تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
التقرير الإستراتيجي العربي
جديد
تقارير
تقرير الحالة الدينية
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
المقالات الإسبوعية
تحليلات عربية و دولية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
كراسات إستراتيجية
أزمة الأحزاب السياسية في مصر
دراسة في إشكاليات الوجود والشرعية والوظيفة

د. نصر محمد عارف
( كراسات استراتيجية 132 )


مقدمة:

بعد قرن من الزمان على التجربة الحزبية المصرية ، يستطيع الباحث أن يخلص إلى أن مفهوم الحزب كتنظيم سياسي يسعى للوصول الى السلطة عبر الانتخابات (1) لم يتجذر في الثقافة السياسية المصرية، ولم يستطع أن يصبح مؤسسة فاعلة ومؤثرة في بنية النظام السياسي المصري. بل إنه يمكن القول إن الظاهرة الحزبية في مصر تشهد دورات متعددة من الصعود والهبوط، نستطيع وصف محصلتها النهائية بأنها حالة من الارتداد والتراجع وأحيانا التدهور، سواء في وظيفة الحزب أو في شرعيته الاجتماعية أو موقعه في النظام السياسي بحيث يمكن القول إنّ حالة الأحزاب المصرية في بداية القرن الحادي والعشرين هي ذاتها حالتها في بداية القرن العشرين ، وكأنها دارت دورة كاملة أكملت فيها الدائرة.
وتحليل هذه الحالة يستلزم الاقتراب منها من خلال منهج متعدد الاقترابات(2) يستطيع أن يوظف أولا: المدخل التاريخي لرصد تطور التجربة الحزبية المصرية. وثانيا: يعتمد على ما يمكن أن نطلق عليه التحليل الاجتماعي أو علم اجتماع الأحزاب، وذلك من خلال تحليل البيئة المجتمعية التي نشأت فيها الأحزاب وتطورت ، وانعكاسات هذه البيئة سواء على النشأة أو على التطور. وثالثا: يقوم بعملية تحليل أنطولوجي لبنية الحزب السياسي في مصر من خلال القيام بفحص المكونات الوجودية للحزب ذاته سواء هيكله التنظيمي أو بنيته الفكرية أو منطلقاته الاجتماعية والقوى التي دفعت إلى نشأته. ورابعا: يعمد هذا الاقتراب إلى إجراء تحليل ابستمولوجي لتحديد هل الحزب السياسي في مصر هو حقا حزب بالمعنى السياسي المتعارف عليه للحزب؟ وهل ما يطلق عليه في النظام السياسي المصري أحزابا هي في حقيقة الأمر كذلك، أم أنها أشياء أخرى ومؤسسات أو منظمات أو ظواهر تختلف كثيرا عن الحزب؟ وهل ما نعرفه عن الأحزاب المصرية يمكننا من التعامل معها على أنها كذلك؟ وخامسا: سوف تتم دراسة الإشكاليات الحقيقية الكامنة خلف الظاهرة الحزبية المصرية والتي تجعلها ظاهرة مشوهة أو ظاهرة زائفة يصعب على الباحث التعامل معها كأحزاب ، كما يصعب عليه كذلك العكس. وأخيرا يتم توظيف كل تلك الاقترابات لتقديم رؤية مستقبلية للظاهرة الحزبية المصرية في ضوء معطيات الواقع السياسي واحتمالاته المستقبلية.
وقبل الدخول في هذه الدراسة، ينبغي بداية تقديم المقدمتين التاليتين اللتين سيتم اعتبارهما منطلقا للتحليل ، ومسلمات يتأسس عليها الفهم والتفسير:
1. تشهد المجتمعات التي تعرضت للتحديث الأوروبي أو التحديث من أعلى من خلال نقل مؤسسات الحكم الأوروبية من قبل النخب السياسية أو القادة التحديثيين، تشهد تلك المجتمعات صراعا خفيا عنيفا بين نوعين من تلك المؤسسات، أولهما: المؤسسات الطبيعية أو الأصيلة متمثلة في القبيلة أو العائلة أو الطائفة أو المذهب أو المدرسة الفكرية أو الحرفة أو النقابة. وثانيهما: المؤسسات الوافدة أو المفروضة من أعلى مثل البرلمان أو الحزب، أو جماعة المصلحة..إلخ. وقد شهدت العديد من مجتمعات العالم الثالث هذا النوع من الصراع، أو إن شئت فقل معادلة الوجود من خلال النفي التي تعني أنّ أحدهما يسعى لأن يرسخ وجوده من خلال نفي الآخر أو إفشاله أو إفقاده الفعالية والتأثير أو في كثير من الحالات اختراقه وتفريغه من محتواه. فقد عانت المجتمعات الإفريقية والعربية من هذا النوع من الصراع الذي لم تزل الغلبة فيه للمؤسسات الأصيلة أو الطبيعية على حساب المؤسسات المصطنعة أو المستنبتة.
2. أن خبرة الدولة المصرية الحديثة منذ محمد علي باشا سنة 1805 حتى اليوم قامت على سعي الدولة الحثيث لتفليس المجتمع وإفقاده قوته وقدراته الذاتية. فقد سعت الدولة المصرية إلى ترسيخ وجودها على حساب المجتمع، من خلال تدمير مؤسسات المجتمع الطبيعية أو الأصيلة وإحلال مؤسسات حديثة محلها، وذلك من خلال عملية فوقية تقوم على الفرض أكثر من الإقناع، وتقوم على القرار السلطوي أكثر من خلق ثقافة سياسية وتطويرها، وتقوم على التغيير من أعلى أكثر من التطوير من أسفل. هذه الحالة قد أوجدت نوعا من المقاومة التقليدية والخفية للمؤسسات المستنبتة أو المنقولة. تلك المقاومة التي أخذت طابعها من ثقافة الفلاح المصري الذي يفضل الرفض الخفي على المعارضة المعلنة، ويفضل المقاومة السلبية على الفعل الإيجابي، ويسعى دائما لاستغلال عنصر الزمن ويراهن على إفشال ما يعارضه من خلال عدم التفاعل أو التجاوب الحقيقي معه.

أولا: التحليل التاريخي لنشأة وتطور الأحزاب السياسية المصرية
( بداية قرن تشبه نهايته: الأحزاب المصرية تكمل الدائرة )

إذا نظرنا إلى تجربة مصر مع الأحزاب السياسية نجد أنها قد دارت دورة كاملة من خلال قرن من الزمان ، حيث ظهرت الأحزاب السياسية في بداية القرن العشرين، و كانت خارج إطار النظام السياسي، بل خارج العملية السياسية برمتها؛ لأنها كانت عبارة عن حركات تحرير وطني أو قوى مساندة للمستعمر الأجنبي. بصورة عامة لم تكن أحزاباً كما هو متعارف عليه في أدبيات السياسة المقارنة(3) ، بل كانت تنظيمات سياسية هي أي شئ إلا أن تكون أحزابا، وهذه البداية لا تختلف في كثير من أبعادها عن النهاية التي وصلت إليها الأحزاب السياسية في مصر في بداية القرن الحادي والعشرين، حيث أنها كيانات سياسية تلعب خارج دائرة السلطة ، ولا تملك من الإمكانيات الواقعية أو المحتملة ما يؤهلها للوصول إلى السلطة أو المنافسة عليها ، بل إنها أيضا لا تملك من الوسائل ما يمكنها من الرقابة على الحكومة أو محاسبتها ، فهي في التحليل الأخير ليست سوى جماعات سياسية قد تمارس الضغط ، أو أنها جزء من منظمات المجتمع المدني أكثر من كونها جزءاً من النظام السياسي بالمعنى المتعارف عليه في السياسة المقارنة.(4)
وفي السياق التالي، سوف نحلل تطور الأحزاب السياسية في مصر من خلال معيار مدى قربها أو بعدها عن مفهوم الحزب بما يتضمنه من معنى ووظيفة ودور.
المرحلة الأولى: الحزب كحركة تحرر وطني ( 1907- 1923 )
تتعدد الاجتهادات حول البداية التاريخية لنشأة الأحزاب السياسية في مصر، حيث إن هناك من يرجعها إلى الجمعيات السرية التي ظهرت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر(5) ، حين ظهرت في مصر العديد من الجمعيات السرية ومنها الجمعيات الماسونية التي انضمّ إليها بعض قادة الإصلاح الإسلامي أمثال الأفغاني. ومن هذه الجمعيات: جمعية حلوان السرية التي أنشئت في إبريل عام 1879 وكان أعضاؤها من كبار ملاك الأراضي ، وقبلها أنشئت جمعية سرية لضباط الجيش عام 1876 أسسها على الروبي وانضم إليها أحمد عرابي ، ونتيجة للاتصال بين هاتين الجمعيتين أعلن عن قيام الحزب الوطني الذي عرف أحيانا باسم الحزب الأهلي أو حزب الفلاحين ، وارتبط اسمه بأحمد عرابي ، وقد صدر بيانه الأول في 4 فبراير 1879. (6) غير أن ذلك الاستخدام المبكر لمفهوم الحزب لا يعبر عن إدراك سياسي لمعنى الحزب ودلالته ؛ فقد طغت الدلالة العربية للحزب على المفهوم السياسي الأوروبي له،.فالحزب في اللغة العربية هو أية مجموعة من الأشخاص بغض النظر عن الهدف السياسي ، بل إنه يحمل دلالات سلبية سوف نتناولها بالتفصيل فيما بعد.
ولعل النظر في فهم أحمد عرابي لمفهوم الحزب يبين ذلك بصورة واضحة. ففي إجاباته أثناء محاكمته بعد فشل حركة الجيش عام 1882 التي قادها، أوضح عرابي مفهوم الحزب بالمعنى الذي كان سائدا في ذلك الوقت ، والذي يدور في جوهره حول دلالات مفهوم الحزب في اللغة العربية، تلك الدلالات التي لا علاقة لها على الإطلاق بمفهوم الحزب كترجمة لمفهوم Party في اللغة الإنجليزية ، أو ما يعادله في اللغات الأوروبية الأخرى. فعندما سُئل عرابي عما إذا كان هو رئيس الحزب الوطني، أجاب بأنه من المعروف أن مصر يقطنها عدد من الأجناس، وأنه من الطبيعي أن يعتبر كل جنس بمثابة حزب، وأن أهالي البلاد يمثلون حزبا قائما بذاته يطلق عليه اسم الفلاحين إذلالاً لهم.(7) وهنا عكس عرابي المعنى العربي للحزب الذي يطلق على الطائفة أو أي مجموعة من البشر. وهذا التحليل يعطي مصداقية أكثر للرأي الذي يقول إن البداية الحقيقية لنشأة الأحزاب السياسية في مصر تعود إلى عام 1907 ، حين تم إنشاء الحزب الوطني على يد مصطفى كامل ، وكذلك إنشاء مجموعة أخرى من الأحزاب ذات توجهات مختلفة. ففي الفترة من عام 1907 حتى عام 1923 أنشئت مجموعة من الأحزاب دارت جميعها حول قضية التحرر الوطني، فكانت من الناحية الشكلية يطلق عليها مفهوم الحزب ، ومن الناحية الموضوعية أو الجوهرية هي جماعات تتصارع حول قضية التحرر من الاستعمار. كما كانت الجهات التي وقفت وراء إنشاء هذه الأحزاب أو أيدتها أو ساندتها هي تلك الجهات التي مثلت أطراف الصراع حول الاستقلال وطرد المستعمر الأجنبي من الأراضي المصرية. فقد أنشأت الحركة الوطنية المصرية الحزب الوطني عام 1907، وكانت تلك الحركة ذات التوجهات العثمانية ترمي إلى تحرير مصر من الإنجليز ، مع المحافظة على الرابطة الإسلامية بالدولة العثمانية. وقد قاد هذا الحزب مصطفى كامل ثم محمد فريد بعد وفاته . وظل هذا الحزب ممثلا للتيار الوطني حتى ظهور حزب الوفد. وفي مقابل هذا الحزب ظهرت أحزاب أخرى، إما بتشجيع من الإنجليز لمواجهة التيار الوطني وإضعافه مثل حزب الأمة الذي أنشئ كذلك عام 1907 والذي ارتبط بكبار الملاك ، وقد كان هذا الحزب عبارة عن صحيفة أطلق عليها الجريدة التف حولها هؤلاء الملاك ، ولم يكن له وجود تنظيمي أو ثقل جماهيري. كما كان الحزب تجسيدا لمفاهيم الليبرالية الغربية ومن يتبنونها في مصر من الأغنياء المتغربين ذوي التوجهات العلمانية المعارضة للتوجهات الإسلامية العثمانية. وقد وقف اللورد كرومر خلف هذا الحزب وسانده. غير أن الحزب قد انتهي فعليا بتوقف الجريدة عن الصدور عام 1915(8) ، حيث لم يكن في حقيقته أكثر من صحيفة. كذلك ظهرت أحزاب أخرى مدعومة من الاستعمار الإنجليزي مثل الحزب الوطني الحر والحزب المصري.(9) أما الأحزاب التي نشأت بتشجيع من الخديوي، فكان أهمها حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية الذي أنشأه الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد . وقد ارتبط هذا الحزب بشخص مؤسسه وجريدته وانتهى بوفاته دون أن يكون له أي وجود سياسي أو تنظيمي حقيقي. كذلك ظهر في نفس السياق وبدعم مباشر من الخديوي حزب النبلاء والحزب الدستوري.(10) ومع نهاية الحرب العالمية الأولى انتهت هذه الأحزاب ولم يبق منها إلا ذلك التيار الذي ركز على قضية الاستقلال والذي أصبح نواة حزب الوفد الذي فاوض الإنجليز على استقلال مصر في عام 1919 ، ثم حصل على استقلال قانوني عام 1922 ، وبعده صدر دستور 1923 ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ التطور الحزبي في مصر وليكون نهاية لمرحلة لم يكن الحزب فيها سوى عنوان يطلق على حركات التحرر أو ما يعارضها من قوى تساند المستعمر وتؤيده.
المرحلة الثانية: التعدد الحزبي غير المتوازن ( 1923-1952 )
جاءت هذه الرحلة في تاريخ تطور الأحزاب السياسية المصرية كتتمة لنضال حزب الوفد الذي مثل خلاصة حركة التحرر الوطني المصرية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. ومن ثم فقد تحددت معالم هذه المرحلة بموقع هذا الحزب ودوره في العملية السياسية. غير أن هذه المرحلة قد اختلفت عن المرحلة السابقة عليها في أن مفهوم التحرر الوطني قد بدأ يتراجع كثيرا خصوصا بعد حصول مصر على استقلال قانوني أو شكلي في عام 1922، و بعد صدور دستور ليبرالي يؤطر العملية السياسية في مصر عام 1923 ، ومن ثم شهدت مصر مرحلة ليبرالية تقوم على التنافس الحزبي والانتخابات وتداول السلطة، ومحاسبة الحكومة من خلال وجود برلمان فاعل. وبغض النظر عما شاب هذه الممارسات من أوجه قصور وخلل في الممارسات، فإنها لا تنقض أصل النظام السياسي وقواعده التي أسست على مفاهيم الدستورية والليبرالية والتعددية وتداول السلطة والفصل بين السلطات.
وقد شهدت هذه المرحلة حالة من التعدد الحزبي تميزت بعدم التوازن ما بين حزب كبير هو حزب الوفد الذي يعبر عن حركة جماهيرية واسعة اكتسبها من قيادته لحركة التحرر المصري فيما بعد الحرب العالمية الأولى،(11) حين كان الوفد هو مصر بكل طوائفها واتجاهاتها السياسية والدينية، في مقابل مجموعة من الأحزاب الصغيرة قليلة الشأن والعدد والتي نشأ بعضها في صورة انشقاقات عن الوفد، وقد كانت هذه الأحزاب على استعداد تام لانتهاك الدستور وتزوير الانتخابات والاعتماد على القصر والإنجليز أو كليهما من أجل الوصول إلى السلطة. ومن أهم هذه الأحزاب: حزب الأحرار الدستوريين والحزب الوطني وحزب الاتحاد وحزب الشعب والكتلة الوفدية وحزب السعديين. وقد افتقدت جميع هذه الأحزاب ـ بما فيها حزب الوفد ـ وجود برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة؛ نظرا لانشغالها جميعا بقضية الكفاح من أجل جلاء الإنجليز عن مصر والسعي لاستكمال مقومات الاستقلال.(12) وقد أدت هذه الحالة إلى ظهور تنظيمات أو حركات سياسية خارج إطار النظام الحزبي مثل حركة مصر الفتاة، والإخوان المسلمين والحركات الاشتراكية . وقد ركزت هذه الحركات غير الحزبية على القضايا الاجتماعية والاقتصادية بجانب اهتمامها بقضية الاستقلال الوطني وجلاء المستعمر.
وعلى الرغم مما لحق بهذه المرحلة من أوجه قصور، سواء في هيكل النظام الحزبي أو في برامج الأحزاب أو في ممارساتها ، إلا أنها هي المرحلة الوحيدة في التاريخ المصري المعاصر التي شهدت تعددا حزبيا بالمعنى الليبرالي، كما تجسد فيها مفهوم الحزب بالمعنى السياسي المتعارف عليه في علم السياسة الغربي. غير أنه لا يمكن النظر إليها إلا كجزء متناغم مع حلقات تطور النظام الحزبي المصري السابقة واللاحقة .
المرحلة الثالثة: الحزب كدولة أو مرحلة الحزب الواحد (1952-1975)
قد تقودنا الرؤية السطحية التبسيطية إلى القول بأن هذه المرحلة ما هي إلا خروج عن سياق التطور الطبيعي للنظام الحزبي المصري ، وأنها مثلت قطيعة مع المرحلة السابقة عليها ، أو أنها مثلت خروجاً عن المدى المستقبلي الذي كان من الممكن أن يقود إليه تطور النظام السياسي المصري لو ترك لذاته ، وسار في سياق التطور والنمو التلقائي للنظم السياسية. ولكن إذا ما تعمقنا في الأسس والقواعد التي حكمت النظام الحزبي المصري منذ نشأته ، وأدركنا إدراكا ابستمولوجيا تلك البنى المعرفية التي قام عليها ذلك النظام الحزبي ، والمسلمات التي انطلق منها والغايات التي سعى إليها ، سنجد أن مرحلة الحزب الواحد الذي أصبح مرادفا للدولة هي الخلاصة الطبيعية لتطور النظام الحزبي في مصر ، وأنها هي النتيجة الطبيعية التي كان ولا بد من الوصول إليها حتى وإن لم تقم ثورة 23 يوليو 1952 بما مثلته من تغيير عنيف للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي المصري ، واستبداله بنظام آخر جاء مختلفاً بصورة تامة عما كان قائماً في جميع تلك النواحي والأبعاد. فإذا كانت النشأة الأولى للحزب السياسي في مصر قد جاءت تعبيراً عن الأمة في سعيها نحو الاستقلال والتحرر ، ثم أصبح الحزب هو ممثل الأمة وقيادتها في المفاوضات مع الاحتلال الإنجليزي، ثم عندما حصلت مصر على استقلال قانوني شكلي، كان النظام الحزبي عبارة عن حزب كبير يعبر عن جماهير الأمة ، وأحزاب صغيرة تعبر عن نخب منعزلة مرتبطة بشبكة معقدة من المصالح مع الإنجليز أو مع القصر الذي كان ألعوبة في يد الإنجليز، فإنه من الطبيعي والحال هكذا أنه عندما يتحقق الاستقلال التام وتنشأ الدولة التي تعبر عن روح الأمة ، أن يصبح الحزب هو الدولة كما كان سابقا هو الأمة.
وإذا كانت الأحزاب منذ نشأتها تفتقد إلى البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وتنشغل بقضية الاستقلال التي هي مطلب جماهيري عام، فإن تحقق الاستقلال يعني نهاية لهذه الأحزاب، كما كان عدم تحققه هو مبرر وجودها. وإذا كانت الظاهرة الحزبية تشهد بصورة دائمة في مرحلتيها السابقتين حزبا هو المعبر عن مصلحة الأمة ، وبجانبه مجموعة من الأحزاب المرتبطة بالمصالح المضادة لمصلحة الأمة، سواء أكانت مصلحة المستعمر الإنجليزي أو مصلحة القصر المرتبط بالإنجليز، فإن زوال المصالح المضادة لمصلحة الأمة وغلبة مصلحة الأمة بحيث تكون هي المصلحة الوحيدة التي يتم تحقيقها أو يدعى تحقيقها ، فإن ذلك يستلزم منطقيا زوال تلك الأحزاب القزمية الصغيرة وبقاء الحزب الكبير المعبر عن الأمة ومصالحها.
وبناء على ذلك، فإن الحزب الوطني الذي أُسس في عام 1907 ، هو نفسه حزب الوفد الذي أُسس في عام 1918، هو عينه هيئة التحرير التي أنشئت في عام 1953، والاتحاد القومي الذي أنشئ في عام 1956، والاتحاد الاشتراكي الذي أنشئ في عام 1962(13)، جميعها تحمل نفس الجينات الوراثية لمفهوم معين للحزب يدمج ما بين الأمة والحزب، وعندما تتجلى روح الأمة في دولة تكون الدولة هي الحزب كذلك. ومن هنا كان منطقياً أن تطلب قيادة ثورة يوليو 1952 من الأحزاب أن تطهر نفسها من الفساد الذي كان مبرراً لقيام الثورة ، ثم ما لبثت قيادة الثورة أن أصدرت قانون حل الأحزاب في 16 يناير 1953، وفي نفس الوقت ـ يناير 1953 ـ تم إنشاء هيئة التحرير كحزب واحد مسئول عن تعليم الشعب وإعداده للمرحلة الجديدة . وفي 16 يناير 1956 تم إنشاء حزب آخر بديلا عن السابق يحمل نفس السمات ويحقق نفس الوظائف وإن حمل اسما جديدا هو الاتحاد القومي، وفي عام 1962 تم إنشاء الاتحاد الاشتراكي العربي، وهو أيضا ليس سوى تغيير في العنوان لنفس التنظيم بنفس الأشخاص وبنفس القيم والمبادئ والأهداف والوظائف التي هي في جوهرها تستبطن كل مفاهيم التنظيم السياسي الواحد الذي ساد الكتلة الشرقية ومعظم دول العالم الثالث تحت تأثير انتشار الأفكار الاشتراكية والنفوذ السوفيتي.
المرحلة الرابعة: التعددية الحزبية المزيفة (1975)
مع رحيل جمال عبد الناصر والفراغ السياسي الذي تركه كزعيم كاريزمي، ومع تنامي الحركة السياسية المنادية بالحريات خصوصا بعد هزيمة عام 1967، ومع وصول الرئيس محمد أنور السادات الذي تبنى سياسات معاكسة لسياسات سلفه على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى العلاقات الخارجية والتوجهات الدولية،(14) إذ تم الانتقال فجأة من الاقتصاد الموجه إلى الانفتاح الاقتصادي، ومن التحالف مع الاتحاد السوفيتي إلى مغازلة الولايات المتحدة. مع كل ذلك، كان ضروريا أن يقوم النظام السياسي المصري بإجراء بعض الجراحات التجميلية وأن يجدد في الأقنعة السياسية. ومن هنا كان اللجوء إلى صيغة معينة من الانفتاح السياسي والتعدد الحزبي والخروج من دائرة الدول ذات الحزب الواحد الموسومة بالايدولوجية الاشتراكية . غير أن التحول السياسي على مستوى النظام الحزبي لم يكن تحولا أصيلا أو جذريا ، ولم يكن كذلك هادفا إلى تحقيق تعددية سياسية أصيلة بل على العكس كان الهدف الأسمى له كما أثبتت التجربة بعد ذلك هو إعطاء صبغة ديموقراطية ، وتعزيز وهم التعددية السياسية لتحقيق درجة من التجميل لوجه النظام الذي بدأت تظهر فيه سمات الفساد والمحسوبية والعائلية ونهب المال العام والإثراء غير المشروع.
والناظر في التجربة الحزبية المصرية من عام 1975 حتى اليوم يخلص إلى قناعة -لا يخالطها شك- أن الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أنشئ عام 1962 لم يزل هو الحزب الحاكم في مصر ، وأن الأحزاب الأخرى الموجودة والتي بلغت حتى اليوم 16 حزباً ، ما هي إلا عرض للعرائس المتحركة أو إن شئت فقل ما هي إلا قطع من الديكور ، لا يمكن لأي باحث منصف مهما بلغت درجة مرونته العلمية أن يعتبرها أحزابا سياسية ، على الرغم من أنها تصف نفسها بذلك. ولعل تحليل هذه المرحلة يبين إلى أي مدى كان هذا التحول شكليا أكثر منه جذريا أو موضوعيا، ففي أغسطس عام 1974 أصدر الرئيس السادات ورقة تطوير الاتحاد الاشتراكي التي دعا فيها إلى إعادة النظر في تنظيمه وهدفه . وفي يوليو 1975 عقد المؤتمر القومي العام الثالث للاتحاد الاشتراكي ، وخلص إلى رفض التعدد الحزبي، ووافق على تعدد الاتجاهات داخل الحزب الواحد فيما أطلق عليه بعد ذلك مفهوم المنابر، ومن ثمّ دار حوار حول هذه المنابر وما هو المسموح به منها ؟ حيث وصل عدد المنابر التي أعلن عن قيامها 40 منبرا.(15) وفي مارس 1976 وافق الرئيس السادات على تأسيس ثلاثة منابر فقط تمثل اليمين (تنظيم الأحرار الاشتراكيين) والوسط (تنظيم مصر العربي الاشتراكي) واليسار(تنظيم التجمع الوطني التقدمي الوحدوي) . وفي أول اجتماع لمجلس الشعب الذي جاءت به هذه المنابر في 11 نوفمبر 1976 أعلن الرئيس السادات تحويل هذه التنظيمات السياسية الثلاثة إلى أحزاب، ثم صدر بعد ذلك قانون تنظيم الأحزاب في يونيو 1977 (16). وبصدور هذا القانون تحول النظام الحزبي - من الناحية القانونية- من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية ، إلا أنه لم يتم إلغاء الاتحاد الاشتراكي ، بل على العكس من ذلك فقد أعطاه القانون مطلق الصلاحيات في الموافقة على تشكيل الأحزاب بمقتضى المادة 7 من قانون الأحزاب (قبل تعديل 1981) التي نصت على أن يقدم طلب تشكيل الحزب إلى أمين اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي.(17)
وفي صيف 1978 أعلن الرئيس السادات تأسيس الحزب الوطني الديموقراطي وتولى بنفسه منصب رئيس الحزب ، وأوعز إلى قيادات حزب مصر العربي الاشتراكي بالانتقال إليه، وهو الحزب الحاكم حتى اليوم في مصر، وهو الوريث الوحيد للاتحاد الاشتراكي ولحزب مصر العربي الاشتراكي الذي انبثق عن سابقه .
ولعل مجرد حصر مقار الحزب الوطني في مختلف أنحاء الجمهورية يبين أنها جميعا كانت للاتحاد الاشتراكي العربي ، بل إن قيادات الحزب الوطني سواء على المستوى القومي أو على المستوى المحلي هم ذاتهم قيادات الحزب الوطني ، ومجرد دراسة سيرة السيد كمال الشاذلي أمين التنظيم بالحزب الوطني الديموقراطي والرجل القوي في تشكيل هيكله وتحديد سياساته، تبين أنه قد بدأ في نفس المنصب وإن كان على مستوى إقليمي منذ هيئة التحرير عام 1953، وتدرج مع الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي العربي، ثم حزب مصر العربي الاشتراكي، وأخيرا الحزب الوطني . ومن ثم فكان هذا الحزب المهيمن على الحياة السياسية في مصر يمثل لعبة الباتروشكا الروسية التي تجمع بداخلها هذه الأحزاب المتوالية من 1953 حتى اليوم والتي احتلت جميعها موقع القيادة السياسية في مصر، وتهيمن بصورة مطلقة على المؤسسات التشريعية والتنفيذية وعلى أجهزة الإدارة المحلية في جميع أقاليم مصر ووحداتها المحلية، جميع هذه الأحزاب تم إنشاؤها من قبل رئيس الدولة، وإليها انتمى رئيس الدولة أو ترأسها رئيس الدولة. ومن ثم فلا يستطيع الباحث أن يرسم فاصلا بين الحزب والدولة، فالحزب هو الدولة والدولة هي الحزب.
ونظرا لحاجة الحزب الدولة أو( الدولة الحزب ) إلى وجود معارضة مستأنسة قام رئيس الدولة بإصدار قرارات توجد هذه المعارضة ؛ فأوعز الرئيس السادات إلى مجموعة من نواب الحزب الوطني بالانضمام إلى حزب العمل الاشتراكي الذي ساهم بنفسه في تأسيسه كحزب معارض ليصبح على علاقة طيبة بالنظام السياسي والحزب الحاكم كذلك . وفي 4 فبراير 1978 وافقت لجنة الأحزاب بدعم من رئيس الدولة على إعادة تأسيس حزب الوفد الذي كان حزب الأغلبية في مرحلة ما قبل الثورة 1952،(18) وفي عام 1981 تم تعديل المادة 8 من قانون الأحزاب بقانون رقم 30 لسنة 1981 الذي جعل لجنة شئون الأحزاب يرأسها رئيس مجلس الشورى ، وتضم ثلاثة وزراء هم وزير العدل ووزير الداخلية ووزير شئون مجلسي الشعب والشورى وثلاثة قضاة (19)، وقد مثلت هذه اللجنة عائقا قانونيا وتنظيميا أمام إنشاء الأحزاب، إذ رفضت جميع الطلبات التي قدمت إليها ما عدا طلبين فقط ، أحدهما كان لحزب الأمة عام 1983 ، وهو حزب يدور حول شخص مؤسسه وعائلته ، والآخر حزب الوفاق الوطني عام 2000 . وبذلك أصبح في مصر ستة أحزاب تأسست جميعها بدعم من رئيس الدولة أو بقرار مباشر منه وهي : الحزب الوطني الديموقراطي الذي ابتلع بداخله حزب مصر العربي الاشتراكي وهو نفسه وريث الاتحاد الاشتراكي، وحزب الأحرار الاشتراكيين ، وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي ، وحزب العمل الاشتراكي ، وحزب الوفد الجديد ، وحزب الأمة. وظلت المنظومة الحزبية المصرية على هذا الحال حتى عام 1990.
وفي الفترة من 1990 حتى 2002 تم إنشاء أحد عشر حزبا جميعها من الأحزاب الصغيرة التي لا تتعدى عضويتها ما بين 100- 400 عضو، ما عدا حزب واحد فقط هو الحزب العربي الديموقراطي الناصري الذي يصل حجم عضويته إلى حوالي 40 ألفا في بلد تعداده يقارب السبعين مليون نسمة، وجميع هذه الأحزاب نشأت بأحكام المحكمة الإدارية نظرا لرفض لجنة الأحزاب لها جميعا ما عدا حزب واحد فقط وافقت على إنشائه هو حزب الوفاق الوطني الذي أنشئ عام 2000. ولعل من المفيد استعراض خريطة الأحزاب المصرية السبعة عشر المرخص لها بالعمل السياسي في مصر حتى عام 2002:(20)
الحزب الوطني الديموقراطي : وهو وريث الاتحاد الاشتراكي العربي ، وإليه تنتمي الحكومة والبرلمان ، ويرأسه رئيس الدولة، فهو الدولة أو هو حزب الدولة.
حزب الأحرار الاشتراكيين : وهو أحد منابر الاتحاد الاشتراكي ، أنشئ عام 1976 ، ويعبر عن تيار الوسط ، ويقدر عدد أعضائه بحوالي 5 آلاف ، وهو ضعيف الحضور المجتمعي ويشهد العديد من الصراعات الداخلية ، وكان له ممثل واحد في مجلس الشعب الحالي.
حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي : وهو أحد منابر الاتحاد الاشتراكي، أنشئ عام 1976 ، ويعبر عن تحالف اليسار المصري ، ويرأسه منذ نشأته السيد خالد محي الدين أحد ضباط ثورة 23 يوليو 1952 ، ويقدر عدد أعضائه بحوالي 150 ألف عضو ، ويمثله في مجلس الشعب 6 أعضاء .
حزب الوفد الجديد : وهو حزب ليبرالي على المستوى السياسي والاقتصادي، أنشئ عام 1978 ، وقد رأسه منذ نشأته فؤاد سراج الدين وزير داخلية مصر عام 1951 حتى وفاته عام 2001. ويعتبر امتداداً لحزب الوفد الذي كان الحزب الأكبر في الفترة من 1919-1952، ويبلغ عدد أعضائه حوالي 2 مليون عضو، ويمثله في مجلس الشعب الحالي سبعة أعضاء.
حزب العمل الاشتراكي: وهو ينتمي إلى اليسار الإسلامي، وقد أنشئ عام 1978، ويرأسه منذ نشأته المهندس إبراهيم شكري الذي كان عضوا بمجلس النواب عام 1951، ونظرا لتحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين ـ وهي من القوى المحجوبة عن الشرعية رغم ضخامة عدد مؤيديها ـ فإن عضوية هذا الحزب لا يمكن تقديرها بصورة دقيقة ، وقد تم تجميد نشاطه في فترة انتخابات مجلس الشعب عام 2000.
حزب الأمة: وهو الحزب الوحيد الذي وافقت علي تأسيسه لجنة الأحزاب في الثمانينيات ، وينتمي هذا الحزب إلى التيار الإصلاحي ، ويدور كل الحزب ومؤسساته وصحيفته حول شخص رئيسه ومؤسسه وعائلته بحيث لا توجد له مقار خارج القاهرة ، ولم يستطع تقديم مرشحين لانتخابات مجلس الشعب عام 2000 ويقدر عدد أعضائه بنحو 300 عضو.
حزب الخضر المصري: تأسس في إبريل 1990 بناء على حكم محكمة القضاء الإداري، ويركز برنامجه على قضايا البيئة، ويعاني من العديد من الانقسامات الداخلية. وقد استطاع التقدم بعشرة مرشحين لانتخابات مجلس الشعب عام 2000 لم ينجح منهم أحد، وحجم عضويته غير معروف.
الحزب الاتحادي الديموقراطي: أنشئ في أبريل 1990 بقرار من محكمة القضاء الإداري، وينحو برنامجه منحى ليبراليا ، ويدعو إلى وحدة مصر والسودان. وفي انتخابات مجلس الشعب لعام 2000 تقدم بستة مرشحين لم ينجح منهم أحد.
حزب مصر الفتاة الجديد: أنشئ في 23 أبريل 1990 بحكم من محكمة القضاء الإداري ، وتعود جذوره إلى جمعية مصر الفتاة التي أنشأها أحمد حسين عام 1933 ، ثم حولها إلى حزب سياسي عام 1948، وبرنامجه خليط من عناصر اشتراكية ووطنية وإصلاحية، وشهد هذا الحزب صراعا على السلطة مثل باقي الأحزاب المصرية ، ولم يتقدم بمرشحين إلى مجلس الشعب في انتخابات عام 2000.
حزب العدالة الاجتماعية: نشأ عام 1993 بحكم قضائي ويدعو إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي والاقتصادي، ويشهد صراعا على الزعامة دفعه لتجميد نشاطه أكثر من مرة. وفي 25 مايو 2003 تم الحكم على رئيسه ومؤسسه محمد عبد العال بالسجن عشر سنوات بتهمة الرشوة.(21) وقد تقدم باثنى عشر مرشحا إلى انتخابات مجلس الشعب عام 2000 لم ينجح منهم أحد.
حزب الشعب الديموقراطي: أنشئ في 15 مارس 1992 بقرار من محكمة القضاء الإداري ويتبني قضايا جزئية، وقد تقدم بمرشح واحد لانتخابات مجلس الشعب عام 2000 ولم ينجح.
حزب مصر العربي الاشتراكي: ويعود إلى منابر الاتحاد الاشتراكي، حيث قرر السادات دمجه في الحزب الوطني عام 1978، وقد قضت المحكمة ببطلان قرار الدمج وسمحت للحزب بمعاودة نشاطه عام 1992. ويقوم برنامج الحزب على مفاهيم الديموقراطية والتعددية، ولم يتقدم بأي مرشح لانتخابات مجلس الشعب عام 2000 لأنه كان مجمد النشاط.
الحزب العربي الديموقراطي الناصري: تأسس عام 1992 ، ويتمحور برنامجه حول أفكار ثورة يوليو 1952 وسياساتها ، ولذلك ينتسب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ويبلغ عدد أعضائه حوالي أربعين ألفا ، وله ثلاثة أعضاء في مجلس الشعب المنتخب عام 2000 ، سرعان ما أصبحوا عضوا واحدا بعد حدوث انشقاقات داخلية.
حزب التكافل: نشأ في عام 1995 بحكم من محكمة القضاء الإداري، ويعتمد في برنامجه على مرجعية إسلامية إصلاحية. ويخضع الحزب في مجمل هياكله لسيطرة رئيس الحزب وعائلته، وقد تقدم بأربعة مرشحين في انتخابات عام 2000 ولم ينجح منهم أحد.
حزب الوفاق القومي: وهو أول حزب توافق عليه لجنة الأحزاب (عام 2000) وذلك بعد أكثر من سبعة عشر عاما، ويحمل برنامجه خليطا من الأفكار الوطنية القومية والإصلاحية. وقد تقدم بستة مرشحين لانتخابات مجلس الشعب عام 2000 لم ينجح منهم أحد.
حزب مصر 2000: نشأ هذا الحزب في 7 إبريل 2001 بقرار من محكمة القضاء الإداري ، ويعتبر برنامجه كاسمه تعبيرا عن حالة الهزلية السياسية التي تسود مجمل فعاليات النظام السياسي المصري. فبرنامج هذا الحزب يتمحور حول قضيتي العولمة والمياه، ولا يوجد لهذا الحزب مقر في العاصمة أو في أي مدينة مصرية أخرى ولم يدخل انتخابات عامة بعد.
حزب الجيل الجديد: وقد تأسس عام 2002 بقرار من محكمة القضاء الإداري و معظم أعضاء هذا الحزب هم أعضاء في حزب العمل الاشتراكي ، إذ انضم إليه ما يزيد عن 20% من أعضاء ذلك الحزب، ولم يزل الحزب يبحث عن مقر له في القاهرة لبدء حياته السياسية تماما مثل الشباب المصري الباحث دائما عن سكن لبدء حياة عائلية.

ثانيا: تحليل البنية السياسية والتنظيمية للأحزاب المصرية

بعد رسم خريطة برانية للأحزاب السياسية المصرية منذ وجودها الفعلي في بداية القرن العشرين وحتى بداية القرن الحادي والعشرين، يصبح من الضروري تحليل التكوين الجواني لهذه الأحزاب من خلال تفكيك بنيتها السياسية والتنظيمية والفكرية تفكيكا يسعى لاكتشاف انطولوجيا تلك الأحزاب، (22) أو بعبارة أخرى يبحث في البعد الوجودي أو الجوهري الذي تتجلى من خلاله حقيقة تلك الأحزاب على ما هي عليه في الواقع الفعلي ، وليس مجرد الوقوف عند ظواهرها الخارجية التي لا تعدو أن تكون مظاهر قد تعاكسها الحقائق ، بل أحيانا تناقضها . فقد يكون الحزب الديموقراطي في جوهره وحقيقته مستودعا للقيم المعاكسة لكل ما هو ديموقراطي، وقد يكون ذلك الحزب الجديد موغلا في القدم والرجعية والتخلف، أما الذي يعنون نفسه بالعدالة أو الحرية فقد يكون رمزا للفساد والظلم، بل قد يكون رئيسه موضوعا لتطبيق العدالة كمجرم محكوم عليه بالسجن لتقاضيه رشاوى، و مثل حالة حزب العدالة كذلك فإن حزب الأمة أو حزب التكافل قد لا يكون أكثر من حزب الفرد والأسرة والعائلة وهكذا . ومن ثم فإن تحليل البنية الجوانية لهذه الأحزاب يستلزم الإلمام بالأبعاد التالية.
1. على الرغم من أن الأحزاب تنشأ للتعبير عن قاعدة جماهيرية معينة تسعى لأن تطرح نفسها كبديل أو كأحد البدائل المتنافسة لقيادة المجتمع من خلال الوصول إلى السلطة الشرعية عن طريق الانتخابات،(23) إلا أن الأحزاب السياسية المصرية الحالية لم تنشأ بهذه الطريقة المتعارف عليها ، إذ إن الخمسة الكبار منها أنشأتها الدولة بوسائل مختلفة،(24) وفي العادة بتدخل مباشر من رئيس الدولة وهو السادات في هذه الحالة ، وعشرة أخرى(25) ـ وجميعها أحزاب ضئيلة الحجم غاية في الضعف ـ نشأت من خلال أحكام محاكم إدارية نقضت قرارات لجنة الأحزاب التي هي لجنة خاضعة بالكامل للحزب الحاكم ، ويتم اختيارها من خلال كوادر ذلك الحزب ، سواء أكان ذلك يتعلق باختيار الوزراء الثلاثة الممثلين فيها أو رئيس مجلس الشورى أو القضاة الثلاثة. وحزبان(26) فقط أحدهما حزب عائلي و الآخر حزب يدور حول شخص مؤسسه قد وافقت على إنشائهما لجنة الأحزاب. ومن هنا فإن منظومة الأحزاب المصرية لم تنشأ نشأة طبيعية كأحزاب ، وإنما كان أصل نشوئها كأدوات أو وسائل للسلطة السياسية الخاضعة بالكلية للحاكم الفرد الذي يريد أن يضفي شرعية على حكمه ، أو أن يعطيه مظهرا ديموقراطيا كوسيلة لاكتساب الشرعية الداخلية من المجتمع ، أو الشرعية الخارجية من المنظومة الدولية التي يريد أن يتودد إليها.
2. قد يصعب على الباحث أن يلحظ تمايزا أو اختلافا بين جميع الأحزاب المصرية إذا ما قام بتحليل برامجها وأهدافها وشعاراتها ، فجميعها تتفق على مجموعة واحدة من القواسم المشتركة، والاختلاف يكون في تفاصيل جزئية أو سياسات فرعية لا تسمح للباحث المدقق أن يوجد مبررا لهذا التعدد الحزبي، ففيما عدا أربعة أحزاب(27) تملك برامج واضحة وإن كانت متشابهة، فإن باقي الأحزاب الثلاثة عشر لا يوجد لديها وضوح في معنى البرنامج؛ إذ إنها لا تميز بين البرنامج والشعار، أو السياسة الجزئية الوقتية، فبعضها يجعل من برنامجه إقناع الدولة بزيادة مخصصات الأحزاب المالية عما هو موجود حاليا (50 ألف جنيه) (28)، وبعضها يعتبر أن من أهم عناصر برنامجه إلزام كل أسرة بسيارة واحدة كهدف أساسي لتحقيق التماسك الأسري(29) وهكذا. وقد يصعب على الباحث أيضا تحديد برنامج واضح حتى للحزب الحاكم الذي لا تتجاوز أهدافه حدود المحافظة على الوجود في السلطة من خلال ترسيخ مفهوم الاستقرار الذي وصل إلى حد الركود والموات السياسي للمجتمع والدولة على السواء.
فبرامج الأحزاب المصرية تثير الكثير من الدهشة ، حيث نجد أن الأحزاب اليسارية القريبة من الفكر الماركسي مثل حزب التجمع ، تلتقي مع الأحزاب الليبرالية مثل حزب الوفد ، وكذلك مع أحزاب الوسط والأحزاب ذات التوجهات الإسلامية في أسس واحدة أهمها: احترام الدين الإسلامي كمصدر للقيم والأحكام، والدعوة إلى العدالة الاجتماعية والتعددية والديموقراطية والإصلاح الاقتصادي وحقوق الإنسان والعمال..إلخ. ولعل ما شهدته الأحزاب المصرية من ظواهر ائتلافية يؤكد ذلك ، فقد عقد في انتخابات عام 1984 ائتلاف بين حزب الوفد الجديد الذي يمثل النخبة الليبرالية والعلمانية في مصر ، مع جماعة الإخوان المسلمين أقوى الفاعلين السياسيين في الواقع المصري والممنوعة من ممارسة العمل السياسي ، وذلك لأغراض براجماتية بحتة ؛ إذ أراد الوفد استغلال القاعدة الجماهيرية للجماعة الإسلامية ، وأرادت تلك الجماعة دخول مجلس الشعب من خلال حزب سياسي. كذلك الائتلاف الذي قام به حزب العمل الاشتراكي ذو التوجهات اليسارية مع حزب الأحرار الاشتراكيين ذي التوجهات اليمينية العلمانية مع جماعة الإخوان المسلمين ذات التوجهات الدينية في انتخابات 1987 لنفس الأغراض السابقة.
3. تعتبر الظاهرة الحزبية في معظمها - ما عدا الأحزاب التي أنشأتها الدولة- ظاهرة ورقية مصطنعة ، لا تعكس حقيقة على أرض الواقع، فالقوى السياسية الفاعلة في المجتمع المصري ممثلة في القوى الإسلامية واليسارية والناصرية محجوب معظمها عن الشرعية ، ومن ثم فهي محرومة من تشكيل أحزاب تعبر عنها. والأحزاب المرخص لها بالعمل السياسي تفتقد القاعدة الجماهيرية أو الوجود الحقيقي في الشارع المصري، وتلك هي المعضلة . فالمشروع قانونيا فاقد للشرعية الاجتماعية ، ومن يتمتع بتلك الشرعية الاجتماعية غير مشروع من الناحية القانونية. ففيما عدا الحزب الوطني الديموقراطي الذي هو حزب الدولة أو هو الدولة ، وحزب العمل الاشتراكي ، والحزب العربي الديموقراطي الناصري، لا يوجد حزب له مقار تغطي جميع أنحاء مصر، أي له مجرد وجود تمثيلي في عواصم المحافظات الست والعشرين، فحزبا الوفد الجديد والتجمع الوطني التقدمي الوحدوي لهما مقار في 23 محافظة من أصل 26، وحزب الأحرار له مقار في 16 محافظة ، أما حزبا مصر 2000 والجيل الجديد فليس لهما مقار على الإطلاق لا داخل العاصمة ولا خارجها، فوجودهما مجرد وجود ورقي غير متحقق في الواقع ، ولعل هذا من أكثر النكات السياسية طرافة ، فقد لا يتخيل باحث أن هناك حزبا ليس له مجرد مكتب يمارس من خلاله وظيفته، أو يحقق من خلاله مجرد وجوده المادي. أما باقي الأحزاب المصرية التسعة فكل منها له مقر داخل العاصمة ولا يوجد لها أية مقار في أية مدينة مصرية خارج القاهرة. كذلك فإن الأحد عشر حزبا التي لم ينجح لها مرشح واحد في انتخابات مجلس الشعب عام 2000 لم تستطع أن تتقدم إلا بعدد ضئيل جدا من المرشحين لا يتجاوز العشرة في أكثر الحالات. والأحزاب الأخرى الممثلة في المجلس لا يتجاوز تمثيلها في أحسن الأحوال 1% من أعضاء المجلس، فمن بين 444 عضوا يتم اختيارهم بالانتخاب لمجلس الشعب (بالإضافة إلى عشرة يعينهم رئيس الدولة) فازت جميع أحزاب المعارضة بسبعة عشر مقعدا بنسبة 3.7% ، حصل منها حزب الوفد على 7 مقاعد بنسبة 1.5% ، وحزب التجمع على 6 مقاعد بنسبة 1.3% ، والحزب الناصري على ثلاثة مقاعد و بنسبة 0.7% ، وحزب الأحرار على مقعد واحد بنسبة 0.2% ، بينما لم يحصل أحد عشر حزبا على أي مقعد في مجلس الشعب. وإذا نظرنا إلى عدد المرشحين لكل حزب من الأحزاب نجد أن جميع الأحزاب المصرية لم تستطع أن تغطي ترشيحاتها لمجلس الشعب جميع الدوائر الانتخابية، فإذا أخذنا في الاعتبار أن عدد الأعضاء الذين يتم اختيارهم بالانتخاب في مجلس الشعب هم 444، فإن ترشيحات الأحزاب كانت كالتالي:(30) الحزب الوطني 433، وحزب الوفد 424، وحزب التجمع 58، وحزب الأحرار 37، والحزب الناصري 33، حزب العمل 39، وحزب الخضـر 7 ، وحزب مصر الفتاة 7 ، وحزب الوفاق 6 ، وحزب التكافل 4 ، وحزب العدالة الاجتماعية 3، وحزب الأمة مرشح واحد، وحزب الشعب مرشح واحد، وثلاثة أحزاب أخرى لم ترشح أحدا.
4. إن وجود الأحزاب في أي نظام سياسي يعني أن هناك عملية ديموقراطية تقوم على الانتخاب والاختيار الحر وتداول السلطة ؛ لأن جوهر وجود الحزب هو الوصول إلى السلطة من خلال الانتخابات. وهذا يفترض أن الحزب ذاته لابد أن يكون مؤمنا بالديموقراطية كقيمة ومصدر لشرعية وجوده ، وكوسيلة لتحقيق أهدافه في الوصول إلى السلطة. وعلى الرغم من أن هذا الأمر قد يصل إلى حد المسلمات في أدبيات النظم السياسية إلا أن الحالة المصرية تثبت عكس ذلك، فالأحزاب المصرية لا تؤمن بالديموقراطية ولا تطبقها ولا تلتزم بها، (31) بل هي جزء من نظام سياسي تشترك جميع أطرافه، حكومة ومعارضة، في مبدأ واحد هو أن الديموقراطية يجب أن تطبق على الآخرين لمصلحتي ، أي أنها وسيلة وليست قيمة وأداة، وليست هدفا وشعارا ننادي به لإجبار الآخرين على تحقيق أهدافنا، ولكن لا نلزم أنفسنا بها. ويعد الموت أو المتغير البيولوجي(32) هو المتغير السياسي الوحيد في تحديد عملية تداول السلطة وانتقالها بصورة سلمية داخل الأحزاب السياسية المصرية، فمن بين 17 حزبا لم يزل مؤسس الحزب هو رئيس الحزب منذ تأسيسه حتى اليوم في 13 حزبا ، وتغير رؤساء أربعة أحزاب وقد كانوا هم المؤسسين أيضا بسبب الموت،(33) ولم يتم تغيير أي رئيس حزب أو جماعة سياسية في مصر سواء أكانت ممثلة في حزب أو خارج إطار الأحزاب مثل جماعة الإخوان المسلمين أو غيرها في حياتهم، أي من خلال عملية ديموقراطية، بل إن الموت هو العامل الوحيد المعترف به في النظام السياسي المصري، وفي الأحزاب والجماعات السياسية كوسيلة مشروعة لتغيير القادة وانتقال السلطة.
5. وقد أدت هذه الحالة إلى العديد من الظواهر أهمها شيخوخة النظام السياسي المصري وكذلك الأحزاب. فرؤساء أحزاب العمل الاشتراكي والتجمع الوطني التقدمي الوحدوي ينتمون إلى جيل يمارس العمل السياسي لأكثر من نصف قرن، كذلك الحال بالنسبة للحزب الناصري وحزب الأمة. فجميع هذه الأحزاب يقودها رؤساء تجاوزوا السبعين أو الثمانين عاما ، مما خلق حالة من الصراع بين الأجيال في معظم هذه الأحزاب(34) ومما أدى كذلك إلى ظهور صراعات داخلية شملت عشرة أحزاب(35) من السبعة عشر حزبا. كذلك أدت حالة الصراع الداخلي إلى صدور أحكام محاكم وقرارات من لجنة الأحزاب بتجميد نشاط خمسة أحزاب منها.(36) وهذه الحالة من الشيخوخة السياسية وانعدام الممارسة الديموقراطية داخل الأحزاب تفقدها مصداقيتها وشرعية وجودها. ولا يقتصر فقدان الممارسة الديموقراطية على مجرد تغيير منصب الرئيس إذ إن عملية اتخاذ القرار الحزبي ذاتها لا تخضع لقواعد الممارسة الديموقراطية(37)، حيث تسيطر على هذه الأحزاب ثلاثية الشخصانية والعائلية والشللية. (38) وهذه الظاهرة ليست جديدة في الحياة الحزبية في مصر، فالأحزاب المصرية في العشرينات من القرن الماضي سواء منها تلك التي انبثقت عن الحركات الوطنية مثل حزب الوفد والحزب الوطني، أو أحزاب الكوادر البسيطة مثل الحزب الليبرالي الدستوري والحزب السعدي والكتلة الوفدية، أو أحزاب القصر مثل حزب الاتحاد وحزب الشعب ، أو حتى الأحزاب الأيدولوجية مثل مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين ، قد تميزت جميعها بوجود قيادات تمتعت بسلطات مطلقة، هذه القيادة لم يجر انتخابها من القاعدة ،(39) ولم يتم تغييرها في حياتها ، ولم تخضع في قراراتها لممارسة ديموقراطية حقيقية تجعل من الأغلبية حكما في اتخاذ القرار.
6. تتشارك الحكومة المصرية وبدائلها الحزبية في منظومة قيمية واحدة، فإذا كانت الحكومة غير ديموقراطية في ممارساتها وطريقة عملها، فإن الأحزاب التي تعتبر من الناحية النظرية بدائل لها هي أيضا غير ديموقراطية. وإذا كان الفساد ينتشر بين الكثير من أعضاء الحكومة، فمن حين لآخر يسجن وزير أو مسئول كبير في الجهاز الإداري بتهمة الفساد المالي أو الأخلاقي، فإن الحال كذلك في الأحزاب، فثلاثة أحزاب على الأقل حوكم قادتها أو اتهموا بالفساد المالي والإداري، وأخرهم محمد عبد العال رئيس حزب العدالة الاجتماعية الذي حكم عليه بالسجن عشر سنوات لتقاضيه رشوة.(40) كذلك الحال في حزب التكافل وحزب الوفاق الذي تم تجميد نشاطه في 27 أغسطس 2001 بسبب اتهام قيادته بالفساد.(41)
7. إن المطلع على الثقافة المصرية يلاحظ أن أسماء بعض الأحزاب لا تعبر عن جدية في العمل السياسي أو عن إدراك لمفهوم الحزب وموقعه في النظم السياسية، بل إن أسماء هذه الأحزاب لا تعدو أن تكون عناوين لمحلات أزياء أو بوتيكات أو محلات بقالة. فمثلا حزب الجيل الجديد لا يعدو أن يكون عنوانا لمحل خياطة أو مكتبة، وكذلك حزب مصر 2000 ليس سوى عنوان لبوتيك . كذلك فإن إضافة لفظ الجديد لأحزاب قديمة لا يزيد عن كونه دعاية تسويقية لكيانات تاريخية تنتمي إلى الماضي في كل مكوناتها، فحزب الوفد الجديد ظلت قيادته حتى عام 2001 هي ذاتها قيادة الوفد القديم وأفكاره، كذلك فإن حزب مصر الفتاة الجديد يدخل أيضا في الإطار نفسه.
وخلاصة القول، إن تحليل الظاهرة الحزبية في مصر تحليلا جوانيا يتجاوز الظواهر والأطر الشكلية قد ينتهي بنا إلى أنها ظاهرة غير جادة ، وغير فعالة ، ومن الصعب إدراجها ضمن الأحزاب السياسية بالمعنى العلمي للمفهوم.

ثالثا: هل يوجد في مصر أحزاب سياسية ؟

إذا كانت حالة الأحزاب المصرية على هذا المستوى من انعدام المعنى والدور والوظيفة، فإنه من المشروع التساؤل حول ماهيتها وجوهر وجودها، ومدى قدرتنا على إدراك كنهها ومعرفتها المعرفة الدقيقة الموصلة للحقيقة. فهل ما نعرفه عنها هو في حقيقته إدراك صحيح أم مجرد واحد من الأوهام المعرفية؟ وهل ما نعرفه عن تلك الأحزاب هو في حقيقته معرفة أم تشويش وتضليل معلوماتي؟ وهل ما نطلقه عليها من مسميات وأوصاف ينعكس في حقائقها الداخلية من برامج وهياكل تنظيمية وأهداف وسياسات وإجراءات عمل؟ أم أننا نعيش حالة شاملة من الخداع البصري والتضليل المعلوماتي وتزييف الوعي؟ ومن ثم تفقد الألفاظ دلالاتها وتنفك الصلة ما بين المفاهيم والحقائق المعبرة عنها ، وتصبح الأسماء لا تعني بالظواهر التي تطلق عليها. كل تلك التساؤلات تحتاج إلى إمعان النظر في مدى إدراكنا ومعرفتنا لحقيقة الأحزاب المصرية. ومن ثم فلابد من محاولة للاقتراب منها بعقلية متحررة من الظواهر والمظاهر، مركزة فقط على حقائق الأشياء كما هي غير مستلبة بالأسماء والمفاهيم الكبرى التي تضعها هذه الأحزاب على عناوينها. وعند ذلك تتجلى لنا حقيقة الأحزاب المصرية وأنها لا تعدو أن تكون واحدا أو أكثر من الاحتمالات التالية:
1. الحزب قد يعني الدولة أو الأمة،(42) وهو المعنى الأكثر تأصلا في التجربة المصرية، فمنذ عهد عرابي 1882 والحزب يطلق على الأمة المصرية أو على جماهير الشعب المصري، كذلك جاء حزب الوفد مستبطنا هذا المعنى ومتمثلا له بصورة شبه كاملة، ثم مع قيام ثورة يوليو 1952 التي اصطلح على أنها هي بداية لحكم المصريين لأنفسهم بعد قرون من حكم أجناس أخرى، فإن الحزب صار هو الدولة المعبرة عن روح الأمة. وقد استمر هذا المعنى حتى اليوم مع الحزب الوطني الديموقراطي. ولا يقف التطابق بين الحزب والدولة على مستوى الإدراك والوعي السياسي ، وإنما أيضا في الحالة الحاضرة يكون التطابق أكثر وضوحا إذا ما نظرنا إلى الحزب الوطني في علاقته بالدولة ممثلة في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية،(43) فلا يكاد أي باحث مهما أوتي من مهارة أن يميز بين الحزب والدولة سواء في الأشخاص أو السياسات أو الهيئات التي تصنع السياسات وتنفذها.
2. الحزب قد يعني النخبة لأن الانتماء للحزب يعني تلقائيا التحاق الشخص بشريحة اجتماعية نافذة سياسيا قادرة على التواصل المباشر مع الدولة وأجهزتها ، وفي نفس الوقت قادرة على تحقيق أنواع مختلفة من المصالح من خلال علاقاتها الشخصية ونفوذها الحزبي ، خصوصا أن المحسوبية والشللية والعلاقات الشخصية هي عنوان اللعبة السياسية والإدارية المصرية.
3. الحزب قد يكون هو الفرد أو الشخص الذي أسسه ويقوده ، وينطبق هذا المعنى على جميع الأحزاب المصرية بدون استثناء، فالحزب ملكية خاصة لرئيسه أو مؤسسه الذي لا يقبل بأي حال من الأحوال الفصل بين ذاته وبين دوره، فهو الحزب والحزب هو. وهكذا يتعامل المواطنون معه في مختلف العلاقات، سواء التنظيمية أو السياسية. بل إن التصويت في الانتخابات لأحزاب معينة لا يتم طبقا لبرامج هذه الأحزاب وأهدافها وإنما عادة يتم طبقا للأوزان النسبية لقياداتها وكوادرها والأشخاص المرشحين عنها. ولعل دراسة السير الشخصية لقادة الأحزاب الكبرى أو القزمية يبين إلى أي حد هناك تماهي للحزب في الشخص وإلى أي حد هناك تشخيص للعمل الحزبي في مختلف علاقاته ، سواء مع الدولة أو مع الأجهزة الإدارية أو مع الشعب.
4. الحزب قد يكون قبيلة سواء في علاقاته الداخلية أو الخارجية مع الدولة والمجتمع، فتكوين الأحزاب منذ نشأتها يستبطن مفهوم القبيلة وقيمها. بل إننا قد لا نبالغ إذا قلنا إن الأحزاب المصرية ما هي إلا قبائل عصرية أو صورة عصرية للقبيلة تحمل رموزها وقيمها وطريقة عملها، فقيادات الأحزاب لم يتم انتخابها ولا يمكن تغييرها، وأي رفض لها أو نقد أو دعوة لتغييرها يتم النظر إليه على أنه خروج عن الأعراف الحزبية/القبلية. والكيفية التي يتم بها اتخاذ القرار داخل الأحزاب هي نفس الصورة القبلية من احترام للأوزان النسبية للأشخاص واحترام للأكبر سنا والأقدم في الحزب، بغض النظر عن الفعالية والدور والقدرة على إفادة الحزب. كذلك فإن العلاقات بين الأحزاب تستبطن العلاقات القبلية التي تقوم على أولوية الروابط الشخصية بين القادة على العلاقات السياسية بين الأحزاب وعلى أولوية التلاقي الشخصي على الاتفاق في الأهداف والسياسات وعلى أولوية المصالح الحالية على التفكير والتخطيط الاستراتيجي. ولعل مراجعة الائتلافات الحزبية بين أحزاب متناقضة البرامج والأهداف، مثل حزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين عام 1984، وحزب العمل وحزب الأحرار وجماعة الإخوان المسلمين عام 1987، ليس سوى دليل على أن تلك الأحزاب لم تتجاوز أطر التفكير القبلي. ومن ناحية ثالثة فإن وجود الأحزاب في المجتمع والتصويت لها يتوقف على أوزان القبائل والعائلات التي ينتمي إليها المرشحون أكثر من توقفه على برامج الأحزاب وأهدافها.(44)
5. الحزب قد يكون جماعة ضغط . ففيما عدا الحزب الوطني الحاكم، فإن أكثر الأحزاب السياسية المصرية طموحا في لعب دور مؤثر في النظام السياسي المصري لا يتجاوز طموحها دور جماعات الضغط، وذلك لأن الوصول إلى السلطة من خلال الانتخابات أمر أكثر من مستحيل(45)، فالحزب الوطني يجثم على صدر الحياة السياسية المصرية، ومن ثم فإنه يستخدم كل أساليب الدولة سواء في الدعاية أو الترهيب أو الترغيب أو التزوير وتزييف النتائج. كذلك فإن مؤسسة الجيش لم تزل هي المؤسسة الوحيدة التي يتم منها تجنيد رؤساء الدولة ومعظم الحكام المحليين للمحافظات، ومن ثم فإن غاية الطموح السياسي للأحزاب المصرية هو محاولة التأثير في الحكومة وتوجيه سياساتها في اتجاه معين بدفعها لتبني سياسة معينة أو التخلي عن أخرى، وحتى في هذا الخصوص فإنها أي الأحزاب تمثل جماعات ضغط ضعيفة إذا ما قورنت بجماعات رجال الأعمال والهيئات والنقابات الأخرى.
6. الحزب قد لا يكون سوى صحيفة، وهكذا كان الحال منذ نشأة الأحزاب المصرية فحزب الأمة الذي نشأ عام 1907، وكذلك حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية الذي نشأ في نفس الوقت ، لم يكونا سوى صحيفتين، صحيفة الجريدة للأول، والمؤيد للثاني، وكذلك الحال في الأحزاب الصغيرة التي نشأت في الفترة الليبرالية (1923- 1952)، وبنفس الدرجة والقوة فإن جميع الأحزاب المصرية الحالية ما عدا الستة أحزاب الكبرى في مصر(46) لا يتجاوز وجودها وجود الصحيفة أو الصحف التي تعبر عنها ، بل إن إنشاء الأحزاب في مصر صار وسيلة خلفية للالتفاف على قانون إصدار الصحف، حيث يحق للأحزاب إصدار صحف بطريقة يسيرة جدا إذا ما قورنت بالأشخاص أو الهيئات غير الحزبية ، لذلك شاع في الفترة الأخيرة قيام أحزاب معينة بالتجارة في الصحف التي تصدرها سواء بتأجير الصحيفة أو جزء منها ، أو استخدام حقها في إصدار الصحف كوسيلة للكسب المادي.
تلك هي الصور الحقيقية لوجود الأحزاب السياسية في مصر، فعلى الرغم من أنها جميعا تحمل في اسمها مفهوم الحزب ، فإن حقيقتها وجوهر وجودها لا يتجاوز واحدا أو أكثر من الصور السابق الإشارة إليها.

رابعا: مصادر الأزمة في الواقع الحزبي المصري

إن السؤال الأكثر إلحاحا بعد هذا التوصيف لحالة الأحزاب المصرية هو: لماذا هذا التردي الشديد في الممارسة السياسية؟ ولماذا هذا الاستعصاء على التطور أو الإصلاح؟ وما هي العوامل أو الأسباب التي تعوق التطور الديموقراطي في مصر؟ وهل هذه حالة أصيلة أم أنها ناتجة عن عوامل وأسباب يمكن التعامل معها ومعالجتها؟ وفي سبيل الإجابة على هذه التساؤلات برز العديد من الإجابات، لعل أهمها وأكثرها مصداقية هو ذلك الذي أرجع حالة الاستعصاء الديموقراطي في الشرق الأوسط إلى واحد من ثلاثة أسباب، أولها : يرجعها إلى التكوينة الثقافية للشرق الأوسط خصوصا ذلك الميراث الطويل من الحكم الوراثي. وثانيها: يرجعها إلى أسباب هيكلية تتعلق بقوة الدولة وهيمنتها. وثالثها: يرجعها إلى أسباب برجماتية عملية تتعلق بخوف النظم السياسية في العالم العربي من الديموقراطية لأنها ستؤدي إلى زوال هذه النظم وحلول قوى إسلامية محلها.(47) كذلك هناك من أرجع أزمة الأحزاب إلى أسباب تتعلق بظروف نشأتها والقوى التي وقفت وراء تأسيها وعلاقتها بالحكم، ومدى تمثيلها للفئات الاجتماعية المختلفة ومن ثم مقدار التأييد الشعبي لها ، وأخيرا أيديولوجيتها السياسية ومصادرها الفكرية.(48)
وفي هذه الدراسة سوف نجمل أصول أزمة الأحزاب المصرية في الآتي:
1. أزمة الثقافة السياسية المصرية التي هي خليط من الفرعونية السياسية وثقافة المجتمع الهيدروليكي. وثقافة العزلة والرهبنة والديرية من العصور القبطية والرومانية ، وثقافة الطاعة والخضوع الموروثة من عصور الانحطاط في التاريخ الإسلامي خصوصا العصرالمملوكي والعثماني، كل ذلك تم دمجه في بوتقة الشخصية المصرية المتسامحة التي تستعيض بالنكتة عن المظاهرة، وبالسخرية من الحاكم عن الثورة عليه، وبالصبر والارتماء في حضن الجماعة عن الرفض والريادة والتغيير. ومن ناحية ثانية، فإن مفهوم الحزب في الثقافة العربية محمل بمنظومة سلبية ألقت بظلالها عليه تلك الدلالة اللغوية التي ارتبطت بالمعنى التاريخي الذي يطلق مفهوم الحزب على أي تجمع من البشر يلتقون على أهداف غالبا ما تكون ضد الحق والخير.(49) كل ذلك أدى إلى عدم تجذر مفهوم الحزب وعدم توظيفه في إطار الممارسة السياسية.
2. أزمة النظام السياسي المصري. فمنذ تأسيس الدولة المصرية الحديثة في عهد محمد علي باشا عام 1805 وهناك اتجاه عام لتضخم قوة الدولة المصرية، ووضع مفاتيح العملية السياسية كاملة في يديها. فقد استطاعت الدولة المصرية عبر قرنين من الزمان امتلاك جميع الأبعاد والعناصر التي تجعل منها محورا مركزيا في العملية السياسية ،(50) بل قد لا نبالغ إذا قلنا إنها المتغير الأساسي إن لم يكن الوحيد في تلك العملية. وتأسيسا على تلك المسلمة جاءت الدساتير المتتالية لتعطى الحاكم الذي يمثل الدولة حقوقا مطلقة في مواجهة السلطة التشريعية ، فقد تميز الإطار الدستوري المصري بسلطوية الحاكم ، سواء أكان ملكا أو رئيسا على نحو يسمح له بمشاركة واسعة في السلطة التشريعية. فالرئيس مثل الملك، له حق اقتراح القوانين وسن المراسيم في ظروف محدودة ، والاعتراض على مشروعات القوانين، وقد أعطى دستور 1923 هذا الحق للملك في المادة (38) كذلك أعطى دستور مصر الدائم عام 1971 هذا الحق للرئيس في المادة (136) (51). أما فيما يتعلق بالمشاركة السياسية من خلال الأحزاب فقد نص الدستور المصري الأخير على التعدد الحزبي كأصل عام في المادة الخامسة منه ، غير أنه أحال تنظيم هذا المبدأ إلى القانون العام ثم إلى قانون تنظيم الممارسة السياسية رقم (40) لســنة 1977، وأنشأ هذا الأخير آلية لتنظيم هذا الحق الدستوري فأعطى سلطة الترخيص بإنشاء الأحزاب إلى لجنة من ستة أشخاص يمثلون عادة الحزب الحاكم إما مباشرة كرئيس مجلس الشورى ووزراء الداخلية والعدل، وشئون مجلسي الشعب والشورى، أو غير مباشر من خلال ثلاثة قضاة يختارهم رئيس الدولة. ومن هنا استطاعت الدولة المصرية تأميم المعارضة السياسية وتشكيلها على مقاسها ومواصفاتها.(52)
3. أزمة مؤسسية: تتمثل في طغيان الفرد وضعف المؤسسات وهي واحدة من أكثر نقاط الضعف التاريخية في النظام السياسي المصري، فلم يشهد هذا النظام عبر فترة تاريخية طويلة بروز مؤسسات تقاوم سلطة الحاكم الفرد، أو تحدي سلطة أفراد النخبة الحاكمة. فقد بنى النظام السياسي المصري منذ محمد علي حتى الآن على أفراد وليس على مؤسسات، فعلى الرغم من تأسيس البرلمان في مصر عام 1866، وكذلك الوزارة في تلك الفترة، إلا أن هذه المؤسسات لم تترسخ وتصبح هي محور النظام السياسي والقوى التي تحركه وتسير أموره، بل على العكس ظلت هذه المؤسسات دائرة في فلك الحاكم مرتبطة برضاه وغضبه وجودا وعدما. ومن ثم فإن الحديث عن عدم رسوخ مؤسسة الحزب لا يمكن تفسيره إلا من خلال فهم طبيعة المؤسسات في النظام السياسي المصري ومدى قوتها في مواجهة الأفراد سواء أكانوا حكاما أو نخبة.
4. أزمة العلاقة بين الدولة المجتمع: شهدت المجتمعات الإسلامية ومنها مصر على مر تاريخها نظما للحكم كانت الدولة في معظمها تحكم بأسلوب فردي أو عائلي مستبد في كثير من الأحيان، لكن ذلك لم ينتج الآثار السلبية للحكم المستبد كما يعرفها التاريخ الحديث والمعاصر، وذلك لأن تاريخ العلاقة بين الدولة والمجتمع في حوض الحضارة الإسلامية كان يشهد ما أطلق عليه مجدال (53) نموذج الدولة الضعيفة والمجتمع القوي ، بل أحيانا يكون المجتمع بالغ القوة بحيث يحافظ على خط تطور مستقل لذاته، فإذا ما انهارت الدولة وضعفت فإن ذلك لا يعني ضعف المجتمع أو انهياره، ذلك لأن المجتمع كان معتمدا على نفسه من خلال مؤسسات الوقف التي مثلت مصدرا للاستقرار المالي لمختلف مؤسسات المجتمع المدني، تلك المؤسسات التي غطت جميع الوظائف التي تحتاجها المجتمعات من تعليم وطب وثقافة وترفيه ورعاية اجتماعية، بل أحيانا كانت توفر الأمن والحراسة ومؤسسات تشجيع التجارة، ورعاية الحيوانات. كذلك كانت هناك أيضا المؤسسات الاجتماعية الطبيعية مثل الطوائف والنقابات وأرباب الحرف والعلماء وغيرهم. أما الدولة فقد اقتصر دورها على أربع وظائف فحسب هي: الحماية الخارجية والأمن الداخلي والقضاء وجمع الضرائب. أما ماعدا ذلك فكانت من وظائف ومسئوليات المجتمع(54) . وقد استمر هذا الحال إلى أن جاء محمد على باشا إلى سدة السلطة في مصر عام 1805، وأراد بناء دولة حديثة على النسق الأوروبي، فقام بتفليس المجتمع وإضعافه لصالح الدولة ، فألغى المؤسسات الاجتماعية أو مؤسسات المجتمع المدني، وقضى على جميع القوى الاجتماعية الفاعلة وألغى مؤسسات الحسبة، ووضع يد الدولة على معظم الأوقاف، وجعل من الدولة -لأول مرة- زارعا يملك الأرض، وصانعا وتاجرا ومعلما وطبيبا..إلخ. ومنذ محمد على إلى الآن والدولة المصرية تمعن في تفليس المجتمع ونزع كل قوة لديه يمكن أن تحقق له قدرا من الاستقلال في مواجهتها. بل إنها أمعنت في إضعاف الإنسان وربطه بالدولة في كل أبعاد حياته ونواحيها بحيث لا يستطيع العيش بدون الاعتماد على الدولة، ولا تتحقق أي من مصالحه بدون الدولة. وقد أرجع العديد من الباحثين أسباب ضعف الديموقراطية في الشرق الأوسط إلى أن مؤسسات المجتمع المدني في وضع ضعيف ومعتمد على الدولة وليست بقادرة على دفع الدولة نحو تبني سياسات تعكس مصالحها السياسية.(55)
5. أزمة العلاقة بين الأصيل والوافد: تشهد مجتمعات الشرق الأوسط عموما حالة من الصراع بين المؤسسات المستنبتة أو الوافدة أو المنقولة من الغرب من ناحية، والمؤسسات الطبيعية أو الأصلية التي تطورت ذاتيا في تلك المجتمعات من ناحية أخرى. بل إن الأمر لا يقف عند حدود المؤسسات، وإنما يشمل جميع أبعاد المجتمع ومكوناته. فمنذ بداية الانبهار بالحضارة الأوروبية، وهناك حالة من انشطار الذات الاجتماعية والسياسية والثقافية، بل الحضارية عامة، ما بين مكونين متصارعين هما: المكون الغربي المنقول من الخارج، والمكون الأصيل أو التراثي أو التاريخي، أو بعبارة أخرى بين التقليدي والحديث في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والتعليم والفنون..الخ. هذا الانشطار أدى إلى حالة دائمة من الإجهاض أو التدمير الذاتي بحيث أصبح جزء من المجتمع يدمر الجزء الآخر والعكس، و في أحسن الأحوال أصبح شطرا المجتمع يجهض كل منهما فعالية الآخر ويسعى لإفشاله وتدميره . (56)
وفيما يتعلق بالأحزاب كمؤسسة منقولة عن النظم السياسية الأوروبية ، جاءت لتحل محل مؤسسات وسيطة كانت تقوم بدور مشابه لدورها مثل الطائفة والحرفة والنقابة ومؤسسات العلماء والتجار والأعيان والمؤسسات القبلية والجهوية والمذهبية..إلخ. كل تلك المؤسسات كانت تقوم بأدوار التجنيد السياسي والتعبير عن المصالح وتجميعها والاتصال السياسي. كذلك كانت تطرح نفسها بديلا للوصول إلى السلطة بطرق مختلفة ، وكانت تمثل رقابة مجتمعية على السلطة السياسية، وكانت كذلك تمثل حماية للفرد من أن تنفرد به الدولة وتلتهمه. كل تلك المؤسسات تم إضعافها ولكنه لم يتم القضاء عليها ولذلك أصبحت ضعيفة ولكنها موجودة فلم تفسح المجال للحزب السياسي أن يستقر ويتجذر، ولم تستطع مقاومته واسترداد فعاليتها ودورها، فكانت النتيجة أنها تسربت في جسد الأحزاب السياسية وصبغتها بصبغتها وحاولت أن تجعل من الأحزاب امتدادا طبيعيا لها. ومن هنا فشل الحزب ولم يستطع أن يحقق أهدافه لأنه تلبسته مؤسسات تقليدية سخرته لتحقيق أهداف تبعده كثيرا عن أهدافه ووظائفه وأدواره.
خاتمة : مستقبل الظاهرة الحزبية في مصر
تشهد الحياة السياسية المصرية دورات متتالية متشابهة النتائج غير متطابقة الخصائص والتكوين . فالملاحظ المدقق لحالة النظام الحزبي في المصري في عام 1950يجد أنها هي ذاتها حالة ذلك النظام عام 2000. ويكفي هنا الإشارة إلى ظاهرة جوهرية وهي ضعف النتائج التي حققتها الأحزاب في الانتخابات التشريعية وبروز ظاهرة المستقلين أو بروز القوى السياسية التي تعمل خارج النظام الحزبي. ففي عام 1950 أظهرت الانتخابات التشريعية أن القوى غير الممثلة في الأحزاب القائمة آنذاك هي القوى الأكثر تأثيرا، كذلك شهدت تلك الانتخابات ضعف الإقبال الجماهيري على التصويت (57)، ونفس الظاهرة تكررت في الانتخابات التشريعية عام 2000 حيث كانت نسبة الإقبال على التصويت لا تتجاوز 20% ممن لهم حق الاقتراع(58). كذلك في نفس الانتخابات ترشح لمقاعد مجلس الشعب الـ444 عدد 3957 مرشحا كان منهم 2034 مستقلا بنسبة 51% ، أي أن المرشحين المستقلين فاق عددهم مرشحي جميع الأحزاب السبعة عشر. وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز المستقلين بـ244 مقعدا أي بنسبة 56%(59). وعلى الرغم من أن 216 عضوا من هؤلاء المستقلين انضموا للحزب الوطني الذي لم يحصل إلا على 172 مقعدا بعد دخولهم مجلس الشعب في خيانة واضحة للعلاقة السياسية التعاقدية التي تلزمه كحزب أن يظل على نفس الصفة التي انتخبته الجماهير عليها، فإن الدلالة السياسية لظاهرة المستقلين لم تزل تبرهن على ضعف النظام الحزبي المصري وتآكله، كذلك فقد ظهرت بدائل واقعية للأحزاب في مصر، إذ تحولت النقابات والنوادي الاجتماعية والمهنية إلى منابر لممارسة النقد السياسي كبديل عن الأحزاب.(60) وهذه المظاهر مجتمعة دليل على أن النظام الحزبي في مصر في طريقه للاضمحلال حتى يظهر بديل آخر يقوم على ممارسة ديموقراطية حقيقية.


الهوامش:

(1) في عام1770 عرف إدموند بيرك الحزب بأنه تنظيم متماسك من الرجال يسعون من خلال جهودهم المشتركة إلى تحقيق المصالح الوطنية معتمدين على مجموعة محددة من المبادئ التي يتفقون عليها، وفي عام 1979 عرفه ايبستاين بأنه أية مجموعة منظمة بطريقة غير صارمة لانتخاب شاغلي الوظائف الحكومية تحت مسمى معين انظر:
Geral M. Pomper, Concepts of Political Parties, Journal of Theoretical Politics, vol.4, no.2, pp. 144-145.
(2) Nasr M. Arif, The Reenchantment of Political Science: An Epistemological Approach to the Theories of Comparative Politics, (Lanham MD: University Press of America, 2001).
(3) Pomper, op. cit., pp. 144-145.
(4) Ibid, pp. 143-159.
(5) علي الدين هلال، تطور النظام السياسي في مصر 1803-1999، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، 2002، ص. 58.
(6) علي الدين هلال، السياسة والحكم في مصر: العهد البرلماني 1923-1952، القاهرة: مكتبية نهضة الشرق، ص ص. 66-67.
(7) Encyclopedia of Islam, vol. III, p. 514
نقلا عن علي الدين هلال، السياسة والحكم في مصر، مرجع سابق ص ص. 58-59.
(8) أسامة الغزالي حرب، القوى الليبرالية والمسألة الديموقراطية في مصر، في: نيفين مسعد (محرر)، التحولات الديموقراطية في الوطن العربي، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، 1991، ص 283، كذلك انظر: علي الدين هلال، تطور النظام السياسي في مصر، مرجع سابق، ص. 58
(9) المرجع السابق، ص ص. 60-70
(10) المرجع السابق، ص ص. 58، 60-70
(11) Marius Deeb, Party Politics in Egypt: The World and its Rivals: 1919-139, (London: Ithaca Press, 1979)
(12) علي الدين هلال، تطور النظام السياسي في مصر، مرجع سابق، ص 104.
(13) المرجع السابق، ص ص. 159-166.
(14) المرجع السابق، ص ص. 200-202.
(15) الأهرام 3/1/1976، كذلك انظر: علي الدين هلال، تطور النظام السياسي في مصر، مرجع سابق، ص ص 197-199.
(16) المرجع السابق، ص. 199.
(17) المرجع السابق، ص. 215.
(18) المرجع السابق، ص. 219.
(19) المرجع السابق، ص. 215.
(20) علي الصاوي، خريطة الأحزاب السبعة عشر، القاهرة: البرنامج البرلماني- كلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة، دراسات برلمانية، العدد الثامن، ص ص. 14-55، كذلك انظر: علي الدين هلال، تطور النظام السياسي في مصر، مرجع سابق ص ص. 265-283
(21) الأهرام، 25/5/2003.
(22) Peter A. Hall, Aligning Ontology and Methodology in Comparative Politics, a paper presented to the 2000 annual meeting of the American Political Science Association, Washington D.C 2002. p.2.
(23) Pomper, op. cit., pp. 143 -159.
(24) وهذه الأحزاب هي: الحزب الوطني الديموقراطي، وحزب الأحرار الاشتراكيين، وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وحزب العمل الاشتراكي، وحزب الوفد الجديد.
(25) الأحزاب التي نشأت من خلال أحكام محكمة القضاء الإداري هي: الحزب الاتحادي الديموقراطي، وحزب مصر الفتاة الجديد، وحزب العدالة الاجتماعية، وحزب الشعب الديموقراطي، وحزب مصر العربي الاشتراكي، والحزب العربي الديموقراطي الناصري، وحزب التكافل الاجتماعي، وحزب الوفاق القومي، وحزب مصر 2000، وحزب الجيل الجديد.
(26) الأحزاب التي وافقت عليها لجنة الأحزاب هي: حزب الأمة، وحزب الوفاق القومي.
(27) هي الوفد، والتجمع والناصري، والعمل الاشتراكي.
(28) برنامج حزب مصر 2000.
(29) برنامج حزب مصر الفتاة الجديد.
(30) علي الصاوي، مرجع سابق، ص 56.
(31) Economist, 21/11/1998, p. 46.
(32) Moataz A. Fattah, Biology, Geology and Theology: Three Determinants of Democratization in the Arab World, a paper presented to the 2000 annual meeting of the American Political Science Association, Washington D.C 2002.
(33) تغيرت رئاسة الحزب الوطني بعد اغتيال السادات 1981، وحزب الوفد بعد موت مؤسسه عام 2001 الذي كان وزيرا للداخلية في نفس الحزب عام 1951، وحزب الأحرار الاشتراكيين بعد موت مؤسسه عام 1998، وحزب مصر الفتاة الجديد بعد موت مؤسسه 1996
(34) Economist, 21/11/1998, p. 46.
(35) الأحزاب التي شهدت صراعات داخلية هي: الوفد، والناصري، والعمل، والأحرار، ومصر الفتاة، والخضر، والعدالة الاجتماعية، والتكافل الاجتماعي، والوفاق القومي، ومصر العربي الاشتراكي.
(36) الأحزاب التي تم تجميد نشاطها هي: الوفد، والعمل، والعدالة الاجتماعية، والوفاق القومي، ومصر العربي الاشتراكي.
(37) Economist, 21/11/1998, p. 46.
(38) يعتبر مفهوم الشلة من المفاهيم المفتاحية لفهم النظام السياسي المصري راجع:
Robert Springborg, Professional Syndicates in Egyptian Politics, 1952-1970, International Journal of Middle East Studies, vol.9, no.3, oct.1978, pp. 275-295
(39) خيما مارتين مونيوز، تجربة التعددية الحزبية: الثوابت السياسية وانعكاسات العمليات الانتخابية لمصر الملكية على مصر المعاصرة، في: نيفين عبد المنعم مسعد، مرجع سابق، ص 325.
(40) الأهرام ، 25/5/2003.
(41) علي الصادي، مرجع سابق، ص 41-43.
(42) وهنا لا بد من ملاحظة أن هذا المفهوم للحزب ارتبط بكثير من دول العالم الثالث خصوصا تلك التي قاد حركة التحرر من الاستعمار فيها حزب سياسي قوي مثل حالتي غانا وإندونيسيا. انظر:
Richard D. Baum, Apples, Oranges, and the Comparative Study of Political Parties, The Western Political Quarterly, vol.20, no.1, March 1967, pp. 132-148.
(43) Economist, 20/3/1999, p.16.
(44) Anoushiravan Ehteshami, Is the Middle East Democratizing, British Journal of Middle Eastern Studies, vol.26, no.2. Nov. 1999, p.210-211.
(45) Hamdy Abdel Rahman Hassan, Democratization without Consolidation: The Quest for Constitutional Reform in Egypt.
http://www.aaps.co.zw/Publications/AIJP/Rahman.html
(46) وهي الحزب الوطني الديموقراطي، وحزب الوفد الجديد، و حزب العمل الاشتراكي، وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وحزب الأحرار الاشتراكي، والحزب العربي الديموقراطي الناصري.
(47) Tim Niblock, Democratization: A Theoretical and Practical Debate, British Journal of Middle Eastern Studies, vol.25, no.2, Nov.1998, p.222.
(48) طارق البشري، الديموقراطية ونظام 23 يوليو: 1952-1970 القاهرة: دار الهلال، 1991.
(49) ابن منظور، لسان العرب، القاهرة: دار المعارف، 1981، مادة حزب
(50) Lisa Anderson, The State in the Middle East and North Africa, Comparative Politics, vol.20, no.1 Oct.1987, p.14, and Mark Cooper, State Capitalism, Class Structure, and Social Transformation in the Third World: The Case of Egypt, International Journal of Middle East Studies, vol.15. no.4, Nov. 1983, pp.451-469.
(51) خيما مارتين مونيور، مرجع سابق، ص 324
(52) Economist, 20/3/1999, p.16, and Ehteshami, op. cit., p.210-211.
(53) Joel S. Migdal, Strong Societies and Weak States: State- Society Relations and State Capabilities in the Third World (New Jersey: Princeton University press, 1988).
(54) حول العلاقة بين المجتمع والدولة في تاريخ النظم السياسية في الحضارة الإسلامية وحدود الدور الذي يقوم به كل منهما انظر: برهان غليون ونصر محمد عارف، النظام السياسي في الإسلام، دمشق: دار الفكر، 2003، الفصل الثاني.
(55) Niblock, op. cit., p. 223.
(56) Nasr M. Arif, The disenchantment of Political development: Epistemes, Cultures, and policies (Lanham, MD: university Press of America, 2002) pp.110-129.
(57) طارق البشري، مرجع سابق، ص. 74.
(58) Andrew Hammond, Egypt Gains Another Political Party, Which Looks More Like the Government Than the Opposition, Washington Report on Middle East Affairs, vol.19, no.4, May 2000, p. 35.
(59) علي الصاوي، مرجع سابق، ص 55، وعبد السلام نوير، الأبعاد السياسية لتطور النظام الانتخابي في مصر، ورقة مقدمة إلى مؤتمر النظم الانتخابية بين مصر والعالم القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 14-15 أكتوبر ، ص. 18.
(60) أماني قنديل، استطلاع رأي المواطنين في الأحزاب والممارسة الحزبية، القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1991 ص. 17
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://www.ahram.org.eg/acpss/

http://www.ahram.org.eg/