|
|
| التقرير الإستراتيجي العربي |
2 ـ روسيا بوتين .. السعى وراء المكانة المفقودة
شهدت روسيا الاتحادية تحولات جذرية منذ بداية التسعينيات، على صعيد مقومات القوة الشاملة، بما يشمله ذلك من التماسك السياسى الداخلى والقدرة العسكرية والأداء الاقتصادى والمكانة الدولية. وكانت هذه التحولات من الكثافة والتسارع بصورة يندر حدوثها فى العلاقات الدولية الحديثة. ففى أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتى، ورثت روسيا الاتحادية أغلب التركة السوفيتية، ولكنها عانت من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة. ومما زاد من حدة هذه الأزمات تلك الاختلالات التى شابت أداء نظام الرئيس بوريس يلتسين، التى اتسمت بارتباك سياسى كبير وهيمنة أقلية محدودة واسعة الثراء على شئون السياسة والاقتصاد فى آن واحد معا، بالإضافة إلى انفلات المشكلات الإثنية وتفشى الفساد والجريمة المنظمة. فى ظل هذه الأوضاع، شكلت السياسات التى تبناها الرئيس فلاديمير بوتين، منذ توليه رئاسة الحكومة فى عام 1999، ثم توليه رئاسة الدولة فى عام 2000، محاولة إصلاحية شاملة، ليس فقط لمعالجة الاختلالات الضخمة التى نشأت فى فترة حكم بوريس يلتسين، ولكن أيضا محاولة استعادة جزء ولو ضئيل من المكانة الدولية للاتحاد السوفيتى السابق، من خلال العمل على إعادة هيبة الدولة وإصلاح الاقتصاد وقمع الحركات الاستقلالية الداخلية وتطوير القدرة العسكرية وتبنى سياسة خارجية نشطة. ومع أن بوتين تمكن بالفعل من تحقيق نجاحات ملموسة فى هذه المجالات، فإن ذلك لا ينفى أن هذه الإصلاحات لم تحقق الأهداف المرجوة من ورائها بالكامل، كما أنها أفرزت آثاراً سلبية بالغة، لاسيما على صعيد بروز توجهات حكم فردية من جانب الرئيس بوتين، واستمرار الخلل الهائل فى مستويات الدخل فيما بين الأغنياء والفقراء فى روسيا.
أولاً: تحولات السياسة الداخلية فى عهد بوتين كانت الساحة الداخلية مجال التركيز الرئيسى من جانب الرئيس بوتين لبدء تنفيذ جهوده الإصلاحية، بحكم الاختلالات الكبيرة التى كانت موجودة على مستوى النظام السياسى، وأيضا على مستوى الأداء الاقتصادى. 1 - التدهور السياسى فى فترة ما قبل بوتين تشير الملابسات التى أحاطت بظهور فلاديمير بوتين على المسرح السياسى فى روسيا إلى حجم التدهور الذى ساد الساحة السياسية الروسية فى أواخر فترة حكم الرئيس السابق بوريس يلتسين. فقد وصل بوتين إلى السلطة من خلال مسرحية متقنة خطط لها ونفذها أقطاب نظام حكم سلفه بوريس يلتسين فى أواخر التسعينيات، بعد أن كان الأخير على وشك استنفاد فترته الرئاسية الثانية والأخيرة. وكان يلتسين وكبار مساعديه يخشون من انفلات الأمور من أياديهم، ووصول منافسيهم إلى السلطة، بما ينطوى عليه ذلك من فتح ملفات الفساد الهائل الذى اتسمت به فترتا حكم يلتسين، كما كانوا يخشون بصفة خاصة من الوزن السياسى المتنامى للتيار الإصلاحى الذى كان يتزعمه كل من يورى لوجكوف عمدة موسكو وقتذاك ويفجينى بريماكوف رئيس الوزراء السابق، زعيمى تحالف الوطن ــ كل روسيا، واللذن كانا يوجهان نقداً عنيفاً لكافة السياسات التى يتبناها نظام يلتسين، لما سبتته من انهيار وفساد وفوضى داخلية، والتراجع الكاسح على الساحة الخارجية. وتمكن تيار لوجكوف ـ بريماكوف وقتذاك من استقطاب تأييد متزايد من قطاعات واسعة من الرأى العام الروسى. وكان من المؤكد أن هذا التيار يمكن أن يمثل تهديداً حقيقياً فى الانتخابات البرلمانية فى عام 1999، ثم فى انتخابات الرئاسة التى كان مقرراً لها عام 2000، والتى كان من غير الممكن ليلتسين أن يشارك فيها لانتهاء فترتيه اللتين يحددهما الدستور. هذه الأوضاع دفعت أقطاب الحكومة للبحث عن مخرج يضمن حماية الرئيس يلتسين وعائلته من المساءلة القانونية بعد تركه للمنصب الرئاسى، كما يضمن حماية مصالح النخبة المسيطرة ماليا من كبار رجال الأعمال، والذين كان بعضهم ضالعاً فى عمليات الجريمة المنظمة فى موسكو. وقد بدا واضحاً من تطور الأحداث التالية أن المخرج المستهدف يتمثل فى تمهيد السبيل أمام رئيس جهاز الاستخبارات الروسية (أف أس بى) ورئيس مجلس الأمن القومى الروسى فلاديمير بوتين للوصول إلى السلطة، كرئيس للحكومة أولاً، ثم كرئيس للدولة لاحقاً. كانت الخطوة الأولى فى مسرحية تنصيب بوتين تتمثل فى استغلال أحداث داغستان عام 1999، التى قامت خلالها مجموعة من المقاتلين الشيشان بقيادة شامل باساييف بدخول جمهورية داغستان المجاورة، لدعم الحركة الانفصالية فيها، الأمر الذى أحدث دوياً سياسياً هائلاً فى موسكو، ومهد إمام إقالة رئيس الحكومة سيرجى ستيباشين، وتعيين فلاديمير بوتين بدلاً منه فى أغسطس 1999، وقدمه يلتسين منذ تلك الفترة باعتباره خليفته القادم فى الكرملين. وفور توليه رئاسة الحكومة، اعتمد بوتين على تكتيك سياسى محدد يتمثل فى استغلال الصراعات الداخلية لتحقيق مكاسب سياسية، وهو ما تجسد من الناحية العملية فى تبنى بوتين سياسة تقوم على الحزم والشدة فى مواجهة المحاولات الانفصالية فى داغستان والشيشان، وأطلق تصريحات قوية بشأن طرد المقاتلين الشيشانيين من داغستان، مما دفعهم للخروج منها والعودة إلى الشيشان، كما بدأ على الفور فى شن حرب شرسة ضد الشيشان، متراجعاً بذلك عن اتفاق السلام الذى كان يلتسين قد أبرمه مع الشيشانيين فى عام 1996، باعتبارهم إرهابيين، مؤكداً أن الحرب ستستمر حتى تحقيق النصر الكامل على هذه العصابات الإجرامية، وواصل هذه التأكيدات بدرجة أشد عقب التفجيرات العديدة التى وقعت فى موسكو والعديد من المدن الروسية، كما انتقد بوتين الغرب لعدم دعمه جهود روسيا بالقدر الكافى فى مجال حربها على الإرهاب الدولى. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات لم تحقق نجاحاً كاملاً، وشابتها ثغرات عديدة، إلا أن الأداء القيادى الحازم لبوتين، والمدعوم بتغطية إعلامية حماسية من قبل وسائل الإعلام المملوكة لرجال الأعمال اليهود المرتبطين بالكرملين، قد ساعدا معاً فى خلق شعبية جارفة لبوتين فى أوساط الناخبين. وتكامل هذا التوجه مع قيام النخبة السياسية والمالية المحيطة بيلتسين بتأسيس حزب الوحدة ــ الدب بزعامة وزير حالات الطوارئ فى الحكومة الروسية سيرجي شويجو، وهو الحزب الذى أصبح يحتل المركز الخامس فى استطلاعات الرأي العام، ثم ازدادت مكانة هذا الحزب عقب إعلان بوتين صراحة قبل الانتخابات البرلمانية بعدة أيام دعمه القوى لهذا الحزب، مما أتاح له الحصول على المركز الثانى فى البرلمان، بنسبة 23,28% من أصوات الناخبين، وهو ما كان يفوق كافة توقعات قادة هذا الحزب. وكان رئيس الحكومة فلاديمير بوتين هو المنتصر الأكبر فى تلك الانتخابات البرلمانية، باعتبار أن حزب الوحدة يمثل عنصر الإسناد السياسى له داخل البرلمان، ثم استقال يلتسين فجأة من رئاسة الدولة، لصالح بوتين، فى 31 ديسمبر 1999، وظل بوتين قائماً بأعمال رئيس الدولة لمدة حوالى ثلاثة شهور، وهو ما أتاح له تعظيم فرصه فى انتخابات الرئاسة التى جرت فى 26 مارس 2000، لاسيما بعد تراجع يفجينى بريماكوف عن ترشيح نفسه فى انتخابات الرئاسة، ثم إعلان يورى لوجكوف عمدة موسكو وزعيم حركة الوطن بطريقة مفاجئة دعمه لفلاديمير بوتين. وبالتالى، أصبح بوتين المرشح الأوفر حظاً فيها من بين كافة المرشحين. 2- تحولات فترة الرئاسة الأولى لبوتين (2000 ـ 2004) كان انتخاب بوتين رئيساً للدولة الروسية بداية لحقبة جديدة فى السياسة الروسية، السمة الرئيسية لها تتمثل فى العمل على تنفيذ إصلاح سياسى واقتصادى شامل عقب التخريب الهائل الذى تعرضت له الدولة الروسية فى كافة المجالات طيلة عقد التسعينيات، وفق رؤية براجماتية تأخذ فى اعتبارها الظروف الداخلية للمجتمع الروسى والمتغيرات القائمة فى الساحة الدولية فى آن واحد معاً. وأنطوت الرؤية الإصلاحية لبوتين على طموحات ضخمة فى مجال إعادة هيبة الدولة والنهوض الاقتصادى والتصدى للنزعات الانفصالية ومحاربة الفساد والجريمة المنظمة. وسوف يتم التركيز هنا على الجوانب المتعلقة بالسياسة الداخلية، بينما يتم التركيز على الجوانب المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والعسكرية فى نقاط لاحقة. ركز الرئيس بوتين على استعادة هيبة الدولة وبناء نظام حكم مركزى قوى ومهيمن، مع محاولة القضاء على كافة الاختلالات التى شابت دور ومكانة السلطة التنفيذية فى عهد يلتسين. وساعدته فى ذلك بعض التطورات لتعزيز نفوذ السلطة التنفيذية، حيث كسرت شوكة المعارضة فى مجلس الدوما عقب الانتخابات البرلمانية لعام 1999، وبات بوتين يحظى بالدعم من حزب الأغلبية ـ حزب روسيا الموحدة، والذى دخل بعد ذلك فى تحالف مع حزب الوطن ـ كل روسيا. ولتحقيق هدف إعادة هيبة الدولة، تم الاعتماد على سياسيين من ذوى الخلفيات الاستخبارية والأمنية، وأسندت إليهم مناصب عليا فى الدولة، فى مقدمتهم سيرجى إيفانوف رئيس مجلس الأمن القومى الروسى، الذى عين وزيراً للدفاع، كما تم تعيين اثنين من حكام المناطق الإدارية السبع الكبرى من جهاز الأمن (إف إس بي)، كما عين ايضا مسئولون من أجهزة الاستخبارات مناصب رئيسية فى قطاع مبيعات الأسلحة، وهو ما أثار القلق من تغلغل الأجهزة السرية فى مؤسسات الدولة، إلا أن الثابت أن هذا السلوك كان جزءاً من محاولات بوتين إعادة هيبة الدولة، لاسيما أن أغلب هؤلاء المسئولين كانوا يشاركونه رؤيته بشأن إنهاء نفوذ النخبة المالية وممثليهم فى السلطة التنفيذية وديوان الكرملين. وفى السياق ذاته تم التركيز على ملاحقة النخبة المالية والصناعية المتهمة بالفساد، والسيطرة على السياسيين ووسائل الإعلام. فقد أصر بوتين على ضرورة تطبيق مبدأ سيادة القانون، مع التأكيد على ضرورة انصياع الجميع لإرادة الدولة بدون تمييز، خاصة بعد أن لجأ الكثير من أعضاء هذه النخبة المتهمة بالفساد للاستقواء سياسيا بالخارج، واستعداء الدوائر الأمريكية والغربية ضد التوجهات الرسمية الروسية التى لا تروق لهم، فى حين أن معظمهم كانوا فى الحقيقة ضالعين بقوة فى عمليات الجريمة المنظمة، ولم يكونوا يتورعون عن القيام بكافة الأعمال التى يحظرها القانون لضمان مصالحهم، بما فى ذلك عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية، وهو ما أدى إلى تحويل موسكو إلى مرتع لعصابات الجريمة المنظمة. من جانب آخر ركز الرئيس بوتين على مواجهة ما كان يعتبره محاولة انفصالية فى الشيشان، رافضاً كافة جهود التسوية السلمية التى جرت فى السابق لإنهاء هذا الصراع، حيث اعتبر أن حكومة يلتسين قد ارتكبت أخطاءً فادحة فى إدارة الأزمة الشيشانية، ولم توظف القدرات العسكرية الروسية الضخمة بفاعلية لإنهاء محاولة انفصال الشيشان، والذى إذا حدث فقد يشجع أقاليم وجمهوريات حكم ذاتى أخرى داخل روسيا على الانفصال، مما يهدد بانفراط عقد الدولة الروسية، بالإضافة إلى أن المسألة الشيشانية اكتسبت أهمية فائقة من كونها القضية المحورية التى سعى بوتين إلى اكتساب الشرعية من خلالها. تعامل بوتين مع المسألة الشيشانية بوصفها مسألة داخلية بالكامل، رافضاً أى تدخل خارجى فى هذه المسألة، وأصر منذ البداية على سحق وقمع الاتجاه الاستقلالى فى تلك الجمهورية، تمهيداً لفرض تصوره الخاص بشأن تسوية هذه المسألة وفق صيغة تضمن بقاءها داخل إطار الدولة الروسية. ووفق هذا الرؤية، تم تطبيق استراتيجية سياسية ـ عسكرية متكاملة، تقوم من ناحية على فرض السيطرة العسكرية الروسية الكاملة على الأراضى الشيشانية، مع سحب الاعتراف بالرئيس الشيشانى أصلان مسخادوف والتشكيك فى شرعيته، أو فى سيطرته الفعلية على جماعات المقاتلين الشيشانيين (بصفته القائد الأعلى للقوات الشيشانية)، أو وضع شروط تعحيزية للتسوية معه بشكل يبدو واضحاً منذ البداية أنه لن يقبلها، مع محاولة فرض بدائل لمسخادوف، بهدف تجاوز القيادة الاستقلالية المنتخبة، وخلق حالة من النزاع الداخلى بين الشيشانيين أنفسهم. وفى الوقت نفسه، طبقت حكومة بوتين خطة سياسية، تقوم على فرض فترة انتقالية معينة تتراوح ما بين 3 ــ 5 سنوات، يتم خلالها إخضاع جمهورية الشيشان للحكم المباشر من جانب موسكو، ويتم فى نهايتها إجراء استفتاء شعبى بشأن مستقبل الجمهورية. وتقوم موسكو خلال هذه الفترة الانتقالية بالقضاء على من تصفهم بالإرهابيين، وتغيير الوضع السكانى، وخلق أوضاع سياسية مواتية لضمان نتيجة الاستفتاء المزمع، ثم يتم فى المرحلة الثانية إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية لتشكيل الهياكل التنفيذية والتشريعية فى الجمهورية، والتى سوف تتفاوض مع موسكو بشأن مستقبل جمهورية الشيشان، مع حصر هذه الانتخابات فى الشخصيات التى تضمن موسكو ولاءها، بعد أن يكون قد جرى استبعاد العناصر الاستقلالية التى وصمتها موسكو بالإرهاب. وفى المرحلة النهائية من هذه الخطة، يتم تنظيم مفاوضات بين موسكو والقوى المنتخبة فى الشيشان للاتفاق على مستقبل هذه الجمهورية، والتى تسعى موسكو إلى ضمان نتائجها سلفاً. الإشكالية التى واجهت بوتين هنا تمثلت فى أن مشروع الضم القسرى للشيشان جوبه بمقاومة شرسة وغير متوقعة من جانب المقاومة الشيشانية، والتى رفضت الاستسلام للقمع الروسى، وأصرت على انسحاب القوات الروسية والقوات الشيشانية الموالية لها من الشيشان، وإقامة دولة شيشانية مستقلة، وإلزام روسيا بتقديم مساعدات لإعادة إعمار الشيشان، وتعويض الشيشانيين المتضررين من العمليات العسكرية الروسية، وتبادل الأسرى بين الجانبين. ودخلت المقاومة الشيشانية فى مواجهة ضارية مع القوات الروسية، واتسع مسرح العمليات بين الجانبين، بحيث لم يعد قاصراً على الأراضى الشيشانية، وإنما أقدمت بعض الجماعات الشيشانية على تنفيذ عمليات عنف فى العديد من المناطق فى روسيا، بدءاً بمأساة اختطاف الرهائن فى أحد مسارح موسكو فى أكتوبر 2002، مروراً بالهجوم على مترو موسكو فى فبراير 2004، ناهيك عن أن جمهورية الشيشان صارت بؤرة جذب لمتشددين إسلاميين من العرب والأجانب، ممن ذهبوا للمشاركة فى القتال ضد القوات الروسية ونظام الحكم الموالى لروسيا فى الشيشان. تمكنت المقاومة الشيشانية من تحقيق بعض النجاحات النوعية الموجعة ضد روسيا، كان من بينها اغتيال الرئيس الشيشانى الموالى لروسيا أحمد قاديروف فى مايو 2004، برفقة أكثر من 32 آخرين، من بينهم قائد القوات الروسية فى الشيشان الجنرال فالورى بارانوف، فى انفجار ضخم فى إستاد جروزنى، ثم قيام المقاتلين الشيشانيين بتنفيذ غزو سريع لجمهورية الانجوش المجاورة فى 22 يونيو 2004، هاجموا خلاله مقر وزارة الداخلية الأنجوشية وعدداً من المراكز الأمنية فى عدة مدن أنجوشية، كما حاولوا اغتيال الرئيس الأنجوشى مراد زيازيكـــوف، وأسفر هذا الهجوم عن مقتل 90 شخصاً من القوات الأنجوشية والروســية، من بينهم وزير الداخلية الأنجوشى أبوكار كوستويف. وهناك أيضاً عملية بيسلان، التى قام خلالها بعض المقاومين الشيشانيين باحتجاز مئات الرهائن فى مدرسة فى مدينة بيسلان فى أوسيتيا الشمالية فى سبتمبر 2004، الأمر الذى استدعى تدخل قوات الأمن الروسية، وانتهت العملية بمجزرة راح ضحيتها 344 شخصاً، كان الكثير منهم أطفالا. أثبتت هذه الحوادث وغيرها أن موسكو لن تستطيع القضاء على النزعة الاستقلالية الشيشانية، مهما صعدت استخدامها لقدراتها العسكرية الضخمة، إلا أن رد حكومة بوتين على عمليات العنف التى قامت بها المقاومة الشيشانية تمثل فى تنفيذ سياسة الهروب للأمام، عبر المزيد من التشدد فى التعامل مع المسألة الشيشانية، واستغلال مناخ الحرب على الإرهاب على الساحة الدولية فى مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 فى نيويورك وواشنطن، إذ كثفت موسكو اتهاماتها للمقاومة الشيشانية بأنها حركة إرهابية، واتهمت مسخادوف ببناء علاقات تنظيمية قوية مع تنظيمات الإرهاب الدولية، بما فى ذلك تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. ولكن مسخادوف ظل من ناحيته ينفى كافة هذه الاتهامات، كما كان قد أعلن إدانته للعديد من عمليات العنف، بما فى ذلك مذبحة بيسلان، بل أنه كان قد قطع علاقاته مع المتشددين بزعامة شامل باساييف، وطالب بتقديمه لمحاكمة دولية، وأعلن هدنة من طرف واحد على روسيا، وأعلن استعداده للجلوس إلى طاولة المفاوضات للبحث عن حل سلمى للمسألة الشيشانية، وهو ما كان بوتين قد رفضه مرات عديدة من حيث المبدأ، وواصل بوتين سياسة التصعيد العسكرى والأمنى ضد المقاومة الشيشانية، وهو التصعيد الذى وصل إلى ذروته مع اغتيال القوات الخاصة الروسية للزعيم الشيشانى أصلان مسخادوف فى مارس 2005، إلا أن كافة التوقعات تشير إلى أن هذه الخطوة سوف تؤجج المقاومة الشيشانية ضد موسكو، وسوف توحد هذه الجماعات التى كانت منقسمة ما بين معتدلين ومتشددين، تحت قيادة موحدة أكثر تشدداً فى مواجهة موسكو. 3- انتخابات الرئاسة عام 2004 كانت الانتخابات الرئاسية الروسية لعام 2004 بمثابة اختبار لمدى التأييد والشعبية التى يحظى بها فلاديمير بوتين فى الساحة السياسية الروسية. وعلى الرغم من أن بوتين كان واثقاً من فرص فوزه بفترة رئاسية ثانية فى انتخابات مارس 2004، بحكم التأييد الشعبى الواسع الذى يتمتع به، وأيضاً بحكم انعدام منافسين أقوياء فى تلك الانتخابات، إلا أن الجانب الذى كان مثار الاهتمام الرئيسى له، تمثل فى ضمان السيطرة على مجلس الدوما (البرلمان) من خلال التحكم فى نتائج الانتخابات البرلمانية فى ديسمبر 2003، حتى يمكن تمرير مشروعات القوانين التى يريدها، بما فى ذلك إمكانية إدخال تعديلات على الدستور. ومن أجل السيطرة على مجلس الدوما من خلال الانتخابات البرلمانية فى ديسمبر 2003، اتجه الكرملين نحو تنفيذ تكتيك دقيق يقوم على توجيه دعمه السياسى والمالى والإدارى للعديد من التحالفات الحزبية حديثة العهد، دون قصرها على تحالف الوحدة ـ الوطن، إذ أقدم الكرملين على تبنى عدد من الأحزاب الصغيرة، مثل: الحزب الشعبى بزعامة جينادى رايكوف، وتحالف الوطن بزعامة دميترى روجوزين وسيرجى جلازيف، وتحالف حزبى الحياة والصحوة الروسية، إلى جانب بعض التكتلات الحزبية الصغيرة. وقد اتحدت هذه الأحزاب معاً فى إطار تحالف روسيا الموحدة، فى حين أن الأحزاب الليبرالية اليمينية لم تفلح فى التحالف وتوحيد مواقفها لمواجهة تحالف الأحزاب الموالية للكرملين. وقد أتاح هذا التكتيك للأحزاب الموالية للكرملين أن تحقق أغلبية كاسحة فى مجلس الدوما، حيث أصبح لدى الأحزاب الثلاثة الموالية للكرملين حوالى 297 مقعداً فى الدوما، المكون من 450 مقعداً، مما يعنى أن هذا التحالف يحتاج إلى ثلاثة مقاعد فقط للحصول على أغلبية الثلثين فى المجلس، وأصبح قادراً بالتالى على تحقيق أى تعديلات دستورية قد يريدها الرئيس. وقد أثارت نتائج الانتخابات البرلمانية تقويمات متباينة فيما بين الأطراف المختلفة. فقد اعتبرها الرئيس بوتين تعزيزاً للديمقراطية فى البلاد، فى حين أن أحزاب المعارضة، وفى مقدمتها الحزب الشيوعى بزعامة جينادى زيوجانوف، اعتبرت الانتخابات مهزلة مخزية حافلة بالغش، بينما وجهت منظمة الأمن والتعاون الأوروبى ــ التى تولت مراقبة الانتخابات البرلمانية فى روسيا ــ انتقادات عديدة لهذه الانتخابات، وأكدت على أن موسكو فشلت فى تلبية عدد من المعايير الديمقراطية فيها. ومع انطلاق السباق الانتخابى على منصب الرئيس منذ أوائل عام 2004، بنى بوتين دعايته السياسية فى حملة الانتخابات الرئاسية على نجاحه فى وقف ما أسماه بـ عدوان الإرهاب الدولى، وإنقاذ البلاد من تهديد تشرذم حقيقى، فى إشارة إلى المسألة الشيشانية، كما حرص قبل الانتخابات على قطع آخر علاقاته وروابطه مع فريق الرئيس السابق بوريس يلتسين، من خلال إقالة رئيس الحكومة ميخائيل كاسيانوف فى فبراير 2004، لاسيما أن الأخير كان محسوباً من الناحية العملية على ما يعرف بـ العائلة، أى أنصار الرئيس السابق بوريس يلتسين، علاوة على شيوع شائعات بضلوعه فى عمليات فساد وتلقى رشاوى وعمولات. وفى المقابل، حاولت القوى اليمينية الليبرالية البحث عن مرشح قوى لها فى مواجهة الرئيس بوتين. وعلى الرغم من أن اليمين الليبرالى حاول فى البداية الالتفاف وراء رئيس الوزراء السابق ميخائيل كاسيانوف لترشيح نفسه للانتخابات فى مواجهة بوتين، إلا أنه تراجع عن هذه النية بعدما تبنت معظم أحزاب المعارضة موقفاً يقوم على مقاطعة الانتخابات لإحراج الرئيس بوتين وإفساد العملية الانتخابية، وهو الموقف الذى أثار مخاوف عارمة لدى الكرملين من عدم مشاركة المواطنين فى الانتخابات، بما يؤدى إلى عدم اكتمال النصاب القانونى اللازم لاعتبار الانتخابات مشروعة بموجب القانون الانتخابى. ولذلك، بذلت الحكومة والأجهزة المحلية جهوداً ضخمة لحشد الجماهير وإقناعهم بالمشاركة فى الانتخابات. وقد دخل فى المنافسة الانتخابية أمام بوتين خمسة مرشحين، معظمهم من المستقلين هم: الشيوعى نيكولاى كاريتونوف، والقومى اليسارى سيرجى جلازييف، والليبرالية إيرينا خاكامادا، ورئيس مجلس الشيوخ سيرجى ميرونوف، والقومى المتطرف أوليج ماليشكين. ومع إجراء الانتخابات الرئاسية فى 14 مارس 2004، لم تكن المفاجأة فوز بوتين فوزاً ساحقاً، بنسبة 71% من أصوات الناخبين، بقدر ما تمثلت فى تفويت مخطط المعارضة بتحريض الناخبين على مقاطعة الانتخابات، حيث شهدت الانتخابات إقبالاً واسعاً من الناخبين، بنسبة تجاوزت النسبة القانونية المطلوبة. وكان ذلك عائداً إلى الجهود الضخمة من جانب الحكومة والسلطات الإدارية التى وظفت كافة أدواتها الإعلامية والإدارية لحث الناخبين على عدم التخلف عن المشاركة فى الانتخابات. وعلى الرغم من أن مسار الانتخابات الرئاسية شكل هزيمة للمعارضة اليمينية واليسارية على حد سواء، وأكد شرعية السلطة فى الكرملين، إلا أن أحزاب المعارضة أدانت العملية الانتخابية، وأكدت على أن روسيا تمضى فى اتجاه إقامة نظام استبدادى، كما عبروا عن تخوفهم من أن يقوم بوتين بتعديل الدستور لتمديد ولايته إلى ما بعد انتهاء فترته الثانية والأخيرة. أما منظمة الأمن والتعاون الأوروبى، فقد أقرت بأن الانتخابات الرئاسية أديرت بشكل جيد، ولكنها لا ترقى مع ذلك إلى مستوى المعايير الضرورية للانتخابات الديمقراطية الصحيحة، لاسيما من حيث الدور الدعائى الذى لعبته وسائل الإعلام المملوكة للدولة فى دعم بوتين، مع حرمان المرشحين الآخرين من استخدام تلك الوسائل. 4- أزمة الديمقراطية فى روسيا أفضت مساعى بوتين المحمومة لتعزيز سلطة الدولة، تحت مظلة الحرب على الإرهاب، إلى القيام بإجراءات أعتبرت انتقاصاً صريحاً من الممارسة الديمقراطية فى روسيا، لاسيما تلك المتعلقة بتعزيز سيطرة الكرملين على الأقاليم، وكذلك المتعلقة بالتحول إلى نظام القوائم فى انتخابات مجلس الدوما، وهى إجراءات شكلت عودة جزئية إلى عهد الدولة الشمولية، وأدت إلى تحويل المؤسسة التشريعية وأجهزة الحكم الإقليمى والمحلى إلى مجرد هياكل خاضعة لسيطرة الكرملين. وذلك على عكس السياسة التى كان يلتسين قد اتبعها حيث منح حكام الأقاليم سلطات واسعة، فتحت بدورها أبواب الفساد وسوء استخدام السلطة، وهى السياسة التى تحفظ عليها بوتين عقب توليه السلطة، واعتبرها واحدة من أسباب ضعف الدولة، وعمل على تصحيح هذا الوضع عبر إدخال تعديلات على نظام انتخاب حكام الأقاليم، بما يقلل من سلطاتهم فى إدارة شئون الأقاليم. كما تم أيضا تغيير نظام العضوية فى مجلس الفيدرالية (مجلس الاتحاد)، من خلال تعيين النائب الممثل لكل إقليم. ونظراً لأن المجالس التشريعية فى الأقاليم هى فى أغلبها مجالس يتم تعيينها من جانب الكرملين والحزب الحاكم، فإن هذا يعنى بالتالى أن أعضاء مجلس الاتحاد سوف يكونوا من الموالين للكرملين. أما بالنسبة للنظام الانتخابى، فقد جرى التحول إلى نظام القوائم الحزبية فى انتخابات مجلس الدوما، مع الإبقاء على نظام الانتخاب الفردى، بحيث أصبحت النسبة الأكبر فى شغل مقاعد المجلس تتم من خلال انتخاب الناخبين لأحزاب معينة، وليس لمرشحين أفرادا. وقد نظرت معظم القوى السياسية فى روسيا إلى هذا النظام بوصفه يهدف إلى ضمان سيطرة الرئيس بوتين على المجلس، لأن أغلبية الشعب الروسى غير منتمية لأى أحزاب سياسية، بحكم انشغالها الكامل بأعباء المعيشة. وكانت الانتخابات ترتكز فى السابق على أساس معرفة الناخبين بالمرشحين، بغض النظر عن الأحزاب التى يمثلونها، بحكم التصاق المرشحين بدوائرهم الانتخابية. وتمتلك الأحزاب الموالية للرئيس بوتين فى المقابل ميزة نسبية تتمثل فى الدعاية الهائلة التى تحصل عليها من جانب وسائل الإعلام المملوكة للحكومة، أو الوسائل الخاصة المملوكة لقطاعات مؤيدة للكرملين، مما يضمن لها استقطاب انتباه ووعى قطاعات واسعة من الناخبين. مما يفسح المجال أمام هيمنة أحزاب معدودة على مجلس الدوما. وقد شكلت هذه الإجراءات تقييداً شديداً للديمقراطية فى روسيا، ناهيك عن كونها لا ترتبط فى واقع الأمر بمتطلبات مكافحة الإرهاب، والذى بدا كمجرد مظلة لتعزيز سيطرة الكرملين، مع تهميش وتقييد أحزاب المعارضة، بصورة تمنعها من امتلاك أى قدرة على التأثير على قرارات السلطة التنفيذية. ولكن الأخطر من ذلك أن هناك عدة مؤشرات قد برزت على رغبة بوتين فى تعديل الدستور بهدف البقاء فى السلطة بعد انتهاء فترة ولايته الثانية فى عام 2008، إذ أن الدستور الروسى يقصر مدة شغل الرئاسة على فترتين، مدة كل منهما 4 سنوات فقط، مما يعنى أن الفترة الثانية لبوتين هى الأخيرة، ولن يكون متاحاً له البقاء فى السلطة بعد 2008، فى ظل الدستور الحالى. وبالرغم من أن بوتين حرص على نفى تلك التكهنات فى حينها، مؤكداً تصميمه على عدم إجراء أى تغيير على الدستور، فإن هذه التكهنات ظلت قائمة بقوة منذ ذلك الحين، وأثارت انتقادات داخلية وخارجية عديدة.
بيانات أساسية عن روسيا الاتحادية لعام 2004 العاصمة المساحة عدد السكان إجمالى الناتج المحلى معدل النمو السنوى موسكو 17 مليون كلم 2 143 مليون نسمة 1.4 تريليون دولار 6.7 % نسبة التضخم حجم قوة العمل قيمة الصادرات قيمة الواردات الدين الخارجى 11.5 % 71.8 مليون نسمة 162 بليون دولار 92 بليون دولار 169 بليون دولار متوسط الدخل الفردى نسبة السكان تحت خط الفقر معدل البطالة إجمالى الإنفاق العسكرى الإنفاق العسكرى من إجمالى الناتج المحلى 9800 دولار 25% 8.3 % غ.م غ.م Source: Central Intelligence Agency (CIA), World Fact Book 2004 (www.cia.gov).
كان من الطبيعى أن تلقى هذه الإجراءات انتقاداً شديداً من القوى الدولية الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة. وأصبح مستقبل الديمقراطية فى روسيا موضوعاً رئيسياً فى حركة التفاعلات الروسية ـ الأمريكية. وكان موقف إدارة جورج بوش هنا مدفوعاً باعتبارات متنوعة، أبرزها القلق من انزلاق روسيا إلى دولة استبدادية، بما قد يترتب على ذلك من عودة أجواء التوتر والصراع بين الجانبين. إضافة إلى القلق من تداعيات سياسة بوتين القائمة على تقليص نفوذ النخبة المالية التى ترتبط بعلاقات وثيقة للغاية مع واشنطن، ناهيك عن الروابط التى تجمعها مع اللوبى اليهودى فى الولايات المتحدة. هذه الدوافع جعلت الإدارة الأمريكية تتبنى موقفاً يقوم على أن القرارات التى اتخذها بوتين منذ النصف الثانى من عام 2004 يمكن أن تقوض الديمقراطية فى روسيا، ودأب كبار مسئولى الإدارة، بمن فيهم الرئيس بوش نفسه، على إطلاق تصريحات نقدية لسياسة بوتين فى هذا المجال. وركزت الانتقادات الأمريكية على أن القرارات المذكورة أفضت إلى انهيار التوازن بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية، كما انتقدوا نظام تعيين حكام الأقاليم، وانتقدوا أيضاً نظام القوائم الحزبية المعمول به فى الانتخابات البرلمانية، كما أشاروا إلى عدم تمتع الصحافة فى روسيا بالحرية الكاملة. ووصلت الانتقادات الأمريكية إلى ذروتها أثناء زيارة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى موسكو فى أبريل 2005، والتى اعتبرت خلالها أن سجل الإصلاحات الديمقراطية فى روسيا ككل يعتبر غير إيجابى، لاسيما بسبب اتجاه الرئيس بوتين إلى تركيز السلطات فى يديه. فى المقابل، رفض بوتين وكبار مساعديه بشدة الانتقادات الأمريكية، ليس فقط لأن الولايات المتحدة ليس لها الحق فى أن تفرض صيغتها الديمقراطية على الآخرين، ولكن أيضا لأن النموذج الأمريكى للديمقراطية ذاته يمتلئ بالثغرات، على حد قول بوتين، الذى انتقد نظام المجمع الانتخابى فى الولايات المتحدة، الذى يجعل من الانتخابات الروسية أكثر ديمقراطية من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ومعتبرا أن الولايات المتحدة تستغل هذه المسألة للتدخل فى الشئون الروسية.
ثانياً: تحولات الاقتصاد الروسى فى عهد بوتين ورث فلاديمير بوتين تركة اقتصادية ثقيلة للغاية عند توليه السلطة كرئيس للحكومة فى عام 1999، ثم عند انتخابه رئيساً للبلاد فى عام 2000، حيث كان الاقتصاد الروسى يعانى من حالة تدهور متعددة الأبعاد والمستويات، من تفاقم الديون، وعجز الحكومة عن سداد رواتب الموظفين والجنود فى مواعيدها، وانتشار الفقر، وهبوط الإنتاج الزراعى والصناعى، وتفشى الفساد والرشوة وسيطرة عصابات المافيا على معظم مجالات النشاط الاقتصادى والمالى فى الدولة، بحيث كانت صورة روسيا أمام العالم الخارجى صورة دولة مافيا، تسيطر فيها عصابات الجريمة المنظمة على مختلف مجالات النشاط السياسى والاقتصادى. وقد تمكن رجال أعمال قلائل من إقامة إمبراطورية اقتصادية ضخمة على أنقاض الاقتصاد السوفيتى المنهار، وكان من الملاحظ أن الكثيرين ممن قاموا بشراء الشركات العامة وأصول الدولة كانوا أصلاً من كبار المسئولين فى تلك الشركات، وكانوا بحكم مواقعهم السابقة أقدر من يمكنهم تقدير قيمة تلك الشركات والسيطرة عليها، ثم توظيفها بعد ذلك لتحقيق ثروات طائلة. وكان معظم كبار رجال الأعمال الذين استفادوا من تلك الظروف لتحقيق ثروات طائلة من المليارديرات اليهود، والذين تمكن ثلاثة منهم من السيطرة على الاقتصاد الروسى هم: بوريس بيرزوفسكى، والكسندر سمولينسكى، وفلاديمير جوسنيسكى. الأكثر من ذلك أن رجال الأعمال امتنعوا بعد السيطرة على الشركات الكبرى عن سداد الضرائب والتأمينات الاجتماعية للعاملين، مستفيدين فى ذلك من تواطؤ كبار المسئولين فى عهد يلتسين مع الطغمة التجارية، مما أتاح لهم التهرب من سداد الضرائب، بالإضافة إلى تهريب رؤوس الأموال بكميات كبيرة من روسيا للخارج، حيث تشير التقديرات إلى خروج ما بين 130 ــ 140 مليار دولار منذ عام 1993 ـ 2000، بينما لم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية مبلغ الـ 10 مليارات دولار، فى حين حصلت روسيا على دعم من صندوق النقد والبنك الدوليين مقداره 25 مليار دولار، ولكنها كانت تعجز فى الكثير من الأحيان عن سداد أقساط هذه الديون. 1- برنامج بوتين للإصلاح الاقتصادى جرى التعبير عن رؤية بوتين للإصلاح الاقتصادى فى البرنامج الذى طرحه رئيس الوزراء ميخائيل كاسيانوف أمام مجلس الدوما (البرلمان) فى 26 مايو 2000، عقب تشكيل الحكومة الأولى فى عهد الرئيس بوتين. وانطوى هذا البرنامج على عناصر شديدة الطموح لإصلاح أوضاع الاقتصاد الروسى آنذاك، إذ أشار كاسيانوف إلى أن برنامجه للإصلاح الاقتصادى سوف يكون نشطاً ومناسباً ومتوازناً، مؤكداً فى الوقت نفسه أن حكومته سوف تخصص الموارد اللازمة للصناعات التحويلية وتمضى قدماً بالإصلاح الضريبى. وارتكزت خطته للإصلاح الاقتصادى على رفع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى بما يتراوح بين 3.5 ـ 4.5 فى المائة سنوياً، حتى عام 2005، حتى يمكن رفع مستوى المعيشة وزيادة الدخل. وكان تحقيق هذا المعدل من النمو يحتاج إلى إجراء إصلاحات هيكلية وتنشيط تدفق الاستثمارات إلى القطاعات الصناعية، إلا أن هذا التوجه أثار خلافات داخل السلطة التنفيذية، حيث أكد بوتين وكبار مساعديه على أن هذا المعدل من النمو ليس كافياً لسد الفجوة بين روسيا والدول المتقدمة، وأكدوا على أن روسيا يجب أن تحقق معدل نمو اقتصادى لا يقل عن 8 فى المائة سنوياً. ولكن ما حدث على أى حال أن الاقتصاد الروسى حقق فى عام 2000 نمواً فاق كافة التوقعات، وصل إلى نسبة 7%، مستفيداً فى ذلك من ارتفاع عائدات النفط والغاز الطبيعى، التى كانت قد ارتفعت بصورة غير متوقعة فى ذلك العام. وعلى الرغم من أن نمو الاقتصاد الروسى اعتمد إلى حد كبير على صادرات المواد الخام عموماً، والنفط خصوصاً، عبر الفوائض الضخمة التى تحققت من الزيادة فى أسعار النفط فى السوق العالمية، وبالأخص فى عام 2004، فإن برنامج الإصلاح الاقتصادى الروسى ركز أيضاً على العديد من العناصر الأخرى، مثل إصلاح القطاع المصرفى وزيادة نسبة مساهمة الصناعة فى الناتج المحلى الإجمالى. ولتحقيق هذه العناصر، ركزت خطة الإصلاح على خفض معدل الضريبة على الدخل إلى 13%، بعدما كانت تتراوح بين 12 ــ 22 فى المائة، والإعلان عن حوافز جديدة لسداد الضريبة، بالإضافة إلى إقرار إعفاءات ضريبية كحوافز للاستثمار، وتقنين أكثر لدور مكافحة التهرب الضريبى. بيد أن البرنامج كان قد أثار انتقادات داخلية من زاوية أنه يمثل انصياعاً لشروط صندوق النقد الدولى. وفى الوقت نفسه، استفاد الاقتصاد الروسى من التعاون الإيجابى من جانب مؤسسات التمويل الدولية فى فترة ما بعد انتخاب بوتين رئيساً للبلاد، بعد أن أعلن اعتزامه تنفيذ شروط الإصلاح الاقتصادى الذى كانت تلك المؤسسات تطالب به بقوة منذ عهد الرئيس السابق بوريس يلتسين، بالإضافة إلى تأكيد الاستعداد لسداد الديون القديمة على روسيا. وقد جرت ترجمة هذا الترحيب بقيام المؤسسات الدولية الدائنة لروسيا ـ وبالذات صندوق النقد والبنك الدوليين ـ بالتراجع عن خطوات سابقة كانت قد قامت بها على صعيد تعليق القروض الممنوحة لروسيا لإجبارها على استكمال إصلاحات ضريبية وتشريعية كانت تطالب الحكومة الروسية بتنفيذها. وقام صندوق النقد الدولى عقب ذلك بالإعلان عن استئناف تقديم قروض لروسيا، كما أسقطت الدول الدائنة وصندوق النقد ثلث الديون المستحقة على روسيا، بما يعادل أكثر من خمسة مليارات دولار. من ناحية أخرى، كانت الأسبقية الرئيسية فى برنامج الإصلاح الاقتصادى للرئيس بوتين تتمثل فى إعادة النظر فى عملية الخصخصة التى تمت بصورة فوضوية فى عهد يلتسين، ولأن ذلك يمثل حلقة رئيسية فى جهود مكافحة الفساد كضرورة سياسية واقتصادية فى آن واحد معاً، سواء لاكتساب الشرعية السياسية وتفريغ حالة الغضب الشعبى، وأيضا من أجل تحسين الأداء الاقتصادى ككل. وقد أثارت مسألة إعادة النظر فى الخصخصة صراعاً عنيفاً، ليس فقط بين الحكومة ورموز النخبة المالية، ولكن أيضا بين بوتين وقوى عاتية فى المجتمع الروسى، بما فى ذلك عناصر نافذة داخل السلطة التنفيذية ذاتها، مثل رئيس الوزراء كاسيانوف، والدوائر اليهودية المنتشرة فى أجهزة الدولة ودوائر المال ووسائل الإعلام، إلا أن بوتين اختار لدى إعادة النظر فى عملية الخصخصة منهجاً وسطياً يقوم على التصدى للحالات الأكثر فجاجة فى عملية الخصخصة، لاسيما تلك التى تخص أقطاب النخبة المالية. تمت ترجمة هذا التوجه عمليا من خلال إطلاق أيدى السلطة القضائية والأجهزة الأمنية فى ملاحقة المتورطين فى الجرائم ذات الطبيعة الاقتصادية، التى تشمل غسيل الأموال واغتيال رجال الأعمال المنافسين والتهرب من سداد الضرائب والجمارك.. وغير ذلك، والذين كانوا يتمتعون فى عهد يلتسين بحماية سياسية نابعة من علاقاتهم الوثيقة مع الكرملين وقتذاك، إلا أن بوتين أتاح حرية العمل للسلطات القضائية للتصدى لجرائم الفساد بمختلف أشكالها. وبالفعل، وقع الكثير من كبار رجال الأعمال الروس تحت طائلة القانون لضلوعهم فى أنواع مختلفة من هذه الجرائم، وكانت قضية الفساد الأكبر فى روسيا تلك التى المتعلقة بشركة يوكوس، والتى جرى القبض على جميع مسئوليها الكبار، بدءاً من رئيس الشركة ميخائيل خودوركوفسكى، الذى اعتقل منذ أكتوبر 2003، ووجهت له عدة تهم بالاحتيال والتهرب من تسديد الضرائب للدولة وإضفاء الشرعية على أموال مختلسة أو تم الحصول عليها بطرق غير مشروعة. وقد نجح الكثير من المليارديرات اليهود الروس من الهرب للخارج قبل اعتقالهم وتوجيه الاتهامات لهم، وفروا إلى إسرائيل وبريطانيا والعديد من الدول الأخرى، ولعبت إسرائيل دوراً رئيسياً فى توفير الحماية لرجال الأعمال اليهود الروس الفارين إليها من الملاحقة القانونية، بحجة أنهم أصبحوا مواطنين إسرائيليين، ولا يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تسلم مواطنيها إلى أى دولة أخرى، وهو ما كان سبباً لتوتر العلاقات بين روسيا وإسرائيل بسبب هذه المسألة. ولم تكن معركة بوتين ضد النخبة المالية مجرد معركة ضد الفساد، ولكن الأخطر من ذلك أن المعركة كانت فى جوهرها تهدف إلى إبعاد سيطرة رجال الأعمال على الحكم، بحيث يتم تقليص دورهم السياسى، ووقف تدخلاتهم فى سياسات الكرملين، على غرار ما كان يحدث فى عهد يلتسين. ومع أن بوتين كان مستعداً من حيث المبدأ لقبول فكرة وجود دور سياسى لرجال الأعمال، باعتبار أن هذا هو الوضع الطبيعى فى بلد يعمل وفق قواعد اقتصاد السوق، ولكن ما لم يكن مقبولاً هو أن تستأثر مجموعة صغيرة من الأشخاص بالسلطة الاقتصادية والسياسية فى آن واحد معاً. وكانت سياسة بوتين تقوم فى هذا الصدد على ضرورة أن يقف كل أصحاب رؤوس الأموال الروس على المسافة نفسها من السلطة السياسية، بدون منح أى منهم امتيازات خاصة لدى الكرملين. أما فى فترة الرئاسة الثانية، فقد أكد بوتين اعتزامه مواصلة السير فى تنفيذ برنامجه للإصلاح الاقتصادى، مشدداً على أهمية الحد من الروتين وتشجيع الشركات الصغيرة ومحاولة خفض الاعتماد المزمن على صادرات النفط، وتحديث النظام المصرفى لتحويل الأموال للقطاعات الاقتصادية المتعطشة للقروض. وشدد بوتين على ضرورة النجاح فى مضاعفة حجم الاقتصاد فى غضون عشرة أعوام وتحسين مستوى معيشة نسبة كبيرة من الفقراء، الذين يمثلون ثلث تعداد السكان والحد من الاعتماد على صادرات النفط والمعادن. وعلى الرغم من أن العناصر التى اشتمتلت عليها رؤية بوتين الإصلاحية فى فترته الرئاسية الثانية تعتبر حيوية لتحقيق إصلاح اقتصادى حقيقى، والانتقال إلى اقتصاد سوق حقيقى ورفع مستوى المعيشة، فإن هناك العديد من التحديات التى يواجهها هذا البرنامج، لعل فى مقدمتها المقاومة العنيفة من جانب الجهاز الإدارى الحكومى الضخم، والذى يعانى من الترهل والفساد. 2 - أزمة انهيار شركة يوكوس النفطية عقب الملاحقة القضائية لمعظم المسئولين الكبار فى شركة يوكوس النفطية، واجهت الشركة تحدياً عنيفاً يتمثل فى مطالبة الحكومة الروسية لها فى نوفمبر 2004 بسداد ضرائب ضخمة تصل قيمتها إلى حوالى 14 مليار دولار، منها 4 مليارات دولار كانت الشركة تدين بها للحكومة عن عامى 2000 ـ 2001، و3.4 مليار دولار ضرائب تدين بها الوحدة الرئيسية المنتجة للنفط (يوجانسك) التابعة ليوكوس، بالإضافة إلى ضرائب جديدة تقدر بـ 6.7 مليار دولار. وكانت المبالغ المطلوبة من الشركة تقدر بحوالى ضعفى القيمة السوقية لأسهمها فى البورصة، مما كان يعنى أن الشركة أصبحت بلا قيمة حقيقية عقب أزمة الضرائب المتراكمة عليها، إذ كانت بعض البنوك الروسية تقدر قيمة الشركة بحوالى 10.4 مليار دولار، مما يعنى بالتالى أن قيمة أصول الشركة كلها لم تكن كافية لتغطية المبالغ المستحقة عليها. وقد هددت الحكومة ببيع وحدة الإنتاج النفطى (يوجانسك) لتغطية الضرائب المستحقة على الشركة ككل، علماً بأن هذه الوحدة تنتج أكثر من مليون برميل من النفط يومياً، أى أكثر من 60 فى المائة من إجمالى إنتاج يوكوس، الذى يقترب من 1.75 مليون برميل يومياً. وقد قامت الحكومة الروسية بالفعل فى ديسمبر 2004 ببيع شركة يوجانسك إجبارياً فى مزاد عام، فازت فيه شركة مغمورة اسمها بايكال فاينانس، بعرض قيمته 9.4 مليار دولار، وذلك لسداد جزء من الضرائب المستحقة على يوكوس، ثم قامت شركة شركة روسنفت الحكومية الروسية بعد ذلك بشراء شركة يوجانسك من شركة بايكال فاينانس. وأدت هذه الخطوة من جانب الحكومة الروسية إلى قيام كبار المساهمين فى يوكوس بالتهديد بمقاضاة الحكومة الروسية للمطالبة بتعويضات عن الأضرار المادية الفادحة التى تعرضوا لها، عقب انهيار جانب كبير من قيمة يوكوس عقب البيع الجبرى لشركة يوجانسك التابعة لها، وهدد المساهمون بمقاضاة الحكومة الروسية أمام كل المحاكم الدولية فى أوروبا والولايات المتحدة، ثم جرى بالفعل تنفيذ هذا التهديد، حيث لجأت يوكوس إلى القضاء الأمريكى فى منتصف ديسمبر 2004، إلا أن القضاء الأمريكى رفض فى مارس 2005 طلب شركة يوكوس باعتبار أن المحاكم الأمريكية ليست الجهة المختصة للبت فى هذه القضية، مما أدى إلى المزيد من الهبوط فى أسعار أسهم يوكوس بنسبة 18 فى المائة، بحيث وصلت إلى 18.5 روبل، عقب حكم المحكمة الأمريكية. ترك انهيار شركة يوكوس النفطية آثاراً سلبية واسعة المدى على الاقتصاد الروسى، لعل أبرزها تكريس حالة عدم الاستقرار الاقتصادى فى البلاد، الأمر الذى انعكس فى صورة تفاقم ظاهرة هروب رأس المال من روسيا للخارج، حيث تشير التقديرات الرسمية الصادرة عن البنك المركزى الروسى إلى أن القطاع الخاص الروسى قام فى عام 2004 بتحويل ما قيمته 7.8 مليار دولار إلى الخارج، بزيادة تقدر بـ 4.1 مرة عن مثيلتها فى عام 2003 الذى لم تزد فيه عملية تحويل الأموال للخارج عن 1.9 مليار دولار، فى حين أن مصادر أخرى غير رسمية أشارت إلى أن الأموال التى تم تهريبها من روسيا للخارج خلال الشهور التسعة الأولى فقط من عام 2004 تقدر بحوالى 18.2 مليار دولار. وقد تم ربط هذه الظاهرة بصورة مباشرة بتفاقم أزمة شركة يوكوس النفطية، وعدم الاستقرار الاقتصادى فى البلاد، مما جعل الكثير من المستثمرين الروس والأجانب يفضلون تحويل أموالهم إلى الولايات المتحدة. وكانت ظاهرة تهريب الأموال من روسيا للخارج قد تراجعت كثيراً فى ظل الاستقرار السياسى والاقتصادى الذى شهدته روسيا منذ تولى فلاديمير بوتين السلطة فى عام 2000. وربما يتمثل التطور الإيجابى فى هذه المسألة أن الربع الأخير من عام 2004 شهد تحولاً فى حالة التحويلات المالية إلى روسيا، حيث تشير بعض التقديرات إلى تدفق ما يقرب من 10.3 مليار دولار إلى روسيا، عقب تسوية أزمة شركة يوكوس، بالإضافة إلى انتهاء الموسم وضرورة إغلاق الحسابات المالية وتسوية العقود مع نهاية العام. 3 - مؤشرات الأداء فى الاقتصاد الروسى ودلالاتها أدت السياسة الاقتصادية للرئيس بوتين إلى تحقيق نتائج إيجابية من حيث تحقيق معدل نمو سنوى مرتفعا سنوياً لفترة تصل إلى حوالى أربع سنوات، يدور حول نسبة 6% سنوياً، وهو ما انعكس فى ارتفاع الدخل الفردى، ومن ثم انتعاش حركة البيع والشراء. وخلال عام 2004، حقق الاقتصاد الروسى نتائج لا بأس بها، إذ واصل الناتج المحلى الاجمالى نموه، وارتفع بنسبة 6.8 فى المائة، وواصل احتياطى البلاد من الذهب والنقد الأجنبى ارتفاعه، وبدأت روسيا فى سداد ديونها الخارجية حتى قبل أن يحين موعد سدادها، وتزايدت دخول المواطنين النقدية، وارتفع الطلب على السلع الاستهلاكية والخدمات إلى حد كبير، وانخفضت نسبة السكان الذين يقل دخلهم عن تكاليف الحد الأدنى لمعيشة الفرد، بنسبة 3 فى المائة تقريباً. أدى التحسن المطرد فى أداء الاقتصاد الروسى إلى شيوع اتفاق عام بين الاقتصاديين الروس والأمريكيين على أن روسيا لم تعد فى حاجة إلى المساعدات المالية التى كانت الولايات المتحدة تقدمها للحكومة الروسية للمساعدة فى تنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادى، والتى بلغت 85 مليون دولارًا لعام 2004، كما أعلن الرئيس بوتين أن روسيا لم تعد فى حاجة إلى دعم مالى قوى من المؤسسات المالية الدولية، لتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادى، ولكنها تحتاج إلى الدعم لتمويل بعض المشروعات الاجتماعية. ولذلك، قامت إدارة جورج بوش فى الولايات المتحدة بإدخال خفض تدريجى فى المبالغ المخصصة فى الميزانية الأمريكية لتمويل الإصلاح الاقتصادى فى روسيا، بحيث جرى تخصيص مبلغ 48 مليون دولار فى ميزانية عام 2006 لهذا الغرض، بما يقل بمقدار 37 مليون دولار عن العام السابق. وتشير وثائق الإدارة الأمريكية إلى أن عام 2006 سيكون العام لأخير الذى يدرج فيه بند المساعدات الروسية فى الميزانية الفيدرالية الأمريكية، استناداً إلى أن الاقتصاد الروسى أصبح يعمل بصورة جيدة، ولم يعد فى حاجة للحصول على دعم من الولايات المتحدة. ولكن فى المقابل هناك بعض الانتقادات التى يطرحها المحللون الروس على أداء الاقتصاد الروسى، لاسيما فيما يتعلق بمسألتى انعكاس النمو الاقتصادى على مستوى معيشة المواطنين، وأيضاً بشأن مدى قدرة الاقتصاد الروسى على الاندماج فى الاقتصاد العالمى. ففيما يتعلق بالنقطة الأولى، يبدو واضحاً أن النمو الذى حققه الاقتصاد الروسى لم يحقق طفرة حقيقية فى مستوى معيشة غالبية المواطنين الروس. فعلى الرغم من انخفاض نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر خلال سنوات حكم بوتين، فإن ذلك يتزامن مع اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، حتى إن دخل الفرد الأكثر ثراءً أصبح يعادل 15 ضعف دخل الفرد الأكثر فقراً حسب بعض التقديرات الروسية، بل أن تقديرات البنك الدولى تصل بهذا المعدل إلى 20 ضعفاً، وهو فارق شاسع وفق معايير العالم الصناعى المتقدم، مما يهدد الاستقرار الاجتماعى والسياسى فى روسيا، كما أن هذا الفارق الشاسع يعنى أن معدل النمو المرتفع للناتج المحلى الإجمالى لا ينعكس تلقائيا فى صورة تحسين الوضع الاجتماعى، وإنما يجب أن يترافق ذلك مع سياسة مخططة لإعادة توزيع الدخل فى روسيا. أما فيما يتعلق بمدى قدرة الاقتصاد الروسى على الاندماج فى الاقتصاد العالمى، فإن هذه القدرة تتأثر سلباً باعتبارات هيكلية، تتعلق بحقيقة أن النمو المرتفع الذى حققه الاقتصاد الروسى فى عام 2004 كان عائداً إلى الإسهام الكبير لقطاع الصادرات فى الناتج المحلى الإجمالى، بنسبة تصل إلى حوالى 50 فى المائة، لاسيما الصادرات من المواد الخام، وبالذات النفط الخام. وفى الوقت نفسه، فإن الاقتصاد الدولى بدوره شهد فى عام 2004 أكبر نسبة نمو خلال السنوات العشر المنصرمة، بما يقدر بحوالى 4.8 فى المائة، مما يعنى أن الاقتصاد الروسى يسعى للاندماج فى اقتصاد دولى سريع التطور، أى أن مكانة روسيا فى الاقتصاد الدولى سوف تتوقف على مدى قدرة اقتصادها على مواصلة النمو بمعدلات مرتفعة. أضف إلى ذلك أن قدرة روسيا على الاندماج فى الاقتصاد العالمى تتأثر سلباً بعدم قدرتها على الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، بسبب الخلافات القائمة بينها وبين دول الاتحاد الأوروبى بشأن مطالبهم للحكومة الروسية برفع أسعار الطاقة كشرط للانضمام لمنظمة التجارة العالمية، حيث تقل أسعار الغاز فى روسيا كثيراً عن المستويات العالمية. وعلى الرغم من أن الحكومة الروسية أشارت إلى أنها تعتزم رفع أسعار الطاقة تدريجياً، إلا أنها شددت على أن الأسعار لا يمكن أن تصل إلى المستويات العالمية لأن تكلفة النقل التى تتحملها شركة الغاز الروسية (جازبروم) فى السوق المحلية تقل كثيراً عن تكلفة نقل الغاز الروسى إلى الأسواق الأوروبية، والتى تدخل فى حساب أسعار الغاز الأوروبية، حيث تحصل أوروبا على ربع إمداداتها من الغاز من روسيا. وتظل هذه المسألة سبباً فى تعقيد مسألة انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، رغم مرور ما يزيد على عقد من المفاوضات التى تجريها الحكومات الروسية بشأن هذا الغرض.
ثالثاً: إصلاح المؤسسة العسكرية الروسية ظلت مسألة إصلاح القوات المسلحة الروسية مطروحة بقوة منذ تولى بوتين السلطة فى الكرملين، بسبب التدهور الهائل فى أوضاع هذه القوات، نتيجة لسنوات طويلة من الإهمال والتجاهل، والذى عاد جزء منه إلى التراجع الضخم فى حجم الإنفاق العسكرى الروسى، بالمقارنة مع ما كان الاتحاد السوفيتى السابق ينفقه على الدفاع، إذ أدت الأزمات الاقتصادية فى التسعينيات إلى خفض الإنفاق الدفاعى، بحيث كان يقدر عقب الانهيار مباشرة فى عام 1992 بحوالى 87 مليار دولار، بالمقارنة مع حوالى 324 مليار دولار فى العام السابق مباشرة، ثم ظل التراجع فى الإنفاق العسكرى مستمراً، حتى وصل إلى حوالى 46 مليار دولار فقط فى أواخر التسعينيات. وكان من شأن هذا الوضع أن عجزت الحكومات الروسية عن توفير المخصصات المالية اللازمة للحفاظ على كفاءة القوات المسلحة، وهو ما أدى بالتالى إلى تراجع الإنفاق العسكرى فى كافة المجالات المتعلقة بالتسلح والإمداد والتموين، كما أصبحت الدولة الروسية عاجزة عن الحفاظ على القاعدة الضخمة من الصناعات الدفاعية، التى كانت تعتبر قلب الاقتصاد السوفيتى القديم، إذ لم تعد الدولة الروسية قادرة على تمويل هذه الصناعات، لاسيما أنها لم تعد فى حاجة إلى تصنيع كميات هائلة من الأسلحة، على غرار ما كان يحدث فى العهد السوفيتى. وفى الوقت نفسه، انعكس هذا الوضع فى تراجع الاهتمام بتوفير العديد من الخدمات اللازمة للعسكريين، بما فى ذلك حتى التغذية الضرورية لهم، علاوة على عدم الاهتمام بالجانب الاجتماعى للضباط، وحرمانهم من معظم الامتيازات والتسهيلات التى كانوا يتمتعون بها فى السابق. ولم يكن هذا الوضع عائداً فقط إلى ضعف القدرات التمويلية للدولة الروسية فى فترة ما بعد الانهيار السوفيتى، ولكن الأكثر أهمية من ذلك ارتباطه بالدعاية التى روجت لها عناصر النخبة المالية فى عهد يلتسين، والقائمة على أن كافة المشاكل التى يعانيها المجتمع الروسى فى كافة المجالات تعود إلى السياسة التى كانت متبناة فى العهد السوفيتى بشأن تفضيل الجيش وعناصره على عمليات البناء والتطوير فى المجالات المدنية، مع التحجج فى هذا الصدد بتجربة فشل الجيش الروسى فى حرب أفغانستان، بل ووقفت القوى اليمينية الجديدة ضد كافة المطالب المنادية باستعادة، ولو جزء ضئيل، من الماضى المجيد للمؤسسة العسكرية الروسية، وهو ما أدى ليس فقط إلى تراجع اهتمام النخبة السياسية بالحفاظ على كفاءة القوات المسلحة، ولكن أيضاً إلى تدهور الصورة الاجتماعية للمؤسسة العسكرية وانعدام الرغبة لدى قطاعات واسعة من المجتمع فى العمل فى القوات المسلحة. هذه الأوضاع المذرية للقوات المسلحة الروسية جعلت مسألة الإصلاح العسكرى مسألة مطروحة بقوة فى قائمة اهتمامات بوتين منذ توليه السلطة، بحكم محورية القوة العسكرية الروسية كواحدة من أدوات قليلة للغاية تحفظ لروسيا مكانتها كواحدة من القوى الكبرى على الساحة الدولية من ناحية، ولإخراج هذه المؤسسة من الأزمات العنيفة التى تعانى منها فى كافة المجالات من ناحية أخرى. 1- إصلاح وتحديث القوات المسلحة الروسية اهتم فلاديمير بوتين اهتماماً كبيراً بالقوات المسلحة منذ توليه المسئولية كرئيس للحكومة أولاً، ثم كرئيس للدولة لاحقاً، إذ أصدر مرسوماً فور توليه السلطة لإصلاح هذه القوات، بما يتناسب مع ظروف مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بحيث تكون القوات المسلحة أقل عدداً وأكثر كفاءة، وأن يتلقى أفرادها رواتب جيدة، وأن تكون هذه القوات المسلحة فى مستوى يتناسب مع متطلبات وإمكانيات الدولة. وقد ركزت عملية الإصلاح على عدد من المحاور، كان فى مقدمتها خفض حجم القوات المسلحة، وبما لا يؤثر على قدرات البلاد الدفاعية، وإدخال تحسينات جوهرية فى التسليح و التدريب. ولذلك تم الاستغناء عن أعداد الضخمة من أفراد القوات المسلحة، وفى الوقت نفسه تزويدها بأسلحة متطورة وفعالة. وقد حظيت هذه المسألة بمناقشات طويلة فى دوائر السلطة التنفيذية والتشريعية فى موسكو، خلص أطرافها إلى أن خفض حجم القوات المسلحة لا يجب أن يؤثر على قدرتها القتالية، كما أن هناك مجموعة من الأحداث، مثل الحرب فى الشيشان وغرق الغواصة النووية الروسية كورسك فى عام 2000 واعتبارات الميزان الاستراتيجى مع الولايات المتحدة، قد ساهمت فى تعزيز التوجه نحو إصلاح القوات المسلحة الروسية منذ بداية عهد بوتين. وقد أسفرت جملة هذه المتغيرات عن صدور قرار من مجلس الأمن القومى الروسى فى نوفمبر 2000 بتقليص مجموع جميع القوات المسلحة الروسية بحوالى 600 ألف رجل، فى غضون ثلاث سنوات، بحيث يكون عددها عام 2003 حوالى 715 ألف رجل. ومن أجل تحقيق هدف الحفاظ على القدرات القتالية للقوات، اهتم بوتين دائماً بتقديم دعم حكومى كبير إلى الصناعات الحربية، مؤكدا على ضرورة أن تكون القوات المسلحة على استعداد لتحييد وصد أى عدوان على كل الاتجاهات الاستراتيجية، وعلى أهمية إمداد القوات المسلحة بأحدث الأسلحة والمعدات القتالية، لاسيما فى مجال نظم الاتصال الميدانية والاستطلاع والمخابرات، التى أشار بوتين فى عدة مناسبات إلى وجود قصور ملموس بها. وفى الوقت نفسه، امتد الإصلاح العسكرى إلى تعزيز السيطرة السياسية ـ المدنية على المؤسسة العسكرية الروسية من خلال الحرص على تعيين شخصية مدنية فى منصب وزير الدفاع، بدلاً من المارشال إيجور سيرجييف الذى كان قد بات مؤكداً منذ بداية عهد بوتين أنه سوف يترك منصبه، ثم تعيين سيرجى إيفانوف سكرتير مجلس الأمن القومى السابق وزيراً للدفاع، وهو من رجال الاستخبارات السابقين، ومن المقربين بقوة من الرئيس بوتين. وصل الاهتمام بتحديث القوات المسلحة وتلبية احتياجاتها إلى اتفاق القيادة السياسية والعسكرية على ضرورة إعادة النظر فى ميزانية القوات المسلحة مرتين فى العام، بما يكفل إمدادها بما يتطلبه تمويل احتياجاتها العسكرية. وأدت هذه المراجعة الدورية لاحتياجات القوات المسلحة فى عام 2004 إلى صدور قرار بزيادة ميزانية القوات المسلحة لعام 2005 بنسبة 27.6 %، مع احتمالات رفع هذه النسبة خلال العام المقبل. وقد قفز اهتمام الرئيس بوتين بتحديث القوات المسلحة عدة قفزات فى أواخر عام 2004، حينما أعلن فى أواخر العام أن بلاده تعمل على تصميم منظومات تسليحية حديثة لا مثيل لها لدى الدول الكبرى الأخرى، وكان يقصد بذلك الأسلحة التقليدية والنووية فى آن واحد معاً. وقد كشف وزير الدفاع سيرجى إيفانوف لاحقاً عن خطط تحديث القوات المسلحة، مشيرا إلى أن القوات الروسية سوف يتم تزويدها فى عام 2005 بأربع منظومات صاروخية استراتيجية من طراز 'توبول ام'، وتسعة أقمار صناعية، وخمسة صواريخ حاملة للرؤوس النووية. أما القوات البرية، فسوف يتم تزويدها بمنظومتين صاروخيتين من طراز 'إسكندر أم'، وسبع عشرة دبابة قتال رئيسية متطورة من طرازى 'تى 90' و'تى 92'. أما القوات البحرية، فسوف يتم تزويدها بغواصة متطورة من طراز 'سانت بيترسبرج'، وسفينة حربية جديدة، بينما سوف يتم تزويد القوات الجوية بقاذفتين متطورتين من طراز'تو 160' وسبع مقاتلات من طراز 'سوخوى 27' المعدل. 2 - صياغة عقيدة عسكرية جديدة كانت مسألة صياغة عقيدة عسكرية جديدة فى مقدمة أولويات الرئيس بوتين، حتى أثناء فترة توليه رئاسة الحكومة، إذ كانت الخطوة الأولى لصياغة العقيدة الجديدة تتمثل فى انتهاء مجلس الأمن القومى الروسى من صياغة المسودة الأصلية لوثيقة مفهوم الأمن القومى لروسيا، فى 5 أكتوبر 1999، أثناء رئاسته للحكومة، ثم وافق عليها بوتين فى 10 يناير 2000، عقب توليه رئاسة الدولة بعد استقالة الرئيس بوريس يلتسين. وكانت تلك الوثيقة تمثل الإطار المرجعى للعقيدة العسكرية الجديدة، والتى جرى بعد ذلك الانتهاء من صياغتها بصورة نهائية، ثم وقع بوتين عليها فى 21 أبريل 2000، عقب انتخابه رئيساً للبلاد. وكان إقرار هذه العقيدة تعبيراً عن الفكر الجديد الذى يحمله بوتين، كما كانت انعكاساً للتحولات السياسية الداخلية فى روسيا ذاتها، بالإضافة إلى كونها محاولة للتعامل الجدى من جانب بوتين للتعامل مع التحديات الماثلة فى البيئة الاستراتيجية الدولية، وبالذات فيما يتعلق بتصاعد التوتر مع الولايات المتحدة بشأن العديد من القضايا، وفى مقدمتها الخلاف بشأن برنامج الدفاع الصاروخى الوطنى الذى تتبناه الإدارة الأمريكية. ركزت العقيدة الجديدة على مجموعة من التهديدات التى تواجه الأمن القومى الروسى. فعلى الرغم من أن هذه العقيدة تشير إلى تضاؤل التهديد بنشوب حرب واسعة النطاق أمام روسيا، بما فى ذلك حرب نووية، إلا أنها تشير إلى وجود طائفة متنوعة من الصراعات مثل ازدياد التطرف الوطنى والأثنى والدينى على المستويات الوطنية، وانتشار الحروب المحلية وازدياد سباقات التسلح الإقليمية وانتشار الأسلحة النووية والأنواع الأخرى من أسلحة الدمار الشامل ووسائل إيصالها وتفاقم احتمالات حروب المعلومات. وتشير العقيدة الجديدة أيضاً إلى خطورة التهديد الناجم عن محاولة بعض الدول والمنظمات الدولية إضعاف آليات الأمن الدولى، بما فى ذلك الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبى، ومحاولة إضعاف روسيا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وتقليص دورها فى العالم، وتقوية الأحلاف السياسية ـ العسكرية وتوسيع حلف الناتو شرقاً، وإقامة قواعد عسكرية على حدود روسيا. كما أولت أهمية كبرى للتهديد الناجم عن محاولة بعض الدول إضعاف روسيا فى المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتجاهل مصالحها فى المشاركة فى حل المشكلات الدولية ومعالجة قضايا الأمن الدولى. وأشارت الوثيقة إلى أن مواجهة هذه التهديدات يتطلب مجموعة من العناصر التى يتمثل أبرزها فى النهوض الاقتصادى وتطوير القدرات الدفاعية وبناء علاقات متوازنة بين روسيا والعالم الخارجى وتحسين أداء جهاز الدولة وتحسين العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وإنهاء التبعية العلمية وتوسيع حركة الصادرات الروسية. ومن أبرز ما اشتملت عليه العقيدة العسكرية الجديدة تأكيدها على إمكانية استخدام جميع أنواع القوات المسلحة، بما فى ذلك القوات النووية، لصد أى عدوان خارجى، فيما لو فشلت الوسائل الأخرى، واستخدام القوات المسلحة داخل روسيا ذاتها لحفظ الأمن وفق القانون لضمان الأمن وحماية الأرواح وضمان وحدة التراب الوطنى وحماية الدستور، وإعادة بناء المجمع الصناعى ـ العسكرى، وحماية الحدود الروسية، وتحسين عمل أجهزة مكافحة التجسس.. وغير ذلك. وكانت أهمية صياغة هذه العقيدة الجديدة فى بداية عهد بوتين تتركز فى أنها مثلت انعكاساً لرؤية بوتين لكيفية صيانة الأمن القومى الروسى، عقب فترة طويلة من التدهور على كافة المستويات إبان فترة حكم يلتسين. وكان التطور الأكثر أهمية على الإطلاق الذى اشتملت عليه هذه العقيدة يتمثل فى أنها زادت من الحالات التى يمكن أن تلجأ فيها القوات الروسية نحو استخدام الأسلحة النووية، بالمقارنة مع مفهوم الأمن القومى الذى كان معمولاً به منذ عام 1997. فقد كان المفهوم السابق يشير إلى أن روسيا تحتفظ لنفسها بحق الاستخدام الأول للأسلحة النووية، ولكنه كان يقصر هذا الاستخدام على حالة وجود تهديد لوجود روسيا الاتحادية، فى حين أن العقيدة العسكرية الجديدة تسمح باستخدام الأسلحة النووية، حتى فى حالة حدوث عدوان واسع النطاق باستخدام القوات التقليدية فى ظروف حرجة للأمن القومى الروسى، بالإضافة طبعاً إلى استخدام هذه الأسلحة للرد على هجمات باستخدام جميع أسلحة الدمار الشامل. ويعنى ذلك أن استخدام الأسلحة النووية لم يعد قاصراً على مجرد الحماية ضد تهديدات الوجود والبقاء، وإنما أدت العقيدة الجديدة إلى تسهيل إمكانية اللجوء إلى استخدام الأسلحة النووية من جانب السلطات الروسية عند الحاجة. هذا التوجه كان هادفاً فى جوهره إلى التعويض عن الضعف النسبى لروسيا فى مواجهة الولايات المتحدة، وللتلويح بالقوة النووية الاستراتيجية لروسيا، سواء لردع الغرب أو للحصول على المزيد من المساعدات أو للتجاوب مع المواقف الروسية بشأن القضايا الخلافية. ولذلك، أثارت هذه العقيدة الجديدة استياءً حاداً من جانب الدول الغربية، واعتبروها تحدياً للغرب، وطالبوا روسيا بتعديل هذه العقيدة، والاتجاه بدلا من ذلك نحو المزيد من التأكيد على الرغبة فى التعاون مع الدول الغربية للحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين، إلا أن كبار المسئولين الروس أكدوا أن استخدام الأسلحة النووية يعد عنصراً دفاعياً مهماً لصيانة الأمن القومى الروسى. 3 - تطوير القدرات النووية تعامل الرئيس فلاديمير بوتين مع المسألة النووية وفق معادلة مزدوجة تقوم من ناحية على الرغبة فى دفع عملية خفض التسلح النووى بين روسيا والولايات المتحدة، بينما تقوم من ناحية أخرى على تطوير القدرة النووية الروسية، فى الحدود التى تسمح بها معاهدة خفض الرؤوس النووية مع الولايات المتحدة، باعتبار أن القدرات النووية تظل فى نهاية المطاف ركيزة أساسية فى القدرة العسكرية للبلاد، ناهيك عن أنها واحدة من أدوات قليلة تتيح لروسيا الحفاظ على مكانتها كقوة كبرى على الساحة الدولية. وفق هذه المعادلة المزدوجة، وقع بوتين مع الرئيس الأمريكى جورج بوش فى عام 2002 على اتفاقية لخفض الأسلحة النووية، والتى خفضت مخزون الأسلحة النووية لدى كل من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة بنسبة الثلثين لما هو موجود لديهما، أى ما مقداره 1700 رأس نووى لروسيا و2200 للولايات المتحدة. وقد قامت هذه الاتفاقية على مبدأ الخفض غير المتوازن للرؤوس النووية، بمعنى أن الولايات المتحدة سوف تظل تحتفظ بعدد أكبر من الرؤوس النووية. ويعود ذلك إلى أن كل طرف منهما قد حدد لنفسه العدد الملائم من الرؤوس الذى يحفظ له أمنه القومى، وبينما كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد أكدت منذ نوفمبر 2001 أنها تحتاج إلى ما يتراوح بين 1800 ـ 2250 رأساً نووياً، فإن الجانب الروسى لا يملك من ناحية الإمكانيات المادية والفنية التى تتيح له صيانة ما يزيد عن 1700 رأس نووى، كما لا يواجه من ناحية أخرى تهديدات جسيمة تجعله فى حاجة إلى الحفاظ على عدد أكبر من تلك الرؤوس. وقد تضمنت هذه الاتفاقية مفهوماً جديداً لفكرة الخفض يقوم على إعطاء كل طرف الحق فى تحديد الطرق التى سيتبعها لخفض ما لديه من الرؤوس النووية، سواء من خلال التدمير أو التخزين. وكان الجانب الأمريكى هو الذى أصر على هذا المفهوم، حتى يحتفظ لنفسه بالقدرة على إخراج الرؤوس المخفضة من المخازن، وإعادة استخدامها إذا دعت الظروف إلى ذلك، الأمر الذى وفر مكسباً للجانب الأمريكى من حيث تمكينه من تخزين الرؤوس النووية الفائضة، بدلا من تصفيتها، بحيث يمكن إعادة استخدامها إذا دعت الضرورة إلى ذلك مستقبلاً. وعلى الرغم من حماس الرئيس بوتين الشديد لهذه المعاهدة، فإنها أثارت قدراً كبيراً من الامتعاض والاحتجاج لدى العديد من كبار العسكريين الروس، لاسيما لأن الجانب الروسى كان يفضل تصفية وتدمير الرؤوس النووية، بدلا من تخزينها، لأن التخزين يحتاج إلى إمكانيات تفوق الطاقة الحالية لدى روسيا، كما أن الجانب الروسى كان يسعى إلى الربط بين خفض الأسلحة النووية وبين تقديم الولايات المتحدة تنازلات بشأن برنامج الدفاع الصاروخى الذى تتبناه إدارة بوش، وهو ما لم يتحقق بصورة واضحة. ولكن من ناحية أخرى واصل الجانب الروسى جهوده فى مجال تطوير القدرات النووية، فيما يبدو أنه رد فعل للجهود الأمريكية فى هذا المجال. فقد أعلن بوتين فى نوفمبر 2004 أثناء اجتماع مع قادة القوات المسلحة الروسية أن بلاده تطور جيلاً جديداً من الأسلحة النووية لا تملكه قوى نووية أخرى فى العالم، وأن هذا الجيل من الأسلحة النووية سوف يدخل الخدمة فى غضون السنوات المقبلة، وذلك لحماية روسيا مما وصفه بتحديات أمنية مستقبلية. وأشار إلى أن هذا التطوير سوف يشتمل على تصميم نظام جديد متطور للغاية من الصواريخ النووية، لا يوجد ولن يوجد له مثيل لدى القوى النووية الأخرى خلال السنوات المقبلة، إلا أنه لم يذكر تفاصيل عن نوع الأسلحة الذى تحدث عنه أو شكل التهديدات الأمنية الجديدة التى أشار إليها. وكان من الواضح أن هذا الموقف الروسى يأتى رداً على الجهود المحمومة التى تقوم بها الإدارة الأمريكية على صعيد إنتاج جيل جديد من الأسلحة النووية، بموجب قانون وقع عليه الرئيس بوش فى ديسمبر 1993، ثم قام الكونجرس الأمريكى من ناحيته بتخصيص مبلغ 3.6 مليار دولار لبرامج الأسلحة النووية خلال السنة المالية 2004. وتركز الجهود الأمريكية بشكل خاص على تطوير وإنتاج قنابل نووية مصغرة قادرة على اختراق الملاجئ المحصنة تحت الأرض، بحيث تكون قادرة على تدمير مراكز القيادة ومستودعات الأسلحة الموجودة فى مواقع محصنة تحت الأرض. ويترافق ذلك استمرار الإدارة الأمريكية فى تنفيذ برنامج الدفاع الصاروخى الوطنى، دون أن تعبأ بالمخاوف والتهديدات التى تشعر بها القوى الدولية الأخرى. ومن المؤكد أن خطط التطوير النووى الأمريكية تمثل تهديداً للتوازن الاستراتيجى بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، وهو ما قد يكون أحد أهم أسباب إعلان الرئيس بوتين المذكور بشأن تطوير روسيا لجيل جديد أكثر تطوراً من الأسلحة النووية. وقد قدم وزير الدفاع الروسى سيرجى إيفانوف فى كلمته فى مؤتمر ميونيخ للأمن فى فبراير 2005 توضيحات إضافية بشأن الجيل الجديد من الأسلحة النووية الذى أعلن بوتين أن روسيا سوف تمتلكه، إذ أشار إيفانوف أن هذه الأسلحة لن تكون موجهة ضد دولة بعينها، بل تهدف لضمان أمن وسيادة روسيا فى مواجهة أي تهديدات مستقبلية. وعلى الرغم من أن إيفانوف كان حريصاً مع ذلك على تأكيد أن روسيا لا تحتاج لامتلاك عدد الصواريخ والرؤوس الحربية النووية التى كان الاتحاد السوفيتى السابق يمتلكها، فقد كان واضحاً أن الرسالة التى تسعى روسيا لإيصالها من وراء مثل هذا الإعلان تتمثل فى التأكيد على أن روسيا حريصة على الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى على الساحة الدولية.
رابعاً: بوتين وتعزيز المكانة الدولية لروسيا ركزت السياسة الخارجية الروسية فى عهد بوتين بدرجة كبيرة على استعادة روسيا لمكانتها فى مصاف الدول الكبرى، حتى وإن لم يكن ذلك بنفس المكانة التى كانت للاتحاد السوفيتى السابق. وقد واجهت جهود بوتين فى هذا الصدد تحديات هيكلية، كان بعضها مرتبطاً بأولوية ترتيب الأوضاع الداخلية، سياسياً واقتصادياً، ومحدودية القدرات الاقتصادية، علاوة على هيمنة الولايات المتحدة الكاسحة على الساحة الدولية، ورفضها السماح لروسيا بالقيام بدور بارز فى القضايا الدولية الهامة، لاسيما عملية التسوية فى الشرق الأوسط. هذه القيود جعلت أمام بوتين أدوات قليلة للغاية لتعزيز المكانة الدولية لروسيا، لعل أهمها على الإطلاق امتلاك روسيا لترسانة نووية ضخمة، وامتلاكها لقاعدة ضخمة للتصنيع العسكرى، مما يتيح لها إمكانية توظيف مبيعاتها التسليحية كأداة فعالة فى سياستها الخارجية. وقد حاول بوتين الاستفادة ببراعة من هذه الأدوات المحدودة، وحقق بالفعل بعض النجاحات على صعيد وضع أسس جديدة للعلاقات الاستراتيجية مع الغرب، إلا أن ذلك لا ينفى وجود قيود عديدة أمام روسيا للاستحواذ على مكانة بارزة على الساحة الدولية فى ظل الأزمات السياسية والاقتصادية التى تعانى منها. 1- الاتجاهات الرئيسية للسياسة الخارجية الروسية اتسمت السياسة الخارجية لبوتين بالوسطية فيما بين تيارين رئيسيين حكما هذه السياسة، الأول هو تيار المواجهة الذى جرى تبنيه فى العهد السوفيتى، والذى اتخذ صورة الحرب الباردة مع الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، وهو التيار الذى كان متمسكاً بالحفاظ على استقلالية السياسة الخارجية الروسية وتعزيز قدرات روسيا العسكرية، حتى برغم انتهاء الحرب الباردة. والثانى هو تيار المهادنة الذى تبناه نظام حكم بوريس يلتسين عقب انهيار الاتحاد السوفيتى مباشرة، وطيلة عقد التسعينيات، والذى لم يقم فقط على إنهاء التوتر والعداء مع الغرب، ولكنه انجرف أيضا وراء استجداء المعونات من الولايات المتحدة. وفيما بين هذين التيارين، تبنى بوتين سياسة خارجية عملية تنطلق من إدراك معرفة حقيقية بحدود القدرات القومية لروسيا فى عصر ما بعد الانهيار، والتى تتسم بالتضاؤل الشديد بالمقارنة مع ما كانت عليه فى ظل الاتحاد السوفيتى السابق من ناحية، كما تأخذ فى اعتبارها من ناحية أخرى طبيعة المتغيرات الدولية لفترة ما بعد الحرب الباردة التى تتسم بهيمنة قطب دولى واحد هو الولايات المتحدة هذا التوازن الدقيق بين محدودية القدرات القومية والمتغيرات السائدة على الساحة الدولية دفع بوتين نحو تبنى سياسة خارجية، يصفها هو نفسه بأنها عملية، تقوم من ناحية على التخلى عما يصفه بـ التوسع الاستعمارى للاتحاد السوفيتى السابق، كما تحذر من ناحية أخرى من الانجراف الأعمى وراء الغرب أو الإيمان الساذج به. ويؤكد بوتين بالتالى على أن روسيا لم تجن شيئاً من العهد السوفيتى، بل على العكس عانت من تبديد هائل لثروتها الوطنية، علاوة على نشوء حالة من الرعب عاش فيها المجتمع الدولى، فى ظل الحرب الباردة بين الشرق والغرب. وقد أعلن بوتين هذا الموقف منذ نجاحه فى انتخابات الرئاسة لعام 2000، أخذاً فى الاعتبار أن أحد دوافع هذا الموقف ربما تتمثل فى محاولة طمأنة الولايات المتحدة من أن بوتين لن يسعى للعودة قط إلى سياسة المواجهة مع الغرب. ولكن على الجانب الآخر كان بوتين عازماً على تأكيد المكانة الدولية لروسيا أخذا فى الاعتبار محدودية القدرات الوطنية لبلاده. وتجسد هدف بوتين الأساسى فى حصول بلاده على مكانة دولية مؤثرة فى قضايا الأمن والسلم والترتيبات الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية، بحيث لا تنفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على الساحة الدولية، مستحوذة على الدور الأكبر فى صنع القرارات الدولية الحيوية فى كافة المجالات. 2- العلاقات مع الغرب تبنى بوتين فى إطار سياسته العملية الواقعية، توجهاً توفيقياً فى إدارة علاقات روسيا مع الغرب، يقوم على أن الشراكة الاستراتيجية مع الغرب والولايات المتحدة لا تعنى التحالف، وإنما ينبغى على السياسة الروسية أن تتخذ موقفا متوازنا فى علاقاتها الدولية، وآلا تفقد ما تبقى لها من مواقع على الساحة الدولية، رافضاً بذلك مقولات التيارين اليمينى الليبرالى المهادن (الداعى إلى توثيق علاقات روسيا مع الغرب فى كافة المجالات باعتبار ذلك مصلحة استراتيجية وحيوية لروسيا)، والمحافظ المتشدد (القائل بأن سياسة المهادنة أدت إلى تأكل المكانة الدولية لروسيا، والمطالب باستعادة روسيا لدورها كقوة عظمى فى العالم). وعلى الرغم من الضغوط الشديدة التى يمارسها التيار الليبرالى اليمينى، مستفيداً فى ذلك من سيطرته على النشاط الاقتصادى ووسائل الإعلام، فإن السياسة الخارجية الروسية فى عهد بوتين ظلت دائماً على مستوى الممارسة الواقعية تقوم على تبنى مواقف متوازنة تجاه القضايا الإقليمية، علاوة على تعزيز علاقات التعاون بين روسيا والعديد من دول العالم، بما فى ذلك تلك الدول المناوئة للولايات المتحدة، مثل إيران والعراق وكوريا الشمالية، دون ربط السياسة الروسية بالمواقف الأمريكية. ولكن الإشكالية الرئيسية التى واجهت بوتين فى علاقاته مع الغرب تمثلت ليس فقط فى عدم تجاوب الغرب مع محاولات روسيا للتقارب والتنسيق فى القضايا السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، ولكن فى تبنى الغرب ـ وبالذات الولايات المتحدة ـ لبعض المواقف التى تعتبرها روسيا تهديدا مباشرا لمصالحها، مثل توسيع حلف الناتو شرقاً وتبنى الولايات المتحدة لبرنامج الدفاع الصاروخى والامتناع عن ضم روسيا لعضوية منظمة التجارة العالمية وتعزيز العلاقات والروابط الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وبعض دول القوقاز التى تعتبرها روسيا عمقاً استراتيجياً لها، أو دعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى لحكومات مناوئة لروسيا فى بعض دول أوروبا الشرقية، مثلما حدث فى انتخابات أوكرانيا. وكانت هذه الخلافات سبباً فى الكثير من الحالات نحو اتجاه السياسة الخارجية الروسية نحو الحديث عن بناء علاقات شراكة استراتيجية بين روسيا وبعض القوى الدولية، مثل الصين والهند، للتصدى لهيمنة الولايات المتحدة كقطب دولى وحيد على الساحة الدولية، إلا أنه كان معروفاً منذ البداية أن هذه المبادرات يستحيل تنفيذها، أو إمكانية أن يكون لمثل هذه المبادرات تأثير هام على موازين القوى الدولية، ولكنها كانت بالدرجة الأولى تعبيرا عن الإحباط الذى تشعر به روسيا إزاء الغرب. ولكن العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة شهدت تحولاً إيجابياً بالغ الأهمية عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 فى الولايات المتحدة، إذ كان بوتين أول من تقدم بتعازيه إلى الرئيس بوش، واقترح عليه التعاون فى مكافحة الإرهاب الدولى، معتبراً أنه ليس أمام روسيا من خيار سوى المشاركة فى التحالف الدولى ضد الإرهاب لأنه لا يمكن إنزال الهزيمة بالإرهاب إلا بواسطة تحالف تتحد فيه قوى العالم المتحضر. وأعلن استعداد روسيا للتعاون مع الولايات المتحدة فى حربها ضد الإرهاب، وحصل بوتين فى المقابل على الدعم السياسى من الغرب فى الحرب الروسية فى الشيشان، بل قامت الدول الغربية بمساعدة روسيا فى إغلاق المصادر المالية التى تغذى المقاتلين الشيشانيين بالأموال. وقد فتحت الروح الجديدة التى طرأت على العلاقات الروسية ـ الأمريكية فى فترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر المجال أمام حدوث تطورات استراتيجية هامة فى تلك العلاقات، لعل أبرزها التوقيع على إعلان روسى ـ أمريكى مشترك فى 24 مايو 2002 بشأن وضع إطار استراتيجى جديد للعلاقات الأمريكية ــ الروسية، يقوم على العمل من أجل تحقيق درجة أكبر من الاستقرار الاستراتيجى بين الجانبين، ثم التوقيع على معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت)، بالإضافة إلى اهتمام الولايات المتحدة بعدم استفزاز روسيا لدى قيامها بتطوير برنامج الدفاع الصاروخى.. وغير ذلك. غير أن العلاقات بين الجانبين شهدت توتراً شديداً حينما انحرفت الإدارة الأمريكية بالحرب على الإرهاب نحو الحرب على العراق، لاعتبارات استراتيجية وسياسية واقتصادية. فالموقف الروسى كان قائماً على الخشية من التداعيات الاستراتيجية التى سوف تنجم عن الاحتلال الأمريكى للعراق، ووجود قوات أمريكية ضخمة على مقربة من التخوم الجنوبية لروسيا، ناهيك عن القلق من طبيعة الأهداف اللاحقة التى سوف تسعى الولايات المتحدة لتحقيقها، وما إذا كانت الولايات المتحدة سوف تواصل الحرب لتشمل مناطق أخرى بعد العراق، لاسيما إيران ودول آسيا الوسطى وبحر قزوين وجنوب القوقاز، كما كانت تخشى من أن تكون هذه الحرب مقدمة لإقدام إدارة بوش على إعادة النظر فى استراتيجيتها العالمية، علاوة على القلق مما يمكن أن تفضى إليه الحرب من هيمنة واشنطن على نفط العراق والخليج، وبالتالى تستطيع أن تتحكم فى سوق النفط العالمية، كما كانت روسيا قلقة أيضاً من انعكاسات الحرب الأمريكية على العراق على الميزان الاستراتيجى فى الشرق الأوسط. وفى الوقت نفسه، كان الرفض الروسى للحرب الأمريكية على العراق نابعاً من الاعتبارات الاقتصادية بحكم أن إجمالى التبادل التجارى بين روسيا والعراق كان يناهز 40 مليار دولار فى العام، وتتركز أغلب التعاملات بين البلدين فى قطاع النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية وشبكة البنية الأساسية، وكان فى حكم المؤكد أن روسيا سوف تفقد هذه المكاسب عقب الاحتلال الأمريكى للعراق. وكان ما سبق بمثابة الأساس فى رفض روسيا للموقف الأمريكى من غزو العراق فى مجلس الأمن، وهو ما أحدث تصدعاً فى العلاقات الروسية ــ الأمريكية، إلا أن روسيا اتجهت بعد ذلك نحو تهدئة علاقاتها مع واشنطن، بل وتحدثت بعض التقارير عن مساعدة روسيا للولايات المتحدة فى معركة دخول بغداد، علاوة على محاولة روسيا بلورة مواقف مشتركة بشأن العديد من القضايا الدولية والإقليمية فى إطار قمة الدول الصناعية الثمانى الكبرى، أو فى إطار علاقاتهما الثنائية، ولكن دون أن ينفى ذلك استمرار الخلافات فيما بين الجانبين بشأن العديد من القضايا، سواء المتعلقة بأوضاع الديمقراطية فى روسيا أو التعاون النووى بين روسيا وإيران.. وغير ذلك. 3 - روسيا والشرق الأوسط شهدت السياسة الروسية تجاه منطقة الشرق الأوسط تبدلات جوهرية على مدى العقدين الماضيين. فمنذ وصول بوتين إلى السلطة فى روسيا، استحوذت منطقة الشرق الأوسط على مكانة هامة فى إطار جهوده لاستعادة بلاده لمكانتها الدولية. وجرى التركيز بشكل خاص على تعزيز علاقات روسيا مع عدد من الدول الرئيسية فى المنطقة، لاسيما إيران ومصر والسعودية وسوريا، بالإضافة إلى محاولة البحث عن دور لروسيا فى عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية. فقد واصلت روسيا فى عهد بوتين تعاونها النووى مع إيران غير عابئة بالاحتجاجات الأمريكية العنيفة على هذا التعاون، وذلك لما يحققه هذا التعاون لروسيا من مكاسب اقتصادية هامة، إلا أن روسيا تبنت موقفاً وسطاً يقوم من ناحية على الإعراب عن القلق من بعض الأنشطة النووية الإيرانية التى تشير لها تقارير الوكالة، ودعوة إيران للتعاون الكامل مع الوكالة، ولكن مع تشديد روسيا فى المقابل على أنها لن توقف تعاونها مع إيران فى مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، استناداً إلى أن روسيا ليس لها علاقة بالأنشطة النووية السرية التى تقوم بها إيران. وقد شهدت علاقات روسيا تطورات إيجابية مع كل من مصر والسعودية، من خلال الزيارات المتبادلة لكبار المسئولين، والتى أظهرت تقارباً كبيراً فى المواقف السياسية بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى تبلور آفاق متنوعة للتعاون الاقتصادى بين روسيا وكلتا الدولتين، علاوة على أن روسيا تحتفظ بعلاقات وطيدة مع سوريا فى المجالات الاقتصادية والعسكرية. وقد أبرم الجانبان خلال عام 2005 اتفاقاً تسليحياً هاماً تلتزم بموجبه روسيا بإمداد سوريا بأنظمة دفاع جوى متطورة، ولم تعباً روسيا بالاحتجاجات الأمريكية والإسرائيلية على هذه الصفقة. برزت أهمية الشرق الأوسط فى السياسة الخارجية الروسية أثناء زيارة فلاديمير بوتين لمنطقة الشرق الأوسط فى أبريل 2005، والتى كانت أول زيارة له للمنطقة منذ توليه الرئاسة، وزار خلالها مصر وإسرائيل وفلسطين. وبينما كان التركيز الرئيسى أثناء الزيارة على قضايا التعاون الاقتصادى بين روسيا ودول المنطقة فى مجالات التبادل التجارى والتعاون فى مجالات النفط والغاز، فإن الجانب الروسى تباحث فى مصر بشأن احتمالات التعاون العسكرى فى مجالات الطيران والمنظومات الصاروخية المضادة للطائرات ومنظومات الدفاع الجوى، كما أعلن بوتين استعداد بلاده استضافة مؤتمر دولى للسلام فى الشرق الأوسط، إلا أن هذا الاقتراح لم يلق تجاوباً كافياً من أطراف عديدة، فى مقدمتها إسرائيل والولايات المتحدة. وعلى الرغم مما عكسته هذه الزيارة من اهتمام روسى بالقيام بدور فاعل فى عملية التسوية فى الشرق الأوسط، فإن هناك قيوداً تحيط باحتمالات وفرص هذا الدور، لعل أبرزها احتكار الولايات المتحدة لرعاية عملية التسوية بين العرب وإسرائيل، علاوة على أن الأزمات الداخلية ومحدودية القدرات الاقتصادية إنما تقيد من حرية الحركة المتاحة أمام السياسة الخارجية الروسية، ومن قدرتها على التأثير على الصعيد الدولى عموماً.
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|
|