تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
تقرير القاهرة
جديد
تقارير سنوية
التقرير الإستراتيجي العربي
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دليل الحركات الإسلامية
تقرير الحالة الدينية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
تحليلات عربية و دولية
برامج بحثية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
سلسلة الأحزاب المصرية
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
تحليلات عربية و دولية
44417 ‏السنة 132-العدد 2008 يوليو 16 ‏13 من رجب 1429 هـ الأربعاء





أجيالنا الجديدة وأزمة القدوة
بقلم : د‏.‏ حسن أبوطالب

قبل عامين‏,‏ وفي أحد البرامج الحوارية‏,‏ طلب مني في ختام حلقة عن شباب مصر‏,‏ أن أقول كلمة ختامية‏,‏ فقلت إن شباب مصر بخير‏,‏ ومليء بالمواهب ويريد القدوة التي تقوده في الاتجاه الصحيح‏.‏ وفي كل يوم‏,‏ ومن خلال احتكاك مباشر مع طلاب من جامعات مختلفة‏,‏ أو شباب تخرجوا حديثا ويبحثون عن عمل‏,‏ أزداد يقينا أن هذه الأجيال يمكنها‏,‏ إن وجدت الفرصة المناسبة‏,‏ أن تقدم كل ما لديها من طاقة ورغبة في الابتكار والتجديد لمصلحة مجتمعها ولمصلحة نفسها أيضا‏.‏

غير أن هذا اليقين بدأ يهتز قليلا ليس لأن هؤلاء الشباب محرومون من الإمكانات الذاتية والطموح الفطري‏,‏ أو لأنهم أقل قدرة علي التكيف مع مقتضيات العصر‏,‏ أو لأنهم عاجزون‏,‏ كما يتصور البعض‏,‏ ولكن بسبب ما يرونه من ممارسات من قبل عناصر يقدمها الإعلام والواقع باعتبارهم نماذج وقدوة وصاحبة تأثير علي الرأي العام‏,‏ وللأسف الشديد كلها نماذج تشد إلي الوراء وتقدم أسوأ العناصر‏,‏ وتصور الفهلوة والخروج عن القانون باعتباره ذكاء ووسيلة للحصول علي مكاسب لا حدود لها‏.‏

هذا اليقين بدأ يهتز لأن الأمثلة التي تتجمع أخيرا تثبت أن هناك أزمة كبري في نظام القيم في المجتمع المصري‏,‏ وتنذر بما لا يحمد عقباه‏,‏ وبالتأكيد لها تأثيرها السلبي علي الأجيال الجديدة‏,‏ وبالتالي علي مستقبل مصر كلها‏.‏ وأحد جوانب هذه الأزمة أنها لم تعد مرتبطة بممارسات فردية معزولة أو تعبر عن حالة فهلوة أو تذاكي عابرة‏,‏ بل أصبحت نتيجة ممارسات مؤسسية‏.‏ والمؤسسات كما هو معروف لا تعمل في فراغ‏,‏ أو تتخذ قرارا دون وضع العناصر المختلفة في الاعتبار‏,‏ ففي كل مؤسسة توجد قيادة تفكر في الأمور من جميع جوانبها‏,‏ وحين تنتهي إلي قرار‏,‏ فهذا يعني أن المسئولية باتت جماعية‏.‏ وبالتالي فإذا جاءت الممارسة خاطئة وبعيدة عن القيم ومتعارضة مع القانون‏,‏ فهذا يعني أن هذه المؤسسة أخذت القرار الخاطئ عن سابق إصرار وتعمد‏,‏ وأنها بذلك تشارك في هدم نظام القيم الشرعي‏,‏ وتقدم نموذجا لا يليق بها‏.‏

والأمر يزداد سوءا وسلبية إذا جاءت هذه الممارسات من قبل مؤسسات لها تأثير شعبي عريض كالأندية الرياضية‏,‏ أو المؤسسات الدينية التي تتعامل مع مفردات الإيمان والعقيدة والحق والباطل‏,‏ وتدخل في صميم تشكيل وجدان وضمير الناس‏,‏ أو كانت مؤسسات إعلامية تخاطب الجمهور بلا حسيب أو رقيب‏,‏ ولا يهمها سوي إثارة المشاعر وتعطيل العقل والفكر الرصين‏,‏ وتحفيز الناس علي الكسل والتراخي‏,‏ أو افتعال بطولات زائفة تهدر الوقت وتبدد الموارد فيما لا طائل منه‏.‏ كل هؤلاء مسئولون مسئولية مباشرة عن أزمة القيم وأزمة غياب القدوة الصالحة التي يمكن أن تحث الأجيال الجديدة علي الانتماء للوطن واحترام القانون والبعد عن الفهلوة والتفكير القاصر‏.‏ وكل هؤلاء مسئولون عن أزمة إرباك الأولويات لدي العامة‏,‏ وعن تقديم صورة متواضعة لمستقبل مصر‏,‏ رغم ما لديها من إمكانات بشرية رائعة‏.‏

لقد هالني وهزني بشدة‏,‏ كما أساء كثيرين غيري‏,‏ عدد من المشاهد والقصص التي تنغمس فيها الآن الأوساط الدينية والرياضية والإعلامية‏,‏ وكل منها يقدم دليلا علي أن بعض المؤسسات فقدت بالفعل دورها الأصلي‏,‏ والبعض الآخر بات بحاجة ملحة إلي مراجعة أولوياته وطرق عمله‏.‏

لقد تابعت ـ كما تابع كثيرون غيري ـ تلك المظاهرات التي شهدتها بعض العواصم والمدن الأوروبية وفي استراليا‏,‏ والتي نظمها ما يعرف بأقباط المهجر ضد ما يعتبرونه ـ كذبا وزورا ـ اضطهاد الأقباط في الداخل‏,‏ رافعين شعارات تدعو لتدخل أجنبي في شئون مصر التي لم تعد بلدهم بأي حال‏,‏ ولكنهم يريدون أن يمارسوا وصاية عليها خدمة لأغراض جهات خارجية وربما داخلية‏.‏ وإذا كان هؤلاء قد تمادوا في طلب العقوبات الدولية لمصر أو الإساءة لها‏,‏ فهذا مفهوم لأنهم لم يعودوا أبناءها الأصلاء‏.‏ لكن غير المفهوم أن يقود هذه المظاهرات رجال دين أقباط يتم ترسيمهم في مصر لكي يعتنوا بشئون المصريين في الخارج‏,‏ فإذا بهم يقودون المظاهرات ويكونون في مقدمتها كما حدث في اليونان واستراليا وفرنسا‏,‏ بحيث بدا المنظر العام وكأن هؤلاء قادة في معارضة وليسوا رجال دين مهمتهم هي تنمية الروح والحفاظ علي العقيدة بكل ما تعنيه من صدق مع الله ومع النفس‏.‏

ما أربكني هنا‏,‏ ويربك كثيرين غيري‏,‏ أن الكنيسة الأرثوذكسية في مصر تعلن رفضها التدخلات الخارجية‏,‏ وهو رفض عبر عنه الأنبا موسي‏,‏ أسقف الشباب بالكنيسة‏,‏ مؤكدا أن البابا شنودة لا يرضيه هذا الكلام‏,‏ غير أن المجمع المقدس لم يصدر عنه بيان واضح وصريح يؤكد هذا الموقف باعتباره نهائيا‏,‏ أو باعتباره توجيها لنواب البابا في الخارج‏,‏ ويطلب منهم ألا يقوموا بدور المعارضة في الخارج‏.‏

ما أربكني أيضا‏,‏ أن هناك محاولة معروفة ومعلنة من سيناتور أمريكي وهو فرانك وولف المعروف بتوجهاته العدائية ضد مصر والمجتمعات المسلمة لإصدار قانون في الكونجرس الأمريكي يدين مصر لما يعتبره انتهاكات دينية تمس الأقباط وغيرهم‏,‏ وبالتالي فما يفعله الأقباط في المهجر‏,‏ والذي يشارك فيه رجال دين رسميون‏,‏ يصب في تعزيز هذه المحاولات المشينة للأسف الشديد‏.‏

إن مثل هذه التحركات والمواقف المتضاربة من شأنها أن تقدم رسائل خاطئة للداخل‏,‏ خاصة للأجيال الجديدة التي سوف يلتبس عليها الحق من الباطل‏,‏ الصح من الخطأ‏.‏ إذ كيف نقول لشبابنا إن القادة الدينيين في الداخل هم ضد التدخل الخارجي في الشأن المصري وضد الاستقواء بالخارج علي وطنهم‏,‏ وفي الوقت نفسه‏,‏ يقودون مظاهرات تسيء إلي بلدهم وأهلهم‏..‏ إننا بحاجة إلي نوع من الوضوح والانسجام الذاتي‏,‏ وإلا ضاع معني القدوة والمثل‏.‏

المشهد الآخر الذي لا يقل التباسا‏,‏ يتعلق بالرياضة وكرة القدم‏,‏ الأكثر جاذبية للناس جميعا‏,‏ ولننظر معا إلي واقع الرياضة في بلادنا‏,‏ نجد عمليات خطف للاعبين بين النوادي الكبري‏,‏ وعمليات ابتزاز يقوم بها هذا اللاعب لناديه وبتحريض من ناد آخر‏,‏ وبدا شائعا تحرير محاضر في أقسام البوليس‏,‏ بعضها يتعلق باتهامات بالقتل أو التحريض عليه‏,‏ أو خطف محررات وعقود وشيكات بنكية‏..‏ المفارقة المفجعة هنا أن يخرج البعض متحدثين عن علاقة الرياضة بالقيم والأخلاق والمبادئ‏!‏ كنا دائما نقول إن الرياضة هي مجال التنافس الشريف‏,‏ ومجال لتنشئة الأجيال علي الروح الرياضية والتسامح عند الهزيمة والفرح المناسب عند الانتصار‏,‏ كنا نعرف سابقا أن الرياضة وعلاقات الأندية والقائمين عليها هي علاقات الود والاحترام المتبادل والتباري المشروع في إيجاد المواهب واكتشافها وتنشئتها وتقديمها بعد ذلك كهدية للمنتخب القومي الذي يلعب باسم البلد كله‏..‏

كنا نتصور أن الرياضة هي التدريب العملي علي العطاء وعلي الإجادة وعلي ذوبان الفرد من أجل المجموع‏,‏ وكنا نتوهم أن المؤسسات الرياضية تحكمها قواعد قانونية واضحة سواء في إدارتها الذاتية لشئونها الخاصة‏,‏ أو في علاقتها مع الدولة الأم ممثلة في الاتحادات التي تشرف علي وتنظم اللعبة‏.‏

الأمر الآن اختلف جذريا‏,‏ فاختلطت الأمور‏,‏ وباتت هناك أندية وأعضاء في مجالس إداراتها أقوي من أي شيء‏,‏ وأعلي من أي قانون‏,‏ وأكبر من أي اتحاد‏..‏ والرياضة نفسها أصبحت سلعا تباع وتشتري‏,‏ وكثير من الرياضيين أنفسهم باتوا يجرون وراء النقود قبل أن يجروا وراء الإجادة والعطاء‏,‏ أو حتي وراء مزيج مناسب من النقود والعطاء معا‏,‏ ولم يعد يهمهم النادي الذي يلعبون له أو الجماهير التي تهتف وتتحمس من أجلهم وتنتظر انتصارهم الواحد تلو الآخر‏,‏ ولم يعد لديهم سوي الجري وراء الظهور الإعلامي والتباري في إثارة المشكلات لنواديهم والنوادي الأخري معا‏,‏ وللأسف الشديد يحدث هذا بتحفيز من قيادات بعض النوادي الكبيرة التي تفرغت من أجل إثارة المشكلات للنوادي والفرق الأخري‏,‏ وبتحفيز من بعض وسائل الإعلام التي باتت مشوشة وفاقدة لمنظومة قيم وأخلاق وضمير‏,‏ ولا يهمها سوي زرع الفتن بين الأندية وبين اللاعبين وبين الجماهير هنا وهناك؟‏!‏

لقد تكالبت عناصر عدة علي تحول نموذج الرياضي المعطاء دمث الخلق ورمز الجدية والانتماء‏,‏ إلي أن يصبح نموذجا مشوشا وقدوة لا نريد لشبابنا أن تحذو حذوه‏..‏ هذا التغير في طبيعة النموذج يضع الأجيال الجديدة أمام مأزق كبير‏,‏ فكيف ننتظر من الشباب العطاء أو التفاني أو الانتماء وهم يرون القدوات السيئة والمظاهر المنفلتة يدللها الإعلام ويتعامل معها كنجوم زاهرة‏.‏




الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://acpss.ahram.org.eg/

http://www.ahram.org.eg/