44416 السنة 132-العدد 2008 يوليو 15 12 من رجب 1429 هـ الثلاثاء
المتطرفون والمرأة: ظاهرة حريم القاعدة! بقلم : د وحيد عبدالمجيد
ينطوي التطرف, بطابعه, علي تناقض مستمر مع الواقع. ويتسم هذا التناقض, بطابعه أيضا, بأنه لا نهائي. فلم ينسجم التطرف مع الواقع في أي وقت مضي. ولا يمكن أن يتناغم معه في أي زمن قادم. والتطرف الديني ليس استثناء. ولذلك, فما أكثر مفارقاته التي قد لا تحدها حدود.
ومن أبرز هذه المفارقات, في اللحظة الراهنة, تنامي دور المرأة في الحركات الدينية الأكثر تطرفا. فالحركات ذات المرجعية الدينية عموما تضع المرأة في منزلة أدني من الرجل بدرجات تتفاوت حسب مدي اعتدال هذه الحركات أو تطرفها.
فكلما اشتد تطرف هذه الحركات, أمعنت في إحكام القيود علي المرأة شكلا ومضمونا.
ولذلك فالمفارقات التي تسترعي الاهتمام اليوم هي الدور المتزايد الذي تلعبه المرأة في تنظيم' القاعدة' والتنظيمات المرتبطة به, والتي تعد هي الأكثر تطرفا بين الحركات الدينية.
وقبل أيام تمكنت السلطات الأمنية في السعودية من اعتقال عدد من كوادر تنظيم' القاعدة' بينهم' أم أسامة' المسئولة عن تحرير مجلة' الخنساء' الالكترونية, وهي الذراع الإعلامي النسائي الرئيسي لهذا التنظيم علي' الانترنت'.
وكشفت هذه السيدة بعضا من إسهاماتها في تجنيد' نساء متحمسات' قام بعضهن بأدوار مهمة في نشاط' القاعدة' في مواقع مختلفة.
ويعني ذلك أن ظاهرة' حريم القاعدة' لا تقتصر علي من يطلق عليهن الاستشهاديات أو الانتحاريات, حيث تختلف التسمية باختلاف الاتجاهات والمواقف.
لكن إذا كان ثمة مبرر حقيقي لاعتبار نساء فجرن أنفسهن في إطار النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي بدءا بفلسطين( دلال المغربي1978) ثم لبنان( سناء المحيدلي1985) ثم فلسطين مجددا منذ1987( عطاف عليان) شهيدات, فالأمر يختلف بالنسبة إلي' حريم القاعدة' اللواتي برز دورهن المسلح في العراق بعد الغزو الأمريكي, إلي حد أنهن نفذن نصف عمليات التفجير في العراق خلال الشهور الستة الأخيرة.
فمعظم ضحاياهن عراقيون وعراقيات. وقد فجرت آخرهن, حتي الآن, نفسها قبل ثلاثة أسابيع(22 يونيو الماضي) في دورية للشرطة في بعقوبة قرب باب مبني محافظة ديالي, فقتلت16 وآصابت عددا أكبر.
وقبلها بنحو ثلاثة شهور, قتلت امرأة أخري36 شخصا عندما فجرت نفسها بحزام ناسف أيضا في كربلاء يوم17 مارس. وعلي مدي عام, أي منذ يوليو2007, وقعت12 عملية تفجير في مناطق عراقية مختلفة قامت بها نساء ارتدي معظمهن أحزمة ناسفة وفجرن أنفسهن في مواقع كان أغلبها مكتظا بمدنيين ومدنيات.
ويعني ذلك أنهن نفذن هذه العمليات بإرادة كاملة, علي نحو يؤكد أنهن كن علي اقتناع تام بما فعلن. وفي إحدي هذه العمليات التي وقعت في17 فبراير الماضي بحي الكرادة وسط بغداد, أظهرت المنفذة قدرة عالية علي ا لمناورة عندما فرت من جنود اشتبهوا بها عند نقطة تفتيش,
وفجرت نفسها علي الفور في متجر صغير مما أدي إلي' تواضع' الحصيلة حيث اقتصرت علي ثلاثة قتلي وأربعة جرحي. وهذا يكفي لإسقاط' نظرية' استخدام النساء في عمليات تفجير دون وعي منهن, أو من خلال التغرير بهن. فقليلة للغاية هي العمليات التي يمكن أن تدعم هذه النظرية, من زاوية أن التفجير يحدث فيها بنظام التحكم عن بعد.
فالطابع الغالب علي عمليات التفجير النسائية في العراق يؤكد أننا إزاء ظاهرة تستحق الاهتمام, وخصوصا عندما يتبين وجود نساء مخططات لهذه العمليات, وليست فقط منفذات.
وفضلا عن أن الأدلة الواقعية تدحض' نظرية' التغرير بنساء مضطربات عقليا أو نفسيا, فهناك التباس شديد أصلا في موضوع الاضطراب هذا وفي تسييسه أو استخدامه سياسيا وخصوصا حين يستخدمه من تصعب الثقة في تكييفه أو من يوجد لديه ميل إلي أن يري المختلف معه إنسانا غير سوي.
وقد تلجأ' إمرأة القاعدة' إلي هذا الاستخدام بطريقة معكوسة فتحاول إدعاء الاضطراب النفسي إذا قبض عليها قبل تنفيذ عملية التفجير, مثلما فعلت العراقية ساجدة الريشاوي التي رافقت زوجها في عملية تفجير فندق' راديسون ساس' في العاصمة الأردنية يوم9 نوفمبر2005, ولكنها فشلت في سحب صاعق حزامها الناسف فهربت إلي الخارج مع جموع المذعورين.
فقد زعمت أنها لا تعرف شيئا عن هذه العملية, ولا تدرك مغزي الحزام الناسف الذي قالت أن زوجها ألبسها إياه, وأن كل ما تعرفه هو أنها جاءت معه إلي عمان للعلاج.
ولكن ساجدة هذه هي شقيقة تامر الريشاوي الذي قتل في الهجوم علي الفلوجة عام2004, وكان أحد أبرز معاوني الزرقاوي القائد السابق لتنظيم' القاعدة' في العراق. والثابت أن الانتقام لزوج أو شقيق أو عزيز ما كان, ومازال, من أهم دوافع بروز ظاهرة' حريم القاعدة'.
غير أن هذه الظاهرة تبدو اليوم أوسع نطاقا من المشاركة النسائية الفاعلة في عمليات التفجير. فدور أم أسامة المصرية الأصل في قيادة العمل الإعلامي لتجنيد نساء يضفن جديدا إلي' حريم القاعدة' قد يكون أكثر أهمية. وليست هذه المرأة, إلا واحدة ضمن' كتيبة' من الإعلاميات الالكترونيات البارعات في عملهن.
ولا يقل أهمية عن دورهن, ما تقوم به نساء معتقلات في سجون العراق وبلاد أخري من أفغانستان إلي الجزائر والمغرب في تجنيد نساء مسجونات يصبحن بمثابة رصيد لظاهرة' حريم القاعدة'.
وقد نسب إلي محافظ ديالي( العراقية) رعد التميمي قوله إن( بعض الانتحاريات تم تجنيدهن من جانب حريم' القاعدة' في السجن, ونفذن عمليات عقب التحاقهن بالتنظيم فور إطلاق سراحهن).
وهكذا, يبدو أننا إزاء ظاهرة تنامي علي نحو يمكن أن يمثل نقلة في أداء الحركات الدينية في قادم الأيام.
|