكلة مع الأكراد حيث الصراع قائم فى كل منها بين المطالب الكردية والرفض الحكومى. ويختلف شكل الصراع من دولة لأخرى ومن زمن لزمن ما بين صراع دموى قائم ومستمر كما هو الحال فى تركيا، وصراع سياسى هادئ يشتعل من حين لآخر بالصدام المسلح كما هو الحال فى إيران، أو بالتظاهرات والمصادمات كما هو الحال فى سوريا مؤخراً لذلك فإن الموقف من أى تطور سياسى لأكراد العراق ينظر إليه بعدم ارتياح عند الحد الأدنى وبالعداء السافر والتهديد بالتدخل المسلح لإجهاضه عند الحد الأعلى.
والعجيب أنه تاريخياً رغم كل ذلك استفادت الحركة الكردية كثيراً من إيران وسوريا لما بين هذين النظامين والأنظمة العراقية المتتالية من تناقضات دفعت بالدولتين إلى مد يد العون إلى الحركة الكردية نكاية فى النظام العراقى. فما قدمته إيران معروف، أما سوريا فقد فتحت مدنها وبالذات دمشق والقامشلى لاستقبال القيادات الكردية وسمحت لهم بفتح مكاتب لأحزابهم فيها لتكون سوريا نافذة الحركة الكردية على العالم لوقت طويل.
لكن تركيا استثناء من دول الجوار هى التى كان لها موقف صارم من الحركة الكردية فى العراق وحددت ثلاثة خطوط حمراء لا يجوز للحركة تجاوز أى منها وإلا فالتدخل العسكرى التركى، شملت هذه الخطوط: التطور السياسى لأكراد العراق، التغيير السكانى لمدينة كركوك واستيلاء الأكراد عليها، وأخيرا حدوث أي اعتداء على تركمان العراق.
ومما أسهم فى تعقيد المسألة ظهور حزب العمال الكردستانى التركى P.K.K وقيامه بعمليات مؤثرة فى الجنوب التركى أثرت كثيراً فى الأمن القومى التركى. وكانت مراكز الانطلاق لميليشيات هذا الحزب من كردستان العراق أو كردستان الجنوبية، ولذلك كانت تركيا تقوم من حين لآخر بمطاردة هذه القواعد بل أقامت لها نقاطا ثابتة على أرض كردستان العراق، وقد حدث تعاون بين قوات البيشمركه للحزب الديمقراطى الكردستانى والجيش التركى فى محاربة قواعد حزب العمال الكردستانى التركى. لذلك فإن الموقف التركى حيال المطالب الكردية هو الأهم.
وقد سبق أن ذكرنا أنه خلال الحملة الانتخابية التركية فى أواخر عام 2002 وقبل قيام الحرب على العراق أعلن رئيس الوزراء التركى حينئذ بولند أجاويد أن كركوك والموصل أمانتان لدى الحكومات العراقية المتعاقبة وقد آن الأوان لاستردادهما. وتصاعدت التصريحات التركية تباعاً. ففى 25/2/2003 وقبيل نشوب الحرب نشرت صحيفة البيان الإماراتية تصريحات لمسئول تركى، جاء فيها أنه: إذا تم التحرك لإقامة دولة كردية شمال العراق فإن تركيا ستقف وجها لوجه ضد الولايات المتحدة والأكراد، فمنطقة شمال العراق حساسة للغاية بالنسبة لتركيا التى تتواجد قواتها فى المنطقة منذ عام 1993 ومستعدة لدخول كركوك والموصل خلال أسبوع واحد فقط إذا أرادت ذلك.
وبعد سقوط النظام العراقى فى 9/4/2003 ودخول القوات الكردية إلى كركوك مما اعتبرته تركيا تجاوزاً خطيراً لأحد خطوطها الحمراء هددت بالتدخل، وهى التى تملك ثانى أكبر جيش فى حلف الأطلسى، وأعلنت أنها تحتفظ بحق الدخول إلى المنطقة إذا رأت أى فرصة لقيام دولة كردية، كما أكدت للولايات المتحدة عدم ارتياحها بشأن ما تقول إنه مؤشرات لسعى الأكراد للسيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط. وترى تركيا أن سيطرة الأكراد على المدينة وحقولها النفطية الضخمة أول خطوة تجاه إقامة دولة كردية، كما تخشى من أن إقامة دولة كردية بالعراق قد يذكى مشاعر الانفصال بين 12 مليون كردى يعيشون على أراضيها( ). وقد أعرب فاروق أوغلو سفير تركيا لدى واشنطن عن قلقة إزاء ما يعمله الأكراد لترسيخ وضع التفوق فى كركوك وحث السفير أمريكا على وقف أى خطوات من شأنها أن تهدد سلامة أراضى العراق ووحدته الوطنية. ( ). كما صرح عبد الله جول وزير الخارجية التركى لقناة العربية الفضائية أن تركيا لن تقبل بتمزيق دولة العراق وإقامة دولة جديدة، كما أكد بشأن القضية الكردية أنه يجب أولاً حماية الأراضى العراقية وهذا ما تنادى به دول الجوار( ).
فيما بعد وبعد حدوث تطورات مهمة على الأراضى العراقية ومنها التطور التدريجى الذى كان يجرى على قدم وساق فى المنطقة الكردية والذى تعرضنا له فى الصفحات السابقة عبرت وزارة الخارجية التركية فى 15/7/2005 عن استيائها للجهود التى يبذلها الأكراد بهدف تغيير التركيبة السكانية لمدينة كركوك النفطية فى شمال العراق، وأكدت الوزارة فى بيان صادر عنها أن وفدا من الدبلوماسيين الأتراك زار المدينة بين السادس والحادى عشر من تموز (يوليو)، ولاحظ جهوداً جدية مدعومة على طريق تعديل التوزيع السكانى لكركوك. وأضاف البيان: لابد من تجنب خلق أى أمر واقع فى المنطقة. وتخشى تركيا أن يؤدى ذلك إلى تأجيج نزعة الأكراد إلى الاستقلال، أو أن يؤدى ذلك إلى إحياء التطلعات الانفصالية للأقلية الكردية فى جنوب شرق البلاد قرب الحدود العراقية( ).
ومع مشاورات وضع مسودة الدستور العراقى والإعلان عن مطالب الأكراد فى تثبيت ما يريدونه فى هذا الدستور وجدت تركيا أنها يجب ألا تقف ساكنه إزاء ما يحدث على أساس أنها تعتبر أن ما يجرى على الأرض العراقية - خاصة فى الشمال- هو أمر يمس أمنها القومى لذلك فقد جرت اجتماعات تركية سرية مع أحزاب عراقية. واعتبر الحزب الديمقراطى الكردستانى بزعامة مسعود البارزانى أنه لا يجوز تدويل المسألة العراقية لأن ذلك سيفتح الباب أمام التدخل الإقليمى. وأكد مصدر كردى أن الخارجية التركية نظمت بالتعاون مع دراسات الشرق الأوسط والبلقان التركى اجتماعات مع قياديين عراقيين فى منتجع أيانت للبحث فى المواد الحساسة فى الدستور والتى من شأنها التأثير فى مصلحة تركيا وأمنها القومى لاسيما كركوك والنظام الفيدرالى الذى يصر عليه الأكراد، وقضية حزب العمال الكردستانى المعارض لتركيا والذى له قواعد فى شمال العراق. وقد ذهب أحد قيادات الحزب الديمقراطى الكردستانى إلى أنه لو صحت هذه الاجتماعات فهى مؤشر خطير إن إعداد الدستور وتطبيق فقراته وحل المشاكل الداخلية ومنها تطبيع الأوضاع فى كركوك شئون داخلية لا يجوز لأى دولة مجاورة للعراق التدخل فيها تحت أى شعار لأن هذا لا يخدم الوحدة الوطنية وأمن العراق وسيادته وسيفتح الباب لتدخل دول أخرى فى شئونه( ).
8- ماذا إذا قامت دولة كردستان الجنوبية؟ رؤية افتراضية
كردستان الجنوبية وفق الخطاب السياسى الكردى هى كردستان العراق فى حين يطلق مصطلح كردستان الشمالية على كردستان تركيا والغربية على كردستان سوريا والشرقية على كردستان إيران، والحلم الكردى فى غايته هو تجميع المجزأ وإقامة كردستان الكبرى.
ودولة كردستان الجنوبية هى الأقرب إلى التحقيق فى المنظور الحالى لأن أكراد العراق حققوا تطوراً سياسياً كبيراً فى السنوات الأخيرة ساعدتهم فيه ظروف العراق والموقف الدولى.
ولو تهيأت الظروف الإقليمية والدولية ولم يبق هناك أى مانع واستخدم أكراد العراق حق تقرير المصير وقامت تبعاً لذلك دولة كردستان الجنوبية فكيف سيصبح حال تلك الدولة الوليدة فى أطرها المختلفة الداخلى والعراقى والإقليمى والدولى..؟
فعلى المستوى الداخلى هل ستتمكن هذه الدولة من التغلب على الصراعات الداخلية بين تياراتها السياسية المختلفة؟ من المعروف تاريخياً أن اللحمة الداخلية الكردية لم تستطع الصمود بعد أن تولى الأكراد أمور أنفسهم بأنفسهم منذ خريف 1991 وتنظيمهم لانتخابات برلمانية عامة فى أبريل 1992، إذ بدأت الصراعات بين جناحين كرديين أحدهما يقوده الحزب الديموقراطى الكردستانى (مسعود البارزانى) والثانى يقوده الاتحاد الوطنى الكردستانى (جلال طلبانى)، وتحولت هذه الصراعات إلى اقتتال داخلى دموى ساهمت فى تغذيته بعض دول الجوار وأطراف دولية أخرى، وانقسمت المنطقة إلى منطقتين والإدارة الكردية إلى إدارتين، الأولى فى أربيل والثانية فى السليمانية، إلى أن تدخلت الإدارة الأمريكية وشجعت الطرفين على توقيع اتفاقية المصالحة الكردية فى واشنطن عام 1998، لكن الاتفاقية لم تثمر إلا عن تجميد للصراع الداخلى فى حين ظلت المنطقتان منفصلتين بينهما حدود ومنطقة محايدة. وعندما بدأ التحضير لشن الحرب على العراق تدخلت واشنطن من جديد وانعقد البرلمان الكردى موحداً لأول مرة منذ سنوات وافتتحت فروع لكلا الحزبين فى منطقة الآخر وطبعت الأوضاع وأجريت انتخابات عامة برلمانية جديدة واتفق سياسياً على أن يتولى جلال طلبانى منصباً سياسياً سيادياً فى بغداد ويسانده الحزب الديموقراطى الكردستانى على أن يتولى مسعود البارزانى رئاسة إقليم كردستانى ويتولى نيجيرفان البارزانى رئاسة حكومة الإقليم كما يتولى الاتحاد الوطنى الكردستانى رئاسة برلمان الإقليم وقد تولاه بالفعل عدنان المفتى (كان مندوباً لسنوات للاتحاد الوطنى الكردستانى فى القاهرة) وبالفعل تم توزيع كافة هذه المناصب وساندت كافة القيادات الكردية تولى جلال طلبانى رئاسة الجمهورية العراقية. وعلى المستوى الكردى لم يقف أى مرشح من أى تيار فى وجه مسعود البارزانى واختير رئيساً للإقليم، وحدث نفس الأمر مع الحكومة والبرلمان، ورغم مضى شهور حتى كتابة هذه السطور فإن الحكومة الكردية الموحدة برئاسة نيجيرفان البارزانى لم تتشكل بعد.
عندما تقوم دولة كردستان الجنوبية فإن احتمال نشوب الصراع الداخلى الكردى سيظل قائماً لأن كافة القيادات الكردية التى تتولى حالياً مناصب مهمة فى بغداد ستعود إلى الدولة الوليدة وفى مقدمتها جلال طلبانى، ولابد من إيجاد صيغة سياسية توفيقية تستوعب هذه القيادات فى سدة حكم هذه الدولة وتستوعب معها أحزابها وتياراتها السياسية وإلا فالصراع الداخلى. ومن المتوقع حينئذ نشاط متزايد لدول الجوار كافة فى تذكية هذا الصراع.
وعلى صعيد آخر ربما ينشأ صراع آخر نتيجة لمطالبة طوائف أخرى فى المنطقة (تركمان-كلدو آشور) بحقوق سياسية وقومية وعلى قدر حنكة القيادة السياسية لهذه الدولة (إن توحدت) فى معالجة هذا الأمر تتحدد تداعيات هذا الصراع من حيث إمكانية التغلب على أسبابه وبالتالى السيطرة عليه، أو استفحاله خصوصاً وأن أطرافه هى الأخرى ستجد دعماً من أطراف إقليمية ودولية والصراع الداخلى (الكردى الكردى) و(الكردى التركمانى أو الكلدو آشورى) سيكون من أكبر التحديات التى تواجه مستقبل ومصير هذه الدولة الوليدة.
إن الوضع الجغرافى لهذه الدولة جعلها أشبه بصندوق محكم الإغلاق فلا منفذ لها على البحر حتى لو أضيفت إليها كافة المناطق التى يطالب بها الأكراد فى محافظات كركوك ونينوى وديالى وواسط.. إن علاقات هذه الدولة بالعالم الخارجى بحراً وبراً وجواً محكوم عليها أن تكون عبر أراضى دول الجوار لذلك فمن المحتم على هذه الدولة أن تسعى إلى قيام علاقات طيبة بينها وبين سائر دول الجوار وأن تحاصر كافة بؤر التوتر التى قد تؤدى إلى تعكير صفو هذه العلاقة مع أى دولة من هذه الدول، فهل بإمكان هذه الدولة تحقيق ذلك؟
لقد تذوق الأكراد منذ خريف 1991 حلاوة الاستقرار بعد سنوات طويلة من الحروب والقمع والتهجير فهل يضحى الأكراد بكل ما تحقق لهم؟ أم سيتشبثون به ويجعلو من المحافظة عليه همهم الأكبر؟ والمعارضة العراقية لقيام هذه الدولة أمر مفهوم لأنها ستقوم على انفصال جزء من أرض العراق مما يشكل بداية لانفصال أجزاء عراقية أخرى لتتحول تلك الدولة إلى كانتونات صغيره وإرهاصات ذلك يستطيع أى مراقب أن يرصدها فى المشهد العراقى القائم.
لكن لو قامت دولة كردستان الجنوبية فلن يكون هناك أى مبرر لقيام صراع بينها وبين العراق وسيكون العراق الأكثر حرصاً على قيام علاقات طيبة معها، فالعراق هو الآخر أشبه بصندوق مغلق، والمنطقة الشمالية والتى أصبحت كردستان الجنوبية تشكل أحد منافذ العراق على العالم الخارجى. كما أن نهر دجلة ينبع من ذوبان الثلوج فى جبال كردستان فى فصل الربيع ولابد أن يسعى العراق حينئذ إلى عقد اتفاقيات مع هذه الدولة لضمان حقوقه فى مياه هذا النهر. أما عن دول الجوار الأخرى (تركيا - إيران - سوريا) فإن المسألة الكردية فى كل منها ومدى علاقة كردستان الجنوبية بالحركات الكردية فيها ستشكل مفتاح العلاقة مع كافة تلك الدول. فلو حدث تعاون وتنسيق بين كردستان الجنوبية وتلك الحركات فإنها تكون بذلك قد وضعت نفسها فى الخندق المعادى لدول الجوار وعليها تحمل تبعات ذلك.
فى المقدمة تأتى تركيا وموقفها معروف من حزب العمال الكردستانى التركى P.K.K ، ومن بعدها وحسب الأهمية إيران والحركة الكردية فيها والتى نشطت مؤخراً بزعامة الحزب الديموقراطى الكردستانى، بعد ذلك تأتى سوريا والأحزاب الكردية فيها والتى يرتبط بعضها بعلاقات وثيقة بالأحزاب الكردية فى كردستان الجنوبية. تركيا هى الأهم لمكانتها الدولية ومقدرتها العسكرية، فتركيا عضو مهم فى حلف الناتو، وعلى الأراضى التركية توجد قاعدة إنجرليك الأمريكية ونمط الحكم الإسلامى فيها تسعى الولايات المتحدة إلى جعله نموذجاً للعالم الإسلامى كله. وتشكل تركيا المنفذ الأهم لكردستان الجنوبية فمن خلال المنفذ الحدودى عند إبراهيم الخليل تصل كافة واردات كردستان الجنوبية. كما أن أنبوب النفط يصل من كركوك إلى ميناء جيهان التركى عبر الأراضى التركية.
وإذا كان بمقدور كردستان الجنوبية احتمال بعض التوترات وبعض سوء في العلاقة مع إيران أو سوريا دون أن يؤثر ذلك كثيراً فيها فإن الأمر يختلف تماماً مع تركيا إذ لا يمكن أن تحتمل أدنى توتر فى العلاقة معها لذلك ستحرص كل الحرص على قيام علاقات طيبة مع تركيا ومحاصرة أى بؤرة قد تؤدى إلى أدنى توتر معها. فمن أهم شروط قيام هذه الدولة هو عدم المعارضة التركية، والتى أتصور أنها من الممكن أن تتم من خلال تطمينات وضمانات دولية بأن قيام هذه الدولة لن يكون على حساب الأمن التركى القومى.
وهنا نأتى إلى المأزق الذى ستجد قيادات دولة كردستان الجنوبية نفسها فيه إذ عليها ان تقف فى الخندق المعادى للحركة الكردية فى تركيا صراحة وإن استلزم الأمر مقاتلة حزب العمال الكردستانى P.K.K ، ولأن ميليشيات هذا الحزب تتخذ من سلسلة جبال قنديل بكردستان الجنوبية قواعد لها فإن دولة كردستان الجنوبية ستتخذ من هذا التواجد مبرراً لشن حرب على هذه الميليشيات لطردها من أراضيها، الأمر الذي يمثل مأزقاً. فالشعب الكردى فى كردستان الجنوبية انطلاقاً من شعوره القومى وأمله فى تحقيق طموحه الأكبر فى كردستان الكبرى يتعاطف مع الحركات الكردية كافة، وانتعاش هذه الحركات يدغدغ أحلامه القومية معتبراً أن تحقيق حلمه الأكبر أصبح أقرب منالاً. لكن صالح كردستان الجنوبية يحتم عليها ألا تكتسب خصومة مع أى دولة من دول الجوار وبالذات مع تركيا، لذلك فلابد من قتال ميليشيات حزب العمال الكردستانى التركى ولابد من خطاب سياسى يوجه إلى الشعب الكردى فى كردستان الجنوبية يقنعه بعدالة هذه الحرب.. فهل بالإمكان تحقيق ذلك؟
أما بالنسبة لكل من إيران وسوريا فإن المسألة أهون من الحالة التركية. فالمكانة الدولية لكل منهما تختلف بالتأكيد عن المكانة التركية، بل إن كليهما مستهدف من قبل الولايات المتحدة ومنكفئ على مشاكله مع القطب الأعظم، فضلاً عن أن كلا منهما لا يشكل منفذاً له نفس أهمية المنفذ التركى على العالم. لذلك فإن التحدى الأكبر والخطر الأكبر لهذه الدولة الوليدة يأتيان من تركيا. أما عن علاقة هذه الدولة بالعالم فإنها ستسعى إلى قيام علاقات طيبة مع دول العالم كافة بدءاً بالدول العربية وإسرائيل والدول الأوروبية والولايات المتحدة.
بالفعل كردستان العراق فى مفترق الطرق إما الطريق العراقى وهو معروف وواضح المعالم لكنه لا يحقق كامل الطموح الكردى وإما الطريق القومى الكردى والذى يرى فيه الأكراد التحقيق الكامل لطموحهم لكنه طريق غامض ومجهول تحف به الأخطار من كل جانب.
فأى طريق يختاره أكراد العراق؟
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://acpss.ahram.org.eg/

http://www.ahram.org.eg/