تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
التقرير الإستراتيجي العربي
جديد
تقارير
تقرير الحالة الدينية
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
المقالات الإسبوعية
تحليلات عربية و دولية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
سلسلة الأحزاب المصرية
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
التقرير الإستراتيجي العربي


5 ـ قضـــايا مــغــاربــيـــة




أولا ـ ليبيا .. تحولات سياسية عميقة
شهدت السياسة الليبية تحولات جذرية علي الأصعدة الدولية والإقليمية، بدأت بالتخلي عن دعم الإرهاب، واستعادة علاقتها مع أوروبا وإنهاء العداء مع الولايات المتحدة، وتسوية ملف أزمة لوكيربي بقبول المسئولية ودفع التعويضات، بل ووصل الأمر حد الاعتراف بامتلاك أسلحة دمار شامل و التعهد بتدميرها، وكذلك اعتبار إسرائيل لا تمثل خطورة علي الأمن القومي الليبي .
استهدفت هذه السياسات الجديدة -التي بدأت بشكل غير معلن بعد فرض العقوبات الدولية علي ليبيا في عام 1992، وأصبحت علنية في السنوات الثلاث الماضية ـ في مجملها إعادة تعريف جذرية للجماهيرية الليبية، وتحويلها من صورة الدولة الثورية المشاغبة للقوي الكبرى إلى نمط الدولة المتكيفة مع قواعد النظام الدولى، خاصة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، وتتواصل مع الفاعلين فيه وفق أطر يقبلها الطرفان.
وثمة مردود إيجابي حتى الآن للسياسات الليبية، التي يمكن وصفها بـالوقائية في مواجهة تهديدات السياسات الأمريكية ضد الدول المارقة ، تمثل أهمها في رفع العقوبات الدولية في 12 سبتمبر 2003.
لكن يبقى هناك تساؤل يرتبط بمجمل السلوكيات الليبية، مفاده: كيف استطاعت دولة عالم ثالث لها ميراث كبير من العداء مع الفاعلين الرئيسيين في النظام الدولي في التراجع المنظم عن سياسات الأمس، والعودة للساحة الدولية دونما خسائر علي الأقل حتى الآن، بل إنها كوفئت علي سياساتها. وهل سيظل هذا المردود الإيجابي مستمرا حينما تقترب القيادة الليبية من تغيير البناء السياسي الداخلي الذي يرتبط ارتباط وثيقا بشرعيتها؟
1 ـ مدخل لفهم التحولات الليبية
إن فهما افضل للسياسات الليبية الجديدة، يتطلب معرفة الدور الذى يقوم به الرجل الأول فى ليبيا، أى معمر القذافي الذى يفضل أن يوصف بأنه قائد الثورة، وثانيا تأثير النفط الليبى. والزعيم الليبي ليس مجرد قائد لدولة نامية يتهمه الغرب بـالديكتاتورية، بل إنه استطاع عمل تأسيس أيديولوجي ثوري للدولة الليبية منذ الأول من سبتمبر عام 1969، خرج منه مجمل ما رأيناه من أهداف وسياسات وأدوات أثناء فترة الحرب الباردة حيث العداء مع الغرب فكريا وسياسيا واقتصاديا. كما أن القذافي هو نفسه الذي يؤسس للسياسات الوقائية الجديدة ، ويبررها في الذكري 33 لثورة الفاتح سبتمبر 2002 بقوله لا يمكن إلا أن ننصاع للقانون الدولي ونستسلم للشرعية الدولية مهما كانت مزورة من قبل أميركا وإلا سنداس بالأقدام.
أما النفط الذى يصل الإنتاج الليبي اليومي منه إلى 1.3 ملايين برميل، والاحتياطي المؤكد نحو 30 مليار برميل، فقد كان وقود فترة الاندفاع الثورى، كما أنه الخلفية التي تؤمن لحظة التراجع عن سياسات الماضي، وهو أيضا القاعدة التي يستند إليها مستقبل العلاقات الليبية مع الغرب، ولذلك ظلت باستمرار إدارة النفط بكل ما يعتريها من تفاعلات ومصالح مع القوي الدولية خارج الأطر الثورية منذ تأميمها بعد قيام الثورة، ويقودها تكنوقراط ليبيون تعلموا في أوروبا وأمريكا.
لقد اختط الزعيم الليبي لدولته- مستندا للعوائد النفطية- مشروعا ثوريا علي الصعيد الداخلي والخارجي، سعي من خلاله للعب دور يحقق به رغباته في أن يكون قيادة كاريزمية تتخطى حدود دولته، ويحاول تصحيح التفاوت الذي تشعر به ليبيا بين ثقلها الإقليمي والعالمي المحدود وإمكاناتها البشرية من جهة، وبين عوائدها النفطية واتساعها وموقعها الجغرافي المتميز من جهة أخري.
فداخليا انتهج القذافي طريقا مختلفا عن النظريتين الاشتراكية والرأسمالية، أسماه بـ النظرية العالمية الثالثة التي صاغها وحدد بنودها في الكتاب الأخضر، ودشن نظاما سياسيا طرحه بعد ثماني سنوات من ثورة الفاتح 1969، وفي هذا النظام تكون الجماهير هي الغاية والوسيلة، فهي تشرع من خلال المؤتمرات الشعبية، وتنفذ من خلال اللجان الشعبية، وتراقب المعادين للثورة من خلال اللجان الثورية.كما لا يوجد أحزاب أو انتخابات نيابية، فوفقا للكتاب الأخضر، فالقلة هي المستفيدة منها ولا حتى يوجد منصب رئيس للدولة، فالقذافى هو زعيم ثورة فقط لأن الجماهير هي التي تقود نفسها.
واقتصاديا قادت الدولة عملية التنمية، وتم تقييد القطاع الخاص. بل إن القذافي دعا العمال في سبتمبر 1978 إلى الزحف والاستيلاء على المصانع وإدارتها بأنفسهم، وأن يتحولوا إلي شركاء لا أجراء.كما تم تأميم النفط الذي يزيد علي 90% من صادرات البلاد .
أما إقليميا فقد اختزلت ليبيا كل علاقتها بمحيطها العربي من خلال قضية الوحدة العربية،حيث أقدمت طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى علي محاولات وحدوية تارة مشرقية (مصر، السودان)، وتارة أخري مغربية (تونس، الجزائر، المغرب)، لكن لم يكتب لأى من هذه المحاولات النجاح لأسباب عديدة، منها الرغبة الليبية في تغليب وجهة نظرها وعمل وحدة اندماجية فورية قبل تأسيس قاعدة للتعاون المشترك.
بل إن العوائد النفطية التي تجاوزت العشرة مليارات في السبعينات، ووصلت في عام 1981 إلى 20 مليار دولار، شجعت ليبيا علي لعب دور ثوري عالمي، حيث أصبحت آنذاك الداعم الأكبر لكل حركات التحرر التي تناضل ضد الإمبريالية في العالم.
وفي إطار الالتزام بالخط القومي، أعلنت ليبيا تصديها لإسرائيل أينما ذهبت، وكانت تربط معوناتها ودعمها الاقتصادي لأي دولة بقطع العلاقات مع إسرائيل. وعلي مستوي العلاقات مع القوي الكبرى، فقد اعتبرت ليبيا منذ ثورة 1969، الولايات المتحدة رمزا لـلإمبريالية المستغلة الذي يجب مكافحته، في المقابل ناصبت واشنطن القذافي العداء واعتبرته مصدرا لزعزعة الأمن ووصفت الخارجية الأمريكية ليبيا بأنها دولة مارقة تدعم الإرهاب.واتهمتها بالمسئولية عن انفجاري روما وفيينا في ديسمبر 1985، بل أن واشنطن حاولت اغتيال القذافي نفسه حينما قامت طائراتها بقصف مقره في طرابلس في عام 1986، لكنه نجا وتوفيت ابنته بالتبني. وقد تزامن مع ذلك أن اتسمت علاقات ليبيا بالاتحاد السوفيتي ببرود؛، إلا أن ذلك لم يمنع من قيام علاقات تجارية وعسكرية بين الجانبين خاصة في النصف الثاني من السبعينات، في محاولة ليبية لموازنة الضغط والحصار المفروض عليه من الدول الغربية.
وقد ساعد ليبيا علي اتخاذ هذه السياسات الثورية داخليا وخارجيا- خلافا لتوفر عائدات النفط - ظروف الحرب الباردة التي شهدت صراعا حادا بين القوتين العظميين بما أتاح لليبيا الاستفادة من هامش المناورة الذي وفره هذا الصراع. وكذلك صمود النظام العربي في مواجهة الاختراقات الخارجية خلال السبعينيات والثمانينيات حيث لم يكن يعاني من حالة الضعف والاختراق التي عاني منها في فترة لاحقة بعد الغزو العراقي للكويت في عام 1990.
لكن هذه السياسات الثورية جلبت الكثير من المشكلات علي ليبيا. ومع تفكك الاتحاد السوفيتي وهيمنة قطب واحد على النظام الدولي، أضحت ليبيا في بداية التسعينات من القرن الماضى في مأزق كبير، بسبب عدائها مع الولايات المتحدة القوة الأولى في العالم، و حالة عزلة إقليمية ودولية ونظرات سلبية لليبيا وزعيمها القذافي في معظم مصادر الاعلام الغربية بل والعربية. وتفاقمت أزمة ليبيا باتهامها في الضلوع في تفجير الطائرة بان أميركان فوق بلدة لوكيربي باسكتلندا عام 1988، ثم أعقب ذلك فرض عقوبات دولية عليها عام 1992
2 ـ عناصر التحول السياسى الليبى
لم تدفع كل هذه الظروف، ليبيا إلى التقوقع والإصرار علي سياساتها، بل إنها قررت التحول عن سياسات الماضي الثورية واختيار دور جديد بأدوات سلمية تناسب طبيعة النظام الدولي الجديد. وساعد علي هذا التحول الذي كان في بدايته غير معلن إدراك القيادة الليبية أن أزمة لوكيربي وما تلاها من عقوبات وحالة العزلة الإقليمية والدولية، قد تكون الطريق الذي يمهد لإسقاط النظام الليبي أو تهديد شرعيته علي الأقل بفعل التداعيات السلبية للحصار علي المواطنين .
لكن هذا التحول لم يكن فجائيا كما يبدو، حيث اتخذت هذه التراجعات خطا تدريجيا متصاعدا علي أصعدة متوازية داخلية وإقليمية ودولية، لتصب كلها في هدف رئيسي هو بناء مشروع سياسي جديد للنظام الليبي متوائماً مع المستجدات الدولية والإقليمية. ومضمون هذا المشروع الجديد هو إعادة تقديم وهيكلة السياسة الليبية كدولة لها علاقات طبيعية مع دول العالم، ولها أيضا دور قيادي في صنع السلام والاستقرار السياسي في النطاقين الإقليمي والدولي، وتسعي لهذا الدور بأدوات تتفق مع مجمل ما يطرحه النظام الدولي من قواعد منظمة للفاعلين الدوليين في إطاره .
ويرمي المشروع الجديد إلي تحقيق هدفين رئيسيين، أولهما إعادة إنتاج جديدة لزعامة القذافي الكاريزمية بما يضمن استمرار شرعيته التي اهتزت إثر الإخفاقات التي أنتجها المشروع الثورى، الأمر الآخر استمرار الدور الليبي بتوزيعاته الإقليمية والدولية لمعالجة الثغرة الجيو استراتيجية. و بدأت خطوات هذا المشروع غير المعلن ببطء وتحسب إثر فرض العقوبات الدولية 1992، وتصاعد المنحنى عاما بعد عام بحسب درجة الضغوط التي يتعرض لها النظام الليبي داخليا وخارجيا ومدي سلبية أو مردودية الخطوات الليبية والظروف الإقليمية والدولية .
ويمكن رصد عمليات بناء المشروع السياسي الليبي الجديد علي الأصعدة التالية:
أ ـ الصعيد الإقليمى؛ تحولت ليبيا علي الصعيد الإقليمي من دولة لها علاقات متوترة مع جيرانها العرب والأفارقة إلي دولة تؤمن بخصوصية توجهات كل دولة مجاورة. وعدم إملاء وجهة نظرها عليها.، بل إنها طرحت نفسها كقوة إقليمية يمكن أن تلعب دورا في استقرار المنطقة. وأبرز الخطوات الليبية التي تمت في هذا السياق ما يلى:
(1) التركيز علي العلاقات الثنائية مع الدول العربية المجاورة، وذلك بدلا من الإصرار علي قضية الوحدة الاندماجية العربية مع هذه الدول. وهذا النهج الجديد جعل ليبيا توطد علاقاتها مع دولتين رئيستين وهما مصر وتونس، واللتان مثلتا رئتين تتنفس عبرهما ليبيا اقتصاديا أثناء فترة العقوبات. كما عادت العلاقات الليبية مع دول المغرب العربي إلي طبيعتها بعد توقف ليبيا عن دعم جبهة البوليساريو. ونفس الأمر حدث مع السودان بعد توقف ليبيا عن دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يقودها جون جارانج في جنوب السودان والتحول في مرحلة لاحقة لطرح مبادرة سلام لحل الأزمة السودانية بالتعاون مع مصر في عام 1999.
(2) أنهت ليبيا الأزمة حول قطاع أوزو مع تشاد بتحويل القضية للتحكيم الدولي الذي حكم لصالح تشاد عام 1994، كما أوقفت دعم حركات التمرد في الدول الأفريقية، كما قللت من التدخل في شئون الأفارقة المسلمين من خلال جمعية الدعوة العالمية الإسلامية التي طورت من دورها وأصبحت واجهة ليبية إسلامية لدور تنموي وإغاثي في القارة الأفريقية .
(3) التطلع لدور إقليمي سلمى في إفريقيا، حيث لعبت الدور الأكبر فى تأسيس تجمع دول الساحل والصحراء في فبراير 1998، ونجحت في زيادة عضوية التجمع من خمسة إلي 18 دولة عربية وأفريقية. في الوقت نفسه، نجح القذافي في تبني قضية تحويل منظمة الوحدة الأفريقية إلي اتحاد أفريقي يتواءم مع التحديات المطروحة في النظام الدولى، واستطاعت الدبلوماسية الليبية في مدة قصيرة إقناع الدول الأفريقية بالتوقيع على القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي في القمة36 للمنظمة بلومي في يوليو 2000.، كما أعلن الرؤساء الأفارقة في قمة سرت مارس 2001 قيام الاتحاد الأفريقي.
وقد اعتبر قيام الاتحاد الأفريقي من أكبر الانتصارات للدبلوماسية الليبية و للقذافي نفسه فيما بعد الحرب الباردة، حيث أعطت صورة ذهنية إيجابية عن طبيعة الدور الليبي الجديد الذي بدأ يكون له قبول في أفريقيا لاسيما بعد قرار قمة واجادوجو 1998 برفع العقوبات عن ليبيا، وهو الأمر الذي دفع القذافي في مرحلة لاحقة لطلب الانسحاب من الجامعة العربية بسبب ما اعتبره عدم مساندة الدول العربية له فى أزمة لوكيربي.
هذه الصورة الإيجابية عن الدور الليبي ساعدت علي تقبل التدخل الليبي العسكري في أفريقيا الوسطى لمواجهة الانقلابيين في شهر نوفمبر 2001، وانسحبت القوات الليبية فور أداء مهمتها في إفشال المحاولة الانقلابية؛ وهو ما أدى لعدم معارضة فرنسا للدور الليبي في أفريقيا مثلما حدث في الأزمة مع تشاد إبان الحرب الباردة.
(4) رؤية جديدة للصراع العربي الإسرائيلي، حيث طرح القذافي رؤية سلمية لحل الصراع العربي الإسرائيلي في مارس 2002 من خلال ما يسمي بالكتاب الأبيض والذي تضمن إقامة دولةإسراطين التي يعيش فيها الفلسطينيون والإسرائيليون معا، وتكون بهذه الدولة انتخابات حرة تحت إشراف الأمم المتحدة ونزع أسلحة الدمار الشامل، كما يعود اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم، وبالنسبة لمدينة القدس فيتم تدويلها لتكون لكل الأديان، وتصبح هذه الدولة الجديدة، مثلها مثل لبنان يعترف بها وتدخل الجامعة العربية.
وترى ليبيا أن هذه المبادرة تتأسس على قرارات واتفاقيات الشرعية الدولية، فمسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين تعتمد على قرار مجلس الأمن رقم 191 الذي ينص على حقهم في العودة، ويتلاقى طرح القذافي في مسألة مدينة القدس مع طرح تدويل المدينة الذي أكدته الأمم المتحدة في قرار التقسيم الشهير. كما أن نزع أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية تتماشى مع الاتفاقيات الدولية في هذا الصدد مثل اتفاقية منع إجراء التجارب النووية ومعاهدة عدم نشر أسلحة الدمار الشامل وقرار محكمة العدل الدولية الصادر سنة 1996، والقاضي بإزالة جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل من العالم.
وسبق طرح هذه الرؤية إيقاف ليبيا الدعم المالي للمنظمات الفلسطينية المناوئة لعملية السلام بعدما اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية (فتح). كما لم تعد ليبيا تصر على ربط علاقاتها مع الدول الأفريقية بقطع الأخيرة علاقاتها مع إسرائيل. فقد وافقت ليبيا على دخول دول أفريقية في تجمع الساحل والصحراء رغم علاقتها مع إسرائيل وأبرزها مصر وإريتريا.
وربما أبلغ تصريح علي تغيير رؤية القذافي لإسرائيل في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، حينما قال لمراسل صحيفة يديعوت أحرونوت، خلال مؤتمر مجموعة 5+5 للحوار الأورو متوسطي الذي انعقد في تونس في ديسمبر 2003 لا مكان للسلاح في عالم اليوم، وأضاف: ليس لدي أى موقف ضد الولايات المتحدة أو ضد اليهود.(صحيفة الشرق الأوسط، 20/12/2003 ) . بل أن القذافي وافق من حيث المبدأ علي تعويض اليهود الليبيين الذين خرجوا من ليبيا عام 1969 .
وتطور الأمر خلال شهر يناير 2004 حينما ترددت أنباء عن لقاء بين سيف الإسلام نجل القذافي ومسئولين إسرائيليين في اليونان وهو ما نفته ليبيا، غير أن سيف السلام قال في تصريح نشره موقع قناة الجزيرة.نت فـــي 8/1/2004 أن ليبيا لم تعد ترى في وجود إسرائيل كدولة تهديدا لأمنها وأنها لم تعد تعتبر نفسها في مواجهة مع إسرائيل، وأشار إلى أن الفلسطينيين غيروا موقفهم إزاء إسرائيل. وقال الفلسطينيون أنفسهم لا يريدون الخيار العسكري، وياسر عرفات قال إنه لا يريد حربا.
ب ـ الصعيد الدولي: استطاعت ليبيا إعادة صياغة علاقاتها وصورتها الدولية لتحقيق هدفها في العودة لهذه الساحة بتعريف جديد، وانتهجت سياسات جديدة تجاه عدة قضايا أبرزها ما يلى:
(1) أزمة لوكيربي، انتهجت ليبيا إثر تطبيق العقوبات عليها سياسة أكثر مرونة وعقلانية تجاه هذه الأزمة، فقد أدارتها بطريقة استطاعت بها نيل تأييد إقليمي عربي وأفريقي، وركزت علي التعامل القانوني و أعلنت قبولها عرض النزاع على محكمة العدل الدولية باعتبارها أداة الاختصاص الدولى في الفصل في الخلافات ذات الطابع القانوني استنادا إلى اتفاقية مونتريال 1971، وانتهي الأمر بتسليمها للمشتبه في تورطهما بالقضية في 6 إبريل 1999 حتى يتم محاكمتهما أمام محكمة اسكتلندية خاصة عقدت في لاهاي، مما أدي إلي تعليق العقوبات الدولية عليها .
وفي يناير 2001، أدانت المحكمة الاسكتلندية في هولندا عبد الباسط المقرحي بالسجن مدى الحياة وبرأت ساحة الأمين فحيمة وأمرت بإطلاق سراحه. ونص الحكم على أن ليبيا مسؤولة مسؤولية كاملة عن الهجوم على الطائرة، وتوجب عليها دفع تعويضات للضحايا. وقبلت بالفعل ليبيا في أكتوبر 2002 دفع تعويضات تقدر بـ 2.7 مليار دولار لأقارب الضحايا بواقع 10 ملايين دولار عن كل ضحية ويتم سدادها على 3 دفعات على أن يودع المبلغ في حساب خاص لمدة 8 أشهر حسب الشروط الليبية، تسقط خلالها العقوبات أو يعتبر الاتفاق ملغى. وتدفع حصة أولى قيمتها 4 ملايين دولار لكل أسرة عند إعلان ليبيا مسئوليتها عن الهجوم، ثم تدفع حصة ثانية من 4 ملايين دولار في حال موافقة الولايات المتحدة على رفع العقوبات التجارية المفروضة على ليبيا، ثم الحصة الأخيرة من مليوني دولار في حال موافقة الخارجية الأميركية على شطب ليبيا من لائحة الدول الداعمة للإرهاب.
وفي 15 أغسطس 2003 أعلنت ليبيا في رسالة إلى مجلس الأمن وقع عليها سفيرها أحمد عون أنها تتحمل المسؤولية عن تفجير الطائرة بان أميركان. وبعد ذلك بيوم واحد أعلنت أمريكا عدم ممانعتها في رفع مجلس الأمن الدولي العقوبات عن ليبيا، لكن العقوبات الثنائية بين البلدين ستبقى.
ورغم هذه التطورات، فقد أعلنت الخارجية الفرنسية أن باريس تريد تعويضات أكبر لعائلات 170 قتيلا بحادث تفجير طائرة يوتا UTA قبل الموافقة على رفع عقوبات الأمم المتحدة عن ليبيا بسبب لوكربي، ولوحت فرنسا باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد أي مشروع قرار في مجلس الأمن لرفع تلك العقوبات. واستطاعت ليبيا الاتفاق مبدئيا مع فرنسا علي دفع تعويضات ضحايا يوتا، وتم دفع العقوبات في 12 سبتمبر 2003.
(2) العلاقة مع الدول الأوروبية، حيث شرعت ليبيا في تحسين علاقاتها مع الدول الأوروبية وبدأت ببريطانيا، ففي شهر يوليو 1999 عادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين أثر صفقة سياسية وأمنية تم بموجبها إقرار طرابلس بالمسئولية عن قتل الشرطية البريطانية أيفون فليتشر ودفعت مبلغ ربع مليون جنيه إسترليني لعائلتها.
في المقابل قبلت لندن إجراء تحقيق في نشاط المعارضين الليبيين المقيمين على أراضيها خاصة عناصر الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بزعامة د. محمد المقريف، وكذلك الحركة الليبية للتغيير والإصلاح (المنشقة عن الجبهة الوطنية)، والجماعة الإسلامية التي حاولت اغتيال القذافي أكثر من مرة .
غير أن إنهاء ملف أزمة لوكيربي وتوقف ليبيا عن دعم الارهاب، شجع بريطانيا علي تطوير تعاونها مع طرابلس التي زارها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في 25 مارس 2004، وكانت بمثابة ثمرة المشروع الليبي الجديد، وأعاد القذافي تعهده خلال لقائه مع بلير بمحاربة الإرهاب. وكشفت فاينانشال تايمز البريطانية في عددها الصادر يوم 26مارس 2004 أن ليبيا ستقدم مزيدا من المعلومات الاستخباراتية من أجل المساعدة في استئصال تنظيم القاعدة، في المقابل ستوفر بريطانيا الخبرات لطرابلس من أجل استحداث إستراتيجية دفاعية تقليدية جديدة بعد أن تخلت عن أسلحة الدمار الشامل.
على جانب أخر، استطاعت ليبيا أن تعيد علاقاتها مع فرنسا حيث قامت بدفع 34 مليون دولار كتعويضات لضحايا طائرة يوتا التي أدانت محكمة فرنسية ستة ليبيين بينهم صهر العقيد القذافي بتفجيرها فوق النيجر عام 1989، كما قبلت ليبيا إصرار فرنسا علي تعديل اتفاق التعويضات وهو ما رضخت له ليبيا في 9 يناير 2004، حيث وقعت علي تعويض إضافي للضحايا 170 مليون دولار.
كما ثبتت ليبيا أقدامها في منتدى 5+5 الذي يضم خمس دول عربية مغاربية وخمس دول أوروبية. وساعد علي هذا التقارب مع أوروبا، ليس فقط النفط الليبي الذي يمثل أهمية خاصة لأوروبا، إنما الفرص الاستثمارية المتاحة في ليبيا بعد تعليق العقوبات عام 1999 .
(3) إنهاء العداء مع الولايات المتحدة، إذ استطاعت ليبيا إنهاء حالة العداء بينها وبين الولايات المتحدة، حيث قامت بعدة سلوكيات طمأنت واشنطن بأن الوجه الثورى القديم للجماهيرية قد تغير وأنها تعود للساحة الدولية بمنطق مختلف يرغب في التعايش السلمي وعدم معارضة سياسات الولايات المتحدة. وثمة مؤشرات عديدة ومتراكمة علي رغبة طرابلس في عودة العلاقات مع الولايات المتحدة، من بينها علي سبيل المثال، إعلان ليبيا بعد أحداث 11 سبتمبر إدانتها للإرهاب وتأييدها الولايات المتحدة في حق الانتقام، وحضر مسئولون ليبيون من جمعية الصداقة الليبية الأمريكية (غير رسمية أنشئت عام 1999) حفلات تأبين ضحايا هذه الأحداث.
ووضح ذلك أيضا في تصريحات الزعيم الليبي معمر القذافي لمجلة نيوزويك في 13 يناير 2003 حول وجود تعاون أمنى ليبي أمريكي للقضاء علي تنظيم القاعدة ، وأعاد تأكيد هذا التصريح لصحيفة لا ريبوبليكا الإيطالية أيضا في 26 يناير 2004، وتحدث عن تعاون ليبيا مع المخابرات الأمريكية ضد الإرهابيين ، كما بدا الموقف الليبي من الغزو الأمريكي للعراق في 20 مارس 2003 هادئا وانطوي علي تصريحات تحذيرية تارة مثل الحرب ستؤدي إلى فوضى شاملة في المنطقة، أو الدعوة للتوسط بين الرئيس الأميركي جورج بوش ونظيره العراقي صدام حسين.
وفى كثير من تصريحات الزعيم الليبي برز التأكيد على انتهاء الصراع مع الولايات المتحدة وعبر عن رغبته في عودة العلاقات، ومنها حديثه لمجلة التايم نشرته صحيفة الشرق الأوسط 13 أغسطس 2003 ، قال فيه نحن لا مصلحة لنا في معاداة دولة عظمى مثل الولايات المتحدة. نحن نأمل أن تكون علاقاتنا معها جيدة لأننا سنستفيد من ذلك. فإذا كنا في خصام مع أميركا فإننا سنكون الطرف الخاسر.
وقد كافأت الولايات المتحدة ليبيا بشكل غير مباشر علي ترطيبها هذه الأجواء وسلوكياتها في مناطق أخري بإخراج ليبيا من محور الشر الذي وضعت فيه إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش العراق أثناء حكم صدام حسين وإيران وكوريا الشمالية.
غير أن الولايات المتحدة علقت عودة العلاقات كاملة مع ليبيا علي شرطين أولهما إصلاح الأوضاع السياسية الداخلية والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل وهو ما ظهر واضحا في بيان البيت الأبيض في 15 سبتمبر 2003 الذي أيد رفع العقوبات الدولية علي ليبيا، وأبقي بالمقابل على العقوبات الثنائية التي فرضتها الولايات المتحدة على طرابلس. غير أن القرار الليبي بالتخلي عن أسلحة الدمار الشامل في ديسمبر 2003، أثبت للولايات المتحدة بما لا يدع مجالا للشك أن ليبيا ترغب في إزالة العقبة الرئيسية لإعادة العلاقات مع واشنطن، وهو الأمر الذي بدا في التبرير الأمريكي لرفع قيود السفر علي ليبيا يوم الخميس 26-2-2004 حيث قال الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأمريكى أن هذه الإجراءات تأتي تقديرًا واعترافًا بخطوات ليبيا الملموسة للتخلي عن أسلحة الدمار الشامل ولوضع الأسس لنمو ليبيا الاقتصادي.
وأعقب هذه الخطوة الهامة، زيارة وليم بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكية في 23 مارس 2004 إلي طرابلس وتسليمه رسالة من الرئيس بوش إلي القذافي تتعلق بسبل تحسين العلاقات بين البلدين. وكان المتوقع إثر زيارة بيرنز أن تعود العلاقات الأمريكية كاملة وترفع بقية العقوبات خلال عام. غير أن الولايات المتحدة مازالت تؤكد علي أن ثمة نواقص في السياسة الليبية الجديــــدة وهي مجال الإصلاح الداخلي، وهو ما عبر عنه الرئيس بوش بالقول أن هناك شكوكاً حيال سياسة ليبيا في مجال حقوق الإنسان والإصلاح الديمقراطي.
ويمكن القول أن ثمة مصالح أمريكية وأوروبية مباشرة من المشروع الليبي الجديد أبرزها ما يلي:
* النفط الليبي، حيث تمتلك ليبيا احتياطات نفطية تقدر بنحو 30 مليار برميل، أي أكبر من احتياطي نفط بحر الشمال، ويقدر احتياطي الغاز الطبيعي في ليبيا بحوالي 314 مليار متر مكعب. كما أن تذبذب أسعار البترول، سيجعل النفط الليبى أكثر أهمية، ذلك أن استغلاله يكلف الشركات النفطية 5 دولارات فقط للبرميل الواحد، أي نصف تكلفة استغلال نفط بحر الشمال.
* الفرص الاستثمارية المتوقعة، وتمثل هذه الفرص إغراء كبيرا للشركات الغربية والأمريكية لاسيما وان الفترات التي يعقبها فك الحصار يحدث فيها انفتاح استهلاكي إنفاقي، وقد أماطت السلطات الليبية اللثام عن خطة استثمارية قيمتها 35 مليار دولار لتحديث البنية التحتية التي أضيرت من جراء فترة العقوبات، كما تسعى ليبيا لجذب الاستثمار الأجنبي لتطوير قطاعات النفط والغاز والسياحة والاتصالات.
* تعاون استخبارتي، تزمع الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر عمل شبكة معلومات شرق أوسطية لمكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة التي تعارض سياسات واشنطن، وهذه الشبكة ستعتمد علي تعاون أجهزة استخبارتيه وأمنية داخل المنطقة مع الاستخبارات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالى، ومن المؤكد أن واشنطن تعمل على الاستفادة من علاقات ليبيا الطويلة السابقة في دعم منظمات تدخل ضمن المنظمات الإرهابية حسب التصنيف الأمريكى.
* تعاون عسكري، حيث يُطرح لهذا التعاون أشكال وأدوات مختلفة، منها ما يمكن أن تقدمه ليبيا من تسهيلات للقوات الأمريكية إذا ما تقرر التدخل في مناطق إنتاج ثروات النفط والمعادن سواء في غرب أفريقيا أو البحيرات العظمي.
(4) إعادة تنشيط دور ليبيا فى أفريقيا، إذ يمثل إحياء ليبيا لدورها في أفريقيا استفادة أمريكية غير مباشرة، ففي ظل انشغال أمريكا والغرب عن الأزمات السياسية في أفريقيا يبدو من المهم السماح لقوة إقليمية بحجم ليبيا أن تلعب دورا في هذه القارة، خاصة وأن هذا الدور ليس تحريضيا ضد مصالح واشنطن بل يتفق ومنطق النظام العالمي الجديد، من حيث قيامه بالوساطة في النزاعات وتقديم الدعم المالي ولعب دور من خلال التكتلات الإقليمية. وقد كشف وليم بيرنز في 26 /2/2004 أن ليبيا قطعت بالفعل وعداً لواشنطن بأن تكون بناءة في أفريقيا، وقال بيرنز أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ إن الليبيين وعدونا بلعب دور بناء أكثر في أفريقيا.
(5) التخلي عن أسلحة الدمار الشامل، في محاولة لإزالة أي شكوك من الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة حول المشروع الليبي الجديد، أصدرت وزارة الخارجية الليبية بيانا فى 19/12/2003 قالت فيه: إن ليبيا قررت بإرادتها الحرة التخلص تماما من كل أسلحة الدمار الشامل المحظورة دوليا. وأضاف البيان أنه تم التوصل لهذا الاتفاق بعد اجتماعات مع خبراء من بريطانيا والولايات المتحدة.. وبررت ليبيا ذلك بأن سباق التسلح لا يخدم أمنها ولا أمن المنطقة ويتعارض مع حرصها الشديد على عالم ينعم بالأمن والسلام داعية كل الدول إلى أن تحذو حذوها بدءا بمنطقة الشرق الأوسط من دون استثناء.
واستبق الاعتراف الليبي بشكل وقائي الضغوط التي كانت ستمارس على طرابلس سواء من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية أو الولايات المتحدة، لاسيما وأن امتلاك السلاح النووي مثل أحد المبررات الأمريكية المعلنة لغزو العراق، وقد اعترف القذافي في حديث لشبكة سي إن إن الإخبارية الأمريكية فى 22/12/2003، بأن ما حدث في العراق مثل دورا في اتخاذ قراره بشأن الأسلحة النووية. كما يمكن تفسير تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل بأنه يتفق مع رؤية القذافى فى مرحلة ما بعد الثورية، حسب ما تم توضيحه سابقا. فضلا عن أن التخلي عن أسلحة الدمار الشامل يعني بشكل مباشر التوجه إلي علاقات أفضل مع الولايات المتحدة للدرجة التي قال سيف الإسلام القذافي في حديث نشرته الشرق الأوسط 24 ديسمبر 2003 أن أميركا تعهدت بحمايتنا، وإن ليبيا ستدخل في اتفاقيات عسكرية وأمنية مع واشنطن.
والمؤكد أن ما فعلته ليبيا كان هدفه سياسياً أكثر منه عسكرياً، ذلك أن القدرات الليبية في المجال النووي ضعيفة للغاية ولم يكن بمقدورها الوصول إلي إنتاج قنبلة نووية، وهو ما أثبتته تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاحقا، والتى قامت بالتفتيش على هذه القدرات النووية المفترضة نظريا، والغائبة فعليا.
(6) تحسين صورتها الدولية، بدأت ليبيا في السنوات الأخيرة محاولة تدشين صورة إعلامية إيجابية عنها في وسائل الإعلام الدولية تقول بأنها دولة السلام والقيم، فعلى الصعيد الإعلامي، يمتلئ موقع القذافي علي الإنترنت بعناصر رؤيته لعالم يملؤه السلام والأمن، واستعراضه للحل السلمي لأزمة كوريا، وكيفية التعامل مع ظاهرة الإرهاب وأزمة 11 سبتمبر، وهذا الموقع بلغات متعددة منها اللغة العبرية. وفى السياق نفسه توسطت ليبيا فى عدد من الأزمات الدولية، وأبرزها التوسط للإفراج عن الرهائن الغربيين المحتجزين لدى جماعة أبو سياف في جنوب الفليبين، ولعبت دورا فى الأزمات بين الدول الأفريقية(السودان- سيراليون- الكونغو).
ج ـ الصعيد الداخلي، في إطار المشروع السياسي الجديد لليبيا، بدت هناك تحولات ملموسة ومعلنة علي الصعيد الداخلي خاصة الاقتصادي، فيما ظلت حالة من الحذر في الإصلاح السياسي، ويمكن تفصيل ذلك كما يلى:
(1) التحول الاقتصادي، رغم أن أزمة لوكيربي أدت إلى خسائر قدرتها أمانة الاتصال الخارجي بـ 24 مليار دولار فيما بين عامي 1992 إلى 1998، إلا أن ذلك لم يؤد إلى انهيار الاقتصاد الليبي بسبب سياسة تقليص الإنفاق التي اتبعتها ليبيا بعد أزمة لوكيربي. فخفضت الموازنة العسكرية التي تكلف الدولة 1.2 مليار دولار بدءاً من 1992 بمعدل 70 في المائة، كذلك تراجعت نهائياً عن دعم حركات التحرر في العالم، الذي كان يكلف خزينة ليبيا ما بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار سنويا وفقا لتقديرات المعارضة الليبية، كما لم تقر الدولة مشاريع ضخمة جديدة لحين انتهاء تلك التي كانت قيد التنفيذ مثل مشروع النهر الصناعي.
كما ساعد استثناء النفط -الذي يساهم في الناتج المحلي الإجمالي بما يتراوح بين 55% الى 64% خلال عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات- من العقوبات الدولية بضغوط أوروبية علي حماية الاقتصاد الليبي من الانهيار، وساعد أيضا علي ذلك أن ليبيا غير مدينة، لا للبنك الدولي ولا تخضع لشروط صندوق النقد الدولي. غير أن المشكلة التي واجهت الاقتصاد الليبي هى تذبذب أسعار النفط وبالتالي عدم استقرار مدخولات ليبيا من هذا القطاع، فقد وصلت إلى الذروة عام 1980 عندما حققت صادرات النفط نحو 21 مليار دولار، لكن هذه العوائد تراجعت في عقدى الثمانينات والتسعينات بسبب انخفاض الأسعار، بحيث لم تحقق صادرات النفط في عام 1995 سوى 6 مليارات دولار سنويا، لكنها عاودت مرة أخرى الارتفاع لتصل في عام 2002 إلى 24 مليار دولار بضم عائد قطاع البتروكيماويات إليها.
وخلافا لهذه المشكلة فان ليبيا تعاني من زيادة البطالة بنسبة تقترب من 24% ، وهي تمثل قنبلة موقوتة، لاسيما وأنها تتركز في قطاع الجامعيين. كما تفاقمت مشاكل القطاع العام والفساد والبيروقراطية.
وعلي خلفية هذه المشاكل بدت هناك عدة خطوات تعكس محاولة التحول من اقتصاد مركزي تخطيطي إلي اقتصاد سوق وأبرزها:
* بدأت ليبيا في الانفتاح علي القطاع الخاص الذي كبل لسنوات طويلة، وصدر قانون الاستثمار الأجنبي في عام 1997، كما تم تخفيض سعر صرف الدينار في عام 2002 لمساعدة الحكومة على المزيد من تحرير الاقتصاد الوطنى، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وترشيد استخدام احتياطات البلاد من النقد الأجنبي
* رصدت الحكومة الليبية 35 مليار دولار أمريكي لخطتها الخمسية الجديدة 2001-2005 التي تهدف، وفق ما تم الإعلان عنه، إلى تصحيح مسار الاقتصاد والتعامل مع التطورات المحلية الإقليمية والدولية وإلى تنويع هياكل الاقتصاد الليبي، كما تهدف إلى هيكلة صادراتها من خلال تبني سياسات اقتصادية واجتماعية من شأنها خلق مناخ جاذب للمبادرات الخاصة الليبية والأجنبية بما يحسن المعيشة ويحقق نموا في الإنتاج المحلي لا يقل عن 5% سنويا. وستسعى ليبيا إلي إشراك رساميل محلية ودولية بنسبة ما بين 30الى 40% لا سيما في المجالات النفطية والاقتصادية.
* دعا القذافي في 13 يونيو 2003 أمام مؤتمر الشعب العام إلى خصخصة القطاع العام بما في ذلك قطاع النفط والمصارف، وتطبيق البديل وهو الرأسمالية الشعبية في صورة شركات يمتلكها الليبيون وأنه من حق هذه الشركات الاستعانة بالخبراء الأجانب. وبعد حديث الزعيم الليبي بيوم واحد عين شكري غانم أمينا للجنة الشعبية العامة (رئيس وزراء) بدلا من مبارك الشامخ ليقود عملية التحول نحو الاقتصاد الحر، وهو أحد الذين تعلموا في الولايات المتحدة وله خبرة نفطية وله علاقة وطيدة مع سيف الإسلام نجل القذافي.
وتتسق هذه التحولات الاقتصادية مع التحولات في السياسات الخارجية خاصة تجاه القوي الرأسمالية بما يتيح للشركات الغربية الاستفادة من فتح الأسواق الليبية النهمة للاستثمارات، وفي الوقت نفسه محاولة علاج المشكلات الاقتصادية المترتبة علي الاقتصاد التخطيطي من ضعف إنتاجية القطاع العام والفساد وتخلف القطاع النفطي.
(2) مخاوف التحول السياسي، وفي الوقت الذي استطاع النظام الليبي التراجع عن معظم سياساته الثورية القديمة دونما أخطار كبيرة تذكر عليه، بل أنه جني مكاسب ستساعده في البقاء على قمة هرم السلطة فى ليبيا، إلا أنه يتبقى الخطوة القادمة، وربما الأخيرة وهي تغيير البناء السياسي الداخلي في ليبيا ليتوافق مع مجمل السياسات الجديدة .
وتؤكد العديد من التصريحات الخارجة عن المسئولين الليبيين أن الإصلاح قادم لا محالة، غير أن أحدا لم يذكر ما هو شكل الإصلاح القادم، وهل سيهدم تجربة المؤتمرات الشعبية وأفكار القذافي في النظرية العالمية الثالثة، ويعيد مرة أخري الأحزاب والمعارضة إلي البلاد، أم أن الإصلاح سيكون فى ظل المبادئ العامة التى تحكم النظام السياسى الجماهيرى القائم. .
ويبدو عدم وضوح الشكل الذي سيتحول إليه البناء السياسي الليبي من تصريحين هامين أولهما لسيف الإسلام نجل القذافي في حواره مع قناة الجزيرة مارس 2004، قال فيه لقد حلينا كل مشاكلنا مع الغرب ومع الدول الكبرى اللي كانت تهدد أمن ليبيا، المعركة الخارجية انتهت، فبالتالي كل الجهد وكل التركيز الآن على التنمية في الداخل، التنمية المادية وأيضا تطوير نموذجنا السياسي والديمقراطية وموضوع حقوق الإنسان . وأضاف أننا لا نعتزم إلغاء النظرية العالمية الثالثة ولكن ربما نغير الأشخاص.
أما التصريح الثاني، فقد أعلن عبد المنعم الهوني، مندوب ليبيا الدائم لدى الجامعة العربية في 9 أبريل 2004 للشرق الأوسط، أن المرحلة القادمة في ليبيا بعد إغلاق ملف الخلافات العالقة مع الولايات المتحدة وبريطانيا ستشهد تغييرات واسعة النطاق لإحداث إصلاحات سياسية داخلية، استجابة لما وصفه بتطلعات الشعب الليبي نحو المزيد من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. فى الوقت نفسه رفض الإفصاح عن ماهية هذه التغييرات، وما إذا كانت ستشمل الإطاحة بعناصر قيادية في حركة اللجان الثورية، إلا أنه اعتبر أن هذه التغييرات باتت مطلبا شعبيا لا مفر من الاستجابة إليه.
والتخوف من إعلان شكل التحول السياسي واقتصار الأمر علي تغيير الأشخاص يعكس حجم الأخطار المتوقعة التي سيواجهها النظام جراء هذه الخطوة. وتبدو صعوبة التراجع عن هذه البنية السياسية التي تجذرت في المجتمع الليبي لعقود بسبب مراكز القوي التي اعتمد عليها القذافي فى حكمه، والمرجح أن هذه القوى ستدافع عن مكتسباتها، ومن أبرزها حركة اللجان الثورية، فى حالة وجود مشروع داخلى للتغيير يطيح بها تماما.
وتشير بعض المؤشرات إلى أن النظام الليبي بدأ يمهد ببطء ـ وكعادته ـ لخطوة الإصلاح السياسي، ومنها ما يلى:
* الميل نحو تهميش دور اللجان الثورية خاصة وأنها تصطدم دائما برئيس الوزراء شكري غانم بسبب توجهات الأخير الليبرالية إلى درجة أنها هددته، وبسبب ذلك قام القذافي في سبتمبر 2003 بإبعاد أحمد إبراهيم العضو البارز في اللجان الثورية، كما احتجبت صحيفة الزحف الأخضر الليبية عن موقعها على شبكة الانترنيت في 31 أكتوبر 2003 دون أن تقدم تفسيراً لذلك. وكانت الصحيفة الناطقة باسم حركة اللجان الثورية عادت إلى الصدور بعد إيقافها مؤقتا لمدة أسبوعين بقرار من المحكمة الثورية الدائمة، وذلك عقب إدانتها بالإضرار بالمصلحة الوطنية وعلاقات الجماهيرية العظمى مع بعض البلدان العربية والشقيقة والإساءة لتوجهات الجماهيرية العظمى.
وكانت مصادر ليبية ذكرت أن قرار إيقاف الزحف الأخضر ثم استئناف صدورها بعد تعيين رئيس تحرير جديد هو الدكتور عبد القادر الحضيرى، يعكس في واقع الأمر صراعا بين شكرى غانم الذى يحظى بتأييد سيف الإسلام القذافي وحركة اللجان الثورية.
* تسريب بعض إشارات منسوبة الى القذافى تفيد بأنه على وشك إصدار توجيهات رسمية تتضمن القيام بحركة تطهير جديدة في صفوف حركة اللجان الثورية، وإقالة العشرات من العناصر المحسوبة عليها؛ بسبب ما يتردد عن ارتكابها العديد من مظاهر الفساد واستغلال السلطة.
* إفساح مجال أوسع لنشاط سيف الإسلام نجل القذافي، باعتباره المرشح الأقوى لخلافة والده ، والأنسب للمرحلة القادمة، لاسيما وأنه يتسم بتوجهات معتدلة أقرب إلي الليبرالية ورغبة في توطيد علاقات بلاده مع الغرب وتطوير البناء السياسي الليبى، كما أنه لعب دوراً في أزمات دولية عدة مثل الإفراج عن الرهائن في الفليبين وأفغانستان، إضافة إلي أنه يقود ملف تحسين صورة ليبيا في مجال حقوق الإنسان من خلال رئاسته لجمعية تهتم بهذا المجال .
* الإعلان عن التفرغ للتنمية الاقتصادية للمجتمع الليبي.
(3) الانفتاح علي المعارضة، حيث ترددت أنباء عن محاولة شخصيات من الجبهة الليبية المعارضة فتح حوار مع النظام الليبي فيما بعد 11 سبتمبر 2001، وأن هناك ترحيباً بعودة عناصر المعارضة شرط عدم ممارسة أي أنشطة ضد النظام الليبي. وقد صدرت مؤشرات تؤكد الانفتاح علي المعارضة في الخارج سواء في لندن أو واشنطن، منها تصريحات من سيف الإسلام القذافي يرحب فيها بعودة أى معارض لليبيا. كما قال موقع أخبار ليبيا أن المعارض الليبي البارز بشير الرابطي قد عاد في شهر أبريل 2004 إلي ليبيا، منهيا بذلك 25 عاما من نشاطه المناوئ لنظام حكم الزعيم القذافي، كما تم الإفراج عن بعض السجناء السياسيين ومنهم الناشط الحقوقي فتحي الجهمي الذي ينتقد حاليا النظام علنا في القنوات الفضائية، وهو ما تسبب في خروج مظاهرة ضده في طرابلس من بعض الليبيين الرافضين لهذه الانتقادات، لكن قوات الشرطة الليبية صدت المظاهرة التي جرت في الأول من شهر أبريل 2004.
غير أن تلافي أخطار التراجع عن البناء السياسي الثوري يستلزم وجود بديل قوي له، ويعتقد أنه يتركز في سيف الإسلام والمؤيدين لتوجهاته الليبرالية. لكن يبقى التساؤل حول القدرة على تشكيل بديل قوى للجان الثورية التي لها أذرع في كل مكان في ليبيا، وخاصة أنه لا توجد مؤسسات أخرجها تيار سيف الإسلام إلا منظمة لحقوق الإنسان، وهو ما قد يبطيء من حركة الإصلاح الداخلي نسبيا لكنه لا يلغيها.
ثانيا ـ الانتخابات الجزائرية والوفاق الوطنى
يمثل عام 2003 إحدى حلقات مرحلة انتقالية تمر بها الجزائر تفصل بين سنوات الفوضى والعنف الدموي والاستقرار السياسى والاجتماعي الذى تنشده وتسعى إليه. فقد شهد هذا العام تغييرا حكوميا، وصراعا قاسيا بين رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة وعلى بن فليس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الذى يحتل العدد الأكبر من مقاعد البرلمان، وأغلبية مقاعد المجالس البلدية والمحلية بسبب إعلان الأخير عن نيته الترشيح فى الانتخابات الرئاسية التى أجريت فى ربيع عام 2004، وعلى خلفية هذا الصراع بالذات دعم الرئيس حركة انشقاقية داخل جبهة التحرير قادها وزير خارجيته عبد العزيز بلخادم، استهدفت بالأساس زعزعة سيطرة بن فليس على الجبهة، وفتح الباب أمام ترشيح الحزب الرئيس فى الجزائر لبوتفليقة بدلاً من ترشيحه لبن فليس، وقد فشلت الحركة الانشقاقية فى تحقيق هذا الأمر.
وقد انتهى العام بإعلان عباس مدني زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ عن مبادرة للسلم تتكون من ثلاثة بنود أو بمعنى أدق ثلاثة شروط لتحقيق السلم فى الجزائر وهى الإفراج عن المعتقلين، وتحديد مصير المختفين، وإعلان العفو العام، والجديد إعلانه أنه طرح المبادرة على نافذين فى السلطة وفى المؤسسة العسكرية، وأنه تلقى موافقات شفهية عليها. ولكن نفس العام أيضاً شهد عمليات عنف متعددة راح ضحيتها 830 خلال 11شهرا.
وتعبر هذه الأحداث عن ضغوط وتحركات من أطراف وقوى سياسية واجتماعية استهدفت بها التأثير فى مستقبل البلاد، انطلاقا من إدراكها طبيعة المرحلة الانتقالية التى يمر بها هذا البلد العربي المغاربى، وللحفاظ على دور رئيسي لها فيما بعد هذه المرحلة الانتقالية.
1 ـ استعدادات المعركة الانتخابية
ارتبطت عملية الاستعداد للانتخابات من جانب العديد من القوي السياسية بسيطرة جبهة التحرير الوطني المعبرة بحق عن التيار الوطني الوسطى، على المجالس التشريعية والبلدية المنتخبة، حيث شكلت هذه السيطرة تهديداً مباشراً للرئيس بوتفليقة، على الرغم من أنه يستمد الجزء الأكبر من شرعيته السياسية من كونه أحد الكوادر التقليدية للجبهة، وأنه كان وزيراً للخارجية الجزائرية فى الوقت الذى كانت فيه هذه الجبهة هي الحزب الوحيد فى الجزائر.
وكان طرح بن فليس للترشيح لاستحقاق الرئاسة، البداية الحقيقية لتجهيز مسرح الانتخابات. فمع تسرب معلومات حول تفكيره فى هذا الترشيح، تمت إقالته، كما قلص عدد الوزراء المؤيدين لبن فليس في التعديل التالي لتشكيل الحكومة الجديدة. وذلك بعد ما فشلت جهود الرئيس بوتفليقة في استقطابهم، وبعدما عجز من خلال آليات متعددة عن دفع جبهة التحرير إلى إعلان ترشيحها له فى الانتخابات الرئاسية.
وهكذا أصبح الصراع بين الفريقين مفتوحاً، لكنه فى الوقت نفسه حمل مخاطر جسيمة على مستقبل الجزائر، بالنظر إلى أنها لم تخرج نهائياً من أزمتها، وما زالت فى بداية الطريق لتحقيق هذا الأمر، وهو ما تجسد فى استمرار أعمال العنف التى راح ضحيتها أكثر من 830 شخصاً من بينهم أكثر من 400 إسلامي مسلح خلال الشهور العشرة الأولى من العام 2003، وما زالت هناك جماعتان متطرفتان تحملان السلاح فى مواجهة الدولة والمجتمع، وهما الجماعة الإسلامية المسلحة والجماعة السلفية للدعوة والقتال. والمحاولات التى قام بها الرئيس بوتفليقة لتقليم أظافر بن فليس ومن خلفه جبهة التحرير الوطني، وإن كانت ساعدته فى أن يجدد لنفسه لولاية رئاسية ثانية، إلا أنها أفرزت تداعيات سلبية على حركة المجتمع المدنى وتسببت فى حدوث فراغ سياسى يهدد بعودة البلاد مرة أخرى إلى المواجهات المسلحة.
2 ـ الأزمة داخل جبهة التحرير
تشير الأزمة التي نشبت فى أكتوبر 2003، إلى طبيعة الصراع الشخصي وانعكاساته على الحياة السياسية الجزائرية بشكل عام، وجبهة التحرير بشكل خاص. وإن كان من الملاحظ أن الأزمة اتخذت أبعادا اكثر تقدما مع قرار القضاء الجزائرى الخاص بتجميد أنشطة حزب جبهة التحرير الوطني وكل حساباته المصرفية، وعدم شرعية المؤتمر الثامن للحزب الذى اختار أمينه العام على بن فليس رئيس الحكومة السابق مرشحاً للحزب فى الانتخابات الرئاسية. وبذلك دخلت الجزائر مرحلة جديدة من الصراع السياسى، فلم يعد هذا الأخير صراعاً بين التيارات الثلاثة الرئيسية المتعارف على وجودها فى الساحة السياسية الجزائرية وهى التيار الوطني والديمقراطي والإسلامي، وإنما انتقل إلى داخل التيار الوطني ذاته، وهو التيار السائد والمسيطر على العملية السياسية منذ الاستقلال وحتى الآن.
وهناك إجماع على أن الأزمة التى شهدتها الجزائر فى السنوات الماضية، وكادت تصل بها إلى الحرب الأهلية الطاحنة، وإن كانت ترجع لأسباب كثيرة ومتعددة، إلا أن أحد أسبابها الرئيسية هو محاولة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد إنهاء هيمنة جبهة التحرير على العملية السياسية، وقد نجح فى ذلك بالفعل، ولكن كان الثمن الذى دفعته الجزائر لذلك هو حالة عدم الاستقرار التى ظلت تعانى منها ولا تزال منذ عام 1989.
لم يكن القرار الذى صدر عن القضاء الجزائرى منقطع الصلة عما شهدته الجبهة من صراع داخلي بين التيار السائد بها ويتزعمه أمينها العام على بن فليس، وما أطلق عليه الحركة التصحيحية التى تزعمها وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم مدعوما من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وعدد محدود من أعضاء الجبهة وقليل من نوابها فى البرلمان. ونظراً لأن الرئيس أدرك جيداً أنه لا يتمتع بالتأييد المطلوب داخل الجبهة، وبما يسمح له بأن يصبح هو المرشح الرسمي للجبهة التى يدرك أنها عادت لتحتل مكانتها مرة أخرى فى الحياة السياسية حسبما أوضحته نتائج الانتخابات التشريعية التى جرت منذ عامين، والبلدية والمحلية التى جرت منذ عام، والتي أكدت سيطرتها على المؤسسات المنتخبة، وهو ما حدث أيضاً عندما استطاع مرشحو التيار السائد فى الجبهة انتزاع عدد معتبر من مقاعد مجلس الأمة (15 مقعداً) أى الغرفة التشريعية الثانية فى الجزائر، فى الوقت الذى لم يستطع مرشحو الحركة التصحيحية إلا انتزاع عدد هامشي من المقاعد.
والنتيجة المؤكدة الوحيدة لهذا القرار القضائي، هو أنه عزز موقف بوتفليقة رمزياً ومعنوياً، وأيضاً واقعياً فى الوقت الذى أضعف فيه موقف بن فليس، خاصة، وأن عملية الترشيح تتطلب الحصول على 75 ألف توقيع من كافة الجهات والمناطق الجزائرية، وبالتالى فإن من يسيطر على مقار جبهة التحرير تصبح مهمته أسهل فى هذا الأمر، أما من لا يسيطر على هذه المقار، فإن الحصول على التوقيعات تتطلب افتتاح مقار له فى كافة الجهات وهذه مهمة صعبة من الناحية المالية والجغرافية. إضافة إلى ذلك، فإن من يسيطر على أرصدة الجبهة فى البنوك سوف يتاح له استخدامها بصور شرعية فى حملته الانتخابية، أما المنافس فهو يعتمد على تبرعات المؤيدين، وهذا أمر صعب.
ولكن قرار المحكمة افرز بدوره تداعيات سلبية عديدة، منها أن الخلاف داخل جبهة التحرير قد يؤدى إلى إما انقسامها وتحولها إلى حزبين سياسيين أو إلى تجميد عملها وتعطيلها، وكلا الأمرين يحدث فراغاً سياسياً ليست الجزائر بحاجة إليه. إضافة إلى أن طموح الحفاظ على السلطة يمكن أن يودى بالعديد من المؤسسات الراسخة فى المجتمع، وهذه المؤسسات هي التى حمت المجتمع والدولة الجزائرية من الانهيار خلال الأزمة التى شهدتها، وخلال الحلقات المختلفة لعمليات العنف السياسى التى نفذتها الجماعات الإسلامية المتشددة منذ بداية عام 1992 وحتى الآن. وعلى رأس هذه المؤسسات السلطة القضائية. والتى كان يجب الحفاظ عليها مستقلة وبعيدة عن توظيفها فى الصراع السياسى لصاح أحد الأطراف، وبما يسمح بأن تظل واحدة من مقومات الدولة الحديثة القائمة على الفصل بين السلطات.
ففى خلال مؤتمر نقابة القضاة فى الجزائر الذى عقد فى النصف الثانى من شهر أكتوبر 2003، عبر عدد من الحضور عن استيائهم من هذا الأمر، بعدما أكدوا تعرض الهيئة القضائية لضغوط من السلطة التنفيذية لإصدار أحكام محددة فى الصراع القائم داخل جبهة التحرير، وبرز انقسام داخل النقابة بين مؤيدين للرئيس وآخرين يطالبون باستقلال المؤسسة القضائية.
3 ـ مبادرة عباس مدني للسلم
أطلق زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة عباس مدني مبادرة لوقف أعمال العنف فى الجزائر، وهى تتضمن ثلاثة شروط، هي: إطلاق جميع السجناء، وكشف مصير المفقودين، ورفع حالة الطوارئ. لكنه فى الوقت نفسه أكد أن مبادرته هذه ما تزال مشروعاً وغير متبلورة وأنه وزع مبادئ هذه المبادرة على قيادات فى الحكومة والجيش والعديد من الأطراف، وبالتالى، هى لا تزال موضوع نقاش. إضافة إلى ذلك أكد مدني أنه تلقى رداً إيجابياً عليها من أوساط فى السلطة، لكنه يبقى رداً شفوياً، من هنا فهو ينتظر ردا كتابيا.
وقد طرحت المبادرة عدة أسئلة، منها ما دار حول ما يتمتع به عباس مدني من نفوذ حقيقي على الحركة الإسلامية الجزائرية، وثانيها، حول ما إذا كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ مازالت لاعباً رئيسياً فى المعادلة السياسية الجزائرية الحالية. أما ثالثها، فهو ذو علاقة بما إذا كانت السلطة الجزائرية على استعداد للتعامل الايجابى مع هذه المبادرة، خاصة وأن البلاد كانت على أعتاب الانتخابات الرئاسية، وما فيها من صراعات كبرى .
في البداية يمكن الإشارة، أن عباسى مدني، لا يزال يملك نفوذا معنويا كبيرا على التيار المعتدل داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولكن هذا التيار أصبح مهمشاً داخل الجبهة حيث انتقل مركز الثقل فيها إلى القيادات المتشددة، وعلى رأسهم بالتأكيد على بلحاج. أما الجناح العسكري لها فقد أصبح يتمتع باستقلال ما داخل هيكلية الجبهة بعدما أجرى مصالحة مع النظام تحت مظلة قانون الوئام الوطني، ولم يعد كوادر وعناصر الجناح العسكر يشعرون بالولاء للجناح السياسي بها. أما التيار المتشدد من الجيش الإسلامي للإنقاذ ، فقد انشق عنها وانضم إما إلى الجماعة الإسلامية المسلحة أو إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال. ومعروف أن من ينفذ العمليات العسكرية ضد الدولة أو ضد المدنيين هم منتمون إلى هاتين الجماعتين، وليس إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وبالتالى، فإن عباس مدني لا يملك نفوذا وتأثيرا إلا على تيار هامشي داخل الحركة الإسلامية الجزائرية.
أما بالنسبة لمدى ثقل الجبهة الإسلامية للإنقاذ داخل المعادلة السياسية الجزائرية، فمن الواضح أن الجبهة قد ألقت السلاح، وهذا الإلقاء للسلاح أسفر عن العفو العام عن معظم كوادرها، كما أسفر عن الإفراج عن معظم قياداتها من السجون، وبالتالى، فهى لم تعد لاعباً رئيسياً فى المعادلة الجزائرية من الناحية العسكرية، لكنها من الناحية السياسية، مازال لديها ثقل ما، فمن جهة فإن وجودها وتصالحها مع السلطة، يمكن أن يساعد الأخيرة فى رفع الغطاء السياسى عن الجماعات المتشددة التى مازالت تحمل السلاح. ومن جهة ثانية، فمن الصعب تجاهل أن من بين الناخبين الجزائريين هناك نسبة لا تقل عن 30% حسب إحصاءات متعددة تعطى أصواتها للإسلاميين مثل الجبهة أو حمس أو النهضة أو الإصلاح وكلها تنظيمات إسلامية، وبالتالى، فإن الجبهة وعباس مدني يمكنهما مساعدة مرشح ما للرئاسة الجزائرية على حساب مرشح آخر، إضافة إلى ذلك، فإن إعادة تكييف الجبهة وإدماجها فى العملية السياسية، بأي صيغة مناسبة، يمكن أن يضفى على الحكم الجزائري المزيد من الشرعية.
وبالنسبة لحدود استعداد السلطة الجزائرية للتعاطى مع هذه المبادرة، فإنه يبقى السؤال الأكثر صعوبة. فالصورة كانت أثناء إعلان مدني مبادرته التى تشير إلى حالة انقسام واضحة. وكان المعتقد هو أن علاقة الرئيس بوتفليقة بالمؤسسة العسكرية ليست على ما يرام، فضلاً عن خلافاته العلنية مع جبهة التحرير الوطني، الأمر الذى بدا معه الرئيس من دون قاعدة سياسية قوية. وهذه الخلافات والانقسامات داخل السلطة ظلت قائمة حتى موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الجزائرية، وإعلان نتائجها. وبالتالى، لم يكن هناك طرف داخل السلطة يستطيع مدني التعاطي معه لتمرير مبادرته. وكانت هناك أطراف تسعى إلى استثمار هذا المتغير (أى مبادرة عباس مدني) سواء لتعزيز موقعها وموقفها فى الصراع السياسى داخل السلطة، أو لإضعاف مواقف خصومها فى نفس الصراع، الأمر الذى جعل المبادرة موضوعاً للمزايدات السياسية. وبالتالى، فإن الموافقات الشفهية عليها من أطراف ما داخل السلطة، لم تكن ذات مغزى حقيقى.
وهكذا تشكلت مفارقة سياسية كبرى، فمن جانب فإن مبادرة عباس مدني غير واقعية، ولكنها فى الوقت نفسه لا يمكن تجاهلها تماماً، حتى فى ضوء حقيقة أن الإفراج عنه مرتبط بعدم انغماسه فى العمل السياسى بأى شكل كان. وبالتالى، لم تكن المبادرة سوى محاولة لجس نبض السلطة ومدى جديتها فى تطبيق شروط الإفراج عنه.
4 ـ الانتخابات الرئاسية
تم تسجيل ستة مرشحين فقط للانتخابات الرئاسية الجزائرية، بعدما رفض المجلس الدستوري ترشيح مرشحين رئيسيين كان وجودهما فى هذه الانتخابات يمكن أن يعطى لها زخماً، أو أن يجعل حساباتها تختلف عن الأوضاع التى تمت بها. وهؤلاء المرشحون الستة هم: الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وعلى بن فليس، والاثنان مرشحان عن جبهة التحرير الوطني، وعبد الله جاب الله زعيم حركة الإصلاح الوطني، وسعيد سعدى رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذو النفوذ فى المناطق القبائلية والأمازيغية، ولويزا حنون زعيمة حزب العمال، وعلى فوزي رباعين رئيس حزب عهد54. وقد رفض المجلس الدستوري طلبات ترشيح كل من الدكتور أحمد طالب الإبراهيمى، وزير الخارجية الأسبق، وسيد أحمد غزالي رئيس الوزراء الأسبق، وموسى تواتي مرشح الجبهة الوطنية الجزائرية، ولم يتقدم حسين آيت أحمد زعيم جبهة القوى الاشتراكية لهذه الانتخابات.
وقد طرح الإعلان عن أسماء المرشحين مسألتين خاصتين بالسياسة الجزائرية الأولى منهما تتعلق بموقف المؤسسة العسكرية، والثانية موقف التيار الإسلامي الجزائرى من المرشحين الستة، فهاتان المسألتان كان يمكنهما ترجيح كفة أى من المرشحين بالنظر إلى عاملين، الأول، القوة التصويتية لكل من المؤسسة العسكرية والتيار الديني الأصولي بكافة اتجاهاته وتياراته، والثاني حجم تأثيرهما فى المجتمع كل من خلال آلياته المختلفة، يضاف إليهما حجم المتعاطفين معهما، وهو الأمر الذى يمكن أن يؤثر فى مسار الانتخابات على النحو الذى يرجح كفة مرشح أو يخرج مرشحاً آخر من المنافسة بصورة تامة.
وبالنسبة لموقف المؤسسة العسكرية، التى عرفت على مدار تاريخها منذ الاستقلال، وحتى الآن بأنها صانعة الرؤساء، وكان أبرز ما قامت به فى هذا الصدد هو تنصيب وزير الدفاع الأسبق اليمين زروال رئيساً للجمهورية، ثم دورها فى تنصيب الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة فى المنصب نفسه. وهذا الأمر يعنى أن المرشح الذى يحظى بدعم المؤسسة العسكرية فى الانتخابات يقطع نصف الطريق إلى الفوز بمنصب الرئيس.
وبالنسبة لموقف التيار الإسلامى وعلاقته بالانتخابات الرئاسية فى الجزائر. فوفقا لنتائج الانتخابات التى أجريت فى السنوات الماضية والنسب التى حققتها الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي، هناك نسبة تتراوح ما بين 30 إلى 35% تصوت لمصلحة هذه الأحزاب، وبالتالى، فإن هذه النسبة قد تتجه فى الاستحقاق الانتخابي المقبل لصالح مرشح واحد بما يعنى دعمه وفتح المجال أمامه لينتقل إلى جولة ثانية يتنافس فيها على المنصب. وفيما قبل الانتخابات الرئاسية بدا أن هناك اتجاها سائدا لدى التيار الدينى الأصولى بأن أنصاره لن يعطوا دعمهم إلى الرئيس بوتفليقة، وهو ما أعلن عنه أكثر من مسئول كبير فى الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان المرجح، أن يقدم التيار دعمه لأحمد طالب الإبراهيمى بالنظر إلى جذور والده الإسلامية كشيخ كبير من مشايخ جبهة العلماء، وإلى مواقفه المعتدلة والمسئولة من التيار الإسلامي بصفة عامة، ومن جبهة الإنقاذ الإسلامية بصفة خاصة.
ولكن جاء قرار المجلس الدستوري برفض ترشيح بن الإبراهيمى ليوجد معضلة أمام المنتمين إلى هذا التيار. وفى ظل عدم دعم التيار الإسلامي للرئيس بوتفليقة، كان هناك احتمالان أمام عناصره، الأول تأييد على بن فليس بالنظر إلى أن هذا المرشح هو الوحيد من بين المرشحين الذى يستطيع أن يسقط الرئيس فى الانتخابات الرئاسية المقبلة. مع الأخذ فى الاعتبار البرنامج الذى يمكن أن يطرحه بن فليس للتعامل مع الأمور السياسية فى السنوات المقبلة، وعلى ما إذا كانت ستتم مساومات بينه وبين زعامات وتنظيمات وتشكيلات التيار الإسلامي الجزائرى، أم لا.
أما الاحتمال الثانى فهو التصويت للمرشح الوحيد المنتمى إلى التيار الإسلامي وهو عبد الله جاب الله، خاصة وأن الأخير خلال السنوات الماضية لم يأت بأية تصرفات تشير إلى وجود علاقة غير مرئية بينه وبين الدولة أو مؤسساتها أو أن لديه أية نوايا للتحالف مع الدولة من أجل تهميش الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وهو الدور الذى كان يقوم به أحياناً محفوظ نحناح زعيم حركة حمس السابق. وفى حالة اختيار كوادر التيار الإسلامي التصويت لعبد الله جاب الله، فإن أحد الأهداف الأساسية من هذا الأمر كان هو معرفة قدرتهم التصويتية بصورة حقيقية بما يستطيعوا معه رسم وتحديد خياراتهم واستراتيجيتهم فى الاستحقاقات السياسية المقبلة.
عندما دخلت الحملة الانتخابية الجزائرية مراحلها الحاسمة، وبدأ المرشحون فى جولاتهم الدعائية بهدف جذب أصوات الناخبين، وضح تماما أن فرص الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هي الأقوى مقارنة بالمرشحين الخمسة الآخرين المنافسين له، وكان المرجح أن تُحسم الانتخابات من جولتها الأولى. غير أن الأيام القليلة السابقة على إجراء الانتخابات، وخلال الحملة الانتخابية ذاتها حدثت تطورات أعطت دفعة معنوية لعلى بن فليس المرشح الجدي القوى أمام الرئيس بوتفليقة، فمن جهة، أعلن أحمد طالب الإبراهيمى زعيم حركة الوفاء والعدل المحظورة الذى رفض المجلس الدستورى طلب ترشيحه للانتخابات الرئاسية عن دعم حركته لبن فليس، لأنه المرشح الوحيد الذى يتقارب برنامجه مع برامج الحركة، ودعا كوادر الحركة فى كافة مناطق الجزائر لدعم بن فليس، الأمر الذى دعم الأخير ببعض المزايا التى فقدها من جراء القرار القضائى المشار إليه آنفا بتجميد أنشطة ومقرات جبهة التحرير. إضافة إلى ذلك أعلن موسى تواتى الذى رفض المجلس الدستوري قبول ترشيحه، دعمه أيضاً ترشيح بن فليس، وهذا الأمر هو ما قرره مقداد سيفي رئيس الحكومة السابق المنسحب من الترشيح للرئاسة، حيث دعا لجان مسانديه والمتعاطفين معه إلى وضع إمكاناتهم تحت تصرف المرشح على بن فليس.
وعلى الرغم من أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم تتخذ موقفاً نهائياً من الانتخابات الرئاسية، حيث تصارع داخلها عدة مواقف وتوجهات، فقد أعلن قياديون بارزون فيها مساندتهم المرشح على بن فليس، حيث أصدر الشيخان عبد الله حموش وحسان الضوى، وهما من قادة الجبهة بيانا دعيا فيه المواطنين لأن يهبوا للإدلاء بأصواتهم لصالح على بن فليس.
وفى ضوء هذه التطورات كانت هناك مؤشرات تتجمع لتصب فى النهاية لصالح على بن فليس بما يجعل منه فى النهاية مرشحاً مقلقاً للرئيس بوتفليقة، ولكن هذا الأمر كان يتوقف على مدى سيطرة على بن فليس على مقاليد الأمور داخل جبهة التحرير الوطنى، ففي ذلك الوقت أصبحت الساحة مهيأة تماماً لمن يطلقون على أنفسهم مسمى الحركة التصحيحية لتنفيذ خططهم الخاصة بدعم الجبهة لبوتفليقة، أو على الأقل الحيلولة دون أن يكون الحزب الأكبر فى البلاد الذى يسيطر على الجزء الأكبر من مقاعد البرلمان والمجالس البلدية والمحلية، قاعدة سياسية لعلى بن فليس. ومع خسارة بن فليس فى الانتخابات، نالت الحركة التصحيحية الفرصة لأن تتخلص منه، وتصبح الجبهة بالتالى مرتبطة برئاسة الجمهورية، بل ولتزيد من نفوذ السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات المنتخبة، لتصبح المحصلة فى غير صالح العملية الديمقراطية بالجزائر.
وتتسق هذه النتيجة مع ما أسفرت عنه الانتخابات من اكتساح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الانتخابات، فقد حصل على ما يزيد عن 84% من الأصوات، فى الوقت الذى توزعت النسبة الباقية أقل من (16%) على منافسيه الخمسة الباقين، وإعادة انتخاب بوتفليقة بهذه النسبة الكاسحة جاءت أقرب لما يشبه الاستفتاء الشعبي على سنوات حكم بوتفليقة والتي حقق خلالها إنجازات لا يمكن إنكارها سواء على صعيد إعادة الاستقرار نسبيا إلى الجزائر من خلال برنامج الوئام المدنى الذى طبقه بعد شهور قليلة من نجاحه فى دورته الرئاسية الأولى، أم من خلال الإنجازات الاقتصادية الجزئية التى حققها، حيث يمكن القول إنه على الرغم مما تعانيه الجزائر من أزمات فان الوضع اقتصادي أفضل بكثير عما كان عليه قبل توليه الحكم، ويتجلى ذلك فى زيادة احتياطي الجزائر من النقد الأجنبي من 4 مليارات دولار وقتها إلى 30 ملياراً حسب بيانات 2002. وإن كان بوتفليقة لم يستطع تخفيض نسبة البطالة والتضخم بالصورة المطلوبة خلال دورته الرئاسية الأولى.
توفر النتيجة الكاسحة للرئيس بوتفليقة العديد من المقومات لدورة رئاسية ثانية ناجحة، فمن ناحية توفر له قوة دفع كبيرة لم تتوافر له عند توليه الحكم، الأمر الذى يطلق يديه فى تنفيذ البرامج السياسية والاقتصادية التى يسعى إلى تنفيذها، ومن ناحية ثانية تضع أمامه حائط صد لأية ضغوط يمكن أن يتعرض لها، سواء من قبل المؤسسة العسكرية، أم فى مواجهة الجماعات الأصولية،لاسيما الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وذلك على الرغم من أن الأولى لم تُبدِ أية رغبة لإيقاف الدفعة الشعبية التى كان يسعى إليها الرئيس، وقد تم ذلك من خلال وقوفها على الحياد فى المعركة الانتخابية، على الرغم من الضغوط التى تعرضت لها لكى تعدل من موقفها هذا.
ويعطى هذا الموقف مؤشرات مهمة، فمن ناحية أن المؤسسة العسكرية من خلال موقفها هذا أبدت ارتياحا غير مباشر لما حققه الرئيس بوتفليقة خلال ولايته الرئاسية الأولى، وبالتالى، فهي لم تسع إلى إيقاف الإنجازات التى حققها، على الرغم من أنها تمت من خلال توسيع دور الرئيس على حساب باقي مؤسسات الدولة الجزائرية، وعلى رأسها بالتأكيد المؤسسة العسكرية التى طالما لعبت دوراً مركزياً فى العملية السياسية منذ الاستقلال، وحتى فترة قصيرة ماضية.
ومن جهة ثانية، فإن الجيش الجزائرى الذى ظل على مدى ما يقرب من نصف قرن جيشاً مسيساً يقوم بدور تدخلي فى المجتمع والسياسة، فى طريقه لأن يتحول إلى جيش محترف، وإن كان ذلك لن يلغى دوره فى حماية الدستور والمرتكزات الأساسية للدولة الجزائرية. ويرجح هذا التطور تحول الجزائر إلى النموذج التركى، والذى ابتعدت فيه المؤسسات العسكرية إلى حد ما عن التدخل المباشر فى العملية السياسية، واقتصر دورها على الإشراف من بعيد للحيلولة دون المساس بمرتكزات الدولة الكمالية، وفى مقدمتها بالتأكيد علمانية الدولة. وبالطبع فإن تحول المؤسسة العسكرية الجزائرية للقيام بهذا الدور يتطلب فترة من الوقت.
أما الجماعات الأصولية الجزائرية سواء التى ما زالت تمارس العنف حتى الآن مثل الجماعة الإسلامية المسلحة والجماعة السلفية للدعوة والقتال، أم التى أحدثت تعديلات هيكلية فى برامجها وسلوكها مثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ وجناحها العسكري المسمى بالجيش الإسلامي للإنقاذ، فإن النجاح الكاسح الذى حققه بوتفليقة فى الانتخابات الرئاسية، والذى يعد بمثابة تجديد قوى لشرعيته، فإنه يُعد فى الوقت نفسه رسالة لكل منهما. فبالنسبة للأولى تعنى أنها تطلق يده فى اتخاذ السياسات الكفيلة بمواجهتها عسكرياً، بعد ما رُفع عنها الغطاء السياسى برفضها الدخول فى قانون الوئام المدنى عام 2000، وبالتالى يمكن توقع مزيد من الشدة فى مواجهتها. وبالنسبة للثانية، فهي تعنى أن الرئيس أصبح قادراً على التعامل معها سواء سلماً بالتفاوض معها على أساس برنامج سياسى أو عبر استمرار سياسة استبعادها من العملية السياسية، فى الوقت الذى لا تستطيع فيه أن تشكك فى شرعيته السياسية. وكثير من المؤشرات تفيد بأن قطاعاً كبيراً من المتعاطفين مع التيار الديني الأصولي بالجزائر صوت فى هذه الانتخابات لصالح الرئيس بوتفليقة على أساس أن نجاحه يمكن أن يفتح الباب أمام مصالحة واسعة بين الدولة والتيار الديني الأصولي، وفى قلبه بالتأكيد الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
والمرجح، أنه على الرغم من الانتصار الكاسح الذى حققه الرئيس بوتفليقة، إلا أن هناك العديد من الملفات العاجلة والمهمة التى تتطلب منه أن يحسمها بصورة سريعة حتى يستطيع أن يحقق الاستقرار لنفسه ولمؤسسته الرئاسية خلال ولايته الثانية. وأول هذه الملفات المهمة، هو المتعلق بالعلاقة بين مؤسسة الرئاسة( وبه شخصياً) بجبهة التحرير الوطني، أى الحزب الذى يسيطر حالياً على الجزء الأكبر من مقاعد البرلمان، والذى نافس أمينه العام على بن فليس بوتفليقة فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة. والحاصل، أن بوتفليقة لا يستطيع الصدام مع حزب جبهة التحرير، ليس لأن الأخير يسيطر على معظم المجالس المنتخبة فى الجزائر، ولكن هناك اعتبارات متعددة، أولها، أنه أحد القيادات التاريخية للجبهة، وبالتالى، لا يستطيع أن يصطدم معها صداماً قد يؤدى إلى انهيارها التام. وثانيها، أنه اعتمد فى فترة طويلة من فترته الرئاسية الأولى، على جبهة التحرير لتكون قاعدة سياسية له، الأمر الذى أمن له الاستقرار خلال هذه السنوات. وهو يدرك جيداً أنه ليس هناك بديل سياسى يمكن الاعتماد عليه، بما يسد الفراغ الذى سوف ينشأ عن غياب جبهة التحرير. وهذا الأمر ينطبق فى المقام الأول على حزب التجمع الوطني الديمقراطى الذى يرأسه أحمد أو يحيى رئيس الوزراء الحالي. وثالث هذه الاعتبارات أن قطاعاً لا يستهان به من جبهة التحرير الوطني أيد بوتفليقة فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ونقصد بهذا القطاع ما سمى بالحركة التصحيحية داخل الجبهة التى تزعمها وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم، الذى استطاع من خلال مناورات سياسية وقضائية متعددة أن يحرم على بن فليس من استخدام جبهة التحرير كورقة فى يده فى الانتخابات الرئاسية فى مواجهة الرئيس بوتفليقة.
وبناء على ما سبق، فإن المرجح بقوة ليس الصدام بين الرئيس بوتفليقة وجبهة التحرير بقدر ما هو إعادة هيكلة الأخيرة لتعود مرة أخرى قاعدة سياسية للرئيس سواء بصورة فورية، أم بصورة تدريجية، بأن يتم خلال فترة زمنية استبدال حزب التجمع الوطني الديمقراطى بها. وهذا الأمر يمكن أن يتحقق بأن تسيطر كوادر الحركة التصحيحية على الجبهة، وإخراج على بن فليس ومؤيديه منها وهو ما حدث بالفعل. وإن كانت تكلفته السياسية يمكن أن تكون عالية. فبعد انتهاء الانتخابات الرئاسية بعدة أيام عقد المكتب السياسى لحزب جبهة التحرير اجتماعاً بحث فى مستقبل الحزب على ضوء التطورات التى أفرزتها الانتخابات، وقدم بن فليس استقالته من منصبه بعد هزيمته فى الانتخابات.
ويعد انسحاب بن فليس من الجبهة ومن الحياة السياسية الجزائرية ككل نهاية للتوجه التجديدى داخل الحزب، وعودة قوية لما يعرف بالحرس القديم الذى ظل يشكل على الدوام منذ الاستقلال المحور الأساسى لمركز القرار داخل الحزب. وهذا التوجه التجديدى ارتبط بتولي بن فليس الأمانة العامة للحزب، حيث باشر منذ توليه قيادة الحزب فى سبتمبر (أيلول) عام 2000 مسعى واسعاً لفتح هياكل الحزب أمام الشباب، الأمر الذى تسبب فى رد فعل عنيف من الحرس القديم الذين رفضوا قبول التحول الذى جرى خلال المؤتمر الثامن له فى مارس (آذار) من العام 2003، وأدى إلى احتجاجات من قبل كوادر الحرس القديم فى مختلف الولايات الجزائرية.
وبالتالى، فإن القضاء على تيار بن فليس داخل الجبهة وفتح المجال أمام هيمنة الحرس القديم أو الحركة التصحيحية، يمكن أن يخلق فراغاً داخل الساحة السياسية الجزائرية بصفة عامة، ويمكن أن يفتح هذا التحول الباب أمام انشقاقات واسعة داخل جبهة التحرير، الأمر الذى قد تكون تداعياته السلبية على المدى أطول وأقوى من تداعياته الإيجابية، وبما يفتح مجالات أمام توتر سياسى لا تستطيع الساحة السياسية الجزائرية أن تتحمله فى الوقت الراهن. البديل المتاح أمام بوتفليقة، هو أن تتم عملية إعادة الهيكلة داخل الجبهة بصورة تدريجية وبطيئة، ومن دون أن تحدث خسائر ناتجة عن صراع الأجيال والتيارات داخل الجبهة.
أما الملف الثانى المطلوب حسمه من الرئيس بوتفليقة فيتعلق بالعلاقة بين مؤسسة الرئاسة والبرلمان على الأخص مجلس النواب المسمى المجلس الشعبي الوطني، أى الغرفة الأولى منه. وكانت التكهنات تدور حول عزم بوتفليقة حل البرلمان، لكن تقديم رئيسه كريم يونس لاستقالته خاصة، بعد أن قام بجهود علنية لمساعدة بن فليس، أدت إلى تراجع بوتفليقة عن خيار حل البرلمان، رغبة منه فى تجنب حدوث أى اهتزاز مؤسسي خلال الفترة الأولى من ولايته الرئاسية الثانية. والحاصل، أن قيادات جبهة التحرير التى ناهضت بوتفليقة خلال الانتخابات تأكدت بعد هزيمتها، من عدم قدرتها على الاستمرار فى ظل الوضع الجديد، وآثرت الانسحاب طواعية بدلاً من المقاومة فى ظل أوضاع سيئة بالنسبة لها، الأمر الذى يفتح الباب أمام الرئيس، لكى يعيد ترتيب الأوضاع لصالحه.

ثالثا ـ موريتانيا .. الركود السياسى
جسدت محاولة الانقلاب الفاشلة فى 8 يونيو 2003 حقيقة المأزق العام لنظام الرئيس الموريتانى، معاوية ولد سيدى أحمد الطايع. فقد حاول الانقلابيون توظيف حالة الاحتقان التى تمر بها البلاد نتيجة غياب التناوب السلمى للسلطة، وتعثر مسار التجربة الديمقراطية المقيدة، بالإضافة إلى الاستفادة من التيار المعادى للتطبيع مع إسرائيل منذ أكتوبر 1999، وحالة السخط بين العسكريين الناتجة عن عمليات تسريح عشوائية.
1ـ الانقلاب الفاشل
هذه المقومات أو الدوافع التى استند إليها الانقلابيون لم تساعدهم على تحقيق هدفهم، فالملاحظ أن الانقلاب لم يمتد سوى 36 ساعة سادت خلالها حالة من الغموض، وأسفر عن مقتل 15 بينهم 9 عسكريين من بينهم رئيس هيئة أركان الجيش، و6 مدنيين وجرح أكثر من ستين عسكرياً، واعتقال 80 عسكرياً آخرين حسب البيانات الرسمية. ويمكن إرجاع هذا الفشل إلى مجموعة من العوامل، من أبرزها؛ عدم قدرة الانقلابيين على تعبئة كافة وحدات الجيش، أو التعبير عن أنفسهم وأهدافهم فى صورة بيان شامل للرأى العام لتفسير دوافع انقلابهم، وعدم إحكام السيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون، وحسم مصير الرئيس معاوية، وعدم وصول تعزيزات عسكرية من ولايات الداخل حيث جاء معظم الانقلابيين من المناطق الشرقية. بالإضافة إلى توافر دعم استخباراتى خارجى، حسم الموقف لصالح استمرارية ولد الطايع، وتعالى أصوات الإدانة الداخلية والخارجية لاعتماد القوة والعنف، كآلية للتغيير والاستيلاء على السلطة، والتخوف من الإنزلاق إلى شبح حرب أهلية.
ويمكن بيان عوامل تفاقم حالة الاحتقان السياسى والتوتر الإجتماعى فى؛ تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفعل الأزمة الاقتصادية المستحكمة، وتدهور أوضاع المؤسسات العامة وفشل سياسات الإصلاح الاقتصادى، وتراجع الدولة عن وظيفتها الاجتماعية فى رعاية الفئات المحتاجة، وآثار عملية الانتقال من الريف إلى الحضر، والتي تزايدت على أثارها معدلات البطالة وحالة الركود وتدهور القوة الشرائية بشكل كبير. إلى جانب تداعيات بيع بعض مؤسسات القطاع العام لصالح من يمثلون بطانة النظام واتساع الهوة بين الأغنياء المحدودين وغالبية الفقراء، وارتفاع المديونية الخارجية إلى نحو2.5 مليار دولار، أى بما يزيد عن الناتج القومى الصافى، حيث أن أعباء خدمة هذه الديون، سنوياً، قد بلغت 150 مليون دولار وهو ما يساوى 47% من مجمل صادرات البلاد ويتجاوز الدخول السنوية لميزانية الدولة. وإزاء ذلك باتت موريتانيا من أشد الدول فقراً، حيث يعيش 46.3% من السكان تحت عتبة الفقر. وتفاقمت الأوضاع المعيشية المتردية، حيث يعيش، على سبيل المثال، ربع سكان العاصمة تقريباً فى بيوت من الصفيح (أو كما يطلق عليها محلياً الكرادس)، إضافة لغياب الديمقراطية وقمع الحريات وانعدام العدالة، والسياسات الخارجية المثيرة للسخط.
كما يمكن رصد مجموعة أخرى من التداعيات الناجمة عن سعى النظام لتغيير خريطة تحالفاته الخارجية، وذلك من خلال تبنى سياسة الاحتماء بالمظلة الأمريكية ـ الصهيونية كبديل عن العلاقات التاريخية مع فرنسا، وتبنى سياسات أكثر جرأة تجاه التطبيع مع إسرائيل. كذلك برز الحرص على الانتماء إلى ما يسمى محور الخير، عبر تأييد العدوان الأمريكى على العراق واحتلاله، وهو ما تصادم تماما مع الخط السياسى العام الذى حكم توجهات موريتانيا سابقا. وفى المقابل رفض النظام المظاهرات الشعبية المناهضة للعدوان الأمريكى على العراق وسعى لقمعها من ناحية، وتصفية وجود التيار البعثى، باعتقال قياداته من ناحية ثانية، وعدم الترخيص لحزب النهوض الوطنى ـ الذى يعد امتدادا لحزب الطليعة الوطنية البعثى ـ وإغلاق مكاتبه ومصادرة جميع وثائقه من ناحية ثالثة، وقطع كل العلاقات مع العراق ونظام صدام حسين من ناحية أخيرة. وقد امتدت حملة القمع والتى اشتدت بصفة خاصة مع بداية يونيو 2003 لتشمل، إضافة للبعثيين، إسلاميين وناصريين وكافة القوى المقاومة والمناهضة للتطبيع مع الدولة العبرية.
واتساقا مع محاولة غلق ملف الانقلاب تم تبنى عدد من الإجراءات الأمنية التى استندت إلى التوسع فى تغيير وإقالة عديد من القيادات المدنية فى داخل الحزب الحاكم والحكومة، وإعادة تنظيم للجيش وإقالة العديد من قياداته. وفى هذا السياق، جاء قرار تشكيل حكومة جديدة فى 7 يوليو 2003، مخيباً لآمال بعض القوى السياسية، بعد إقالة الوزير الأول، شيخ العافية ولد محمد خونا، وتعيين الصغير ولد مبارك، من سكان المناطق الشرقية والذى ينتمى إلى إحدى القبائل الكبيرة. واقتصار التعديل على دخول وزيرين جديدين للتنمية الريفية والبيئة ووزارة المال، واستحداث حقيبة جديدة تحت مسمى نائب لوزير الخارجية، وخروج وزير الداخلية ووزير المال، وإلغاء حقيبة المغرب العربى، وإعادة تبادل للأدوار بين بعض الوزراء القدامى. واقترن ذلك بتغييرات فى الحزب الحاكم، منها إعفاء أمينه العام وأثنين من أعضاء القيادة من مناصبهم، وطرد وزيرة شئون المرأة من عضوية المجلس الوطنى ـ أعلى هيئة قيادية فى الحزب ـ واعتقالها بتهم تتعلق بالمحاولة الانقلابية، ثم الإفراج عنها لاحقاً. وتعيين مدير جديد لديوان الرئاسة ومفوض للأمن الغذائى.
وفى تصعيد ملموس، تم فى 10 يوليو، وضع رئيس الوزراء السابق والأمين العام للحزب الحاكم، رهن الإقامة الجبرية فى منزليهما ومصادرة جوازى سفرهما الدبلوماسيين، على خلفية طلبهما اللجوء السياسى لإحدى السفارات الغربية فى العاصمة يوم المحاولة الانقلابية. كما شن النظام حملة اعتقالات واسعة النطاق. ورغبة من النظام الموريتانى تحسين علاقاته مع الإدارة الأمريكية، وتقليص الانتقادات الأمريكية الموجهة إليه والتى اتهمته بانتهاج سياسات جائرة ضد الأقلية الأفريقية فى جنوب البلاد وبتجارة الرقيق وانتهاكات حقوق الإنسان، أعلنت الحكومة عن زيادة الاهتمام بحقوق الإنسان ودعم اللامركزية والإصلاح القضائى ومحاربة الفقر وتنفيذ برامج تشغيل تستهدف كثافة عالية من الأيدى العاملة فى البنى التحتية، إضافة لتعزيز المكاسب المحققة فى البلاد، والسعى إلى ضمان الاستقرار للشعب وسيادة القانون. وقد أبدى الرئيس معاوية دهشته الكبرى من واقعة الانقلاب بقوله انه انقلاب ضد نظام منح الديمقراطية والحرية والمساواة لجميع المواطنين وحارب الأمية، ونهض بالتعليم، وزود 15 مدينة بالكهرباء فى وقت واحد، وأعفى البلاد من مليار و100 مليون دولار من المديونية الخارجية، وعمل على تشييد الطرق والحصول على تمويلات مهمة لمشروعات الرى ومياه الشرب، والنهضة الزراعية.
وبالنسبة للإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر، تم تقديم التمويل لمشروعات صغيرة لخريجى الجامعات وتشجيع إقامة التعاونيات فى أطراف المدن والقرى والأرياف، وتقديم القروض الصغيرة والميسرة. أما بالنسبة للممارسة الديمقراطية، فقد رفضت السلطات الأمنية، عقب الانقلاب، الترخيص للجان الثورية الموالية تقليدياً لليبيا بتشكيل حزب سياسى باسم حركة تطوير الديمقراطية، فى تناقض واضح مع الدستور الذى لا يشير إلى حظر الأحزاب ذات الطابع الأيديولوجى. وبالمثل، لم تتواكب السلطات مع مطلب تكتل حزب القوى الديمقراطية ـ أكبر أحزاب المعارضة ـ، بإقامة ديمقراطية حقيقية فى البلاد تؤمن وتضمن للشعب خياراته السياسية، وتكفل له التعبير عن آرائه. وفى السياق نفسه رفضت الحكومة مطلب المعارضة الخاص بتعيين لجنة انتخابية محايدة لضمان حياد الإدارة فى أى استحقاقات انتخابية.
2ـ الانتخابات الرئاسية
جاءت المحاولة الانقلابية فى سياق وأجواء استعداد النظام لاستحقاق الانتخابات الرئاسية، فى 7 نوفمبر 2003، والتى بادر الحزب الجمهورى الديمقراطى الإجتماعى، الحاكم، إلى ترشيح مؤسسه، ولد الطايع، والذى سبق له الفوز فى انتخابات عام 1992، و1997. ولذا فقد شرع النظام فى تهيئة الأجواء السياسية وعقد مصالحات مع بعض رموز المعارضة، حتى يمكن تأمين استمرارية النظام وامتصاص بعض اوجه التذمر والاستياء الشعبي، حيث أفرج النظام عن 41 ناشطاً وزعيماً إسلامياً. كذلك تم الإفراج عن ولد الشيخ ماء العينين، رئيس حزب الجبهة الشعبية المعارض، وأثنين من رفاقه بعد اعتقالهم فى 7 أبريل 2003، بتهمة التخطيط للاستيلاء على السلطة بالقوة، والحصول على دعم من الجماهيرية الليبية.
كما تبنى الرئيس ولد الطايع خطابا يدعو إلى مكافحة الفساد والاختلاس والإهمال الإدارى، وحماية حقوق الفقراء والمهمشين. وذلك فى محاولة من جانبه لمواجهة المنافسة التى فرضها دخول ثلاثة مرشحين ثلاثة منافسين أقوياء فى مراكز نفوذه التقليدية، فى الشرق والشمال، خاصة الرئيس السابق محمد خونا ولد هيداله، والذى سبق وأن أطاح به الرئيس معاوية فى انقلاب أبيض، بمساندة فرنسا أواخر عام 1984، وأحمد ولد دادة، شقيق الرئيس الراحل، المختار ولد دادة، مؤسس موريتانيا الحديثة، ومرشح التحالف الشعبى التقدمى، مسعود ولد بالخير.
وأدى تنافس ستة مرشحين، وعدم الاتفاق على اختيار مرشح واحد قوى لمنافسة الرئيس، إلى تشتيت الأصوات، وزيادة فرص ولد الطايع فى الحصول على ولايته الثالثة فى الحكم، وخاصة مع توظيف الماكينة الإعلامية وتركيزها على السلبيات والتحفظات المتعلقة ببعض المرشحين الأقوياء مثل ولد هيدالة حيث يحفل سجله فى مجال حقوق الإنسان بالعديد من الانتهاكات، حيث اكتظاظ السجون فى عهده بالمئات من السجناء السياسيين، وغلبة النعرات الطائفية. فى المقابل شن المرشحون هجوما على النظام وابرزوا حدوث تجاوزات صارخة وغياب شفافية الاقتراع، وحدوث عمليات تزوير واسعة للعملية الانتخابية، من بدايتها إلى نهايتها، وعدم حياد الإدارة التى أشرفت على تنظيمها، واستبعاد أى مشاركة للقوى السياسية المعارضة التى لم تكن لديها أى ثقة بوزير الداخلية.
كما ركزت المعارضة على غياب الحوار، ورفض ولد الطايع اللقاء مع مرشحيها، بوصفه رئيساً للدولة، للتوصل إلى أرضية مقبولة تضمن سير العملية الانتخابية بشفافية وحيادية ونزاهة. كذلك أبرزت المعارضة العديد من صور تدخل الإدارة فى العملية الانتخابية وخاصة تلك المتعلقة بمنع المرشحين الرئيسيين الثلاثة من تنظيم مسيرات احتجاج على ممارسات الحكومة، ورفض دعوة مراقبين دوليين، بل أنها أكدت على تلك الإجراءات الاستباقيه التى هدفت إلى ترهيب المعارضة. فقد تم اعتقال أبرز المرشحين للرئاسة، ولد هيدالة، واتهامه بالتخطيط لانقلاب عسكرى فى حال هزيمته فى الانتخابات، وأنه أمر أنصاره باستخدام وسائل متعددة لإثارة الشغب واستخدام إذاعة بديلة لإعلان فوزه. وأقترن ذلك باقتحام منزله واعتقال أبنائه واحتجازه لدى الشرطة، ثم فى مكتب النائب العام لعدة ساعات، قبل إطلاق سراحه، فى محاولة للترهيب وتشتيت جهود المعارضة بدعوى الإخلال بالأمن العام وتعكير جو الانتخابات.
على الجانب الآخر، أكد الرئيس معاوية أن الانتخابات سادتها شفافية تامة ستعتبر من وجهة نظره قدوة يقتدى بها كل من يسعى لإحلال الديمقراطية فى العالم. وفى المحصلة، فاز ولد الطايع بولايته الثالثة بعد أن حصل على 66.7% من جملة الأصوات، فى حين حصل أبرز منافسيه، ولد هيدالة على 18.7% فقط، يليه ولد دادة على 6.89%، وجاء فى المرتبة الرابعة ولد بالخير بنسبة 5.3%. وبلغت نسبة المشاركة، حسب التصريحات الرسمية 60.83% من جملة الناخبين الذين يزيد تعدادهم عن 1.1 مليون ناخب، وهى أعلى نسبة للمشاركة تعرفها انتخابات رئاسية فى البلاد. وقد حصل ولد الطايع على الأكثرية فى مقاطعات البلاد كافة، ماعدا مقاطعة السبخة فى نواكشوط، وهى مقاطعة يمثل الزنوج معظم سكانها، ولم يحصل النظام فيها أبداً على أكثرية خلال سائر الانتخابات الماضية.
وهكذا يبدو أن هناك العديد من المعطيات التى ساعدت على فوز ولد الطايع، يأتى فى مقدمتها طول فترة بقائه ممسكاً ومنفرداً بالسلطة، وقدرته على كسب ولاء القبائل، بالإضافة إلى ضعف المعارضة. فقد أظهرت الانتخابات قدرة النظام على توظيف كافة المقدرات الحكومية والمال العام فى حملته الانتخابية. إضافة إلى التدفقات المالية التى قدمها كبار الموظفين ورجال الأعمال، حيث تم توظيف عامل المال فى شراء الأصوات ودعم ولد الطايع.
فى المقابل اقتصر خطاب باقى المرشحين على المدن الكبرى، ودون القدرة على الوصول للقرى والأرياف النائية، والتى بقيت لمرشح النظام، بدون منازع، الأمر الذى افقدهم دعم وتأييد الأصوات القبلية، فبالنظر إلى أن الولايات الجنوبية الشرقية من موريتانيا، والتي تمثل أكثر من ثلث الناخبين الموريتانيين قد صوتت للرئيس بأكثر من 80%. ويعود ذلك بالأساس إلى أهمية دور القبيلة فى هذه الولايات النائية. ناهيك عن أن ولد الطايع يعتمد على ماكينة حزبية مؤثرة لها جذورها فى المؤسسة القبلية والإدارة.
وانطلاقا من حقيقة أن التغيير أصبح أمرا ضروريا، تبرز مجموعة من التحديات والمعضلات ماثلة أم
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://www.ahram.org.eg/acpss/

http://www.ahram.org.eg/