44372 السنة 132-العدد 2008 يونيو 1 27 من جمادى الأولى 1429 هـ الأحد
كفاءة النظام الاقتصادي.. أساس شرعيته بقلم: د. طه عبد العليم
تبين المؤشرات الإيجابية لأداء الاقتصاد المصري قدراته الواعدة بالنمو, لكن المؤشرات السلبية لتخصيص الموارد تنذر بقيود تكبح فرص تقدمه. وإذا كان صحيحا أن نري في الحاضر صورة المستقبل, فإن كفاءة النظام الاقتصادي في تخصيص الموارد وإدارة الأصول ينبغي أن تحظي بأسبقية في أي حوار وطني يستشرف ما تستحقه مصر وتستطيعه من تقدم. ورغم أن التوجهات الاقتصادية للتعديلات الدستورية في مصر لم تحظ بحوار مجتمعي, فقد أطلقت أزمة الخبز وفوضي السوق نقاشا مهما حول عدالة النظام الاقتصادي. لكن كفاءة النظام الاقتصادي لم تنل الاهتمام إلا عرضا وفي دائرة ضيقة من الاقتصاديين; رغم أن العدالة بغير كفاءة لن تثمر سوي مساواة في الفقر, كما برهنت الخبرة العالمية!
وبينما يركز الخطاب الحكومي علي عبء الدعم ويتغني بالإنجاز, يحرض الخطاب المعارض ضد خفض الدعم ويتصيد الإخفاق! فتضيع مصداقية الطرفين ويغيب دورهما في إدارة حوار جاد حول الخيارات البديلة لنظام اقتصادي يستند الي وفاق جميع شركاء التنمية, ويستهدف المصلحة الوطنية. وفي تقديري, أن مسألة شرعية النظام الاقتصادي, المرتكزة قبل أي شيء علي كفاءته في تخصيص الموارد المتاحة والكامنة للتنمية والتقدم, ينبغي أن تكون في مركز الحوار المنشود. ببساطة, لأنه بغير كفاءة تخصيص الموارد بين قطاعات الانتاج والخدمات والأقاليم والأجيال يستحيل تحقيق أي من الأهداف الأساسية للنظام الاقتصادي: تعزيز الأمن الاقتصادي والقومي والإنساني, والارتقاء بتصنيع مصر وتحديث اقتصادها, وخلق فرص عمل عالية الإنتاجية ومرتفعة الأجر, وحماية المنافسة ومكافحة الإحتكار, وتأمين عدالة توزيع الدخل والثروة, وضبط الأسعار ومساندة الضعفاء, ومجابهة مخاطر الصدمات والتهديدات الاقتصادية الخارجية.. إلخ.
والواقع, أن اخفاقات الرأسمالية تفسر التحول للاشتراكية, من قبل, بينما فرضت إخفاقات اقتصاد الأوامر الانتقال مجددا الي اقتصاد السوق, من بعد! ووفرت مسألة كفاءة النظام الاقتصادي قوة الدفع للإنقلابين! بيد أنه سواء قبل صعود الاشتراكية أو في وجودها وبعد سقوطها, تأكدت نظريا وتاريخيا ضرورة تدخل الدولة لضبط إخفاق السوق, ليس فقط لتحقيق العدالة الاجتماعية, بل الأهم لضمان الكفاءة الاقتصادية. وإذا استثنينا المبشرين بالاقتصاد الحر مهما تكن وحشيته! وبالعولمة الاقتصادية رغم إدارتها الظالمة! أزعم أن أساس شرعية النظام الاقتصادي هو كفاءته; باعتبارها شرط تحقيق ما ذكرت من أهدافه.
وأوضح, فأقول أولا: أن الكفاءة الاقتصادية أهم محددات اختيار النظام الاقتصادي, لأنها شرط تحقيق تكافؤ الفرص في الحراك الاجتماعي, وتأمين التطور الديموقراطي السلمي, وتفعيل حقوق المواطنة والمشاركة, وتعميق الولاء والانتماء للوطن. وقد يجدر التنويه بأن الزعم بعجز الرأسمالية عن مواصلة دورها التاريخي المشهود في تطوير قوي الانتاج كان المبرر النظري الأهم لقيام النظم الاشتراكية, بينما مثل تدني قصور الكفاءة الاقتصادية للإشتراكية العامل الحاسم في سقوطها. بيد أنه يتوجب إدراك أن الرأسمالية قد حققت انتصارها علي الشيوعية بتجاوز أيديولوجية السوق الحرة, قبل أي شيء آخر! وإذا سلمنا إنطلاقا من هذا أنه لم تعد ثمة وصفة جاهزة لنظام اقتصادي تصلح لكل زمان ومكان, فإن الكفاءة الاقتصادية تتطلب توازنا متغيرا بين تدخل الدولة وقوي السوق, وبين الإنفتاح الخارجي والسيادة الوطنية, وبين زيادة الاستثمار ورفع الانتاجية.
وثانيا: أن الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية كانت أهم أسباب تداعي أيديولوجية السوق الحرة, التي روج أنصارها لوهم أن يدها الخفية تحقق مصلحة المجتمع بفضل تغليب مصلحة الفرد, فلم تثمر سوي تبديد واسع للموارد ومعاناة هائلة للفقراء! ولهذا, قبل الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي, وبالأخص بعده, أصبح الجمع بين آليات السوق ودور الدولة رافعة التحول لاقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا ودولة الرفاهية في أمريكا, وخاصة عبر تدخل الدولة والاستثمار العام ومكافحة الاحتكار وحماية الضعفاء. وكما كان الأمر لدي انتصار كلينتون علي بوش الأب, نري مجددا في برامج' الليبرالية الاجتماعية' للمرشحين الديموقراطيين في انتخابات الرئاسة الأمريكية المرتقبة تداعي نبوءة نهاية التاريخ علي مثال الليبرالية الإقتصادية التي تبناها بوش الإبن!
وثالثا: أن استمرار ما تحقق من رفع لمعدل النمو الاقتصادي, والأهم تحول مصر الي بلد صناعي, يقتضي إطلاق حوار مجتمعي لبناء وفاق وطني بشأن مستقبل النظام الاقتصادي. وقد بادر الرئيس مبارك بمضاعفة العلاوة الاجتماعية, وسلمت الحكومة بعدم وصول ثمار النمو الاقتصادي للغالبية, وهو ما جسد إدراكا مهما بأن استقرار النظام الاقتصادي يتوقف علي عدالة التوزيع. بيد أن شرعية النظام الاقتصادي, وقدرته علي توفير موارد حقيقية ومتزايدة تضمن الاستقرار الاقتصادي وتحسين مستوي المعيشة, تتوقف أساسا علي كفاءة تخصيص الموارد المتاحة والممكنة. والأمر أن انجازات الإصلاح الاقتصادي في مصر لم يتم البناء عليها لمضاعفة الانتاجية. وللأسف, وبدلا من التسليم بحقيقة أن النمو المستدام والمتسارع لم يتحقق في أي مكان بغير تعميق التصنيع وتطوير التعليم, فإن الساعين' للريع' بدلا من' الربح' والمروجين لوصفة السوق' الحرة' بدلا من السوق' الاجتماعية' يستدعون أشباح الستينيات' المؤرقة لهم' ضد تدخل الدولة وتصنيع مصر ومجانية التعليم!
ورابعا: أن نقص كفاءة تخصيص الموارد يتفاقم بنزعة استهلاكية غير رشيدة تسود المجتمع, يقودها إنفاق استهلاكي سفيه للأكثر ثراء; فتضعف معدلات الإدخار والاستثمار الي ما يقل عن ثلث نظيرها في الصين وربع مثيلها في كوريا, وغيرهما من النماذج, التي تستدعي في سياق مصري لا يماثلها في سياسات الاصلاح وانجازات التصنيع. وقد نحيل هنا الي ما أوردته دراسة رصينة في النشرة الاقتصادية للبنك الأهلي المصري عن ارتباط انجازات الإصلاح في الصين بارتقاء التصنيع. وينعكس نقص الكفاءة الاقتصادية في مرتبة متأخرة للاقتصاد المصري وفق أحدث تقرير للتنافسية العالمية! وارتفاع نصيب الاستثمار العقاري من اجمالي استثمارات الخطط الخمسية علي حساب الصناعة والزراعة كما تسجل سلسلة البيانات الأساسية لوزارة التنمية الاقتصادية! ومن المؤسف أن يدفع الي تكريس هذا النمط من النمو والاستثمار آخر تقرير مصري للتنافسية باعلانه السياحة ومضاعفة الإستثمار العقاري فيها القطاع القائد لتنافسية مصر!
وخامسا: أن مؤشرات تراجع التصنيع, كما عرضها آخر التقارير ربع السنوية التي كانت تصدرها وزارة الصناعة والتجارة, وسجلها آخر تقرير للبنك الدولي عن التنمية في العالم, تجسد حصاد نقص كفاءة تخصيص الموارد الاقتصادية. ونسجل أيضا تراجع نصيب الزراعة من اجمالي الاستثمار المحلي في الخطة الخمسية الأخيرة, وهو ما يبدو مؤشرا علي تقاعس الاستثمار الخاص عن استكمال ما حققته الدولة من توفير للبنية الأساسية الزراعية في توشكي وسيناء! ورغم تزايد تهديد الأمن الغذائي, واستحالة الاعتماد علي دعم الموازنة والاحتياطي النقدي في مواجهة توقعات تفاقم أزمة الغذاء; في ظل عولمة غير إنسانية تحول موارد انتاج الغذاء لإنتاج وقود حيوي! نرصد تجاهل تعميق ما تحقق من انجاز في مجال زيادة الاكتفاء الذاتي من القمح ورفع انتاجية أهم المحاصيل الغذائية تقديسا' لحرية السوق'!
وسادسا: أن تحقيق أهداف السياسة الاجتماعية, باعتبارها مكونا للسياسة الاقتصادية, يقتضي اعادة الاعتبار للتصنيع بتأمين أسبقية نمو وتحديث هيكل الصناعة التحويلية. وأستدرك هنا لأقول إن التصنيع, وما يرتبط به من تقدم تقني, كان ولازال الانجاز التاريخي الأعظم للرأسمالية الصناعية, وكان مشروعا للرأسمالية الوطنية المصرية وفرت له ثورة1919 قوة الدفع السياسية, قبل أن يكون مشروع' القطاع العام' و'اشتراكية الستينيات'! وعود علي بدء, أؤكد أن تحقيق الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية لا يزالان في ظل العولمة الاقتصادية واقتصاد المعرفة- كما كان الأمر قبلهما- مرتبطا بتعظيم المنتجات والصادرات ذات المحتوي المعرفي الأرقي والقيمة المضافة الأعلي, وهي بالمناسبة منتجات وصادرات الصناعات التحويلية في الأغلب الأعم, دون إنكار ضرورة تعظيم عائد المزايا النسبية للسياحة وصادرات الخدمات والانتفاع من تنوع الاقتصاد المصري!
وأخيرا, تقتضي الكفاءة الاقتصادية تعظيم انتاجية الأرض وعائد استخدام المياه لتعزيز الأمن الغذائي, وتطوير قاعدة الطاقة وخاصة الجديدة, المتجددة والنووية, وتعظيم عائد وترشيد استهلاك البترول والغاز, ومواصلة تحسين مؤشرات التنمية البشرية, خاصة تطوير التعليم واتاحته وفق معياري الكفاءة والعدالة, والارتقاء بالبحث العلمي والتكنولوجي لاستيعاب وابتكار المعرفة والتقنية.
وللحديث بقية.
|