|
|
| التقرير الإستراتيجي العربي |
(5) إرهــــاب بـــدون قــيــادة .. الــعــالـــم والإرهـــــاب الجـــــديــــــد
د. محمد قدرى سعيد مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية
أصبح من المعتاد التفرقة بين طبيعة الإرهاب الذى اجتاح أوروبا وأمريكا اللاتينية ومنطقتنا العربية بدرجات متفاوتة خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات، وبين الإرهاب الذى يسود العالم الآن منذ أن بدأت إرهاصاته الجنينية فى أوائل التسعينيات حتى وصل إلى ذروته فى أحداث 11 سبتمبر 2001. إرهاب السبعينيات والثمانينيات كان بشكل عام متصلا بالنضال ضد الاستعمار والأنظمة الرأسمالية، واعتبرته حركات التحرير الوطنية إحدى وسائلها المشروعة فى التخلص من الاستعمار، كما مارسته الحركات اليسارية ضد النظم الرأسمالية الوطنية لدوافع أيديولوجية، وكانت تلك الحركات فى معظم الأحوال تتلقى دعما مباشرا من الاتحاد السوفييتى وأيضا من دول الكتلة الاشتراكية. وفى إطار هذا النوع من الإرهاب القديم كان من الممكن ملاحظة وتمييز التحولات الأيديولوجية التى تمر بها هذه الجماعات من مرحلة ممارستها للنشاط السياسى السلمى حتى وصولها إلى مرحلة ممارسة العنف و الإرهاب المسلح. وعادة ما كانت تأخذ البداية صورة معارضة للنظم الحاكمة، يتلوها قمع لهذه الجماعات بواسطة الدولة، ويتصاعد رد الفعل باغتيال أحد رموز النظام الحاكم الأمر الذى يقود فى المقابل إلى مزيد من قمع الدولة وتكرار عمليات الاغتيال. وأهم ما كان يميز إرهاب تلك الفترة أنه كان يعيش بين الناس، ويستلهم بطولته منهم، لذلك كان عنفه محدودا ومركزا فى أهداف معينة. وكما يقول أحد الخبراء أن إرهابيى السبعينيات والثمانينيات كانوا حريصين على وجود أكبر عدد من المشاهدين وليس أكبر عدد من القتلى كما هو الحال الآن. وينقسم الإرهاب الجديد إلى نوعين أساسيين: إرهاب اليمين المتطرف الجديد وهو منتشر فى الدول الغربية، ويختلف عن اليمين المتطرف التقليدى فى عدم ارتباطه بجماعات محددة لها هياكل تنظيمية معروفة أو منتمية بصورة علنية إلى أيديولوجيات نازية أو فاشيستية، ومنشؤه يعود فى الأساس إلى اليمين الأمريكى المتطرف المتأثر بمجموعة من المفاهيم العملياتية والفكرية الجديدة مثل مفهوم المقاومة بدون قيادة Leaderless Resistance والذئب الوحيد Lone-Wolf ، أو ما يمكن أن نطلق عليه الإرهاب الفردى Individual Terrorism. والقادة الملهمون لتلك الجماعات ليسوا هم ملهمو اليمين المتطرف التقليدى أمثال هتلر وموسيلينى، بل هم من أمثال وليام بيرس William Pierce ولويس بيمLouis Beam وآخرين. وتنتمى هذه الشخصيات عادة إلى الحزب النازى الأمريكى والكيو كلوكس كلان Ku Klux Klan وما تعتنقه تلك التنظيمات من أفكار متطرفة مثل حرب الإنسان الأبيض White Race War والعداء للحكومة الفيدرالية. ويمثل الدين لبعض هذه الجماعات، بجانب التطرف العرقى، دافعا مهما فى عملها؛ ويعتقدون أن السود والآسيويين يلوثون أمريكا وأوروبا، وأن نفوذ هؤلاء الغرباء يجب الحد منه. وكثير من العمليات الإرهابية التى حدثت فى الولايات المتحدة فى 1995 قد تمت على يد جيش الله The Army of God. ويعارض جيش الرب الإجهاض بإصرار، والشذوذ الجنسى، ويعلى من شأن الجنس الأبيض، ويؤمن بعضهم بأن الحكومة هى العدو الحقيقى الذى يجب مقاومته. وليس مستبعدا أن تلك المفاهيم بفعل الإنترنت والاتصالات والهجرة إلى الغرب قد تركت تأثيرا على حركة الإرهاب فى مصر والمنطقة العربية - على الأقل فى جانبها العملياتى - سوف تتضح ملامحه مع مرور الوقت. وليس بعيدا أيضا أنه الاتجاه الطبيعى لتطور الأشياء بفعل ثورة الاتصالات الحديثة، التى غيرت كثيرا من جوانب الفكر المؤسسى فى مجالات أخرى جوهرية مثل التعليم والاقتصاد والمال والسياسة، وجعلت مفهوم المؤسســـــة و القيــــادة فيها مختلفا بصورة جوهرية عما كان عليه من قبل. أما النوع الثانى فينتمى إلى الإرهاب الدينى المتطرف الداعى إلى رؤية عالمية متشددة، ترى فى الدين مفتاحا وحيدا إلى عالم طوبوى مثالى. وأيضا فى حالات أخرى - غير دينية بالضرورة - ترى فى الدين وسيلة فعالة للوصول إلى أهدافها بدون أن يمثل الدين فى الحقيقة ركنا أساسيا فى أيديولوجيتها السياسية. ويتميز الإرهاب الدينى بأنه قد يكون مناوئا للغرب والحداثة والعولمة كما فى حالة الإرهاب الإسلامى أى المتشح بالإسلام، أو يمكن أن يأخذ شكل حركة رجعية متشددة كما فى حالة الإرهاب اليهودى أو الهندى البوذى. وتقول التقديرات أن الإرهاب الجديد بنوعيه اليمينى والدينى يمارس معظم عملياته على المسرح المحلى، ماعدا الإرهاب الإسلامى الجهادى غير المنتمى إلى جماعات محددة الكيان والهيكل، فهو يمارس عملياته على مستوى العالم كله. وتؤكد الإحصائيات أن الإرهاب الدولى لا يمثل أكثر من 10% من كل العمليات الإرهابية فى العالم. وفى الولايات المتحدة مثلا زادت التفجيرات الإرهابية بواسطة الأمريكيين أنفسهم من 2098 حادثة فى سنة 1990 إلى 3199 حادثة فى سنة 1994 بنسبة زيادة قدرها 52% وذلك كان قبل حدوث تفجير أوكلاهوما الشهير فى 1995. وخلال نفس الفترة الزمنية قلت العمليات الإرهابية على المستوى الدولى بنسبة 24% من 437 عملية إلى 332 عملية، ثم قلت فى السنوات الأربع التى تلتها إلى 174 عملية بنسبة انخفاض 46%. ويحمل الإرهاب الجديد الذى ميز سنوات التسعينيات وما بعدها بعض خصائص الإرهاب القديم لكنه يضيف إليه خصائص جديدة تنحصر فى وجود صعوبة شديدة فى مراقبته ومنع انتشاره وأيضا ردعه، كما أنه بالإضافة إلى ما سبق أكثر عنفا. ويتجلى الاختلاف أولا فى أن الإرهاب الجديد يأخذ صورة شبكية networked وليست هيراركية hierarchical مثل الإرهاب القديم الذى كان يعمل من خلال سلسلة قيادة محددة ومعروفة يتولاها أشخاص مشهورون من أمثال أندرياس بادير وأورليك ماينهوف فى حالة اليسار الألمانى المتطرف، وأحمد جبريل فى حالة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة، وأبيمايل جوزمان فى حالة جماعة سندرو لومينوزو البيروفية وآخرين. وثانيا يميل الإرهاب الجديد إلى أن يكون منتشرا ذائبا وسط محيط الناس. وفى تعريف لويس بيم لمفهوم المقاومة بدون قيادة -أو إذا شئنا الإرهاب بدون قيادة - أن الهيكل التنظيمى التقليدى (الهيراركى) يجب تجنبه والتحول إلى شبكة من الخلايا الخفية المنفصلة والتى يربطها أسلوب خاص فى الاتصال من أجل ضمان أقصى مرونة هجومية ممكنة، وأيضا من أجل تحقيق أمنها الخاص من خطر القوى المضادة. وتطبيقا لنفس المبدأ، يعمل كل فرد داخل الخلية مستقلا عن الآخرين، بدون أن يلجأ إلى مخاطبة قيادة مركزية أو قائد منفرد على رأس التنظيم. وطبقا لهذا النوع من التنظيم ليست هناك فى الحقيقة حاجة لأن يصدر أحد أمرا لأحد. المشاركون إذن فى هذا النوع من الإرهاب بدون قيادة يجب أن يكونوا على معرفة جيدة بما يجب عليهم فعله عن طريق التفاعل الفردى المباشر مع أحداث معينة تجرى أمامهم، مستخدمين فى ذلك تكتيكاتهم ووسائلهم الخاصة. وهناك جزء ظاهر محدود من التنظيم الهلامى الواسع مهمته نشر المعلومات وتوزيعها عن طريق الصحف والمنشورات ومواقع الإنترنت بدرجة تجعل كل عضو على علم بما يجرى بالقدر الذى يسمح له بالتخطيط لرد مناسب وبأشكال مختلفة مبتكرة. والقواعد الأساسية التى تقود الميليشيات الحرة - إذا جاز وصف هذه النوعية من الخلايا الشبحية- لا تخرج عن عدد من المبادئ العامة المعروفة فى علم الإرهاب، أما الجانب العملياتى والتكتيكى فيتم بعيدا عن القيادة وبأقل درجة من المركزية. وهناك بالتأكيد ولاء لقضية ما، وأيضا لقيادة معينة قد تكون رمزية أكثر منها فعلية، أما تكتيكات الفعل فمتروكة تماما لمبادرات الخلايا والأفراد. وقد ظهر خلال العقد الماضى فى الولايات المتحدة الأمريكية نوع من الإرهابيين أمثال تيموثى ماكفى وجيمس كوب مارسوا العنف والقتل بصورة مستقلة وعلى المستوى الفردى بدون وجود رابطة مادية مع جماعة أيديولوجية معينة. والنتيجة التى يمكن استخلاصها من هذا النمط الجديد من الإرهاب هو أنه نوع لا يقوم على روابط رسمية مع منظمات معينة، كما أن المنظمات الفكرية التى قد تكون ملهمة له لا تتحمس عادة لدعوته للانضمام إليها حتى لو كانت متعاطفة معه. ومن هذه الزاوية تثار نقطة مهمة ترى أن محاربة الإرهاب الجديد تستوجب أيضا التعرض للمنظمات المتطرفة الملهمة له بسبب ما تنشره هذه المنظمات من فكر حتى لو لم تكن لها روابط ظاهرة مع تنظيمات الإرهاب الجديد. ونفس الشئ يمكن قوله عن الإرهاب الدولى الجديد ذى الطابع الدينى. فهناك تحول واضح من صورة الجماعات المنظمة والمدعومة بدرجة ما من بعض الحكومات والمدفوعة بأهداف سياسية، إلى الصورة الشبكية التى لا يربط أطرافها إلا نسق تنظيمى فضفاض لا يمكن الإمساك به بسهولة. ويتبنى الإرهاب الجديد ذو الطابع الإسلامى النظام الشبكى فى العمل لكنه ليس مفرطا فى الفردية كالنظم العاملة فى الغرب. وعلى سبيل المثال نجد أن سلسلة التفجيرات التى قامت بها الجماعة الإسلامية فى فرنسا فى بداية التسعينيات قد نفذتها خلية تعيش قيادتها فى لندن، ووجدت ملاذا آمنا للاستعداد فى بلجيكا، أما هدف العملية المطلوب ضربه فكان فى فرنسا. وكذلك كانت جماعة عمر عبد الرحمن وجماعته المكونة من أعضاء لهم خلفيات مختلفة ويعيشون فى أماكن متفرقة، وأيضا تنظيم القاعدة بقيادة بن لادن وتنفيذه لعملية تدمير سفارتين للولايات المتحدة فى شرق أفريقيا فى 1998، وتلك الخلية التى قبض على أعضائها فى ألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة فى يناير 2001 والتى كانت تخطط لتفجير كاتيدرائية استراسبورج. ويرى بعض الخبراء أن الإرهاب الإسلامى الجديد كان أكثر نجاحا من الإرهاب الغربى اليمينى المتطرف ربما لأن الأخير كان مغرقا فى فرديته بصورة لم تمكنه من تحقيق كثير من أهدافه. وعلى العكس من ذلك نجح الإرهاب الدينى الإسلامى فى تحقيق قدر متميز من التنسيق على المستوى الدولى والعابر للحدود، الأمر الذى مكنه من تنفيذ عمليات إرهابية كثيرة ناجحة مثل ضرب المدمرة الأمريكية كول فى البحر الأحمر، وتفجير سفارتين لأمريكا فى إفريقيا ثم عملية 11 سبتمبر 2001 التى قلبت العالم رأسا على عقب. وهذا النوع من النشاط يدل على مستوى راق من التفاعل الشبكى لم تتمكن المنظمات اليمينية الغربية من تحقيقه. والعامل الآخر المؤثر أن النظام الشبكى جرى دعمه بالاستخدام الموسع والمتنامى لنظم المعلومات والاتصالات عالية التقنية. هذا التطور فى نظم المعلومات والاتصالات وفر للإرهابيين وسائل اتصال آمنة وسهلة وغير مكلفة وعلى مسافات تغطى العالم كله. ويصف أحد المتطرفين هذه النقلة الخطيرة فى الاتصالات قائلا: كان الرفاق، برغم أنهم لم يتقابلوا أبدا من قبل وجها لوجه، يعرفون بعضهم البعض فى علاقة فريدة، كأنهم أصدقاء منذ أمد بعيد. وتوفر نظم المعلومات وسيلة سهلة لنشر الأفكار التى لو قدمت مكتوبة على ورق لأصبحت ضد القانون فى بعض البلاد، كما يمثل التشفير عقبة إضافية أمام المؤسسات المضادة للمتطرفين. ولقد استفاد الإرهاب الدينى الإسلامى من هذه الميزة من خلال انتقال قادته إلى الدول الغربية واستخدامهم للوسائل المتقدمة المتاحة هناك للاتصال بالداخل وبالمهاجرين فى الخارج. ويضاف إلى ذلك عدم عناية الإرهاب الإسلامى بالإعلان عن مسئوليته تجاه عملية محددة بل ربما يدينها وقد يتهم الآخرين بالقيام بها، حيث العملية نفسها هى المهمة وليس الإعلان عنها. والخاصية الثالثة بعد الفردية و الشبكية أن معظم الإرهابيين الجدد من الهواة الذين يمارسون عملا آخر غير العمل السياسى، بعكس إرهابى السبعينيات الذين كانوا متفرغين تماما للعمل الإرهابى وبشكل كامل. وهذه الخاصية تساعد كثيرا فى ذوبان هؤلاء الإرهابيين وسط حشود الناس، وإبعاد الأضواء السياسية والإعلامية عنهم. ويتركز دورهم عادة على الردع والعقاب، وليس على نشر فكر معين، اللهم إلا ما قد يستنتج من نتائج عملياتهم. وفى كثير من حالات هذا النوع من الإرهاب الجديد ما أثار تعجب الأهل وأصدقاء العمل وأبناء الحى الواحد من تورط شخص معين فى عملية إرهابية كبيرة مدوية، وكان قبلها يعيش بينهم فى هدوء وسكينة ولا تبدو عليه شواهد معينة تدل على أنه مقبل على عمل إرهابى كبير. والخاصية الرابعة أن الإرهاب الجديد وخاصة الدينى منه لا يضع حدودا لنشاطه فى منطقة معينة، كما أنه يمتلك قدرة عالية على الإيذاء (تفجير أوكلاهوما 1955، ومركز التجارة العالمى 1993، ومترو الأنفاق فى طوكيو باستخدام غاز السارين فى 1995، ومركز التجارة العالمى فى 2001، وعملية قطار مدريد فى 11 مارس 2004). وحينما كان الإرهاب مدعوما من الدول، كانت هناك حدود معروفة لمدى الإيذاء ما عدا بعض الاستثناءات، مثل حالة إسقاط الطائرة بان آم فوق قرية لوكيربى فى ديسمبر 1988، والطائرة يو تى إيه فوق تشاد فى أغسطس 1989، وتفجير المعبد اليهودى فى بيونس أيرس بالأرجنتين فى 1994. وسبب الغلو فى العنف قد يكون ناتجا من أن الخصم كان أيضا مغاليا فى عنفه فى مرحلة ما من المواجهة، أو لأن المعركة تتم من أجل شئ مطلق مرتبط بالدين والشهادة، الأمر الذى قد يبرر اللجوء إلى أقصى درجات القتل والتدمير بصورة جنونية. ويتصل بخاصية الغلو فى العنف وارتباط ذلك بالدين كخلفية محرضة للعمل الإرهابى بروز العمليات الانتحارية كوسيلة مفضلة للإرهاب الدينى الجديد، وانتشار ذلك الأسلوب فى مناطق كثيرة من العالم مثل فلسطين والعراق وكشمير وإندونيسيا وباكستان وأفغانستان والشيشان والمملكة العربية السعودية وكينيا وتنزانيا. وأشهر هذه العمليات بطبيعة الحال كانت عملية الحادى عشر من سبتمبر. والدافع وراء استخدام أسلوب العمليات الانتحارية عملياتى ودينى وفكرى، وهو أسلوب يعزز أيضا الاتجاه الفردى فى العمل الإرهابى نظرا لعدم الحاجة إلى تجهيزات كثيرة أو تمويل مكلف. ومن الناحية العملياتية يتيح هذا الأسلوب قدرة عالية على الاختراق والوصول إلى الهدف وإلى إحداث قدر هائل من القتل والتدمير خاصة وسط التجمعات البشرية. ومن الناحية الدينية فإن القائم بالعملية ينظر إليه طبقا لفتاوى معينة بوصفه شهيدا. كما أن العمل يحظى بتغطية إعلامية كبيرة تؤدى عادة إلى نشر حالة من الذعر والردع المطلوب. وما يجرى فى مصر فيما يتصل بالإرهاب ليس منفصلا عما يحدث فى العالم أجمع. فقد مرت مصر أيضا بمرحلة كان الإرهاب فيها متصلا بجماعات منظمة مارست العنف ضد الاستعمار الإنجليزى وضد خصومها السياسيين فى الأربعينيات. واستمر نشاطها بعد الثورة فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات حتى بداية الثمانينيات، وكانت أهم عملياتها محاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر فى 26 نوفمبر 1954، واغتيال الرئيس السادات فى 6 أكتوبر 1981. وظهرت جماعات جديدة بعد ذلك مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد مارست العنف بشكل مكثف خلال سنوات التسعينيات، وكانت آخر ضرباتها فى عام 1977 حيث قتلت ثمانية وخمسين سائحا أجنبيا قرب مدينة الأقصر بالإضافة إلى عدد آخر من المواطنين ورجال البوليس، وضربت السياحة المصرية وقتها فى الصميم ولشهور طويلة. وبدأ الانحسار التدريجى للإرهاب بعد حادثة الأقصر المروعة، لكن جذوة من اللهب ظلت مختبئة تحت الرماد ليطل الإرهاب برأسه من جديد فى أكتوبر 2004 فى صورة سلسلة من العمليات تمت فى يوم واحد داخل سيناء، وكان أكثرها تأثيرا الهجوم على فندق هيلتون طابا الشهير ومقتل حوالى أربعة وثلاثين فردا من الأجانب والمصريين. وبرغم القلق الناتج عن الحادث غير المتوقع، ظن البعض أنها عملية واحدة لن تتكرر، لكن لم يمض إلا أقل من ستة شهور حتى حدثت عملية إرهابية ثانية مفاجئة فى 7 إبريل 2005 ضربت موقعا مزدحما بالسياح فى خان الخليلى بالقاهرة القديمة، وقتل فى العملية أربعة أشخاص من بينهم مرتكبها، وتم القبض على عدد من المشاركين فى الإعداد لها. ولم تنقض إلا أسابيع قليلة حتى قامت فلول هاربة من عملية خان الخليلى بعمليتين جديدتين، واحدة فى ميدان الشهيد عبد المنعم رياض وسط القاهرة، والثانية فى السيدة عائشة بالقرب من قلعة صلاح الدين، ونفذ العملية الأخيرة لأول مرة فتاتان منقبتان لقيتا حتفهما فيها. والنتيجة المهمة التى خرجت بها التحقيقات الأولية لهذه العمليات هى عدم وجود علاقة ظاهرة حتى الآن بين المشاركين فيها، وبين المنظمات والجماعات الإرهابية القديمة المسئولة عن عمليات التسعينيات. وتراوح التحليل بين أنها مجرد عمليات فردية تحركت تحت تأثير ما يحدث فى قلسطين والعراق، وبين ظهور جيل جديد من الإرهابيين خرج من حضن أجواء التطرف الدينى وماكينة الدعاية التى تحض عليه فى مصر وتدعو له بكل الوسائل الممكنة، مستغلة فى ذلك ظروف الفقر والفساد وفوضى الإعلام وضعف القانون فى السيطرة على عقول الشباب والشابات ودفعهم إلى التشدد فى الدين ثم إلى العنف والإرهاب. وهى ظاهرة من توابعها ظهور جيل جديد من المتطرفين الدينيين يمارسون الإرهاب بعيدا عن القيادات التقليدية وعن التنظيمات القديمة من خلال أنساق جديدة للعمل تتسم بالاستقلالية والمبادرة والاعتماد على الطاقة الذاتية فى تحديد الأهداف وتنفيذ العمليات وسط إطار عام غامض ليس من السهل الإمساك بالخيوط التى تصله بالخلايا الشبكية الصغيرة المنتشرة على امتداد البلاد. والشئ المؤكد الذى يمكن قراءته من تفاصيل الأحداث السابقة هو عمق الدور الذى يلعبه التيار الدينى السلفى الرجعى فى تفريخ أجيال جديدة من الإرهابيين من خلال سيطرته على معظم المنابر الشعبية النافذة إلى الناس، ونجاحه منقطع النظير فى خلق حالة ردع مدهشة تضع الجميع فى قفص الخوف والصمت والحرج والامتناع عن الإشارة إلى ما يجرى حولنا وإدانته حتى يمكن القضاء عليه. هذا التيار يمتلك ماكينة دعاية ودعوة هائلة وعلى درجة عالية من الكفاءة، تتبنى أسلوبا متحركا للترويج لأفكارها من خلال الجوامع والزوايا وعربات الميكروباس وسيارات التاكسى، وفى مداخل العمارات والمنازل وفى المصاعد وفى المدارس من أول الحضانة إلى الجامعة، وفى وسائل الإعلام والقنوات التليفزيونية الفضائية وغير الفضائية. لنجد أنفسنا فى النهاية أمام أقوى حزب حقيقى فى مصر، حزب بلا هيكل وبلا مقر وبلا قيادة، حزب نجح بامتياز فى احتلال كل دقيقة ممكنة من وقت الناس واستغلالها فى حقن رسالته، ثم تفرغ بعد ذلك لضبط حركة الحكومة السياسية والاقتصادية بعمليات إرهابية منتقاة، فى أماكن وتوقيتات معينة، وبتكلفة قليلة وبدون تخطيط أو تنسيق معقد. ويمكن القول إن خطر الإرهاب مازال يمثل تهديدا أساسيا للأمن القومى المصرى ليس فقط بسبب عملياته العسكرية والخسائر المادية والبشرية الناتجة عن عنفه، ولكن بسبب إفرازه لمناخ عام مقيد للانطلاق والتحديث الاقتصادى والاجتماعى والسياسى. أما على مستوى العالم، فمازال هناك تشتت واسع فى كيفية تكييف خطر الإرهاب وربطه بالنظريات الأمنية القديمة التى قامت على فكرة أن الدولة تمثل محورا أساسيا فى قضية الأمن. وتقليديا كان التهديد الموجه لدولة ما يأتى من دولة أخرى أو مجموعة من الدول فى صور مختلفة كان من أهمها التفوق العسكرى، ونشأ عن ذلك معضلة الأمن المعروفة وما يستتبعها من سباق تسلح بين الدول والدخول فى حروب لإعادة ضبط موازين القوى بينها. أما أعمال العنف الفردية، فكانت تتم عادة داخل حدود الدولة، ويتم التعامل معها بواسطة مؤسسات الأمن الداخلى والبوليس، ولم تكن تمثل قدرا يعتد به من التهديد الشامل. لكن ما حدث خلال سنوات التسعينيات وما بعدها كان مختلفا. فالعنف، أو لنقل الإرهاب، صار عابرا للحدود؛ كما أصبح قادرا على القيام بعمليات عسكرية معقدة فى البر والبحر والجو، ونجح فى ضرب السفارات وأماكن العبادة ووسائل النقل على المستوى القارى والإقليمى، وضرب قطع بحرية عسكرية فى البحر الأحمر، ثم وصل به الأمر إلى إطلاق عملية 11 سبتمبر العابرة للقارات والمحيطات فى أكبر عملية إرهابية انتحارية فى التاريخ. وقد أوضحت تحقيقات لجنة 11 سبتمبر أننا أمام قوة عالمية لها مواردها الاقتصادية، ولها نظامها القيادى، ولها آلاف المريدين والمتعاطفين، وأنها تقيم تحالفات مع الدول والأفراد على مستوى العالم، وأيضا تستخدم وسائل الإعلام وشبكة الانترنت، وتنشر بيانات وتصريحات. كما نجح بعض قادتها فى الاختفاء بشكل مذهل ولفترة طويلة ولم يمنعهم ذلك من الإطلال على الناس والحديث إليهم بشكل متصل، ولم تتمكن قوى كبرى ومخابرات عريقة تتلقى الدعم والمساعدة من معظم دول العالم من القبض عليهم حتى الآن. لكن كل ذلك - وهنا المعضلة الحقيقية - لا يعنى وجود هيكل تقليدى للقيادة وإصدار التعليمات والأوامر وتوفير التمويل. بل يقترب الوضع من أنه يمثل حالة فكرية لها إشعاعات قيادية تتجلى فى عمليات إرهابية، بعضها ذاتى مخطط على المستوى الفردى أو الجماعى فى إطار محلى أو عالمى. وأصبح من المعتاد فى الوقت الحاضر - وهنا النتيجة الأساسية - التسليم بوجود هذه الحالة على المستوى الدولى، والتخطيط فى كل مناسبة على أساس أن خطرها قريب ومتربص. فلم يعد يجرى تجمع دولى كبير أيا كان نوعه من أول المؤتمرات الكبرى الدولية إلى دورات الألعاب الأوليمبية حتى يتم التخطيط لحمايتها من احتمالات الإرهاب ليس فقط بواسطة البوليس ورجال الأمن ولكن بحشد وحدات من الدفاع الجوى والمقاتلات والمدرعات والقطع البحرية - إذا كان الحدث قريبا من ممرات مائية - ووحدات الدفاع ضد الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. وقد كان مجرد دخول طائرة صغيرة إلى المجال الجوى المحظور حول البيت الأبيض فى 11 مايو 2005، كافيا لانطلاق طائرات إف-16 المقاتلة من قواعد أمريكية قريبة، وإخلاء مبنى البيت الأبيض والكونجرس، ونقل ديك تشينى نائب الرئيس الأمريكى إلى مكان آمن. والطريقة التى ينظر بها مجتمع الدول إلى الإرهاب يمكن أن نلخصها فى نظريتين أساسيتين. النظرية الأولى ترى الإرهاب من المنظور التقليدى لأمن الدولة. وهذه النظرية تُحمل الدولة مسئولية ظهور الإرهاب وازدهاره على المستوى العالمى، كما تحملها مسئولية التعامل معه دفاعا أو هجوما. هذا النمط من الاقتراب يتجاهل تماما طبيعة الجماعات الإرهابية الشبحية واستقلالها الذاتى، ويرجع الأمر كله فى النهاية إلى الدولة باعتبارها مسئولة عن حدوث هذه الظاهرة. والنتيجة أن مقاومة الإرهاب يجب أن تتحقق من خلال التأثير على الدول التى هى على الأرجح إما تؤويه أو تشجعه أو أنها بفسادها ونظامها السياسى الاستبدادى وغير الديموقراطى ونظم تعليمها واقتصادها المنهار، قد أدت إلى ظهوره وترعرعه، حتى لو لم تكن تقصد ذلك عامدة أو غير عامدة. وهذا المنطق تتبناه إدارة بوش فى الولايات المتحدة، ويتفق مع فكر المحافظين الجدد فى هذه الإدارة التى تعتقد أن تغيير الأنظمة الاستبدادية، ونشر الحرية والديموقراطية على مستوى العالم، هو أفضل الطرق للقضاء على الإرهاب من خلال تغيير البيئة الحاضنة له والمؤدية إلى وجوده. وبناء على هذا المنطق ترى الإدارة الأمريكية فى غيبة الديموقراطية والحرية وانتشار الفقر فى بلد ما نتيجة الفساد وسوء الإدارة وانحراف الحكم، تهديدا مباشرا لأمن الولايات المتحدة والعالم الحر، يماثل تماما امتلاك خصم ما لسلاح جديد تقليدى أو غير تقليدى. وبناء على هذا المنطق، اعتبر قطاع من الإدارة الأمريكية بعد 11 سبتمبر أن المملكة العربية السعودية بمثابة عدو للولايات المتحدة باعتبارها البلد الذى خرج منه بن لادن، والبلد الذى شارك منه خمسة عشر إرهابيا فى عملية 11 سبتمبر. وعلى المستوى التطبيقى، تتبنى هذه النظرية فكرة الحرب على الإرهاب، وجزء من هذه الحرب تغيير الأنظمة أو تحويلها. لكن هناك جوانب أخرى عسكرية للحرب ضد الإرهاب تقوم على التعامل مباشرة معه بالكشف عن الخلايا الإرهابية بواسطة أجهزة المخابرات ووسائلها البشرية والتكنولوجية، واستخلاص المعلومات من المقبوض عليهم، ثم تقوية الأساليب الدفاعية عن الأهداف الحساسة والحرجة، وهى كثيرة بدرجة تجعل تكلفة الدفاع ضد الإرهاب هائلة. وفى هذا الإطار تم إعادة النظر بصورة شاملة فى مفهوم حماية الداخل Homeland Security والنظر إليه ليس بوصفه مجرد نوع من الدفاع المدنى للحماية من الحرائق أو الكوارث الطبيعية، ولكن بوصفه نظاما دفاعيا شاملا لحماية المطارات وشبكات المواصلات والمعلومات والأهداف الحساسة ضد مخاطر قد تصل إلى حد التهديد النووى والكيماوى والبيولوجى. وقد حدث فى هذا المجال طفرة غير مسبوقة على المستوى التكنولوجى والتخطيطى والمؤسسى، طفرة تعكس وجود حالة من الخوف والشك والفزع من كل شئ، من أول الفرد العادى إلى حاويات البضائع إلى طائرات رش المحاصيل الزراعية. وعلى مستوى العمل العسكرى الهجومى ركزت الاستراتيجيات الجديدة على أفكار الإجهاض المبكر، والعمل خارج حدود الدولة لمسافات بعيدة، بالتحالف مع السلطات المحلية وفى بعض الأحوال بتجاهلها تماما والتدخل بدون إذن منها. أما النظرية الثانية فى تفسير ظاهرة الإرهاب العالمى وكيفية التعامل معه، فهى لا تتجاهل تماما النظرية الأولى، لكن لا تعتبرها كافية لتفسير ما يحدث على مستوى العالم. فهناك مظاهر عنف واحتجاج يعج بها العالم المتقدم الديموقراطى الحر لا يمكن تفسيرها بمنطق النظرية الأولى، كما أن العالم المتقدم أيضا ربما يكون مسئولا عن إنتاج هذه الظاهرة بسبب قراراته الاقتصادية واستراتيجياته السياسية، وتداخل كل هذا مع التفاعلات العالمية الناتجة عن ثورة الاتصالات والاختراق والاعتماد المتبادل. وطبقا للنظرية الثانية، فهناك جزء ما من المسئولية يقع على عاتق الدولة، ولكن الجزء الأكبر ناتج عن وجود نظام عالمى جديد قائم على التداخل والتفاعل اللحظى الكثيف بدون وجود آلية للتحكم فى هذا الحجم الهائل من التفاعلات. وقد شبه الدكتور عبد المنعم سعيد فى مقالة له نشرت فى الأهرام بعد عملية 11 سبتمبر مباشرة، ما يحدث فى العالم من تفاعلات بما يحدث داخل قلب المفاعل النووى من بلايين البلايين من التفاعلات اللحظية المتسلسلة، والتى لو تركت بدون نظام للتحكم لانفجر المفاعل وانتشرت إشعاعاته الضارة فى كل مكان. إذن نحن أمام نظرية أمن غير تقليدية، قد لا يكون كافيا معها مجرد تحويل الدول من دول استبدادية إلى دول ديموقراطية، بل ربما قد يكون ذلك صعبا بسبب قصور فهمنا لديناميكيات عالمنا المتداخل، وبسبب تهويننا من حجم التفاعلات الجارية داخله. والنظرية الثانية - بعكس النظرية الأولى - ترى أن الدولة قد أصبحت أضعف كثيرا مما كانت عليه من قبل، وأن قوتها العسكرية التى كانت وسيلتها الرئيسية فى تحقيق الأمن لم تعد مؤثرة فى مواجهة المخاطر الجديدة. ويحتضن هذه النظرية مدرسة واسعة من التفكير الاستراتيجى ترى أن حالة عدم الأمن الذى يستشعرها المجتمع العالمى الآن، تعود إلى حالة نقص فى الأمن كسلعة عامة، وأن نظام الدولة بوضعه الحالى قد لا يكون كافيا لتعويض هذا النقص، وأن ما نحتاجه فى الحقيقة، ليس الحرب على الإرهاب بمعناها العسكرى والسياسى التقليدى فى صورة تغيير الأنظمة أو القضاء على الخلايا الإرهابية والقبض على زعمائها، بل السير فى طريق جديد لفهم المجتمع العالمى وتلبية متطلباته الجديدة. وتشير هذه المدرسة إلى أن إرهاصات ضعف الدولة قد بدأت منذ عقود قليلة، فى صورة قصور قدراتها العسكرية على حسم المعركة ضد قوى غير تقليدية عابرة للحدود مثلما حدث فى فيتنام بالنسبة للولايات المتحدة، وكما حدث فى أفغانستان بالنسبة للاتحاد السوفييتى. وكان الظن أن الثورة فى الشئون العسكرية التى بدأت فى الثمانينيات، وقامت على حزمة من التكنولوجيات الجديدة للارتفاع بدقة الذخيرة وسرعتها والاستخدام الكثيف لنظم المعلومات فى منظومة القيادة، سوف تعوض هذا النقص، إلا أن ذلك لم يتحقق. وقد ظهر ذلك من محاولة كلينتون - التى تبدو ساذجة الآن - ضرب معسكرات تدريب الإرهابيين فى أفغانستان ومصنع أدوية فى السودان فى 20 أغسطس 1998 بصواريخ كروز بعيدة المدى عالية الدقة. والنظرية التى تتبناها هذه المدرسة ترى أن العالم الآن أكثر قربا من حقبة العصور الوسطى قبل قيام نظام الدولة القومية The Neomedieval Scenario . وفى الحقيقة أن صورة بن لادن والظواهرى الشهيرة متنقلين بين فيافى أفغانستان وباكستان، وحركة عناصر الإرهاب من جنسيات مختلفة بين حواضر أوروبا فى ألمانيا وأسبانيا وسويسرا وانجلترا قد وفرت لنا، دعما رمزيا لهذا التصور. إنه عالم يبدو بلا حدود، عالم تزيد فيه حجم تفاعلاته واتفاقاته فى الفضاء السيبيرى أكثر منه فى العالم المرئى، عالم يتحكم فيه مجموعات هائلة من القبائل العولمية الجديدة التى تعلو فى نفوذها على نفوذ الدول، عالم بولاءات مختلفة ومؤسسات عبر-قومية عملاقة. باختصار وطبقا للنظرية الثانية لا تبحث عن الدولة لتحملها وحدها وزر الإرهاب العالمى، فلم تعد الدولة فى عالم اليوم تمثل إلا مستوى واحدا من مستويات القوة وسط هيكل معقد من شبكات القوة الأخرى العنكبوتية المتداخلة.
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|
|