تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
تقرير القاهرة
جديد
تقارير سنوية
التقرير الإستراتيجي العربي
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دليل الحركات الإسلامية
تقرير الحالة الدينية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
تحليلات عربية و دولية
برامج بحثية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
سلسلة الأحزاب المصرية
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
الندوات والمؤتمرات

الاسلام والغرب والحداثة

اعداد : عادل عبد الصادق



أدت الضغوط الدولية والداخلية التي يتعرض لها العالم الإسلامي سواء أكانت عسكرية مادية أو فكرية دينية ثقافية تتعلق ببعده الحضاري والديني، إلى إثارة العديد من التساؤلات حول إمكانية التعامل مع تلك الضغوط والتي تراوحت ما بين قدرة الاسلام أن يستوعب مفردات الحداثة بداخله وإنتاج نموذج خاص به، أو إندماج العالم الإسلامي في إطار النموذج الغربي بما لذلك من تأثير على الهوية الإسلامية، أو أن يظل العالم الإسلامي يخوض في مشاكله الداخلية والخارجية وأن يبقى خارج السياق العالمي.
وفي محاولة لسبر أغوار هذه النماذج الثلاثة من تفاعل العالم الإسلامي مع التطورات الدولية المختلفة فكريا وسياسيا، نظم مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام بالتعاون مع منتدى أبانت التركى بالقاهرة مؤتمرا حول الاسلام والغرب والحداثة يومي 25-26 فبراير 2007 ، ودارت أعمال الندوة حول عده محاور شملت تجارب الحداثة في كل من تركيا ومصر، والإشكاليات التي تفرضها الحداثة ومسيرة عضوية تركيا للاتحاد الأوروبي، والعلاقة بين الاسلام والغرب.
وفي كلمته الافتتاحية أكد د. عبد المنعم سعيد مدير مركز الدراسات السياسية بالأهرام أن العلاقة بين الاسلام والغرب تعبر عن نوعين من التحدي، كلاهما نشأ من أحداث 11 سبتمبر والتي مثلت نقطة فارقة في علاقة الغرب بالإسلام، حيث تم النظر إلى العالم الإسلامي كمنتج للإرهاب، وقد تعلق التحدي الأول باتجاه لاستبعاد أنفسنا من السياق العالمي، أما التحدي الآخر فتعلق بالعلاقة بين الدين والدولة حيث هناك خلط بين الدين والدولة في السياق الإسلامي، فى حين أن المنهج الغربي يقوم على فكرة الدولة الوطنية الحديثة. وأشار د. عبد المنعم إلى أن العالم الإسلامي أمامه نموذجان، الأول حالة أفغانستان فى ظل طالبان وما بعدها، والثانى النموذج التركي وهي القائدة في العالم الإسلامي. وهو ما يطرح عده خيارات للاستفادة منها فى ظل التركيز على موضوع الخبرة والتجربة التاريخية والمعاصرة. فتركيا تدير علاقاتها كجزء من الاتحاد الأوربي وهناك مشروع الشراكة المصرية مع أوربا، وكلا البلدين لديهما علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والغرب وفي الوقت نفسه لديهما مخاوف وهواجس عديدة ومشروعة.
ومن جانبه افتتح السيد مته تونجاي رئيس الدورة الحالية لمنتدى أبانت حديثة بأن هدف ذلك اللقاء يجب أن يتركز على محاولة البعد عن الأحكام المسبقة، وأنه يدخل ضمن جهود مؤسسته التي تضمنت عقد عدة ندوات في بلدان أوروبا تم فيها مناقشة الاسلام والغرب والعلمانية والدولة الديموقراطية ومسيرة عضوية تركيا إلى الاتحاد الأوربي، وكذلك القضايا الداخلية في تركيا، وأخيرا مناقشة قضايا الشرق الأوسط وما يجرى فى مصر والأردن وإسرائيل. وأشار السيد تونجاى إلى ان سعى المنتدى إلى مناقشة تلك القضايا بخارج تركيا كان بهدف تأكيد جدية التفاعل والحوار في ظل عدم وجود أحكام مسبقة، وأن على العالم الإسلامى أن يستفيد من تجاربه ويصحح أخطائه. ومن ثم فإن هذا المؤتمر هام وسيكون مقدمة لمزيد من التعاون بين مصر وتركيا، فهناك عدة أطر تربط بين البلدين تاريخية وثقافية عديدة تظهر في اهتمام عدد من الباحثين في شكل دراسات تعكس التأثير المتبادل بينهما، ونسعى إلى مزيد من الدراسات عن البلدين لتوفير رؤية مشتركة وفاعلة وقائمة على استيعاب الواقع وليس فقط مجرد دراسة كلا البلدين من خلال المراجع الأجنبية، بل يجب حدوث تفاعل مباشر من اجل الوصول إلى رؤية مشتركة وحقيقية عن البلدين بما ينعكس على استفادة كل طرف من تجربة الآخر.
تجربة الحداثة فى مصر
وفي الجلسة الاولى تم تناول تجارب الحداثة في تركيا ومصر، حيث تحدث د. وحيد عبد المجيد مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية عن خبرة الحداثة في مصر، وركز على ما يمكن اعتباره تسلسلا لتجربة الحداثة في مصر، فالمشهد العام للوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي يدل على أن هذه التجربة وصلت إلى مفترق طريق عبر تعثرها لمرحلة طويلة نسبيا، حيث تم تراكم مناطق الخلل مع تأسيس دولة محمد علي عام 1805، وحيث ظهر اتجاه يطعن في الأساس الذي قامت علية تجربة التحديث وأن من الخطأ أن نطلق على تجربة محمد على أنها بداية التحديث، حيث عادت مصر إلى الدولة المركزية ومنعت تطور الرأسمالية وقوضت مرحلة التطور الطبيعي للمجتمع وفرضت نموذجا من أعلى. وهكذا أقامت دولة حديثة في مجتمع غير حديث.
أما الاتجاه الثاني، فيقرر بأن هذه التجربة ربما لم تفشل، وإنما الفشل يعود إلى الاقتداء بالنموذج الغربي والقياس عليه بالنجاح من عدمه، وهذا النموذج كان يمكن أن ينجح إذا ما أمكن تطوير نموذجا خاصا، وهو ما لم تنجح فيه تجربة محمد على، وترتب عليه القول بأن ما جرى فى مصر كان محاولة تحديث مؤقتة دون تحديث الثقافة وعقليه المجتمع، حيث كان هناك سعى لبناء هياكل حديثة دون الاهتمام بالبشر، وهو امتداد للولع المصري لبناء الأشياء اكثر من بناء البشر.
وقد أشار د. عبد المجيد إلى النقد الذى قال به المؤرخ المصرى عبد الرحمن الجبرتى لتجربة محمد على، والذى ركز على التفرقة بين تحديث البيئة دون تحديث العقل وافتقاده إلى المقومات الضرورية لكي يكون مساندا لتحديث البيئة المادية. وقد بدت هذه الازدواجية فى مظاهر المقاومة المجتمعية لحركة التحديث عبر دعم الانتماء إلى الولاءات التقليدية وليس الولاءات الحديثة، ذلك أن التحديث الحقيقي هو الذي يعمل التوازن بين الانتماءات التقليدية والحديثة فى الآن نفسه.
وقد ظهر فى مسار التجربة المصرية نوعا من الازدواجية، ونوعا من افتقاد العقل النقدى التحليلى الذى يعمل على إعادة قراءة تاريخ الأمة ومراجعة دروس هذا التاريخ، ومن ثم تطوير مناهج جديدة لتطوير الأمة، وهو الافتقاد الذى أدى إلى الجمود، وجعل التحديث قاصرا على النخبة او اتخاذ مواقف متطرفة. وأكد د. عبد المجيد أن عملية التحديث فى مصر الآن تتطلب مراجعة قضايا أساسية كمبدأ المواطنة ومناهج تحديث ثقافة الأمه جنبا إلى جنب تحديث المؤسسات.
خبرة الحداثة فى تركيا
أما عن خبرة التحديث في تركيا فقد تناولها د. ياسين اقطاي من جامعة سلجوق فقد أكد على أن لا توجد تجربة حداثة واحدة فى تطوراتها وتفاصيلها يمكن أن تنطبق على كل دول العالم، لأنه لا توجد تجربة شاملة يتم تطبيقها حرفيا في كل المناطق والبلدان، فهناك فوارق مختلفة بين الشعوب المختلفة. وكما أن المقصود بالحداثة ليس واحدا بين مجتمع وأخر، ومن ثم علينا أن نحدد المعاني والمفاهيم حتى نستطيع أن نتبنى مبادئها، وأنه من الخطأ أن نتصور أن الغرب له تجربة خاصة وواحدة للحداثة، ولو عدنا للتاريخ فسوف نجد أن الدول الأوربية مرت بتجارب عديدة ومتنوعة ولديها خبرات مختلفة. وانه كما كان للحداثة مؤيدون كان هناك أيضا ناقدون وحملات رد فعل مضاد.
وأكد د. أقطاى أن التجربة الأوربية التي قد يتخذها الناس كأساس لتجربة الحداثة لا يوجد بينها تشابه 100%، فهناك فوارق باختلاف الدول والعادات والتقاليد، فدول البلقان لها تجربتها وكذلك دول كالنمسا وغيرها. وهذا التنوع فى الخبرات يظهر أن الحداثة يمكن أن تفهم على أنها تعني وجود صراع بين تيار يقبلها وأخر يرفضها، مما يؤدي إلى حدوث صعوبات أمام الجهود الآتيه، وهذا الصراع يرتبط أحيانا بالعادات والتقاليد المتأصلة والتي قد تمتد إلى العقيدة.
ومن مظاهر الحداثة أو العوامل التى ارتبطت بالتجربة الأوربية تجربه الاستعمار والاحتلال الغربى لبلدان أخرى، حيث تؤدي الظروف الاستعمارية التقليدية لنماذج تحديث قريبة من النماذج الغربية، مثل تلك التي تمت لدى الشعوب التي بقيت تحت السيطرة والاستعمار الأجنبي كبعض الدول الإفريقية مما أثر على منظومات القيم وعلاقات الصداقة مع الآخرين لهذه الدول.
وأشار د. أقطاى إلى أن الحداثة يمكن أن تتم ضد التهديدات الخارجية وبقرار شعبي وإرادة الشعب الخاصة وبناء على الاحتياجات التي تطرأ على الدولة، وأن هذه الخاصية تمثل عنصر تشابه بين تركيا ومصر، فالدولة العثمانية كانت منذ عصور طويلة قوية ومنافسة للقوى الأوربية ولكنها عندما فقدت بعض خصائص قوتها استفادت الدول الأوربية من ذلك، وبدأت الإدارة العثمانية فى نسخ بعض آليات النظام والإدارة وحتى المظاهر الثقافية من أوربا، ومن ثم فان الحداثة لا يجب أن تكون إجبارية، فالحاجة للتحديث هي حاجة داخلية وليست مستوردة وينبغي أن تكون نقطة انطلاق التجربة بان يكون المواطنون مقتنعين بان كل تحديث ناتج من الإرادة الذاتية، فقد تحتاج الدول إلى استيراد بعض الآليات العسكرية والتعليمية والاقتصادية طالما يضيف ذلك راحة إلى المجتمع ويلبي احتياجاته وليس مجرد بدعة، ففى عهد الرسول عليه الصلاة و السلام تم إدخال بعض التطويرات الحرفية من البيزنطيين طالما كان المجتمع محتاجا إليها ولم تعتبر الأمة الإسلامية أن ذلك علامة ضعف، وهناك أمثلة كثيرة في هذا المجال، فميزة الأمه الإسلامية كما اقر بذلك بعض المؤرخين أنها تقبل التطويرات ولكن بناء على قيمها الدينية.
وكذلك طبقت الجيوش الإسلامية هذا الامر، وكذلك فعل سليم الثالث وحرك النظام الجديد وأعاد البناء مع متابعة التهديدات الخارجية في هذه الفترة، ونتيجة لذلك ظهر تياران، الأول ينادى بالالتزام بالعادات والتقاليد القديمة حيث تم النظر إلى تطويرات سليم الثالث على أنها بدعة، ومن ثم كان هناك رد فعل للتحديث. وحتى الانكشاريون عارضوا التحديث. والثانى رأى أن تستمر الدولة فى مثل هذه النظم الجديدة حتى تستعيد قوتها. وفي النصف الثاني من 1890 كانت خبرة التحديث التركية تخلق وضعا جديدا يهدف إلى بقاء واستمرارية الدولة، ومن 1910 فصاعدا ظهرت موجات جديده للتحديث وكان هدفها التشبه بالغرب في كافة الوجوه، وظهرت آنذاك آراء تقول بعدم الموائمة مع المعايير الإسلامية، وفى الوقت نفسه ظهرت فئة ترى أن التحديث يمكن أن يتم بانسجام وتوافق كامل مع العقيدة الدينية، وهو ما ساعد على انتشار الصحوة الإسلامية خاصة وأن 99% من الأتراك مسلمون. وأنتهى د. اقطاى إلى القول بأن الحداثة ليست نموذجا خاصا بدول الغرب وليست تقليدا أعمى للنماذج الأخرى، بل هى النظر إلى احتياجات المجتمع ومقابلتها، وأنه بإمكاننا نحن المسلمون فى مصر وتركيا وغيرهما الحفاظ على هويتنا الإسلامية فى الوقت الذى يجرى فيه التحديث.
الحداثة والهوية الذاتية للمجتمع
وفي خضم الحديث عن مدى إمكانية أن تصبح مشاريع التحديث في كل من مصر وتركيا بديلا آخر للنموذج الغربي، طرح أ. على بولاج الكاتب الصحفى بجريدة زمان عدة تساؤلات تدور حول كيف يمكن أن نحقق الحداثة مع الحفاظ على الهوية الذاتية للمجتمعات الإسلامية؟، وكيف يمكن أن نحقق الحداثة دون الوقوع تحت السيطرة الغربية؟، وكيف يمكن أن نحقق الحداثة وفقا لنموذجنا الخاص ودون أن نضر بالبيئة أو نعيد تجربة الاستعمار الغربى ؟.
وأشار أ. بولاج إلى ما طرحه رئيس الوزراء البريطانى حول وجود مهمة تاريخية يضطلع بها الغرب حين قال أن العالم يعيش صراعا محتما فيما بين المؤمنين بالديموقراطية والراغبين فى مواكبة العصر وهؤلاء الرافضين لتلك الأفكار، وأن مهمة العالم الغربى هى التغيير الشامل للعالم الإسلامي حتى ولو استخدم القوة في ذلك. وعلق أ. بولاج قائلا انه فى ضوء هذه الرؤية ربما يأتى يوم يكشف عن كوابيس سوف يواجهها العالم الاسلام فى المستقبل، وربما أيضا على نمط دخول نابليون إلى ارض مصر 1798، وأن يصبح رمز الحداثة هو اللحاق بالحياة الحديثة أو اعتبارها مجرد إيديولوجية سياسية تعنى بالانسجام مع المعاصرة ، واعتبار المعارضة لها في رفض الاندفاع والنفوذ الخارجى بمثابة مبرر لاستخدام القوة. فى الوقت نفسه الذى نعرف فيه أن التغيير ظاهره كونية عالمية واجتماعية، وان هذا التغيير يمتد إلى الجوهر أيضا، بمعنى انه يتضمن ظواهر حركية واتجاهات أخلاقية تهدف إلى اتباع النظام والقواعد والأسس، الأمر الذى يساعد على فهم اتجاه التغيير وأهدافنا منه.
وأشار أ. على بولاج إلى انه خلال القرنين الماضيين سيطر على العالم الإسلامي مشروع التغير ذى التقاليد الأوروبية، ثم وجاءت الولايات المتحدة لتعيد له الاعتبار تحت مسمى التحديث العالمي والعولمة ولتصبح رائدة فى هذا المجال وتختلق لسياستها العسكرية المبررات والأعذار للتدخل فى شئون الآخرين لاسيما فى المنطقة الإسلامية. ومن ثم فإننا أمام مشروع تغيير وافد من الغرب لا علاقة له بالديناميكية الداخلية، كما أن سياسات الإصلاح فوقية ونخبوية لا تمت إلى حاجة الناس بصلة كما حدث في الدولة العثمانية.
أما عن بعض ملامح الحالة التركية ، فقال أ. بولاج أن التيار الثاني للمعاصرة التركية قام على أساس على انه لا ديني علماني مع ادعاءات بأن الدين يمثل عوائق للتقدم تحت خطأ التشابه بين التاريخ الأوربي والإسلامي في القرن 19، وعلى الرغم من أن الحداثة تلك هدفت إلى الخروج عن نطاق الدين إلا أنها لم تجعل ذلك أمرا ممكنا، بالإضافة إلى أن تقليد الشكل جاء بعيدا عن المضمون، وكانت محاور الحداثة التركية متمثلة في تفضيل الدولة اللا دين والتغريب والتي اتخذت كبرامج مهمة للتقدم، وكانت الحداثة التي أنتجها المثقفون تتعلق بافتراضات ثلاثة وهى ؛ الفردية والعلمنة والدولة الوطنية التى ترفض دخول الدين في الحياة وفى الرموز ة والنظر إلى الدنيا من خلال مركزية الإنسان بدلا من مركزيه الله، وهو ما لم ينجح قط في عالمنا.
المعوقات السياسية للحداثة
أما عن المعوقات السياسية للحداثة فى مصر ، فقد تحدث د. حسن أبوطالب نائب رئيس تحرير الأهرام وخبير الشئون الدولية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية مشيرا إلى أن التجربة المصرية فى التحديث أو اختصارا بناء الدولة المدنية منذ عهد محمد على، الذى يؤرخ به فى هذا السياق، وحتى اللحظة الجارية قد مرت بمراحل عدة، كان لكل منها روحه الخاصة ونجاحاته واخفاقاته المرتبطة بها وحدها. وقال د. أبوطالب انه فى كثير من الدراسات التاريخية تبدأ نقطة البداية لإشكالية الحداثة فى مصر مع الحملة الفرنسية التى قادها نابليون بونابرت 1798، والتى حملت معها قيما ثقافية وحياتية مختلفة تتعلق بالإدارة والحكم والتعليم لم تكن معروفة من قبل فى مصر. وهو الأمر الذى يعتبره كثير من المفكرين بداية صدمة الحداثة بمعناها العام المتعلق بوجود القانون وقيم الحرية والمساواة وتقييد دور التفسيرات الدينية فى ممارسة السلطة والسياسة.
وأشار د. أبوطالب إلى انه الرغم من مرور قرنين على بدء تجربة الحداثة فى الدولة المدنية المصرية، فهناك الكثير من المعوقات البارزة سياسيا. وأنه لتوضيح ذلك علينا أولا أن نرصد تيارين أساسيين فى تصوير طبيعة الأزمة فى الدولة الحداثية فى مصر، وأيضا فى عدد من البلدان العربية، الأول منهما يرى أن هناك معارضة كامنة فى بنية المجتمع المصرى تقاوم فكرة الدولة الحديثة ذاتها. وهو تصوير يعنى أن متغير الثقافة، أو البنى والمنظومات الثقافية التقليدي من القوة والتأثير ما يحول دون استكمال الدولة فى مصر مشروعا حداثيا متكاملا، يستند إلى منظومات قيم المنطق العقلانى الحديث والعلمى، وبناء نظام مجتمعى تمارس فيه السلطة وفق مبادئ الحرية والمشاركة والمساواة والمواطنة. أما التصور الثانى فيحصر طبيعة الأزمة فى تحلل النخب الحاكمة وتخليها عن هويتها الوطنية، وخضوعها إلى مراكز القوة الخارجية المسيطرة، ومن ثم تأخذ بمنطق التقليد الأعمى للغرب ، ولا تطرح آليات الابتكار الاجتماعى والسياسى الذاتى كوسائل لبناء مجتمع حديث.
ووفقا لما ظهر من عقبات سياسية فى المراحل التاريخية المختلفة تحول دون استكمال مشروع حداثة متكامل فى مصر أشار د. أبوطالب إلى عدة عقبات منها، تراث الدولة المركزية القوي ، والعلاقة الملتبسة مع المجتمع المدنى، وسطوة الثقافة التقليدية شعبيا، وعدم حسم الفئات الاجتماعية الحديثة، ورغم ارتباطها مصلحيا مع القوى الإنتاجية العولمية السائدة، خياراتها بعد تجاه حجم الاندماج مع المجتمع العولمى، وما زالت مترددة فى الدخول بقوة فى حلبة المنافسة العالمية الرحبة، وأنه نتيجة تخبط سياسات الدولة الحديثة فى المجال الاقتصادى، ونتيجة تداخل الدولة مع الحزب الحاكم مع الفئات الاقتصادية المسيطرة، فقد سيطرت على المؤسسات وظيفة تمكين أصحاب المصالح والجماعات المسيطرة من احتكار الثروة والسلطة التى تسمح لهم وحدهم الاندماج فى الدورة الرأسمالية العالمية، وهو ما يقود إلى إنتاج قيم تمييزية وعصبية عكس ما تفترضه الدولة الحديثة من المساواة وتكافؤ الفرص. إضافة إلى الدور المعاكس والسلبى الذى يلعبه الخارج فى لجم تطور الدولة الحديثة، عدم استكمال دورتها التنموية بصورة طبيعية، والتدخل فى لحظات مصيرية لتغيير الاتجاه السائد. وغموض العلاقة بين الدولة والدين، وسيادة سياسات الفساد الاجتماعى والسياسى.
المعوقات الثقافية للحداثة فى مصر
أما المعوقات الثقافية للحداثة فى مصر فقد أجملها أ. نبيل عبد الفتاح مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية فى ارتباط تجربة الحداثة بالظاهرة الاستعمارية من حيث المنشأ، وحصر الاختيار الحداثى لقطاعات من النخبة دون ان يكون اختيارا مجتمعيا عاما، وارتباط الثقافة السياسية الحديثة بالمدينة بل وانحصارها فى بعض مراكزها وفئاتها الاجتماعية العليا والوسطى، واستمرارية أدوار المثقف التقليدى ورجل الدين فى لعب أدوار هامة فى قيعان المدن وهوامشها والذى يواجه الحداثة والتحديث فى المجالات الفكرية والقيم العلمانية ودور المرأة بوصفها قيم غربية مرتبطة بالاستعمار، وشيوع نمط التهجين الثقافى الاجتماعى فى مجال القانون المدنى وقوانين أخرى كالقانون الإدارى والقانون الجنائى والقانون التجارى, واستمرار تشكيك منتجى خطاب الشريعة والأصالة والهوية فى شرعية الحداثة والتحديث القانونى على النمط الغربى، واستمرار التوظيف السياسى للدين فى الصراع حول السلطة، واستمرار أزمة دولة القانون، وازدواجية النظم التعليمية وما نتج عنه من ازدواجية فى تكوين وإدراك ووعى الصفوة المصرية.
وأشار أ. عبد الفتاح إلى أن تقنيات الثورة الاتصالية والمعلوماتية الحديثة أدت إلى دعم وترويج وبث الخطابات الإسلامية و الأصولية المضادة للحداثة فى منظوماتها الفلسفية والسياسية والثقافية بل والتشكيك فيها، كما أدت الموجات التحديثية التقنية والدولة الحديثة إلى تمزق فى الولاءات الاولية لصالح ولاءات متعدية لها وفوق مناطقية ودينية ومذهبية وعرقية.، وانه لم يعد هناك خط دفاع أول ضد توحش أجهزة الدولة المركزية. فضلا عن انه ترتب على السلطوية السياسية ضعف النزعة التقليدية فى العمل السياسى الذى تقلص إلى حدود التنظيم الواحد، وإلى أشكال حزبية هامشية لا ترتكز على تقليد ديموقراطى قومى ولا فى أطرها التنظيمية.
تركيا والاتحاد الأوروبي
وفى الجلسة الثالثة حول مسيرة تركيا نحو الاتحاد الأوروبي تحدث د. أسر قارقاش نائب رئيس جامعة باهجة شهير عن العلاقات التركية بالاتحاد الأوروبي من الناحية العملية والإجرائية مشيرا إلى ضرورة معرفة آليات عمل الاتحاد الأوربي لاسيما نظم والرفاهية والحرية والأمن، وانه إذا تعثر عنصر من هذه العناصر الثلاثة فسوف يؤدي ذلك للشعور بعدم الاستقرار، وهذه هى أهم ميزه تتعلق بالعلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. ومن هنا تناضل تركيا من اجل استيفاء الشروط القانونية والاقتصادية، خاصة أن تركيا وفقا لبرنامج الأمم المتحدة للاستثمار والتنمية تضع تركيا في المرتبة 92 من بين 172 دولة في هذه القائمة، والتى حقق فيها الأردن المرتبة 86 وتونس 88 وتركيا 92 وإيران 96 وفلسطين 100 والجزائر 102 ومصر 111 والمغرب 123. وبهذا الترتيب ، وحسب د. أسر فإن تركيا حققت نجاحا في مجالات الصحة والتعليم، ومن ثم فإن مسالة الانضمام إلى الاتحاد ستمثل مزيدا من النمو للاقتصاد التركي.
أما د. شاهين الباي من قسم العلاقات الدولية فى جامعة باهجة شهير فقد تحدث عن العقبات والمصالح فى مسيرة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، مؤكدا على أن التطلع للتحديث يعتمد على القضاء على الفقر ورفع مستوى الرفاهية وزيادة مستوى التعليم والحفاظ على البيئة، وان هذه الأمور جميعها تعد من بين عناصر التحديث والتجديد، غير أن الهدف الأصلي يعتمد على المعيشة والكرامة والحريات الشخصية وان كل شخص يستطيع ويملك أن يدلي براية الشخصي في إطار عقيدته، وأنه فى ظل هذا المفهوم يكون من الواضح عدم التفرقة بين المواطنين وهناك سيادة لدولة القانون والحريات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وأشار د. شاهين إلى أن هناك ثلاثة أمور ومبادئ أساسية وهي تطوير الديموقراطية وامتلاك حرية العقيدة وان تكون الإراده نابعة من تطلعات المواطنين، وهى كلها مبادئ ضرورية لاستمرار المعيشة وتطبيق السوق اللبرالي للتنمية الاقتصادية ومسايرة الاقتصاد العالمي والتنمية الاجتماعية، وهى نفسها متطلبات الحداثة.
وعن المتطلبات والجهود المبذولة لانضمام تركيا للاتحاد الأووربي أوضح د. شاهين أن هذه الجهود تعتبر ضمن مسيرة الحداثة في تركيا وهي بمثابة خارطة طريق لتحقيق التقدم والتحديث وان معظم المواطنين يؤيدون هذه الجهود لانضمام تركيا غير أن هذا النسبة قلت لتصل إلى 70 % من المواطنين، فانضمام تركيا سيساعد على الوحدة الوطنية ويوفر مصادر جديدة للدخل القومي وتوفير استثمارات لأصحاب المشروعات الضخمة، وقد تم ادخل الكثير من الإصلاحات السياسية والقانونية والتشريعية في تركيا كالسماح بتوسيع نطاق الحريات واستخدام اللغة الكردية وزيادة حجم الصادرات والدخل السياحي وخفض العجز في ميزان المدفوعات، وأن هناك حوالي مليون فرصة عمل في الجهات الحكومية وسوف يؤدي ذلك إلى الحد من الفقر والتطلع لانخفاض نسبته.
وأرجع د. شاهين أسباب انخفاض التأييد للانضمام للاتحاد الأوربي في العامين الماضيين إلى عدة أسباب أهمها؛ عدم إعطاء الضمانة للانضمام والقبول بعد إجراء المفاوضات مع الاتحاد الأوربي ،ووجود أصوات تنادي بإعطاء تركيا بعض ميزات العضوية وليست العضوية الكاملة كموقف فرنسا، وإثارة المشكلة القبرصية والمشاكل التى أثارتها المحاكم في أوربا ضد الحجاب والتي مثلت اعتداء على العقيدة الإسلامية، وأخيرا القضية الأمنية واستغلالها لمزيد من الضغط على تركيا .
ماذا تضيف تركيا أوروبا والعالم الاسلامى؟
وعن أهمية انضمام تركيا للاتحاد الأوربي بالنسبة إلى العالم الإسلامي تحدث د. إبراهيم البيومي غانم من المركز القومى للبحوث عن أن السياسة الكمالية في حينها قائمت على نفي الأخر الإسلامي إلى جانب محاربة الهوية الإسلامية لتركيا في الداخل والخارج وفرض العلمانية وفصل الدين عن الدولة، إلا أنه ظهرت إرهاصات اتجاه تركى للخروج عن هذه السياسة الكمالية. ولاحظ د. غانم أن الاتجاه التركي نحو اللحاق بالاتحاد الأوربي صاحبه تقاربا آخر بالعالم الإسلامي، وهو ما ظهر في التحولات التي شهدتها السياسة التركية تجاه العالم الاسلامي على يد الأحزاب ذات الجذور الإسلامية، مضيفا أن هناك مجالات للتأثير التركي على العالم الإسلامى في حال انضمامها للاتحاد الأوروبي، ومن تلك القضايا الصراع العربي الاسرائيلي بما قد يكون لها فى حال العضوية الكاملة من رمزية تمثيل أوربا فى العالم الإسلامي، والعكس أيضا، وكذلك التأثير على عملية الإصلاح السياسي والتحول الديموقراطي، وعلى إشكالية العلاقة بين الدين والدولة والتي مازلت ملتبسة في العالم الاسلامي كلل، وكذلك ما يمكن أن تشهده العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الاسلامي من تطور ونمو متصل وأيضا الدفع في قيام حوار اسلامي مع الغرب .
أما عن النظرة الى المستقبل فقد تحدث د. ابراهيم كالين من جامعة هولى كروس عن أهمية العقلانية والحرية كأساس للحداثة، حيث التحرر من التقاليد واتخاذ قرارات عقلانية وتعاظم الحريات الفردية، وبحيث يصبح معنى الحداثة هو المهم وان يتجسد فى الواقع التفاعل الصحى بين الحرية والعقلانية، وان نترك للفرد مساحة حرية متنامية ، مشيرا إلى أن العقلانية تعني الانصياع إلى بعض القواعد من اجل الوصول إلى الهدف ومراعاة العدل والإنصاف.
الإسلام والعالم الحديث
أما عن ماذا يقدم الاسلام للعالم الحديث فقد تحدثت د. نادية مصطفي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة ومدير برنامج حوار الحضارات و الثقافات، مشيرة إلى أنه منذ أواخر السبعينات أدت الصحوة الإسلامية إلى تطور العلاقة التاريخية بين الاسلام والغرب، وكذلك إلى تطور العلاقة بين الشعوب الإسلامية وبعضها، وفى داخل المجتمعات الإسلامية ذاتها، وانه كانت لتلك الصحوة الإسلامية أسبابها السياسية والاقتصادية والمعرفية باعتبارها استجابة لرد فعل للحداثة التي فرضها الاستعمار. وخلصت د. نادية مصطفى إلى أن خريطة الصحوة الإسلامية متشعبة في الغرب ودفعت الدوائر الاستشراقية الغربية إلى إظهار العداء للإسلام من جديد، وظهر هذا جليا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واعتبار الاسلام كعدو جديد للغرب. وقالت د. نادية انه حتى النموذج الغربي للحداثة يعاني من خلل وهناك مراجعة فى الغرب ذاته لبعض جوانب هذا النموذج، وهى استجابة لأوضاع داخلية وأخرى متعلقة بالتحدى الذى فرضه وجود الجاليات الإسلامية في الغرب وما ارتبط بذلك بصحوة إسلامية ذات طابع خاص. ولذلك ظهر فى الغرب من يحذر من خطورة الثقافات ذات الجذور الإسلامية ويرى ضرورة مواجهتها. ويقابل ذلك تيار آخر دعا إلى قبول التعدد الثقافي وإلى الحوار، وهناك زخم اكبر للاتجاه الثاني.
وحول طبيعة التهديدات التي تنبع من الاسلام للغرب وما الذي يقدمه الاسلام للغرب، وبالمقابل ما هى التهديدات الغربية للإسلام وما الذي يجب أن يأخذه الاسلام وما الذى يجب أن يأخذه من الآخر الغربى، استخلصت د. نادية حاجة الإسلام إلى بيئة مواتية تؤمن على الصُعد الوطنية والاقليمية والدولية فرصا متكافئة للمرجعيات المتنافسة بما يضمن تعددا حضاريا وثقافية فعليا، وبذلك يمكن للإسلام أن يقدم الكثير للغرب وللعالم الإسلامي معا.
وفي الجلسة الختامية دعا منسقا المؤتمر أ. هاني رسلان من مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ود. وظفر توبراق من جامعة بوغازيجى إلى أهمية مواصلة الحوار المصري التركي على كل المستويات، وإلى مزيد من التعاون الفكرى بين منتدى أبانت ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لتحقيق المزيد من النفع لكلا الطرفين وللعالم الإسلامي، خاصة وأن البيئة الدولية والإقليمية مضطربة وتدفع دول المنطقة إلى محاولة البحث عن الاستقرار والتنمية وفق تقاليدها وقيمها الأصيلة دون الإنعتاق بالضرورة عن كليات النموذج الغربي، فى الوقت نفسه الاقتناع الكامل بأن الإسلام يستطيع أن يقدم المزيد إلى المسلمين والعالم كله، إذا ما تم ذلك في بيئة مواتية وطبيعية وغير عدائية ومستندة إلى الحوار وقبول الآخر.
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://acpss.ahram.org.eg/

http://www.ahram.org.eg/