|
|
| قراءات إستراتيجية |
الخليج الفارسي يظل الجائزة الاستراتيجية
جاء* التزمنا فى الترجمة بعبارة الخليج الفارسى كما وردت فى المقال الأصلى. انخفاض سعر البترول خلال السنة الماضية نتيجة للركود الاقتصادى الآسيوى، والشتاء الدافئ فى أمريكا الشمالية وأوروبا واليابان ، وزيادة إنتاج البترول وبخاصة فى العراق. ويعتقد غالبية محللى صناعة البترول أن انخفاض الأسعار سيستمر حتى السنوات الأولى من القرن المقبل . ومع ذلك ، لا يوجد رضاء عن إمدادات البترول والمشكلة الأوسع الخاصة بـ أمن الطاقة. حيث تحتاج آسيا لكميات متزايدة من البترول الأجنبى، ويمكن أن تصل احتياجات الاستيراد الصينية فقط إلى خمسة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2015 . ويجب أن يأتى أغلب هذا البترول من الخليج الفارسى مستودع أكبر احتياطيات البترول فى العالم. إلا أن الخليج يحاط بنزاعات إقليمية وإثنية ودينية معقدة، ويعانى من انتشار الأسلحة، ومن أحوال سياسية داخلية معقدة يزيد من صعوبتها انخفاض أسعار البترول . وسيؤثر أى قطع طويل المدى فى إمدادات البترول السعودية- أكبر منتج للبترول فى العالم- بصورة كبيرة على سوق البترول. وإذا تزامن ذلك مع اتساع الصراع فى الخليج بما يمنع وصول الإمدادات من المنتجين الإقليميين ، سيكون للمشكلة تداعيات خطيرة ، وربما تدفع إلى تدخل أساسى من الولايات المتحدة والقوى الخارجية الأخرى. ولن تكون إمدادات البترول المستقبلية من حوض قزوين كافية لتعويض بترول الخليج، حتى فى ظل أفضل التقديرات. وفضلاً عن ذلك، سيكون للصراع على السيطرة على بترول وغاز قزوين عواقب سلبية على أمن الخليج. ولذلك سيبقى استقرار الخليج الفارسى ذا أهمية كبرى للإستراتيجية الغربية فى العقد القادم، بل ومن المحتمل بعد ذلك أيضاً. كما ستتزايد أهمية الخليج لآسيا وخاصة للصين والهند. وبالرغم من أن الولايات المتحدة ستبقى حارسة لبترول الخليج حتى الملاذ الأخير ، فإن تزايد عدم شعبية السياسة الأمريكية فى المنطقة من شأنه أن يثير أسئلة هامة حول الرغبة الأمريكية وقدرتها على تحمل أعباء حفظ أمن الخليج إلى الأبد. وتطرح هذه المقالة فكرة أنه طالما ظل الشرق الأوسط - بمعناه الواسع - غير مستقر، فإن هناك خطر أن تتوقف إمدادات البترول، بما لذلك من عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمى. وفى الوقت الذى تغيرت فيه طبيعة التهديدات لإمدادات البترول منذ انتهاء الحرب الباردة، فإن الخليج الفارسى ما يزال هو الجائزة الاستراتيجية . وسيكون تحسن العلاقات الأمريكية - الإيرانية خطوة رئيسية للأمام فى حل المشاكل الأمنية فى كل من الخليج وحوض قزوين.
أمن الطاقة : تاريخ مختصر يشمل مصطلح أمن الطاقة عدداً كبيراً من القضايا وكثيرا من موارد الطاقة المختلفة. فلا يستطيع أى مجتمع - إلا إذا كان فقيراً جداً - أن يعمل بدون تأمين مصادر كهربائية للتدفئة والإضاءة والنقل والصناعة ، وبدون تأمين منتجات بترولية للنقل ، وفى بعض الحالات، للتسخين وتوليد الكهرباء. ويظل أمن الطاقة بالنسبة لغالبية الدول الصناعية، مرادفاً لتأمين الوصول إلى إمدادات البترول الخارجية بأسعار معقولة. ويعنى أمن الطاقة للدول المنتجة للبترول الحماية الطبيعية، ونقل البترول إلى السوق بأسعار معقولة. ولذلك يهتم كل من المستهلكين والموردين بالأحداث التى يمكن أن تعرض أمن البترول الطبيعى للخطر ، وإمكانية توصيله للأسواق، وسعره. وقد أصبح الاهتمام بأمن إمدادات البترول عنصراً رئيسياً فى التخطيط الاستراتيجى منذ الحرب العالمية الأولى. وكانت المملكة المتحدة هى أول قوة عظمى تعانى من حساسية الوصول إلى البترول فى أوقات الحرب، وخاصة بعد أن دفع قرار اللورد ونستون تشرشل - قبل الحرب العالمية الأولى مباشرة - بالانتقال من الفحم إلى البترول لتموين السفن الحربية الملكية البريطانية، لامتلاك قواعد ومصادر للبترول قادرة على تزويد الأسطول الذى يعمل بالبترول . حيث لم تكن المملكة المتحدة تمتلك مصادر محلية للبترول على عكس الولايات المتحدة . ومع اندلاع الحرب، حاولت بريطانيا أن تسيطر على مصادر جديدة للبترول . ولم يؤثر الإخفاق البريطانى فى الوصول إلى احتياجات بترول محلية فيه على استمرار عملياتها العسكرية حتى فبراير 1917، إلى أن استأنفت ألمانيا حملتها فى حرب الغواصات مما أدى إلى شلل الأسطول الملكى لنقص البترول ، الأمر الذى ترك أثر عميقاً على المخططين العسكريين جعلهم يركزون على كيفية تجنب ذلك فى المستقبل. وقد مثل الوصول إلى البترول جزءاً هاماً فى استراتيجية المحور والحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية. حيث كانت دول المحور( ألمانيا وإيطاليا واليابان ) تعانى بشدة من النقص فى إمدادات الوقود. وكانت ألمانيا واليابان متأثرتين بشدة بالحاجة إلى تأمين موارد البترول. وقد تضمن الميثاق النازى - السوفيتى فى 1939 العديد من البنود السرية الخاصة بالبترول، وبالشرق الأوسط ، الأمر الذى أثر على الاستراتيجية العسكرية فى الأيام الأولى من الحرب. فعلى سبيل المثال تم وعد الاتحاد السوفيتى بأن تترك له الحرية فى الخليج الفارسى إذا هزمت ألمانيا الحلفاء، بينما كان قرار ستالين بإمداد ألمانيا ببترول القوقاز ضربة قوية للحلفاء مما دفع بريطانيا وفرنسا إلى ضرب مرافق البترول السوفيتية فى القوقاز من القواعد الفرنسية فى سوريا. وكان الغزو الألمانى للاتحاد السوفيتى فى يونية 1941 - فى جزء منه - محاولة للوصول إلى مصادر أوكرانيا الغنية، ولحماية الإمدادات الحيوية من رومانيا. وكانت الاستراتيجية الألمانية فى 1941 - 1942 موضوعة على أساس الوصول إلى ستالينجراد، وفى نفس الوقت، التحرك منها إلى القوقاز التى تحتوى على ثلاثة حقول كبرى فى مايكوب وجروزنى وباكو ، بالإضافة إلى خطوط نقل البترول فى القوقاز. وكان من ضمن دوافع القرار اليابانى بمهاجمة الولايات المتحدة فى بيرل هاربر فى 17 ديسمبر 1941 فعالية الحظر الأمريكى للبترول فى صيف 1941، وحاجة اليابان إلى تأمين موارد البترول من أندونيسيا. وبالرغم من أن الولايات المتحدة كانت قادرة على تموين عمليات الحلفاء الضخمة فى الحرب العالمية الثانية، إلا أن عبء ذلك جعل محترفى العسكرية الأمريكية متشائمين بشأن القدرة الأمريكية على تموين أى صراع آخر ممتد، حيث تم افتراض أن حرباً مع الاتحاد السوفيتى يمكن أن تستمر ثلاث أو أربع سنوات ، ولن تحسمها الأسلحة النووية القليلة فى الترسانة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة ليس لديها احتياطيات بترولية كافية لتدخل حرباً يمكن أن تستمر أكثر من سنة أو سنتين. وبناء على ذلك، تم وضع تركيز شديد فى الخطط العسكرية على حاجة الغرب إلى تأمين حقول البترول فى الشرق الأوسط مبكراً فى أى صراع مستقبلى. وعلى عكس الولايات المتحدة ، لا تستطيع أوروبا أن تعتمد على الإمدادات المحلية لمواجهة الطلب المتنامى فى وقت السلم . وقد زادت أزمة الطاقة بعد الحرب العالمية الثانية بصورة جذرية من الاتكال الأوروبى على بترول الشرق الأوسط. ولدرجة ملحوظة، قادت فصول الشتاء الباردة وأزمة الطاقة الولايات المتحدة فى النهاية، لكى تعيد تقييم دورها القيادى العالمى فى أعقاب النصر وانتهاء الأعمال العسكرية فى فبراير 1947 . وقد ظهر هذا الدور فى قرار الولايات المتحدة الخاص بالحلول محل المملكة المتحدة كحامٍ لليونان وتركيا، وفى برنامج إعادة بناء أوروبا ( مشروع مارشال الذى أعلن عنه فى يونيه 1947 ). وكان من آثار مشروع مارشال زيادة انتقال أوروبا من الفحم إلى البترول كوقود رئيسى للصناعة وتوليد الطاقة. وكان معنى ذلك زيادة الاعتماد على بترول الشرق الأوسط ، خاصة بعد ظهور وفرة الإمدادات هناك. وعندئذ ، بدأ الازدهار الراهن فى بترول الشرق الأوسط، بعد أن شهدت المنطقة توسعاً سريعاً فى الحقول وأنظمة التوزيع ، بما فى ذلك خطوط أنابيب جديدة إلى البحر المتوسط. وقد تزامن مع زيادة أهمية بترول الشرق الأوسط بروز القوميتين الإيرانية والعربية، وإنشاء دولة إسرائيل ، وتشعب الصراع العربى- الإسرائيلى. وأثناء الخمسينيات ، سارعت محاولات السيطرة على البترول وتوزيعه من وقوع أزمتين فى الشرق الأوسط ، الأزمة الأولى كانت فى 1951 عندما أممت الحكومة الإيرانية شركة البترول الأنجلو - إيرانية المشتركة. بينما وقعت الأزمة الثانية فى 1956 عندما قام الرئيس المصرى جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس كرد فعل على قرار الولايات المتحدة وبريطانيا بإلغاء قرض البنك الدولى لمساعدة مصر فى بناء سد على النيل فى أسوان. وشنت المملكة المتحدة وفرنسا حرباً على مصر - فى جزء منها -، لتؤمن السيطرة على إمدادات البترول من الخليج إلى أوروبا عبر القناة. وقد أصبحت قضية أمن الطاقة ذات أبعاد استراتيجية بعد حظر البترول العربى فى أعقاب الحرب العربية - الإسرائيلية فى 1973 ، وذلك لثلاثة أسباب: الأول ظهور منظمة الدول المصدرة للبترول OPEC كموازن قوى فى مواجهة الديمقراطيات الصناعية ، الأمر الذى أثار جدلاً حول إعادة توزيع القوة الدولية بعد أن أصبحت الدول المصدرة للبترول - فى الواقع - أصحاب البنوك فى العالم . الثانى تنامى القدرات العسكرية للاتحاد السوفيتى، وتزايد المخاوف بشأن إمكانية أن تصبح موسكو وحلفاؤها - فى أزمة مستقبلية - فى وضع يمكنهم من قطع إمدادات المواد الخام الحيوية من الشرق الأوسط وأفريقيا. الأمر الذى دفع إلى وضع إستراتيجيات عسكرية غربية موازنة لحماية إمدادات البترول ، وخاصة من الخليج الفارسى، وللدفاع عن الممرات البحرية. أما السبب الثالث فهو بروز الحركة البيئية وظهور أدبيات مؤثرة تتوقع حدود النمو ، وتدافع عن القيم الخاصة بمنع التوسع الاقتصادى الذى قاد إلى نجاح دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD. إلا أن السيناريوهات المتشائمة التى سادت فى السبعينيات لم تتحقق لعدة أسباب هامة. حيث تراجعت قوة الأوبك ، ومصداقية مقولة حدود النمو نتيجة لقرار الغرب بالحفاظ على الطاقة عن طريق الحوافز الاقتصادية، والبحث عن مصادر بترولية جديدة خارج الشرق الأوسط، والاحتفاظ بمخزونات استراتيجية من الطاقة، واتفاقات المشاركة والاستثمار فى تكنولوجيات جديدة تزيد من الكفاءة فى استخدام الطاقة، كما انهار الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو، مما جعل مقولات ضرورة سيطرة القوى العظمى على ممرات الاتصال أمراً غير مقبول. وتم اختبار المرونة الغربية فى مواجهة انقطاع الطاقة مرة أخرى فى منتصف الثمانينيات، أثناء الصراع الإيرانى - العراقى . حيث شنت بغداد حرب السفن لتقليص صادرات البترول الإيرانية. وردت طهران بالهجوم على السفن العربية. ومع ذلك، كانت سوق البترول مشبعة نتيجة انخفاض الطلب العربى والركود الاقتصادى، وظهور مصادر جديدة للبترول. وفى أغسطس 1990، ظهر تهديد خطير للنظام العالمى عندما غزا الرئيس العراقى صدام حسين فجأة الكويت ، وحرك قواته للحدود السعودية . وربما ما كانت عمليتا درع الصحراء وعاصفة الصحراء لتظهرا لو لم تبد جيوش صدام حسين الرغبة فى السيطرة على حقول البترول السعودية. وكان من شأن ذلك، أن يمتلك صدام القدرة على إملاء شروط السلام على العالم الغربى، وأن يسيطر على أسعار البترول . كما كان سيمتلك القدرة على دفع ديون العراق الهائلة وتطوير برنامجه للأسلحة النووية بصورة أكثر سرعة. وكان العراق سيصبح قوة إقليمية عظمى نتيجة امتلاك أسلحة الدمار الشامل وجيشاً كبيراً، وسيطرته على احتياطيات البترول السعودية، مما كان سيلقى بعواقب وخيمة على الشرق الأوسط. ولكن لحسن الحظ أخطأ صدام فى حساباته. وكانت الاستجابة الغربية الحاسمة ممكنة نظراً لتعاون الدول العربية، وخاصة مصر والسعودية ، الأمر الذى أثبت بنجاح الاستراتيجية التى طورتها الولايات المتحدة فى السبعينيات والثمانينيات لمواجهة التحدى السوفيتى الكامن فى الخليج الفارسى. ويمكن القول أن من آثار أزمة السبعينيات الهامة هو الاستعداد العسكرى الذى كان مكوناً رئيسياً فى نجاح عاصفة الصحراء. وفى منتصف التسعينيات ، ظهرت بعض التنبؤات بأزمة طاقة أخرى مع نهاية القرن نتيجة - إلى حد ما- نمو الاقتصادات الآسيوية ، وتنامى احتياجاتها من الطاقة وخاصة فى الصين والهند . وبينما كانت المشكلة الجوهرية فى مواجهة احتياجات الطاقة الآسيوية تمثل تحدياً مستقبلياً، ظهرت فى أواخر 1997 مشكلة أمن طاقة أخرى، ولكن فى هذه المرة بسبب الأزمة المالية الآسيوية. وقد تزامنت هذه الأزمة مع شتاء دافئ مما أدى إلى انخفاض حاد فى الطلب على البترول ، وتدهور حاد فى سعره. وبسرعة اتضح أن انخفاض أسعار البترول فى حد ذاته عاملاً مقوضاً للاستقرار الاقتصادى فى الدول الرئيسية المصدرة للبترول مثل روسيا وإيران والسعودية. كما كان من الآثار الهامة لتدهور أسعار البترول، تراجع الاستثمارات المخصصة للبحث عن البترول فى المناطق الواعدة مثل حوض قزوين.
المعضلات الأمنية المعاصرة تتركز المخاوف بشأن أمن الطاقة اليوم بصورة أكبر على استقرار أسعار البترول، وبصورة اقل على إمكانية المواجهة العالمية بين القوى الكبرى. والبترول سلعة عالمية لها سعر عالمى محدد. فإذا انخفضت الإمدادات من منطقة معينة مثل الخليج سترتفع الأسعار فى المدى القصير حتى يتوازن السوق. ومن وجهة النظر الاقتصادية، فإنه لا يهم أن أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية تستوردان 20% و29% على التوالى من احتياجاتهما البترولية الخارجية من الخليج ، بينما تستورد آسيا 74%، نظراً لأن الأقاليم الثلاثة ستتأثر بصورة متساوية إذا انخفضت الإمدادات من الخليج أو من أى مكان آخر، أو إذا تهددت وسائل إيصال هذه الإمدادات. ويمكن أن يكون للانخفاض أو الارتفاع المفاجئ فى أسعار البترول نتائج خطيرة بالنسبة للمستهلكين أو المنتجين. فبالنسبة للقوى الصناعية، سيعنى ارتفاع السعر فى المدى القصير نتيجة أن الطلب على منتجات البترول فى الدول الصناعية غير مرن، انخفاضاً نسبياً فى الطلب لأنه من الصعب إيجاد بدائل لمنتجات البترول، وسترتفع أسعار السلع اليومية التى ترتبط بالبترول. وبالنسبة للدول الديمقراطية، سيكون لارتفاع أسعار البترول تداعيات سياسية هامة. فالهيئة الناخبة فى الولايات المتحدة شديدة الحساسية لمسألة سعر البترول . ففى أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية فى الولايات المتحدة فى 1996 ، دفعت زيادة بسيطة فى أسعار الجازولين الأمريكى المرشح الجمهورى بوب دول إلى القول بأن أزمة الطاقة خطيرة. وبالرغم من المبالغة الواضحة فى ذلك ، إلا أن تعليق دول يشير إلى أن الذاكرة الأمريكية ما زالت تتذكر آثار ارتفاع أسعار البترول فى السبعينيات أربعة أضعاف. أما فى المدى الطويل، فمن المتوقع أن يقود ارتفاع أسعار البترول إلى خفض الطلب، وبالتالى انهيار السعر، حيث تمتلك القوى الصناعية آليات فعالة للتكيف- مع الوقت - مع أسعار البترول المرتفعة عبر التوفير والاختراع والضرائب. وبالإضافة إلى ذلك ، يمكن أن تساعد اتفاقيات الشراكة البترولية التى وضعتها وكالة الطاقة الدولية IEA فى 1974، واحتفاظ الولايات المتحدة باحتياطى استراتيجى من البترول يمكن اللجوء إليه، على تخفيض سعر البترول العالمى فى السوق . إلا أنه ينبغى الإشارة إلى أن العديد من الدول التى لم تشترك فى اتفاقات وكالة الطاقة الدولية ، أو التى لم تتبع تخطيط واع مثل الغرب ، يمكن أن تتعرض لآثار مدمرة فى حالة الارتفاع السريع فى سعر البترول. فقد دفع ارتفاع أسعار البترول فى 1990-1991 الهند إلى حافة الإفلاس ، مما أجبرها على إجراء إصلاحات جذرية فى الدولة. وتواجه العديد من الاقتصادات الصاعدة اليوم موقفاً مشابهاً لموقف الهند فى بداية التسعينيات. وتعد قضية أثر الارتفاع المفاجئ فى أسعار البترول على استقرار العديد من الاقتصادات الصاعدة قضية خطيرة ذات عواقب سياسية وأمنية عديدة. ومن ناحية أخرى، يولد الانخفاض الحاد فى أسعار البترول مشاكل هامة للمنتجين. فقد كان لأسعار البترول المنخفضة مؤخراً تداعيات هامة على دول الخليج. وتتمثل الآثار الجيدة للمصدرين من انخفاض السعر فى أنه يشجع الاستهلاك وبالتالى زيادة الاعتماد الأمنى على بترول الخليج الرخيص. وفى المدى الطويل، ربما يؤدى انخفاض السعر إلى تراجع الجهود المبذولة من القوى الصناعية للاحتفاظ بالبترول ، وتطوير بدائل لاقتصاد البترول. أما الآثار السلبية، فتتمثل فى أن الأسعار المنخفضة تؤثر مباشرة على العوائد، وبالتالى على ميزانيات الدول الخليجية المنتجة للبترول مسببة بذلك مشاكل سياسية خطيرة . كما تحد العوائد المنخفضة أيضاً من حجم رأس المال المحلى الذى يمكن أن يستثمره منتجو البترول الرئيسيين فى بنية تحتية بترولية جديدة. ونتيجة لذلك، تتعاظم الضغوط على دول مجلس التعاون الخليجى GCC وإيران لتعديل سياساتها الوطنية التى لا تشجع الاستثمار الأجنبى فى قطاع البترول . وقد ظهر ذلك عندما دعا ولى العهد السعودى الأمير عبد الله فى سبتمبر 1998- والذى ينظر إليه كقومى عربى - الغرب للاستثمار فى البنية التحتية البترولية فى السعودية. وتكمن المفارقة فى أن المنتجين والمستهلكين ربما يصبحون أكثر احتياجاً إلى بعضهما بمجرد أن تحدث ضائقة اقتصادية يمكن أن تقود إلى عدم استقرار فى الدول المنتجة. وإذا شجعت الفوضى المحلية العناصر الراديكالية المضادة للغرب، فإن المناخ السياسى للتعاون بين القوى الغربية والخليج سوف يتدهور فى القضايا المختلفة كعملية السلام العربى - الإسرائيلى، والتدريبات العسكرية، وأزمة العراق.
الطلب المتزايد على بترول الخليج سيتضاعف الطلب العالمى على الطاقة فى عام2020 ثلاث مرات عما كان عليه فى السبعينيات، وهذا الطلب المتنامى سيتم إشباعه بصورة أساسية عن طريق البترول والغاز الطبيعى والفحم. كما ستزيد احتياجات الطاقة من جانب الدول الصناعية الحديثة إلى الضعف بحلول عام 2010. ومن المتوقع أن يزداد الطلب العالمى على البترول من 71.6 مليون برميل يومياً فى 1997 إلى أكثر من 115 مليون برميل يومياً بحلول 2020. وفى 1995، استهلكت دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD حوالى ثلثى إمدادات البترول العالمية. وفى العقدين القادمين يتوقع أن تستهلك هذه الدول حوالى ثلث الزيادة فى الطلب فقط. ويمكن أن تغير عدة تطورات غير منظورة من توقعات الطلب على الطاقة ، من أبرزها: الركود الاقتصادى العالمى، تغيير الضرائب وسياسات الإعانة فى الدول الرئيسية المستهلكة للطاقة نتيجة الاهتمامات البيئية وغيرها، التطور الجذرى فى تكنولوجيات الطاقة بما يجعلها أكثر كفاءة وأقل تكلفة. وبوضع هذه التطورات فى الحسبان من الممكن توقع المسارات العامة فى الخمسة عشر أو العشرين عاماً القادمة. فمن ناحية، يوجد بترول كاف فى العالم لمواجهة الطلب العالمى فى المستقبل البعيد. وتكمن المشكلة فى استخراج البترول من الأرض، وضمان توزيعه فى الأسواق بسعر مقبول . ويقف فى وجه الوصول إلى البترول عقبات سياسية واقتصادية وتنظيمية أكثر منها عقبات جيولوجية. وبالإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة إلى أنه فى الوقت الذى تتعاظم فيه احتياطيات البترول والغاز الطبيعى و الفحم فى منطقتى الخليج الفارسى وحوض قزوين، إلا أن هاتين المنطقتين تعدان من أكثر المناطق توتراً فى العالم. حيث يحتوى الخليج بمفرده على أكثر من 64% من احتياطيات البترول العالمية المؤكدة ، ويتم النظر إليه باعتباره قادراً على مواجهة تصاعد الطلب على الطاقة من جانب الدول الصناعية. لذلك سيظل الخليج مصدراً جوهرياً للبترول ، ويمكن أن يصبح حوض قزوين مصدراً هاماً آخر لكل من الغاز والبترول.
احتياجات آسيا البترولية ستحتاج الاقتصادات الرئيسية فى آسيا ، وخاصة الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند إلى كميات أكبر من الطاقة بما فيها البترول . ومن الطبيعى، أن تتم تلبية الجزء الأكبر من الطلب المتنامى على البترول من الخليج الفارسى، ومن الممكن أيضاً من حوض قزوين. وقد قدرت وكالة معلومات الطاقة الأمريكية فى إشارتها عن احتياجات البترول المتوقعة فى عام 2020، أن احتياجات أمريكا الشمالية ( وبصورة أساسية الولايات المتحدة ) من الخليج الفارسى ستمثل 20% من متطلبات الاستيراد الكلية .أما احتياجات أوروبا الغربية وآسيا فستكون 31% و 86% على التوالى. وسيتحدد حجم الطلب على البترول فى آسيا بمعدل النمو الاقتصادى ، والذى يمثل الآن نسبة أقل مما كان متوقعاً منذ عام مضى. ومع ذلك ، وحتى مع سيناريوهات النمو البطئ ستزيد بشدة احتياجات الطاقة من جانب الدول الكبرى. ففى الواقع، تعانى دول مثل الصين والهند عجز شديد فى الطاقة، والذى يجب أن يواجه عن طريق استعادة نمو الاقتصاد العالمى. فإذا ما استمر استخدام السيارات فى الصين والهند فى التزايد، سيرتفع الطلب على البترول بشدة، وبالتالى تظل هناك حاجة لاستيراد معظم الإمدادات.
الدور الصينى بالرغم من جاذبية طاقة حوض قزوين المحتملة بالنسبة للصين، إلا أنها ستستمر فى الاعتماد على الخليج الفارسى بصورة كبيرة لمواجهة احتياجات الطاقة فى العقود القادمة. فالصين تستورد حالياً حوالى 40% من متطلباتها البترولية ، وبصورة أساسية من إيران وعمان واليمن وإندونيسيا . وتبلغ الواردات الصينية من الشرق الأوسط حوالى 60% ، وهى النسبة التى ربما ترتفع فى 2020 إلى 91%. وفى الوقت الذى تجد فيه الصين فى الخليج الفارسى الوفرة تجد أيضاً الفوضى. وقد قادها الاعتماد المتزايد على الخليج إلى أن يصبح لها مصلحة واقعية فى استقرار المنطقة وسلامتها . فقد حسنت الصين علاقاتها مع إيران عن طريق مبيعات السلاح. حيث رأت أن هذه المبيعات ضئيلة جداً إذا ما قورنت بمبيعات السلاح الأمريكية، فضلاً عن أنها مفيدة جداً للاقتصاد الصينى من ناحية النقد الأجنبى. ومنذ وفاة ماوتسى تونج فى 1976، يدعى الصينيون أنهم يتبعون سياسة واقعية غير إيديولوجية لتجنب تعميق النزاعات المحلية . وقد دعمت الصين اتفاقات كامب ديفيد واوسلو، وساهمت فى صياغة قرار مجلس الأمن 598 الخاص بإنهاء الحرب العراقية - الإيرانية ، واستنكرت غزو العراق للكويت. وتبحث الصين أيضاً عن أرضية للتعاون مع الولايات المتحدة فى الإقليم على عدد من الجبهات فى المستقبل. فكلتا الدولتين تدعم الحل السلمى للنزاعات الإقليمية، وتعارضان الإرهاب، والتطرف الدينى، وتجارة المخدرات، وانتشار أسلحة الدمار الشامل. وتتميز الصين بأن لها علاقات طيبة مع كل دول الشرق الأوسط تقريباً ، بما فيها إسرائيل. وطالما لم تكن الصداقة أبداً ضامنة لتدفقات البترول ، وطالما كان العداء معوقاً للتجارة ، فستظل الدبلوماسية الصينية فى الإقليم نشطة جداً.
خيارات أمن الطاقة الآسيوية هناك عدة مقولات مختلفة تتعلق بأثر التبعية البترولية على الإدراكات الأمنية الآسيوية. وإحدى المقولات العامة التى يقدمها الاقتصاديون تتمثل فى القول بأن قوى السوق ستحدد بشكل أساسى انتقال إمدادات البترول ، ولن يكون هناك أى عجز فى المدى الطويل، وإن كان ذلك لا يمنع إمكانية ارتفاع السعر . فالصين واليابان وكوريا الشمالية ستجد دائماً البترول ، ولكنها ستكون مضطرة للتنافس عليه فى السوق المفتوح . وكلما ترسخت الرأسمالية فى الصين، فإن قادتها سينظرون إلى آلية السوق باعتبارها أنسب وسيلة لتحقيق أهدافهم ، وسيقبلون العيش فى إطار قواعد اللعبة التى تقبلها الدول الصناعية الأخرى. إلا أن هذه الرؤية لا تحظى بقبول أنصار المنظور التاريخى، الذين يرون أنه بالرغم من أن نظام السوق نظام كفء ، إلا أنه لا يأخذ فى اعتباره الآراء الوطنية المختلفة التى تنتشر فى آسيا كلها. وبالتالى ستطبق دول آسيا المختلفة أساليب مختلفة للتعامل مع مشاكل الطاقة التى يدركونها. والقيادة الصينية على وجه الخصوص ستكون قلقة من زيادة اعتمادها على الأقاليم المضطربة مثل الخليج الفارسى إذا لم تمارس دوراً فعالاً فى توجيه سياستها ، وذلك نتيجة شكوكها العميقة إزاء الولايات المتحدة. وإذا استعادت اقتصاديات آسيا عافيتها ، وقاد تنامى الطلب العالمى على الطاقة إلى سوق مرنة، فإن أى أزمة فى الخليج الفارسى يمكن أن تقود إلى سلسلة من العجز فى الإمدادات، وبالتالى ارتفاع الأسعار. ونتيجة للعواقب السياسية والاقتصادية الوخيمة المترتبة على ارتفاع الأسعار ، فلا يمكن الافتراض بأن الدول الآسيوية ، وخاصة الصين، تظل متكاملة وراضية بدون أن تبحث عن أحد تلومه . خاصة إذا كانت النظرة من جانب الآسيويين إلى السياسة الأمريكية فى الخليج تتسم بوصفها بأنها غير حكيمة وغير عادلة.
التهديدات لإمدادات بترول الخليج الفارسى هناك ثلاث مجموعات من التهديدات يمكن أن توقف إمدادات بترول الخليج الفارسى، وهى: الاستخدام الظاهر للقوة من جانب القوى الإقليمية المسلحة بأسلحة الدمار الشامل، وعدم الاستقرار والإرهاب داخل دول الخليج نفسها، والصراع بين القوى الإقليمية والقوى الخارجية على السيطرة والوصول إلى حوض قزوين.
1- الهيمنة الطموحة يمكن أن تؤدى التهديدات المباشرة لإمدادات البترول الخليجية إلى توقف خطير فى الإمدادات قصيرة المدى إلى السوق الدولية . وربما تشمل هذه التهديدات إزالة منتج رئيسى - مثل السعودية- من السوق ، أو صراعاً كبيراً فى الخليج الفارسى، أو سيطرة قوة إقليمية مثل إيران أو العراق على مصادر البترول فى الخليج، وهو ما سيعنى التحكم فى الإنتاج والأسعار، ويمكن أن تؤدى سيطرة أية قوة معادية على شبه الجزيرة العربية ليس فقط إلى ارتفاع أسعار البترول ، وإنما أيضاً إلى إمكانية استخدام عوائد البترول فى زيادة ترساناتها العسكرية لتضم أسلحة الدمار الشامل. ومن هنا، تصبح المخاوف المرتبطة بانبعاث عراق صدام أو السيطرة الإيرانية على الخليج مخاوف حقيقية . وقد قامت الولايات المتحدة بمحاولات عديدة للحد من إنتاجية قطاع الطاقة الإيرانى ، وقدرة إيران على السيطرة على الممرات المائية . وبينما تثور التساؤلات كثيراً عن جدوى هذه الاستراتيجية ، إلا أنها مازالت تلقى دعماً من واشنطن. والدافع الرئيسى لاستمرار الوجود العسكرى الأمريكى فى الخليج هو منع مواجهة أسوأ السيناريوهات التى تتمثل فى غزو عراقى أو إيرانى للسعودية ، أو حرب أهلية أو فوضى داخلية . ويرى البعض أن هذا التواجد نفسه يزيد وينعش من بيئة عدم الاستقرار فى المنطقة، وهو ما ظهر فى الهجوم على السفارات الأمريكية فى كينيا وتنزانيا فى أغسطس 1998. والذى تم توجيه الاتهام فيه إلى الراديكاليين الإسلاميين بقيادة السعودى المنشق أسامة بن لادن، والذى يعمل من داخل الإقليم الأفغانى الذى تسيطر عليه حركة طالبان الأصولية . وقد ردت الولايات المتحدة على هذه الهجمات بشن حملات بصواريخ كروز ضد معسكرات تدريب بن لادن وشركة أدوية فى الخرطوم يعتقد أنها قادرة على إنتاج أسلحة كيماوية. وفى مايو 1998، قامت الهند وباكستان بإجراء اختبارات نووية ، مما أدى إلى تزايد المخاوف من أن تستكمل إيران برنامجها الصاروخى والنووى. وربما تكون هذه هى القضية الأكثر صعوبة بين الولايات المتحدة وإيران لأنها تمس الأمن القومى للدولتين، كما أن لها آثاراً بعيدة المدى على حلفاء الولايات المتحدة وخاصة إسرائيل وتركيا ودول الخليج العربية. ويزيد من تعقيد هذه القضية أن إيران تواجه تهديدات خطيرة من جيرانها ، وبالتالى فإن أى نظام إيرانى مطلوب منه أن يتبع منهجاً محافظاً تجاه الأمن القومى.
2- عدم الاستقرار الداخلى: السعودية وإيران يجب أن يتم النظر إلى تهديدات الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وخاصة الأسلحة النووية من منظور الصراعات الإقليمية الممتدة، وضغوط عدم التأكد الاقتصادى، والسكان. فمع تزايد سكان السعودية بمعدل 3.5% سنوياً وثبات الناتج المحلى الإجمالى GDP، ينخفض متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى من 10 آلاف دولار فى 1990 إلى 8 آلاف دولار فى 1998. كما أن العديد من الشباب السعودى غير ماهر ولا يعمل. ونتيجة انخفاض العوائد نظراً لتراجع أسعار البترول، فإن السعودية ليس أمامها سوى تخفيض الإنفاق العسكرى، أو تقليل الدعم لبرامج الرفاهية، أو خفض الاستثمار فى تحديث مرافق الطاقة. كما يمكن أن تقترض الرياض وتزيد من ديونها ، أو كما يقول أكثر المتفائلين تستطيع أن تفتح اقتصادها أمام الاستثمار الخاص، إلا أن ذلك يتطلب تغيير القوانين ، ورفع سيطرة المملكة على النقد الأجنبى . ويتوقع أن يتقلص نصيب قطاع البترول من الناتج المحلى الإجمالى السعودى بصورة جوهرية فى 1998، وبالتالى ستتأثر كل البرامج الحكومية الرئيسية نظراً لاعتمادها على العوائد الحكومية من البترول . وبالتالى، ستخفض الحكومة من ميزانياتها ، ولن تستطيع أن تحافظ على مستوى المعيشة الذى أصبح معظم السعوديين معتادين عليه. ومن ناحية أخرى، سمحت عوائد البترول فى بعض الأحيان للعائلة المالكة من أن تشترى ولاء سكانها ، وكلما انخفضت هذه العوائد كلما زادت فرص قيام بعض الأفراد بإثارة المتاعب للسلطة. كما يمكن أن يترتب على عدم الرضاء عن الإنفاق الاجتماعى الأقل، ورفض الوجود العسكرى الأمريكى على أرض الحرمين الشريفين شعور واسع مضاد للحكومة. ويمكن أن تأخذ الفوضى شكل الانتفاضات والاضطرابات فى المنطقة الشيعية الشرقية، أو صورة تخريب مرافق البترول. ومن ذلك يتضح أن انخفاض الأسعار فى المدى الطويل يمكن أن يكون له آثار خطيرة على السعودية، وعلى سوق البترول. ومع ذلك، لا يجب أن نقلل من قدرة آل سعود على الاستمرار ، فيمكن أن تكون أسعار البترول المنخفضة دافعاً لتقوم المملكة بما هو مطلوب لإصلاح مؤسساتها واقتصادها ، حيث ستكون هناك ضرورة لجذب الاستثمار الأجنبى، وزيادة الشفافية ، وقوانين أفضل لإعادة توزيع الأرباح وتدفقات رأس المال . من الواضح أنه فى أوقات الضغوط الداخلية تميل القيادة السعودية إلى الحذر الشديد فى أتباع سياسة خارجية غير مقبولة من شعبها أو من العالم العربى. وقد نبع رفض القيادة السعودية لدعم الولايات المتحدة فى أزمة فبراير 1998 فيما يتعلق باستخدام القوة ضد العراق بدون شك من إدراكها لحساسية الوضع الداخلى. وينطبق الوضع المضاد بالضبط على إيران التى تعانى - أكثر من السعودية - من آثار 20 سنة من سوء الإدارة، وانخفاض أسعار البترول . وقد تصاعدت الضغوط على النظام الإيرانى لتحديث وإصلاح الاقتصاد خاصة بعد أن أصبحت أكثر قبولاً من جانب الغرب. وقد زاد عدد السكان من 36 مليون نسمة فى 1978 إلى 68.6 مليون نسمة فى 1997 ، أى بزيادة تبلغ 85% . ومن المتوقع أن يصل عدد السكان إلى 100مليون نسمة فى بداية القرن القادم. وقد انخفض معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى فى إيران بشكل مسبوق من 3.4% فى 1997 إلى 2.3% فى 1998. ويشكل عائد تصدير البترول فى إيران حوالى 40% من العائد الحكومى. وتدعى طهران أنها تخسر بليون دولار لكل انخفاض قدره دولار فى سعر برميل البترول. وفى إطار جهود إيران لجذب الاستثمار الأجنبى، وبالذات فى قطاع البترول والغاز الحساسة، يعرض الإيرانيون حماية متزايدة من التأميم واسترداداً أسهل للأرباح ، بالرغم من أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت الشركات الأجنبية ستجد هذه الأوضاع مغرية أم لا. وقد حاول الرئيس السابق هاشمى رفسنجانى بعد انتخابه فى 1989 ترشيد برنامج للتحرير الاقتصادى ، ولكنه لم يستطع عمل ذلك نظراً للمعارضة القوية من القادة المحافظين، والافتقار لدعم اجتماعى مناسب. فـأى محاولة لتحرير الاقتصاد من سيطرة الدولة تواجه بمعارضة سياسية شديدة الأمر الذى يزيد من مخاطر تعميق عدم الاستقرار الاجتماعى والسياسى . ويبدو أن الاقتصاد سيتدهور أكثر بدون الإصلاح الاقتصادى ، وبالتالى سيتزايد الإحباط المحلى وعدم الاستقرار والعنف السياسى. كما أن التدهور الاقتصادى من شأنه أن يشطر الجسد السياسى الإيرانى بين المحافظين والمعتدلين . ومن الواضح أن أسعار البترول المنخفضة يمكن أن تصيب إيران بالاضطراب. وهذا هو التحدى الأكثر خطورة الذى يواجه الرئيس محمد خاتمى، والذى يمكن أن يكون له تداعيات طويلة المدى على أمن الخليج.
3- النزاعات حول طاقة قزوين إن التنافس الجيوسياسى فى حوض قزوين له تداعيات هامة على أمن الخليج الفارسى أيضاً، نظراً لأن إيران دولة محورية فى كلا الإقليمين . حيث يمكن أن يحتوى حوض قزوين على أكثر من 200 بليون برميل من البترول، و 279 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعى . ومع ذلك لا يوجد رقم دقيق يمكن الوصول إليه قبل انتهاء أعمال الحفر الراهنة . وحتى إذا صدقت الأرقام الأقل، فإن قزوين تمثل كنزاً محتملاً للاقتصادات المتصارعة فى الدول الخمس الساحلية على بحر قزوين وجيرانها المباشرين. وتثور التساؤلات حول الملكية بشأن طاقة قزوين. فحتى 1991 ، كان يسيطر على بحر قزوين كل من الاتحاد السوفيتى وإيران. وبالتالى، كان يجب إعادة النظر فى الوضع القانونى له بعد انهيار الاتحاد السوفيتى. وتواجه الدول الخمس المطلة على بحر قزوين مشاكل اقتصادية ، مما يحد من قدرتها على تصدير الطاقة. حيث يحاط ثلاثة من المنتجين - اذربيجان وكازاخستان وتركمانستان - بالدول الأخرى، وبالتالى لا تستطيع تصدير طاقتها إلى السوق بدون العبور على إقليم دولة أخرى. وتستلزم الممرات العديدة التى تم التفكير فيها لنقل الطاقة وجود توافق سياسى واقتصادى وبيئى بين هذه الدول. ونظراً لأن الاختلافات كبيرة ، فإن المشاركين الرئيسيين فى قزوين رفضوا بإصرار التعاون والوصول إلى حلول وسط. فروسيا - على سبيل المثال- حاولت أن تستخدم تكتيكات استخدام السلاح والقوة لضمان السيطرة على الطرق الرئيسية من اذربيجان إلى كازاخستان. ومع ذلك، كانت قدرة موسكو على وضع الشروط محدودة نظراً لمشاكلها المالية والفوضى والصراع على حدودها الجنوبية، وخاصة الحرب فى الشيشان. وترتبط مشاكل إيران بعلاقاتها الضعيفة مع الولايات المتحدة ، وصعوبات جذب الاستثمار المطلوب للاستفادة من احتياجاتها الضخمة غير المستغلة من الغاز الطبيعى واستغلال موقعها كطريق لمرور بترول وغاز جيرانها. ولعل من أكثر القضايا التى تثير جدلاً حول الوصول إلى طاقة حوض قزوين هى تلك التى تتعلق بالمنافسة السياسية بين روسيا والولايات المتحدة وإيران لتحديد الطرق الرئيسية لنقل البترول والغاز إلى السوق . فقد تم تعليق الموافقة الأمريكية على خط أنابيب يمر بروسيا نظراً لعدم التأكد بشأن مستقبل الدور الروسى ومستقبل موارد البترول فى قزوين. وتدرك روسيا القوة التى يمكن أن تجنيها من امتلاك أنابيب نقل البترول والغاز، ولذلك فإنها لا تتعامل مع هذه المسألة باستخفاف . ومن هنا، زاد التنافس مع تركيا حليفة الناتو على النفوذ الإقليمى. ويواجه خط البترول الذى يمر بتركيا أيضاً بعدد من العقبات المحتملة، من بينها نمو حركات الإسلام الراديكالى فى تركيا التى تخيف المستثمرين، كما يعانى جنوب شرق تركيا من الاضطرابات الكردية، فضلاً عن ان البترول يجب أن يمر بجورجيا حيث ينتشر العنف ، وتجنب المرور بجورجيا يعنى العبور بأرمينيا أو إيران وكلتاهما تمثل طرقاً مثيرة للنقاش والجدل. وتتلهف إيران لكى تلعب دوراً محورياً بالنسبة لبترول وغاز قزوين ، وتريد أن تقايض استخدام البترول من كازاخستان وتركمانستان وربما من اذربيجان واوزبكستان فى السوق الإيرانى، مقابل كميات من البترول الإيرانى المنتج من حقولها الجنوبية لينقل إلى أسواق أوروبا وآسيا. ويعد الطلب الإيرانى على البترول كبيراً بالقدر الكافى الذى يسمح باستغلال كميات كبيرة من بترول جيرانها الشماليين، وذلك بافتراض إمكانية توصيله ومعالجته بتكلفة معقولة. ولذلك اقترح الإيرانيون بناء خط أنابيب جديداً من ميناء نيكا على بحر قزوين إلى طهران ليرتبط مع شبكة خطوط الأنابيب الإيرانية بما يسمح بمعالجة بترول قزوين فى مصافى طهران وتبريز وآراك والمواقع الأخرى المتقدمة فى الشمال. وهذا المشروع لا تحبذه الولايات المتحدة على الإطلاق . فبالرغم من سياستها المعلنة لتعزيز تعدد طرق خطوط الأنابيب ، فإن إدارة الرئيس كلينتون ملتزمة بـ تجنب عبور خطوط الأنابيب بإيران . وقد قال وزير الطاقة فريدريكو بينا أمام لجنة مجلس النواب للعلاقات الدولية فى 30أبريل 1998: إن الإدارة ملتزمة بممر للطاقة من الشرق إلى الغرب ليربط دول الإقليم بالغرب، وندعم بصورة أساسية بناء خطوط أنابيب للبترول والغاز عبر قزوين تمر تحت بحر قزوين، لتربط دول ساحل قزوين الشرقى - كازاخستان وتركمانستان - بدول غرب قزوين ، بداية من اذربيجان فى مدينتها الساحلية باكو . وكلا المسارين سيعبر جورجيا، وسيمتد خط البترول إلى ميناء سيهان على البحر المتوسط ، وسيخدم خط الغاز سوق الغاز المتنامية فى تركيا. وخط الأنابيب الذى تقترحه الولايات المتحدة سينقل البترول والغاز عبر قزوين من آسيا الوسطى إلى اذربيجان، ومنها إلى تركيا . الا أن هذا المشروع لم ينفذ بعد لعدم الانتهاء من دراسة الجدوى الخاصة به بعد، فضلاً عن وجود مشاكل سياسية وبيئية والتكلفة الاقتصادية المرتفعة. وإذا تم تنفيذ هذا المشروع، فستتزايد الأهمية الاستراتيجية لأذربيجان بصورة كبيرة لأنها ستصبح حلقة وصل ليس فقط بالنسبة لبترولها وإنما ايضاً للبترول والغاز القادم من جيرانها عبر قزوين. هذا، وتتم حماية أصول الطاقة فى الخليج الفارسى بقوات عسكرية أمريكية وسعودية متقدمة، وخطط طوارئ طويلة المدى. ولكن لا توجد خطة مماثلة للدفاع عن أصول اذربيجان، ويستبعد تماماً أى محاولة لتوسيع الوجود العسكرى الأمريكى فى قزوين ، أو حتى مد مظلة الناتو لهذه المنطقة ، لأنه إذا تم التفكير فى ذلك بجدية فمن المتوقع أن تزداد مستويات العداء التى مازالت موجودة فى إيران وروسيا، وهما أكثر الدول المطلة على بحر قزوين قوة، وبالتالى قيامها باتخاذ إجراءات لإيقاف أو تعطيل خط الأنابيب ، ومن ثم يعد المشروع الأمريكى مقامرة كبرى بالرغم من أنه منطقى على الورق.
الدور المستقبلى للولايات المتحدة تزداد أهمية الدور المستقبلى للولايات المتحدة بالنظر إلى القضايا الأمنية الصاعدة فى كل من الخليج الفارسى وحوض قزوين. ومع ذلك هناك عدة أسباب لإثارة أسئلة حول مستقبل الالتزام الأمريكى تجاه حماية إمدادات بترول الخليج . فالسياسة الإقليمية الأمريكية فى حالة سيولة نتيجة ثلاث قضايا معقدة، هى: المواجهة المستمرة مع صدام، وإحباط الجهود فى اتجاه التقارب مع طهران ، والسياسة المتعلقة بدعم ممر عبر قزوين لا يمر بإيران. ويجب أن يتم النظر إزاء هذه المشاكل الثلاث من خلال منظور إقليمى أوسع لعدم تسوية الصراع العربى - الإسرائيلى ، والانتشار النووى ، والهجمات الإرهابية الأخيرة من الراديكاليين الإسلاميين إزاء السفارات الأمريكية.
1- انهيار تحالف حرب الخليج تظل الأزمة مع العراق أكثر التهديدات خطورة فى الإقليم . وطالما استمر صدام فى السلطة فستظل هناك إمكانية لعودة ظهور العراق كقوة إقليمية عسكرية بأجندة جديدة وقوات عسكرية مسلحة بأسلحة الدمار الشامل. وقد كانت أزمة فبراير 1998 نتيجة رفض العراق للسماح لمفتشى بعثة الأمم المتحدة (اليونيسكوم) بالدخول فى قصور صدام حدثاً فارقاً. فقد وضعت الأزمة كلينتون والتحالف أمام خيارين رئيسيين، هما: إما شن هجوم جوى كاسح ضد الأصول العسكرية العراقية، وإما دعم المبادرة الدبلوماسية للأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان. وكان واضحاً انهيار التحالف المتميز الذى جمعه وقاده الرئيس جورج بوش فى 1990-1991 ، وأصبح من المستبعد إعادة بنائه. وبالرغم من ذلك، فما تزال الولايات المتحدة تمتلك أصولاً عسكرية هائلة فى الإقليم يمكن استخدامها ضد العراق. ومن الواضح أيضاً من أزمة فبراير 1998، أن التهديد بالاستخدام الكاسح للقوة العسكرية فقط هو الذى أمد عنان بالمصداقية المطلوبة لإجبار صدام على الإذعان لقرارات الأمم المتحدة . ومع ذلك، لم يكن مقبولاً من أغلبية دول العالم بما فيها فرنسا وروسيا والصين ومعظم حلفاء الولايات المتحدة من العرب ، احتمال استخدام القوة العسكرية المؤثرة ضد العراق. ومن المستبعد أن يقبل المجتمع الدولى استخدام القوة ضد العراق فى المستقبل إذا لم ينتهك صدام الاتفاق الحالى عن طريق التحرك تجاه الكويت مثلاً، أو مهاجمة طائرات الأمم المتحدة أو إيذاء المفتشين . ففى هذه الحالات فقط من المحتمل أن تحصل الولايات المتحدة على مساندة العمليات العسكرية من فرنسا والعرب فى الخليج. وقد أبرزت أزمة فبراير 1998 معضلة أخرى للسياسة الأمريكية، وهى عدم التعاطف المتزايد من العرب تجاه الولايات المتحدة . ففى 1990 - 1991، لم يحدث رفض شعبى واسع النطاق فى الدول العربية. إلا أن الوضع قد يختلف إذا ما تم استخدام القوة مرة أخرى ضد العراق. حيث تنتشر حالياً فى الإقليم برامج التليفزيون الفضائية مثل بى بى سى وسى إن إن، ويؤثر التليفزيون تأثيراً هاماً على المشاهدين العرب. ويكمن وراء حذر بعض القادة العرب من تأييد الولايات المتحدة الخوف من الثورة داخل بلادهم. وتقوم أغلبية الاهتمامات العربية على التعاطف مع الشعب العراقى، والاحباط الشديد من السياسة الأمريكية تجاه عملية السلام العربى - الإسرائيلى، والرفض العربى لدعم السياسة الأمريكية تجاه العراق . وربما يكون من الظلم من جانب العرب أن يلوموا إسرائيل والولايات المتحدة على إخفاق عملية السلام ، ولكن هذا الوضع قائم ولا يمكن تجاهله. إن تغيير الإدراكات العربية يمكن أن يكون له تداعيات بعيدة المدى على السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط. فحتى الآن، تحترم الحكومات العربية الصديقة التزاماتها الأمنية مع الولايات المتحدة. وإذا أخطأ صدام مرة أخرى فى حساباته، فإنه من المتوقع أن تؤيد دول الخليج ومصر مرة أخرى عملية عسكرية كبرى تجاهه فى هذه الحالة. ولكن إذا استمر صدام فى التراجع قبل تخطى الخطوط الحمراء مباشرة [ غزو الكويت على سبيل المثال ] ، فإن احتمالات العمل الحاسم ضده ستتضاءل ، فى الوقت الذى تتعزز فيه احتمالات إعادة التأهيل . وستكون النتيجة أخطر تحدى لأمن الطاقة فى الخليج الفارسى منذ 1990.
2- الصراع المعقد فى إيران يتزامن عودة ظهور إيران كلاعب رئيسى فى السياسات الإقليمية مع نمو الشعور المعادى لأمريكا فى العالم العربى. حيث تواكب نجاح إيران فى رئاسة اجتماع منظمة المؤتمر الإسلامى فى طهران فى ديسمبر 1997 مع فشل المؤتمر الاقتصادى الذى عقدته الولايات المتحدة فى قطر فى الشهر الذى سبقه ، والذى رفضت الدول العربية الرئيسية - مصر والسعودية - حضوره . كما بدأ تقارب طهران مع السعودية أيضاً فى هذا الوقت ، وأصبح ذلك عنصراً جديداً فى معادلة الخليج . لقد فشلت محاولة إدارة كلينتون فى عزل إيران سياسياً من خلال سياسة الاحتواء، ولهجة الدولة المارقة. لذلك، فإن من المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة أن تبحث عن علاقات طبيعية مع إيران. ومع ذلك ، توجد العديد من العوامل التى تعوق العلاقات الطيبة بينهما مثل سياسة إيران المعادية لإسرائيل. وطالما استمرت طهران فى اتباع سياسات تهدد بصورة مباشرة إسرائيل ، فلن تقبل إدارة كلينتون أو الكونجرس إحداث تغييرات جذرية فى السياسة الأمريكية . وقد أحدث انتخاب خاتمى فى مايو 1997 تغييراً جذرياً فى ديناميكيات السياسة الداخلية الإيرانية ، إلا أن إصلاحاته المقترحة لن تتحقق ما لم يتمكن مؤيدوه المعتدلون من إحكام سيطرتهم على أدوات السلطة الرئيسية . وستضع المسارات الاقتصادية والسكانية غير المواتية فى إيران تحدياً خطيراً أمام أو قائد إيرانى سواء كان معتدلاً أو وسطاً أو راديكالياً. ويقدم الأثر السلبى للعقوبات الأمريكية على قطاع الطاقة الحيوى فى إيران حافزاً قوياً للنظام لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة. ويدرك المحافظون فى إيران أن التقارب مع الولايات المتحدة سيعنى تقليل - إن لم يكن إنهاء - لقوتهم. وفى النهاية ، تواجه إيران تحديات أمنية إقليمية خطيرة، وستستمر فى تطوير صواريخ أرض- أرض وبرنامجها النووى فى حالة تدهور بيئتها الأمنية المحيطة. وقد دعت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت فى 17 يونيو 1997 كلا من إيران والولايات المتحدة إلى بناء ثقة متبادلة ، حتى تستطيع واشنطن أن تقيم علاقات طبيعية مع الجمهورية الإسلامية . وكانت الاستجابة الإيرانية حذرة. ويرى منتقدو إدارة كلينتون أن مساعدة خاتمى تقوى المتشددين. بينما يعتقد مؤيدو هذه السياسة أن مساعدة خاتمى على انفتاح المجتمع الإيرانى ستؤدى إلى إضعاف المتشددين. وأياً كانت الرؤية التى تسود، فلن يكون هناك تقدم حقيقى فى العلاقات إذا لم تعالج ست قضايا رئيسية هى: المظالم التاريخية المتبادلة ، والإرهاب، والوجود الأمريكى فى الخليج، وبرنامج التسليح الإيرانى، والمعارضة الإيرانية لعملية السلام وإسرائيل ، والقضايا الاقتصادية وخاصة العقوبات وسياسات خطوط الأنابيب. ولن يتم حل هذه القضايا إلا عن طريق حوار رسمى، وهو ما تعارضه إيران حالياً. ولن تستطيع الولايات المتحدة إيقاف تطوير إيران لبرنامجها المتقدم فى الصواريخ . ومع ذلك، تستطيع إبطاءه من خلال تعاون حقيقى من جانب روسيا لمدة قد تصل إلى عشر سنين. أما خيار الأسلحة النووية الإيرانية، فهو قضية أكثر خطورة لأن إيران موقعة على اتفاقية منع الانتشار النووى، وبالتالى يعد استمرارها فى تطوير البرنامج النووى انتهاكاً أو انسحاباً من المعاهدة. وبالتالى، ستواجه عقوبات الأمم المتحدة. وإذا اختارت الطريق السرى، فسيكون من المشكوك فيه أن تقوم روسيا والصين بمساعدتها. أما الإرهاب، فتحتاج الولايات المتحدة أن تميز بين الأفعال الإيرانية المباشرة ضد الأمريكيين وحلفاء الولايات المتحدة ، وبين الأعمال ضد المعارضين المحليين لإيران. فالأول أكثر خطورة ومرفوض تماماً. وبشأن إسرائيل وعملية السلام، فيجب أن تقتنع إيران بأنها ستخسر كثيراً إذا استمرت فى ذم إسرائيل، ولا يتوقع أحد أن يدعم النظام الإيرانى إسرائيل، ولكن قرار القائد الفلسطينى ياسر عرفات المتحدث الشرعى للفلسطينيين يشير إلى قبول التطورات الأخيرة فى الاقليم. وهناك حاجة لإجراء محادثات مباشرة فى القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل أفغانستان والعراق. وبالإضافة إلى ذلك، يجب تطبيق إجراءات أسرع للحصول على التأشيرة، حيث لا يوجد تمثيل دبلوماسى أمريكى فى طهران. وتستطيع إيران أن تسمح بعودة موظف قنصلى بدرجة منخفضة لسفارة صديقة فى طهران (سويسرا مثلاً) ، وبالتالى يتم تسريع عملية حصول الإيرانيين على تأشيرات سفر. ويمكن أن تؤدى تطورات مفاجئة كوصول أحد الملالى المحافظين إلى تجميد الوفاق الأمريكى - الإيرانى. كما أن من شأن أى عقوبات جديدة من الكونجرس على قطاع الطاقة الإيرانى أن يحد من قدرة الدبلوماسية . أما الحدث الأكثر خطورة فسيكون نجاح هجمة إرهابية أخرى ضد الأمريكيين وتورط إيرانى واضح فيها. وسيتم النظر إلى بعض التطورات مثل وفاة صدام، بإيجابية فى الولايات المتحدة، ولكن بصورة أكثر تشويشاً فى إيران. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يساعد حدوث نجاح غير مسبوق فى عملية السلام العربى - الإسرائيلى فى تهدئة اللهجات المعادية لإسرائيل فى إيران. وفى نفس الوقت ، يقلل دعمها للجماعات الراديكالية مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامى. وفى حالة حدوث مثل هذه التطورات الإيجابية يمكن أن تفكر الولايات المتحدة وإيران فى مساومة كبرى تقوم على الحد من برامج إيران النووية والصاروخية مقابل فتح الباب أمام التعاون الأمريكى الإيرانى فى مشروعات الطاقة بما فى ذلك خطوط الأنابيب فى قزوين عبر إيران. وسيكون ذلك دفعة كبرى لتحقيق أمن الخليج ، والاستثمار طويل المدى فى قطاع البترول الإيرانى. كما أنه سيزيد من قدرة إيران على تقديم كميات أكبر من البترول لسوق التصدير، وسيؤدى إلى التخلص من أحد المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار فى المنطقة . كما سيساعد فى حل النزاع على مسارات الطاقة فى قزوين بافتراض الأخذ فى الحسبان احتياجات روسيا وطموحاتها.
3- المزاج السياسى فى واشنطن إن النقد الأساسى للسياسة الأمريكية فى الخليج وقزوين من جانب الحلفاء الخارجيين ومن المعارضين فى واشنطن هو أن هذه السياسة غير متسقة وغير قابلة للعمل بشكل جيد. وبالرغم من ذلك، يظل هناك تأييد قوى لاستمرار الوجود العسكرى الفعال فى الخليج الفارسى فى كل من الإدارة والكونجرس . ففى مسألة احتواء صدام وإيران يعتبر الكونجرس أكثر تشدداً من الإدارة ومعظم المجتمع السياسى الأمريكى. حيث يشكل الذين يؤيدون حالة التدخل الأمريكى فى الشؤون الخارجية الأغلبية حالياً مقارنة بالانعزاليين الجدد الذين يرغبون فى تخفيض هذا التدخل. ومع ذلك ، فإن هذا الوضع قد يتغير إذا اتضح أن التكاليف المالية والبشرية للوجود فى الخليج تتزايد. ويمكن أن يحدث ذلك لعدة أسباب : الأول ظهور عدم التأييد للسياسة الأمريكية تجاه العراق من جانب حلفائها فى الناتو والدول العربية [ باستثناء المملكة المتحدة والكويت ]، وهو ما اتضح فى الغضب والرفض داخل الكونجرس الأمريكى وبين عامة الشعب. ويمكن أن يتفاقم ذلك إذا ما وقع ضحايا جدد من الأمريكيين نتيجة هجمات إرهابية عليهم. ويشير الانسحاب السريع لإدارة كلينتون من الصومال فى 1993 بعد وفاة 18 شخصاً من الجيش الأمريكى، إلى أن التسامح الأمريكى تجاه الضحايا فى عمليات حفظ السلام محدود. صحيح أن الخليج ليس الصومال ، ولكن سيجد أى رئيس صعوبة فى إرسال قوات أمريكية فى طريق الخطر إذا لم يكن حلفاؤه لديهم الرغبة فى القتال إلى جانبهم. ويمكن أن تتزايد هذه الصعوبة إذا تم امتلاك الأسلحة النووية من جانب إيران والعراق أو أى تنظيم إرهابى. وفى الوقت الذى يثمن فيه المحللون الاقتصاديون والاستراتيجيون أهمية وحيوية بترول الخليج للاقتصاد الأمريكى - حتى إذا كان معظمه لصالح آسيا -، قد لا يعلم الشعب الأمريكى وبعض أعضاء الكونجرس هذه الأهمية. هذا، ويجب أن يقدم قادة الولايات المتحدة استراتيجية متماسكة تجاه الالتزام المفتوح تجاه الخليج بشكل مقبول وذى مصداقية لحلفائها الرئيسيين . فلم يعد من المناسب ترديد أقوال مثل الدول المارقة ، وتهديدات الراديكالية حتى إذا وافق البعض على هذه التشخيصات. فهناك عدد من التهديدات الخطيرة التى يجب مواجهتها - كالانتشار النووى على سبيل المثال، إلا أن ذلك لن يكون ممكناً بأفعال أمريكية منفردة ، خاصة إذا تسببت بعض العقوبات على الشركات الأجنبية التى تقوم بالاستثمار فى قطاع الطاقة الإيرانى فى ابعاد بعض الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين. والإدارة على حق فى البحث عن علاقات أفضل مع إيران، فهذه خطوة فى الاتجاه الصحيح. وفى هذا الإطار، يجب أن يلعب الحلفاء الأوروبيون واليابان دوراً أكثر فاعلية فى إقناع طهران بضرورة أن تخفف من موقفها . وبمجرد أن يبدأ حوار ذو معنى بين الولايات المتحدة وإيران، فسيكون من الأسهل تعديل سياسة العقوبات، وإيجاد حل لمعضلة قزوين، وتكوين جبهة موحدة ضد صدام. وإذا لم تتخذ المبادرات فى الحال لإعادة بناء تحالف أكثر تماسكاً، فالنتيجة ستكون خطيرة على المنطقة والعالم.
الاستنتاج سيبقى أمن الخليج الفارسى هو التحدى الاستراتيجى للاقتصاد العالمى. وسيتزايد الاعتماد على بترول المنطقة فى العقود المقبلة. ويتزامن تنامى الاحتياجات الاسيوية من بترول الخليج، مع زيادة انتشار أسلحة الدمار الشامل فى المنطقة ، ومع تراجع التأييد الدولى للسياسة الأمريكية تجاه العراق ، ومع ظهور حوض قزوين كمنطقة للتنافس الجيوسياسى على ممرات عبور الطاقة. ويمكن أن تؤثر أى مواجهة عسكرية كبيرة فى الخليج بشدة على الأمن الطبيعى لإمدادات البترول، وبالتالى ارتفاع الأسعار العالمية للبترول، حيث يعد انخفاض أسعار البترول أحد أكثر مصادر عدم الاستقرار خطورة فى عالم اليوم. وتعد السعودية وإيران أكثر الدول تضرراً من ذلك. وبناء على هذه المعطيات ، يؤدى استمرار الأزمة العراقية والموقف الأمريكى من إيران إلى تأجيج عدم الاستقرار فى المنطقة. وبالرغم من أن الولايات المتحدة هى حارسة بترول الخليج، فإن الوجود العسكرى الأمريكى فى الفترة المقبلة سيكون سبباً فى الفوضى السياسية فى العالم الإسلامى . وبمرور الوقت ، سيحد ظهور الدول الآسيوية كمستهلكين رئيسيين لبترول الخليج من نطاق العمل الأمريكى المنفرد، خاصة إذا كان هناك عدم اتفاق جوهرى بين الولايات المتحدة وآسيا ودول الخليج الرئيسية حول الاستخدام المحتمل للقوة. ولذلك فمن الضرورى إعادة تقييم نطاق وأهداف السياسة الأمريكية فى الخليج. وتعد مبادرات إدارة كلينتون لتحسين العلاقات الأمريكية - الإيرانية خطوة إيجابية للأمام، ولكن تبقى المشاكل المعقدة مع العراق أكثر البنود خطورة فى الأجندة. فسيهدد صدام المتعافى والمالك لأسلحة الدمار الشامل المنطقة وسيندفع بأشباح الهيمنة الإقليمية العراقية وكارثة جديدة مدمرة.
|
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|