المؤامرة
لا شك في أن العدوان الثلاثي علي مصر كان من أهم النتائج التي تمخضت من جراء تأميم القناة, ذلك القرار الذي انطلق كدوي المدافع من فم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ليصم آذان وعقول الدول الغربية, والتي لم تر سوي اللجوء إلي استخدام القوة العسكرية. فقامت بالعدوان الذي أضاف إلي مصر قيمة تاريخية و سياسية.
في الواقع أزمة السويس لم تكن وليدة لحظتها, ولم يكن قرار التأميم هو السبب الوحيد للعدوان مع أنه هو السبب المباشر!! فهناك رواسب قديمة, والصراع المصري الأجنبي يمتد إلي ماض بعيد, حتي جاءت المفاجأة التي فتتت عضد قوي الاستعمار وهي بزوغ فجر ثورة23 يوليو1952, حيث شعرت مصر بأنها علي أعتاب مرحلة جديدة شيمتها العزة و الكرامة, وشيئا فشيئا استطاعت التخلص من الاحتلال البريطاني بتوقيع اتفاقية الجلاء, ثم جاء قرار التأميم, فتوالت الضربات علي بريطانيا التي لم تمهلها فرصة لالتقاط أنفاسها فطفح الكيل و لجأت للخيار العسكري. أما فرنسا فكانت مشاركتها في العدوان انتقاما من دعم مصر لحركات التحرر العالمية و العربية خاصة للجزائر. أما إسرائيل فحدث ولا حرج فالأطماع الإسرائيلية كانت ومازالت و ستظل!!
نزل قرار التأميم كالصاعقة, و فور وصول هذا الخبر دعا أنتوني إيدن_ رئيس الحكومة البريطانية ـ إلي انعقاد فوري لمجلس الوزراء البريطاني, وكانت النية المبيتة منذ الوهلة الأولي هي ضرورة القيام بحملة عسكرية ضد مصر, وتم مناقشة هذا الأمر مع فرنسا. وقامت فرنسا بتوجيه احتجاج شديد اللهجة إلي مصر لتأميمها للقناة, بينما لم تتورط الولايات المتحدة في إدانة قرار التأميم و اعتبرته أمرا داخليا مشروعا ورد فعل مصريا لبناء السد العالي. و تم الإعداد لمؤامرة الحرب' خطة فارسmusketteer' ففي5 أغسطس استدعي إيدن الجنرال ستوكويل و كلفه بقيادة عمليات خطة' فارس' وتقضي بنزول القوات في الإسكندرية والزحف إلي القاهرة لإسقاط حكم ناصر,
وعندما تأكدت مصر من وقوع هجوم أنجلوفرنسي لا محالة أعلنت حالة الطوارئ, وأعدت خطة للدفاع المصري المدني والعسكري, ووضعت خطة لتعطيل الملاحة في قناة السويس بإغراق سفينة محملة بالأسمنت.
تم الاتفاق علي' خطة الغزو المشتركة النهائية' في مدينة سيفر الفرنسية في16 أكتوبر, وتقضي بأن تقوم إسرائيل بالهجوم علي سيناء في اتجاه قناة السويس, ثم توجه بريطانيا وفرنسا إنذارا للطرفين المتحاربين بوقف إطلاق النار وسحب القوات بعيدا عن جانبي القناة لمسافة10 أميال, وعليه تحتل القوات البريطانية والفرنسية المراكز الرئيسية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس احتلالا مؤقتا. وعندما تقبل إسرائيل الإنذار وترفض مصر, تدخل بريطانيا وفرنسا الحرب, ولقد تم تنفيذ هذه المؤامرة بحذافيرها في مساء يوم29 أكتوبر.
وبالنظر إلي كيفية إدارة هذه الأزمة سنجد أن الرئيس جمال عبد الناصر نجح في احتواء الموقف بالرغم من الظروف الدولية المحيطة والتي أكدت أن هذه الحرب هي بداية حرب عالمية ثالثة, فضلا عن أن ناصر لم يكن ليصدق تدني بريطانيا وفرنسا لهذا المستوي من التآمر مع إسرائيل. فعلي الصعيد العسكري والوطني أمر بانسحاب الجيش من سيناء والتوجه إلي غرب القناة, وقام بتسليح المدنيين في منطقة القناة ليعلنها حربا تكاتفت فيها المقاومة الشعبية مع الجيش و تفجرت صور باسلة من التضحيات المتفانية, و بشخصيته الكاريزمية شحذ الهمم الوطنية للدفاع عن الوطن وأسرعت مصر بالتقدم بشكوي إلي مجلس الأمن.
وخلال هذه الفترة خاصة منذ أول نوفمبر1952 عقدت الجلسة الطارئة للجمعية العامة و تمخض عنها قرار يقضي بوقف إطلاق النار الفوري, وعقبه تسحب بريطانيا و فرنسا قواتهما, وتعود القوات المصرية والإسرائيلية إلي أماكنها المحددة باتفاقية الهدنة, ورغم ذلك واصل العدوان اعتداءاته.
|