تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
التقرير الإستراتيجي العربي
جديد
تقارير
تقرير الحالة الدينية
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
المقالات الإسبوعية
تحليلات عربية و دولية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
قراءات إستراتيجية
صحوة الاتجاه المضاد للأمركة فى كوريا الجنوبية فى عهد الرئيس بوش

الموضـــــــــــوع :The Anti - American Blowback from Bush's Korea Policy
المؤلـــــــــــــف:Jeffrey Robertson
المصـــــــــــــدر:Foreign Policy in Focus Policy Report
تاريخ النشـــر:January 2003
إعداد : شاهيناز محمود أبو سريع
تصوير فوز المرشح الليبرالى الحر رو موهيون فى انتخابات الرئاسة فى كوريا الجنوبية والتى أجريت فى التاسع عشر من شهر ديسمبر الماضى - فى الإعلام الغربى على أنه مؤشر أكيد لاضطرابات مستقبلية فى علاقات واشنطن - سول.

وتبدو أهمية هذا الفوز بالنظر إلى التاريخ السياسى لرو موهيون، فهو ليبرالى مخضرم ومدافع عن حقوق الإنسان - مقارنة بمنافسه لى هوى شانج، مما يؤكد لنا أنه يمثل بالفعل شريكاً أكثر تحدياً للعلاقات الأمريكية - الكورية الجنوبية المستقبلية.
وتتضمن قائمة الأهداف المعلنة للرئيس الجديد: العمل على استمرار سياسة الشمس المشرقة، والمصالحة تجاه كوريا الشمالية، إعادة التفاوض على وضع القوات الأمريكية المرابطة فى كوريا الجنوبية، اتخاذ سياسة خارجية أكثر استقلالية فى العلاقات الإقليمية والدولية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن وجود رو موهيون فى موقع الرئاسة لن يكون وحده سبباً فى وجود توترات متبادلة بين واشنطن وسول، فهناك أيضاً سياسة للرئيس بوش الخارجية الأحادية الجانب.
برز الاتجاه المضاد للأمركة على مسرح الأحداث الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، وذلك لأن غياب تهديد عالمى خطير يبطل الحاجة لاحتمال العجرفة الأمريكية واتجاهاتها الأحادية الجانب. وبالإضافة إلى ذلك، أدى نجاح سياسة الشمس المشرقة للمصالحة إلى إقلال الخطر القادم من جبهة الحرب الباردة السابقة فى آسيا.
لذلك، نجحت الأسباب السالفة الذكر فى خلق مناخ سياسى لا يبشر بالخير للعلاقات الثنائية المستقبلية بين البلدين. لخلاصة، إن الاتجاه المضاد للأمركة فى كوريا الجنوبية. التى كانت يوماً واحدة من أقرب الحلفاء الموثوق فيهم والمساندين للسياسة الأمريكية، ارتفع إلى مؤشرات خطيرة.

الاتجاه المناهض للأمركة
إن الاتجاه المناهض للأمركة ليس ظاهرة جديدة أو مفاجئة، بل هى ظاهرة معروفة ومتجددة على الدوام، تأرجحت ما بين الصعود والهبوط مع فترات الانعزال والتدخل الأمريكى فى العلاقات الدولية. أيضاً، تأرجحت الولايات المتحدة الأمريكية ما بين لعب دور الشيطان والمنقذ أكثر من مرة خلال تاريخها القصير. حتى جاءت أحداث الحادى عشر من سبتمبر، والتى كانت تحمل فى طياتها أكثر من مفاجأة للشعب الأمريكى أهمها مدى انتشار الاتجاه المناهض للأمركة فى العالم كله، وقبل الإفاقة من صدمة الهجوم كان التضامن العالمى قد تحول إلى صيحات عدائية.
فعلى سبيل المثال، كانت هناك عبارة موجزة نشرتها مجلة آسيا الأسبوعية تقول لقد تعاملت الصين مع الموقف بشىء من الشفقة والارتياب، وإلقاء اللوم على السياسة الأمريكية بأنها السبب فى هذه الهجمات. ونفس رد الفعل يمكن لمسه فى العالم أجمع من ألمانيا إلى كوريا الجنوبية.
وتجدر الإشارة إلى أن أهم أسباب الانتقاد الموجه للولايات المتحدة الأمريكية يكمن فى كبر حجم الدور الذى تلعبه السياسة الخارجية الأمريكية فى الشئون الداخلية للدول. فمنذ أكثر من أربعين عاماً، أشار هانز مورجنتاو فى كتابه الكلاسيكى السياسة عبر الدول إلى أن تلك النقطة التى تضع حداً بين السياسة الخارجية والداخلية، تميل للتلاشى. يزيد على ذلك، أنه مع الثورة التكنولوجية فى مجال الاتصالات، يصبح من الصعب العثور على تلك النقطة أكثر من ذى قبل.
ولاشك أن إدارة بوش فشلت فى معرفة حدود الدور الأمريكى للتدخل فى الشئون الداخلية للدول، ويمكن الاستدلال على ذلك فى انسحابها من نطاق العمل الجماعى إلى انتهاج سياسة تميل أكثر للعمل المنفرد.
إن انعزالية إدارة بوش عن العمل الدولى المتعدد الأطراف يمكن لمسها فى عدم التوقيع على بروتوكول كيوتو، وشروطها المجحفة للانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ووقف العمل بمعاهدة الدفاع المضاد للصواريخ فى سبيل العمل بمعاهدة الدفاع الوطنى الصاروخى، الخ. وبالطبع ساهم كل من هذه الإجراءات فى تعميق الفجوة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولى فى زمن العولمة الذى يفترض فيه عدم وجود مثل هذه الفجوة.
بل إنه حتى فى أعقاب أحداث الحادى عشر من سبتمبر، رأى 55% من الأوروبيين - حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية المزعومين - أن أخطاء السياسة الخارجية الأمريكية هى السبب فى حدوث هذه الهجمات.
وفى نفس الاستفتاء، قام أغلبية الأوروبيين بوصف أداء إدارة بوش على أنه أداء فقير للغاية فى تعاملها مع الأحداث الدولية مثل الصراع العربى - الإسرائيلى (74%)، الأزمة فى العراق (71%)، ارتفاع درجات الحرارة العالمية (77%).
إن الاستراتيجية الحالية التى تنتهجها الإدارة الأمريكية - الأحادية الجانب - صارمة لا تتمتع بأى مرونة، والدليل على ذلك ما أدلى به الرئيس بوش فى العشرين من سبتمبر عام 2001 بأنه إما أن تكون معنا أو أن تكون مع الإرهابيين.
فمنذ ذلك الحين، والرئيس بوش يصر على ذلك الموقف. الذى يقوم بتقسيم العالم إلى معسكرين، معسكر الأخيار (الولايات المتحدة وحلفاؤها) ومعسكر الأشرار(معارضو الولايات المتحدة). وفى الواقع، فإن ذلك الاتجاه الأحادى الجانب أصبح بمثابة المحور الذى يرتكز عليه عمل السياسة الخارجية الأمريكية، وكان ذلك بمثابة الشرارة الأولى فى زيادة الاتجاه المضاد للأمركة.
وفى استفتاء أبريل الذى قام برعايته مجلس العلاقات الخارجية، عارضت أغلبية غير مسبوقة المسلك الأمريكى الأحادى الجانب (85% من ألمانيا، 80% من فرنسا، 73% من انجلترا، 68% من إيطاليا) بالإضافة إلى رؤيتهم بأن الولايات المتحدة تعمل وفقاً لمصالحها فى الحرب ضد الإرهاب.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تشبيه الحرب ضد الإرهاب بأنها معركة بين الخير والشر مع كل مفرداتها الكوميدية مثل محور الشر، قامت بتدعيم ذلك الشعور المضاد للأمركة فى الكثير من الدول التى تتواجد فيها أصلاً كراهية فطرية للسياسة الأمريكية.

الاتجاه المناهض للأمركة فى كوريا الجنوبية: ثقافى أو اقتصادى أو مجرد محور شر؟
فى حدث غريب من نوعه، قامت الجماهير باحتجاز جندى أمريكى وإجباره على مشاهدة مظاهرة رافضة للأمركة تم فيها تصويره وإجباره على إلقاء خطبة عامة يطالب فيها الولايات المتحدة الأمريكية بالعدالة، ثم تم أخذه بعد ذلك ليعتذر لنائب رئيس منظمة مناهضة الأمركة.
إننى أرى أنه من الصعب أن نمحو من ذهننا صورة ذلك الجندى الأمريكى الذى تمت معاملته بقوة وبطريقة غير آدمية. وللعلم، فإن مكان وقوع ذلك الحادث، لم يكن فى لبنان، أو إيران، أو أى منطقة أخرى فى الشرق الأسط، ولكنه حدث فى مدينة سول فى سبتمبر2002.
وبما أن دراسة الماضى لها فائدة لا يمكن إنكارها فى فهم أحداث الحاضر، يجب علينا أن نبدأ بدراسة الموضوع من بدايته، ففى البداية وعلى النقيض تماماً مما هو موجود الآن، كان أى مسلك أو اتجاه مناهض للأمركة فى كوريا الجنوبية يتم النظر إليه على أنه اتجاه متطرف أو عنصرى وغير وطنى.
من المعروف أن مولد كوريا الجنوبية جاء نتيجة الحرب الباردة. وكان ذلك المولد نتاج قرارات سياسية واستراتيجية فى واشنطن للوقوف فى وجه الشيوعية فى شمال آسيا. تلك الشيوعية التى أدى استمرار وجودها إلى وفاة أكثر من 36.000 جندى أمريكى، إلى جانب مليون مواطن كورى جنوبى. ففى أوج الحرب الباردة، كان الوجه الآخر لمعاداة الولايات المتحدة الأمريكية هو اتهامك بالتطرف وموالاة السوفيت، وبالتالى تكون عدواً للدولة.
فى بدايات الجمهورية الكورية الجنوبية، كان الاتجاه المضاد للأمركة مجرد اتجاه عنصرى مقصور على عدد محدود من المواطنين الذين احتملوا عذاب السجون والاعتقال تحت قانون الأمن الوطنى (1947). وقد تم استخدام ذلك القانون بواسطة إدارة رى لضمان الحفاظ على مساندة جناح السلطة اليمينى المحافظ. وقد أكد تطبيق ذلك القانون على أن الاتجاه المناهض للأمركة سيبقى قاصراً على المتطرفين المستعدين للمخاطرة. وفى الواقع، فإن العداء للأمركة، ظل محجوباً ضمن الحركة الماركسية - اللينية، حتى بدايات الحركة الديمقراطية.
ومع بداية التحول الديمقراطى، انطلق الاتجاه المناهض للأمركة من داخل كواليس الحركة الماركسية اللينينية والعنصرية ليقتحم عالم القومية الكورية والقنوات السياسية المشروعة. بل إن هناك ما هو أكثر من ذلك، حيث أن مرحلة ما بعد التحول الديمقراطى شهدت إعادة تقييم واستقراء للهوية الوطنية الكورية والتاريخ الكورى. وقد ساعد ذلك على إجراء عملية إعادة نظر للاتجاه المناهض للأمركة فى عقول الأجيال المختلفة فى كوريا الجنوبية اليوم.
وقد بدأت مؤشرات المرحلة الأولى من التحول الديمقراطى فى الظهور خلال فترة الحكم الاستبدادى القمعى لأول رئيس لكوريا الجنوبية رى سينجمان. فالبداية، كانت فى 19 أبريل 1960 حيث اندلعت المظاهرات الطلابية فى الشوارع الكورية للاحتجاج على فساد العملية الانتخابية والتى أسفرت عن حصول رى على 90% من الأصوات.
وقد بدأت أحداث الشغب فى ماسان، والتى تردد صداها فى أنحاء الدولة، حتى تم إعلان قانون الأحكام العرفية، وإجبار الرئيس رى على مغادرة البلاد.
ثم كانت الخطوة الثانية، وهى إعلان تشكيل أول حكومة ديمقراطية فى كوريا الجنوبية، والتى تعرف باسم الجمهورية الثانية، وقد قامت الحكومة بتشكيل نظام تشريعى ثنائى جديد إلى جانب خفض السلطات الممنوحة للسلطة التنفيذية أيضاً وعمل مواجهات ديمقراطية ومفتوحة، هذا بالإضافة إلى وجود صحافة حرة ومستقلة. خلاصة القول، إن نفى الرئيس رى كان هو المؤشر الرئيسى لنهاية المرحلة الأولى من الحركة الديمقراطية.
ومما ينبغى علينا إلقاء الضوء عليه هو قيام عدد من النشطاء الموالين للديمقراطية بتزيين تمثال الجنرال ماك آرثر بأكاليل من الزهور لاعتقادهم بأن الحكومة الأمريكية ساعدت فى إزاحة رى من الحكم، وكانت هذه واحدة من المرات القليلة التى تطلع فيها الكوريون الجنوبيون إلى السياسة الأمريكية على أنها داعمة حقيقية للديمقراطية فى كوريا الجنوبية.
وفى 16 مايو 1961، كانت النهاية المأساوية الدرامية للجمهورية الثانية ومبادئها الديمقراطية على يد الحكم العسكرى بقيادة بارك شونج هى. والآن، نأتى إلى المرحلة الثانيـــة مـن الحركــة الديمقراطيــة (1979 - 1980) والتى بدأت كمثيلتها السابقة فى شكل مظاهرات فى بوسان وماسان، كانت بمثابة رد فعل لمحاولات النظام قمع الشعب الكورى المكبوت أساساً.
وبعد ذلك، كان اغتيال الرئيس بارك وبداية المضى فى طريق الإصلاحات الحزبية التى قام بها الرئيس المؤقت شوى، وتوسع الحركة الديمقراطية لتتضمن الطلاب، الحركة العمالية، الكنيسة الكاثوليكية، وكان رد الفعل على ذلك كله: هو إعلان الأحكام العرفية، واعتقال الرؤساء المستقبليين كيم يونج سام و كيم داى جونج.
وفى قمة الأحداث الدموية التى وقعت فى 18 مايو 1980، قامت القوات العسكرية الخاصة بقمع مظاهرة فى كوانجو، تسببت فى وفاة ما بين 230 شخصاً وفقاً للتقارير الرسمية، و 2000 شخص، وفقاً لتقارير جماعة مراقبة حقوق الإنسان الآسيوية.
إن استخدام قوات كورية خاصة تحت قيادة القوات الأمريكية المشتركة - كان سبباً رئيسياً لبداية ظهور الاتجاه المناهض للأمركة. فقد كان ذلك بمثابة إعلان سقوط الديمقراطية فى المرة الثانية، ولكن فى هذه المرة يقع اللوم على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية.
وفى نهاية المرحلة الثانية من التحول الديمقراطى، تصاعدت حدة المعارضة الشعبية إزاء الولايات المتحدة الأمريكية، ونستطيع لمس ذلك الشعور فى هجمة 1980 على مركز المعلومات الأمريكى فى سول، هجمة 1982 على مركز الثقافة الأمريكى فى بوسان، المظاهرات المعارضة لزيارة رونالد ريجان 1983، للاستيلاء على المركز الثقافى الأمريكى فى سول، والذى قام خلاله المتظاهرون بطلب اعتذار رسمى من الولايات المتحدة الأمريكية عن مذبحة كوانجو.
وفى عام 1987، تأتى المحطة الثالثة والأخيرة من حركة التحول الديمقراطى، حيث اخترقت شوارع كوريا الجنوبية سلسلة من المظاهرات المعارضة لخطط الجنرال شون دو - هوان الخاصة بنقل السلطة إلى الجنرال المتقاعد روتاى -ووه تحت دستور غير ديمقراطى. وفى هذه المرة، تصاعدت الأصوات المؤيدة لحركة الإصلاح السياسى.
وفى 29 يونيو، كان إعلان رو موافقته على جميع الإصلاحـــــــات التى تتضمنها صفقة التحــــول الديمقراطــــــــى مع المعارضة، وبالفعل، أدى إعلان 29 يونيو إلى قيام أول انتخابـــات رئاسة ديمقراطية وتنصيب روتارى -وره رئيساً.
بعد ذلك، انتقلت حركة التحول الديموقراطى بمعدل سريع من مرحلة إلى أخرى، حائزة فى الوقت ذاته على نسبة تأييد واسعة. أيضاً، توسعت قائمة المساندين من المرحلة الأولى لتتضمن العمال، الكنيسة الكاثوليكية، مجموعات البوذية، ربات البيوت، وحتى بعض العناصر العسكرية مضعفة فى الوقت ذاته من قدرة الحكومة على تصنيف المعارضة كعنصر غير وطنى أو محرض على الفتن وأحداث الشغب فى الواقع، أصبحت المعارضة تتمتع بقدر أكبر من الاحترام والمشروعية عن الحكومية.
فى الوقت نفسه، حدث تحول فى الاتجاه المناهض للأمركة، حيث أدى عدم التدخل الأمريكى فى الشئون الكورية الجنوبية إلى فتح نافذة الاتهامات الموجهة على الولايات المتحدة بالاشتراك فى قمع - الديمقراطية. لم يعد الاتجاه المناهض للأمركة اتجاها غير وطنى أو عنصرياً، بل أصبح مثله مثل الحركة الديمقراطية جديراً بالاحترام، متمتعا بالمشروعية.
ففى إعادة للتقييم للحركة الديمقراطية، قام المحللون السياسيون بدراسة دور الولايات المتحدة بعناية. لقد أدت إزاحة الستار عن حقيقة اشتراك الولايات المتحدة فى القمع المستمر للديمقراطية إلى تصاعد الأصوات الساخرة فى أفضال الدور الأمريكى فى التاريخ الكورى.
فعلى سبيل المثال، قيام الجنرال الأمريكى كارتر ماجرودر بإعطاء إشارة البدء للقوات الكورية لقمع أحداث شغب بوسان (1960) خلال المرحلة الأولى من التحول الديمقراطى بالإضافة إلى القرارات الجدلية بإرسال القوات التابعة للقوات الأمريكية المشتركة التى سلطت الضوء على حقيقة ما وراء التدخل الأمريكى. ومما يدعو للتعجب، قيام بعض المحللين السياسيين بالإشارة للدور التاريخى للولايات المتحدة فى الشئون الكورية، فعلى سبيل المثال، التجاهل الأمريكى للمعاهدة الأمريكية الكورية 1882، والتى كانت مخططة أساساً لحماية كوريا من المخططات الاستعمارية. اتفاقية نات - ناكورا لعام 1905 والتى قامت باستبدال موافقة اليابان على ضم الولايات المتحدة الأمريكية لهاواى فى مقابل موافقة الولايات المتحدة على ضم اليابان لكوريا.
لذا، هناك زاوية جديدة نرى منها ما وراء التدخل الأمريكى فى كوريا الجنوبية. فالولايات المتحدة قبل ذلك كان ينظر إليها على أنها داعم قوى للديمقراطية المؤسسة على مبادئ ويلسون ولكن اليوم، نرى هذه المبادئ، متجردة من كل مثالياتها، نراها على حقيقتها الكاذبة، المنمقة.
وقد أدت هيمنة هذه الرؤية إلى توسيع نطاق المعاداة للولايات المتحدة فى العالم الثالث.
خلاصة القول : إن الاتجاه الحالى المناهض للأمركة فى كوريا الجنوبية يعكس بوضوح مشاعر الرأى العام للتهديدات الأمريكية الموجهة إلى الهوية الوطنية، الاقتصادية، الثقافية فى كوريا الجنوبية.

الجذور الاقتصادية
للاتجاه المضاد للأمركة
بدأ البعد الاقتصادى للاتجاه المضاد للأمركة فى الظهور فى كوريا الجنوبية لأول مرة فى فترة الثمانينيات. لكن الجذور ترجع إلى عام 1960 خلال فترة حكم الرئيس بارك والتى بدأت فيها برامج الإصلاح الخاصة بالسياسة التجارية والتى تضمنت زيادة الصادرات، الدخول فى مجال الصناعات الثقيلة والكيميائية. وقد أدى ذلك إلى وجود فائض فى معدل التبادل التجارى لأول مرة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية عام 1986. ولكن، من جهة أخرى، كان هناك عجز ضخم فى معدل التبادل التجارى مع اليابان، فكان رد الفعل الأمريكى المدبر فى هذه الحالة، هو فتح الأسواق الكورية للصادرات الأمريكية. أيضاً، توسعت المصالح الأمريكـــــية مع كــــــوريا الجنوبية من مجرد نطــــاق الإصلاح الزراعى إلى حماية حقوق الملكية الفكرية.
ولكن، على الجانب الكورى الجنوبى كانت هناك معارضة شعبية قوية تجاه السياسة التجارية الأمريكية، والتى تم تشبيهها بما يمكن أن نطلق عليه الحرب التجارية أكثر منها اتفاقية تعاون بين الحلفاء. وتجدر الإشارة إلى حدوث هذه التطورات بعد فترة قصيرة من مذبحة كوانجو، أى عندما بدأت المظاهر والتنبؤات الخاصة بالاتجاه المناهض للأمركة فى الظهور. لذلك، أدت محاولات أمريكا لزيادة صادراتها على تفجير ثورة عارمة، فعلى سبيل المثال، تحولت القطاعات التى كانت فى الأصل مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية - خاصة فى المجال الزراعى و الصناعىـ تحولت وبعنف لتصبح موالية للولايات المتحدة الأمريكية. ومن المعروف أن تبريرات الغضب الشعبى ركزت بالأساس على الوسائل التى تستخدمها الولايات المتحدة لفتح الأسواق الكورية، حيث عقد معظم الكوريين رابطة بين الولايات المتحدة والنظام الاقتصادى الدولى، الجات، وأخيراً منظمة التجارة العالمية، والتى أصبحت فى اعتقادهم بمثابة أدوات تسيطر عليها الحكومة الأمريكية.
وقد تم تعزيز ذلك الشعور العام بعد الدور الذى لعبه صندوق النقد الدولى فى الأزمة الاقتصادية الآسيوية (1997) والتى أثرت بشدة على كوريا الجنوبية.
فقد كان ينظر إلى فترة تدخل صندوق النقد الدولى للإصلاح على أنها فترة مشئومة فى التاريخ الكورى، مساوية إلى حد المبالغة الشديدة بالاحتلال اليابانى.
ففى كوريا الجنوبية، كانت الأسباب الأساسية للأزمة تتركز فى السياسة المالية الخاطئة لإدارة سول والفشل فى السيطرة على سياسة الاقتراض ولكن فى الوقت ذاته، كان هناك قدر من اللوم ملقى على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية حيث السياسات الخاطئة التى قام صندوق النقد الدولى بتطبيقها فى المراحل الأولى للأزمة فأحدثت فوضى اجتماعية فى كوريا الجنوبية. وللعلم، تمتعت هذه السياسات بتأييد إدارة كلينتون.

الجذور الثقافية
للاتجاه المضاد للأمركة
إن البعد الثقافى للاتجاه المضاد للأمركة كان دائماً موجوداً فى كوريا الجنوبية، وإن كانت نسبته أقل بالمقارنة بفرنسا أو باقى أوروبا. وتمثل الرؤية الكورية نفسها فى اتجاهها الانحيازى للهوية الوطنية أكبر من كونها رد فعل سلبياً للثقافة الأمريكية. وبسبب الفروق الواضحة فى كلتا الثقافتين، فإن طريقة الحياة الأمريكية لم تستطع اختراق المجتمع الكورى كما حدث فى أوروبا.
وبالرغم من رفض البعض اتهام كوريا الجنوبية بأنها بلد محافظ، فقد كان هناك دائماً ذلك الرفض لاختراق المظاهر والعادات الأجنبية لكوريا الجنوبية. ومن الحقائق التى يجب إلقاء الضوء عليها هى إن أقوى مظاهر الرفض للثقافة الأمريكية تم تأسيسها على أسباب اقتصادية. ففى خلال تلك الحرب التجارية فى الثمانينيات، عندما تم إجبار الحكومة الكورية الجنوبية على السماح باستيراد السلع الأجنبية، نجحت الحملات المحلية الاستهلاكية التى تشجع على شراء المنتجات المحلية فى خلق بعض العوائق أمام استيراد السلع الأجنبية. والمثير للدهشة هو النجاح الساحق لهذه الحملات، حتى أنها استمرت فى التأثير على المستهلك لعدة عشرين عاماً أخرى إلى أن تم إجبار الرئيس الكورى كيم داى جونج على تشجيع المستهلكين الكوريين على شراء السيارات الأجنبية حتى يتجنب الشكاوى المتزايدة من جانب المستثمرين الأجانب الخاصة بالعوائق الاجتماعية للاستيراد.
أيضاً، قامت كوريا الجنوبية بالحفاظ على مضمون المادة المحلية الإعلامية المقدمة. والجدير بالذكر أن هذه المحاولات الحكومية لم تركز على الولايات المتحدة الأمريكية بل على اليابان. وقد استمرت تلك المحاولات حتى عام 1998، فعلى سبيــــــل المــثال، كانت تلك القرارات الكورية تمنع استيراد أى منتجات ثقافية يابانية، كالأفلام والموسيقى.
لقد تم تأسيس أقوى مظهر مضاد للأمركة فى كوريا الجنوبية على الهوية الوطنية. ففى كوريا الجنوبية، تم إضعاف أسس الهوية الوطنية بسبب اعتماد السلطة التنفيذية على القوى الخارجية-التى تم تقييد ممارستها الفعلية لسلطتها المطلقة بداخل حدودها، أولاً، بسبب ادعاء نظام عدائى الحق فى السيطرة على شبه الجزيرة الكورية كلها. مع الأخذ فى الاعتبار السيطرة الفعلية لذلك النظام على الجزء الشمالى من شبة الجزيرة .
ثانيا: بسبب وجود تلك القواعد العسكرية للقوات الأمريكية الكورية المشتركة (USFK).
ففى الماضى، رفضت كوريا الشمالية التفاوض مع كوريا الجنوبية مفضلة التفاوض مباشرة مع الولايات المتحدة، فى إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة تجمع خيوط الحكم فى أيديها.
وأخيراً، لا تملك كوريا الجنوبية سيطرة كاملة على مواردها، جيشها، شعبها، فالقوات العسكرية المشتركة تتمتع بسيطرة ميدانية فعلية.
وفيما يتعلق بالاتجاه المناهض للأمركة، المؤسس على التهديد للهوية الوطنية، فيمكن لمس مظاهر ذلك الاتجاه بطرق مختلفة، وأقرب مثال على ذلك، ما حدث أثناء دورة الأوليمبياد الشتوية للتزحلق على الجليد، والتى فاز فيها المتسابق الأمريكى بالميدالية الذهبية بعد استبعاد المتسابق الكورى الجنوبى لعدم أهليته، مما أدى إلى تصاعد حدة المشاعر الرافضة، المعارضة فى كوريا الجنوبية. وفى استفتاء قام بإجرائه جورنال سيسا، رأى 65% أن القرار غير العادل بإعطاء الميدالية الذهبية للمتزحلق الأمريكى، انتون أوهنو، يعد انعكاساً واضحاً للقوة والعنهجية الأمريكية. ومن أبرز تداعيات ذلك الحادث، امتلاء شبكة الإنترنت بعبارات من مثال : يجب على الولايات المتحدة الأمريكية مغادرة شبة الجزيرة فوراً. كذلك أدى ذلك الحادث إلى تصاعد المخاوف الأمنية من جراء ما يمكن حدوثه فى مباراة الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية أثناء بطولة كأس العالم لكرة القدم الأخيرة.
وتجدر الإشارة إلى أن الوجود العسكرى الأمريكى هو أهم سبب لتصاعد الاتجاه المناهض للأمركة المؤسس على الهوية الوطنية. وقد تسبب ذلك الوجود العسكرى فى مقتل فتاتين كوريتين أثناء تدريبات عسكرية معارضة وجود القاعدة الأمريكية بونجان فى مدينة سول، إهمال أى قواعد أو نظم بيئية فى القواعد الأمريكية المراجعة غير الوافية لوضع القوات (SOFA)، وبعض الموضوعات الأخرى.
فى 16يونيو 2002، كان مقتل فتاتين كوريتين فى حادث طريق فى يانججو (شمال سول) أثناء تدريبات عسكرية للقوات الأمريكية الكورية المشتركة. وقد تصاعدت تداعيات الحادث المأساوى لتتحول إلى قضية رأى عام فى كوريا الجنوبية، تركزت بالأساس حول وضع القوات الأمريكية فى كوريا الجنوبية.
وقد أعربت كلتا الحكومتين الأمريكية والكورية الجنوبية عن قلقهما بسبب ما أدى إليه ذلك الحادث من تصاعد الشعور المعادى للأمركة الكورية. وتجدر الإشارة إلى أن أهم حيثيات تلك القضية كان رفض القوات الأمريكية الكورية المشتركة (USFK) أن يحاكم الجنديان المسئولان عن الحادث أمام القضاء الكورى الجنوبى بعد ذلك الالتماس الخاص بمحاكمتهم من جانب القضاء العسكرى فى كوريا الجنوبية. وينص القانون المنظم لوضع (SOFA) بأن القوات الأمريكية الكورية المشتركة ليست مطالبة باستبعاد التحقيق فى أى حوادث تحدث أثناء التدريب.
وقد أدى ذلك الحادث إلى ما يوصف بأنه أقوى تصاعد لحدة الانتقادات الشعبية المناهضة لواشنطن. وأدل مثال على ذلك، رفض التجار فى كوريا الجنوبية بيع المنتجات الأمريكية، أو حتى التعامل مع الأمريكيين الموجودين هناك أيضاً، تطورت الإضرابات اليومية خارج القواعد العسكرية الأمريكية فى سول وبوسان، لتتحول إلى مظاهرات تضم أكثر من 300.000 شخص فى سيول وبوسان. هذا إلى جانب مظاهرات الجاليات الكورية الجنوبية فى الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا، واستراليا.
ومن الأمور المثيرة للانتقاد الوضع غير المبرر للقواعد الأمريكية الكورية المشتركة والتسهيلات الممنوحة لها. يزيد على ذلك، عدم السيادة المطلقة لكوريا الجنوبية على أراضيها مما أدى إلى اختراق الهوية الوطنية الكورية الجنوبية. وأبرز مثال على ذلك، القاعدة الأمريكية الموجودة فى يونجسان - والتى تغطى مساحة أكثر من 360 فداناً فى سول - مما يعد تذكرة واضحة لمدى تفريط الكوريين فى سيادتهم.
وعلى صعيد آخر، لم تحظ الأصوات الداعية إلى ضرورة العثور على موقع آخر للقاعدة بالتأييد اللازم أيضاً، تصاعدت حدة الانتقادات للممارسات من جانب القوات العسكرية الأمريكية والتى تضمنت إلقاء المخلفات فى الساحة أو تلوث البيئة.
لذلك، وفى المقابل، كانت سلسلة المظاهرات الشعبية التى لم تعترض فقط على التلوث ولكن أيضاً عن عجز وزارة العدل على التحقيق فى هذه المسألة تحت القواعد المنظمة لوضع (SOFA).
وتبقى (SOFA) الأساس المحورى الذى تتركز حوله العديد من المظاهرات الشعبية - وبالأخص الحصانة الممنوحة للقوات الأمريكية الكورية المشتركة لأى جرائم تحدث أثناء قيامهم بالعمل.
وقد أسفرت المراجعة الأخيرة لوضع (SOFA)، والتى حدثت أثناء عام 2001 - عن اتساع سلطات القضاء الكورى الجنوبى لتشمل المحاكمة عن الجرائم التى ترتكب من جانب الجنود الأمريكيين وهم خارج الخدمة، وضع حدود أو مبادئ أساسية لحماية البيئة يتم تنفيذها بواسطة القوات الأمريكية الكورية المشتركة. و لكن بالرغم من هذه التغيرات، مازالت هناك معارضة شعبية ملحوظة للاتفاق الحالى.

محــــــــور الشــــــــر
إن خطاب حالة الاتحاد الذى ألقاه الرئيس بوش فى التاسع والعشرين من يناير 2002 وأعلن فيه أن العراق، إيران، كوريا الشمالية يشكلون ما يسمى بمحور الشر لقى نفس ردود الفعل فى كل من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية. فعلى سبيل المثال، محادثات الإنترنت التى امتلأت بعبارات وآراء نافذة للغاية للولايات المتحدة الأمريكية، سلسلة من المظاهرات اجتاحت شوارع سول وبوسان، المشادات الكلامية فى البرلمان.
إن الرأى العام الكورى الجنوبى يمكن وصف شعوره فى تلك العبارة للعضو البرلمانى سونج سوك شان والتى قال فيها : إن الرئيس بوش هو شيطان مجسم يريد أن يجعل تقسيم كوريا تقسيماً دائماً بتصنيف كوريا الشمالية كدولة من دول محور الشر.
وغنى عن القول، أن السياسة الأمريكية الحالية الأحادية الجانب عجلت بالشعور المضاد للأمركة فى كوريا الجنوبية. ومن جهة أخرى، وصلت مسألة العلاقات الكورية الشمالية - الكورية الجنوبية على مستوى متقدم خاصةً بعد مؤتمر الكوريتين للرؤساء فى يونيو 200، عندما أصبح الحلم الذى يتطلع إليه كل الكوريين وحدة سلمية ليس بعيد المنال. وقد تزامن هذا التحول الفكرى مع سياسة الشمس المشرقة لكيم داى جونج، حيث اختفت تلك النظرة العدائية لكوريا الشمالية لتحل بدلاً منها نظرة أخرى وهى نظرة الصداقة والأخوة. وقد انتشر هذا الفكر سريعاً للغاية، بالرغم من قيام هذه السياسة بمواجهة العديد من الإحباطات بعد تنفيذها لمدة ثلاثة شهور.
وفى نوفمبر 2000، أظهر استفتاء دونج -أ- البو أن 59% رأوا أن إمكانية حدوث حرب قد تلاشت تقريباً بعد عقد المؤتمر الكورى الشمالى - الكورى الجنوبى. ونستطيع الاستدلال على ذلك التحول الجديد برفض الورقة البيضاء لوزير الدفاع التى قدمت فى 2002 بسبب عدم الرغبة فى تصنيف كوريا الشمالية كعدو أول والعجز من إيجاد تعبير مناسب.
خلال إدارة كلينتون، تم تأسيس التقارب الأمريكى الكورى الشمالى على ما يعرف باسم سياسة الارتباط . فقد قامت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت بزيارة بيونج يانج فى 23 أكتوبر 2000، وكانت هناك مقترحات لزيارة على مستوى الرؤساء موضوعة على الأجندة الدبلوماسية.
ولكن مع وصول إدارة بوش إلى الحكم، كان ذلك التنبؤ من جانب المحللين السياسيين فى كوريا الجنوبية بوجود بعض التغيرات فى السياسة الأمريكية، بالإضافة إلى ملاحظاتهم الخاصة بوجود بعض العوائق التى تواجه العلاقات الكورية الشمالية-الكورية الجنوبية، فى مقال تحت عنوان: وزاد عبء العمل. وبعد عدة مقابلات مع الكثير من المحللين السياسيين كان ذلك الاستنتاج بأن وجود إدارة بوش سوف يؤثر بالفعل على العلاقات الأمريكية - الكورية الجنوبية.
إذن، هناك حقيقة يجب الاعتراف بها، وهى زيادة الاتجاه المضاد للأمركة منذ تولى بوش مقاليد الحكم. فقد قامت الإدارة الأمريكية بعمل عزل دبلوماسى لكوريا الجنوبية بواسطة خططها الخاصة بالدفاع الوطنى المضاد للصواريخ. الذى عارضته الصين وروسيا أقوى جيران كوريا الجنوبية.
أيضاً، أظهرت استفتاءات أجريت فى يناير 2001 وجود اختلافات ملحوظة بين الرأى العام فى الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تجاه مستقبل شبة الجزيرة الكورية. ففى كوريا الجنوبية رأى 73% من الشعب الكورى أن الوحدة فى شبه الجزيرة الكورية قادمة فى المستقبل القريب مقارنة بـ28% فقط فى الولايات المتحدة. هذا، مع الأخذ فى الاعتبار، معارضة الرأى العام فى كوريا الجنوبية وبشدة معاهدة الدفاع الوطنى المضاد للصواريخ والاتجاه الأمريكى الأحادى الجانب.
وفى 2001، أشارت الكثير من التقارير الصحفية والتوترات المتصاعدة بين كوريا الجنوبية وأهداف السياسة الخارجية الأمريكية. وقد زادت حدة تلك التوترات بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر.
وعلى صعيد آخر، وبعد خطاب الرئيس بوش الخاص بمحور الشر رأى أكثر من 56% من الشعب الكورى الجنوبى أن ذلك الاتهام غير ملائم، بينما شعر 48% أن ذلك الاتهام يخدم المصالح الأمريكية، متجاهلاً فى نفس الوقت مصالح كوريا الجنوبية.
إن الاتجاه الأحادى الجانب فى إدارة بوش كان له تأثير واضح فى تغيير نظرة كوريا الجنوبية للولايات المتحدة وموقعها داخل الشئون الكورية، فقد أظهر استفتاء أجرى فى جورنال سيسا (فبراير 2002) بأن أكثر من 56% من الشعب الكورى الجنوبى تغير رأيهم مؤخراً فى الولايات المتحدة حيث زادت حدة المعارضة الشعبية لها. بينما رأى 41% أن الصين تعد حليفاً أقرب إلى كوريا الجنوبية من الولايات المتحدة، بينما اختار 30% الولايات المتحدة الأمريكية.
ومما زاد من عمق الفجوة بين الولايات المتحدة وسول مؤخراً، ظهور تلك الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالضربة الوقائية. وقد أكدت خطة الرئيس بوش للأمن القومى والتى قام بعرضها على الكونجرس فى عام 2002، على تبنى تلك الاستراتيجية الجديدة التى تعد من أهم جوانب البيئة الأمنية الجديدة. التى ظهرت بعد مرور عام على هجمات الحادى عشر من سبتمبر، وهى كالآتى :
احتفظت الولايات المتحدة الأمريكية لوقت طويل بالحق فى استخدام الضربات الوقائية لمواجهة أى تهديد محتمل لأمننا القومى. وكلما زاد حجم التهديدات، لا نستطيع المخاطرة بسلبية رد الفعل، بل تزيد ضرورة اتخاذنا لأى عمل للدفاع عن أنفسنا.
إن حقيقة استخدام سياسة الضربات الوقائية لمواجهة أى تهديد محتمل ليست جديدة. فقد استخدمها إدارة ريجان فى جرينادا (1983) وإدارة بوش الأب فى بنما (1989). ولكن استخدامها فى الوقت الحالى يختلف فى شيئين أولاً، استخدام الضربات الوقائية لن يكون مقصوراً على الأراضى الأمريكية، ولكنه سيمتد ليشمل العالم بأجمع.
ثانياً: تحول ذلك المسلك إلى سياسة قائمة فعلاً، حيث أنه لم يعد مجرد خيار مطروح. والمنطق يقول، إن توسيع نطاق استخدام تلك السياسة ليشمل دول محور الشر، يعد نذير شؤم للعلاقات الأمريكية - الكورية الجنوبية.
ويرى العديد من المحللين السياسيين أن السياسة الأمريكية قد
ترتكز أساساً على استغلال الظروف المواتية لصالحها أكثر من إحباط أى هجمات احتمالية هذا بالإضافة على ارتباك المحيط السياسى الآسيوى الآن بسبب تلك المخاوف من اللهجة الأمريكية المتشددة واحتمال تحولها على هجمة وقائية.
وتجدر الإشارة فى ذلك الصدد إلى جهود كل من الرئيس كيم داى جونج ورئيس الوزراء اليابانى كويزومى إلى الضغط السياسى على الولايات المتحدة الأمريكية لمحاولة فتح حوار مع كوريا الشمالية. وقد زادت الحاجة إلى ذلك الحوار بعد الكشف عن برنامج كوريا الشمالية النووى حيث شعر الرئيس كيم ثانية بضرورة دعوة البيت الأبيض لاتخاذ موقف أكثر مرونة مع كوريا الشمالية. يضاف إلى ما سبق زيادة حدة التباين بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية إزاء كوريا الشمالية خاصة بعد وجود ذلك الاحتمال الخاص بتوجيه الضربة الوقائية ضد كوريا الشمالية، بعد الكشف عن تطوير برنامجها النووى السرى. إذن، ترى الأوساط السياسية فى كوريا الجنوبية أن السياسة الأمريكية الحالية فى شمال شرق آسيا، من المعاهدة الخاصة بالدفاع الصاروخى الوطنى إلى استخدام اللهجة المتشددة ضد كوريا الشمالية متناقضة تماماً مع مصالحها.
وغنى عن القول بأن تقسيم الرئيس الأمريكى بوش العالم إلى معسكرين، معسكر للأخيار ومعسكر للأشرار، بالإضافة إلى ضربته الوقائية الأولى، وضعت المجتمع الكورى الجنوبى فى موقف لا يحسد عليه، وهو إما دعم الرؤية الأمريكية للعالم، أو رؤية كيم داى جونج لكوريا موحدة. وبالطبع، فإن نتيجة هذا الخيار لن تكون إلا تصاعد الاتجاه المناهض للأمركة. ومع فوز الرئيس موهيون فى انتخابات ديسمبر الرئاسية، فإن السؤال الذى يفرض نفسه الآن لن يكون : هل سيستمر الاتجاه المناهض للأمركة، ولكن إلى أى مدى سوف يقوم ذلك الاتجاه بالتأثير فى الرئيس الجديد ؟

فوز الرئيس رو موهيون
ولد الرئيس الكورى رو موهيون عام 1946، ويعد داخل الدهاليز السياسية الكورية ما يطلق عليه عود أخضر - فهو صغير سناً على تذكر الحرب الكورية، ولكنه ناضج بما فيه الكفاية ليتذكر الحكم الديكتاتورى العسكرى الوحشى لشئون دوهوان وبارك شونج هى، وفى تناقض واضح مع أغلبية النخبة السياسية المرفهة فى كوريا الجنوبية، يعد رو رجل سياسة عصامياً - فهو لم يدرس فى مدارس القانون العريقة أو تمت رعايته بواسطة الجامعات الأجنبية كما حدث مع أغلبية النخبة السياسية الكورية، بل على العكس، صعد رو من بيئة فقيرة ليكون محامياً ناجحاً، لذلك أكسبته صورته النظيفة المليئة بالجهد والنجاحات قاعدة عريضة من أصوات الشباب فى انتخابات ديسمبر 2002، مما يؤكد عدم عدالة ذلك التصوير لرو على أنه شخص متطرف وعنصرى فى الإعلام الغربى.
وعلى صعيد آخر، قام منافسه لى هوى شانج - والذى شعر بمدى التعاطف الشعبى مع رو أثناء حملته الانتخابية بالتلميح إلى ضرورة إصلاح العلاقات الأمريكية الكورية الجنوبية، وإعادة التفاوض على وضع القوات الأمريكية المرابطة فى سول، لهذا يمثل انتخاب إرادة الشعب رو فى هذه المرحلة من الديمقراطية المؤسسة بقوة فى كوريا الجنوبية. أيضاً، قام كلاً المرشحين بتوجيه قدر من الاهتمام إلى تلك الموجة المضادة للأمركة شكلتها سياسة الشمس المشرقة لكيم وعززت من وجودها اللهجة المتشددة لإدارة بوش. لاشك أن أهم مؤشر على انتصار رو هو قدرته على جذب انتبـــــاه إدارة بـــــوش على الرفض المتصاعد فى سول تجاه السياسة الأمريكية الأحاديــة الجانب.
وأخيراً، وعد رو بالنظر فى الخيارات المطروحة لإعادة التفاوض على وضع (SOFA) مواصلة سياسة الحوار والإصلاح مع كوريا الشمالية، للوصول إلى سياسة خارجية استقلالية. ولكنه حتى الآن، لم يعلن عن أعضاء الفريق المعاون له فى السياسة الخارجية. وغنى عن القول، أنه مع التحدى النووى الحالى من جانب كوريا الشمالية، و تصاعد الأصوات المناهضة للأمركة فى كوريا الجنوبية، فإن الفريق الدولى الجديد سوف يواجه تحدياً صعباً عندما يتقلد رو المنصب فى فبراير. ولكن حتى الآن، يبقى التحدى الأكبر هو تجنب تعريض العلاقات الأمريكية - الكورية الجنوبية إلى أزمــــة حقيقيــــة والتى يمكن فقط التغلب عليها عن طريق الالتزام بشراكة قوية، وتحالف حقيقى ومسئول بين الجانب
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://www.ahram.org.eg/acpss/

http://www.ahram.org.eg/