|
|
| تحليلات عربية و دولية |
44374 السنة 132-العدد 2008 يونيو 3 29 من جمادى الأولى 1429 هـ الثلاثاء
أزمة العقلانية في لبنان بقلم د. وحيد عبدالمجيد
ماذا يستطيع الرئيس ميشال سليمان أن يفعل لإنقاذ لبنان إذا كان العداء المتبادل بين الفريقين المتصارعين( الموالاة أو14 آذار) و(المعارضة أو8 آذار) يمنع استثمار الهدنة السياسية التي وفرها اتفاق الدوحة وتحويلها إلي تسوية تاريخية؟.. وهل تكفي حكمة سليمان التي أسهمت في عبور الأزمة حين تجاوزت حافة الهاوية وارتفع فيها صوت السلاح في غياب العقل لدي طرفي هذه الأزمة؟
هذان السؤالان, وغيرهما, يثيرهما استمرار الاحتقان السياسي والتصعيد الإعلامي بالرغم من توافق الفريقين المتصارعين علي اتفاق الدوحة.
غير أنه إذا كان السؤال عن غياب العقل مثارا بالنسبة إلي الفريقين علي حد سواء فهو مطروح بشأن فريق14 آذار بصفة خاصة, فلهذا الفريق مصلحة أكيدة في إدارة الأزمة بطريقة عقلانية, ولذلك لم يكن هذا الفريق موفقا في تسمية الرئيس فؤاد السنيورة رئيسا للحكومة الجديدة التي يفترض أنها حكومة وحدة, فمن سمات هذا النوع من الحكومات أن يكون رئيسها مقبولا من أعضائها جميعهم. وبالرغم من كفاءة السنيورة وإخلاصه لوطنه, فقد خلقت الظروف في النصف الثاني من فترة رئاسته الحكومة السابقة فجوة واسعة بينه وبين قوي المعارضة, فلا ثقة متبادلة ولا تواصل عند الحد الأدني, وهذا كاف لإعاقة عمله, فضلا عن التوتر والاحتقان اللذين يمكن أن يخربا أي عمل وزاري يهيمنان علي أجوائه. وليس هذا الموقف هو الأول الذي يبدو فيه الفريق اللبناني المعتدل بعيدا عن أهم ما يفترض أن يميزه علي الفريق الآخر, وهو الإدارة العقلانية للأزمة سعيا إلي منع تصاعدها, فهذا الفريق هو الأكثر إيمانا بضرورة الحفاظ علي الدولة اللبنانية وبالتالي صاحب المصلحة الأكبر في إحياء مؤسساتها وتفعيل دور هذه المؤسسات. وهذا هو أحد أهم ما يختلف فيه مع الفريق الآخر الذي يفضل أن يكون لبنان في الوقت الراهن علي الأقل ساحة لصراعات إقليمية ودولية يخوض عليها معاركه الداخلية وحروب حلفائه الإقليمية عند الضرورة علي حد سواء. ولكن هذا الفرق الأساسي بين ما يسعي إليه الفريقان المتصارعان في لبنان لم يظهر بوضوح كاف في إدارة فريق الموالاة للأزمة حتي قبل تسمية السنيورة رئيسا للحكومة. فقد أدار هذا الفريق الأزمة بطريقة أسهمت في دفعها إلي حافة الهاوية التي سعي الفريق الآخر إلي بلوغها, فكان ضعف وعي قادته بما ينبغي أن يفصلهم من خصومهم معينا لهؤلاء علي التصعيد. وكان خطؤهم السابق علي تسمية السنيورة هو إصدار قراري تفكيك شبكة حزب الله الاتصالية وإعفاء مدير أمن مطار بيروت المرتبط به, وهما القراران اللذان ردت عليهما المعارضة باستخدام السلاح.
كان ممكنا معالجة المشكلتين اللتين صدر القراران بشأنهما بطريقة أخري, وخصوصا عندما أبدي قائد الجيش قبل انتخابه رئيسا تحفظه عليهما لعدم إمكان تنفيذهما, وقد أعطت طريقة فريق الموالاة في إدارة الأزمة انطباعا بأن الصراع ليس بين معتدلين ومتشددين وإنما بين وجهين للعملة المتشددة نفسها. وقد ظهر مثل ذلك قبله منذ أن تصاعد الخلاف علي الانتخابات الرئاسية, وأصبح إصرار المعارضة علي الثلث المعطل في الحكومة عقدة أدت إلي شغور قصر بعبدا لنحو ستة أشهر, فلم يكن إصرار الموالاة علي رفض هذا الشرط عقلانيا لا لشيء إلا لأنه ليس هناك فرق من الناحية العملية بين حكومة تحصل فيها المعارضة علي الثلث المعطل وأخري لا يتسني لها ذلك فيها. فليس في إمكان الموالاة تنفيذ أي قرار تريده في القضايا المفصلية دون توافق مع المعارضة الأمر الذي يفرض التوصل إلي حل وسط في هذه القضايا.
وقد رأينا ذلك جليا في قراري شبكة الاتصالات وأمن المطار عندما اضطرت الحكومة السابقة إلي التراجع عنهما بعد أن رفضتهما المعارضة ورفعت السلاح ضدهما. وكان حديث الموالاة المتكرر عن أن الثلث المعطل يتعارض مع حق الأغلبية في أن تحكم دليلا علي فقر في التخطيط الاستراتيجي, وليس فقط علي نقص في الوعي بأن لبنان بني في الأساس علي صيغة توافقية تشتد حاجته إليها الآن, وبأن إعادة تأكيدها ستكون في مصلحة المعتدلين الراغبين في إنقاذ الدولة اللبنانية وإحياء مؤسساتها الدستورية في المقام الأول. ولذلك لم يكن إصرار المعتدلين علي رفض الثلث المعطل إلا خدمة مجانية قدموها إلي فريق المعارضة لكي يطيل أمد الأزمة ويزيد من حدة ضغوطه لكي يتضح للقاصي قبل الداني أي نوع من ميزان القوي علي الأرض في لبنان.
كما لم يكن قبول المعتدلين شرط الثلث المعطل في النهاية إلا دليلا علي خطأ موقفهم السابق. ولم يكن تبريرهم هذا القبول مقنعا بأي حال وهو أن الظروف اختلفت لأن موعد الانتخابات البرلمانية يقترب الأمر الذي يجعل الحكومة الجديدة انتقالية من الناحية الفعلية. وهذه حجة تنطبق علي الوضع قبل أشهر قليلة عندما رفض أصحابها سحب أهم ذرائع خصومهم لانتخاب الرئيس وبالتالي إنقاذ مؤسسة الرئاسة وفتح البرلمان الذي ظل مغلقا لفترة طويلة.
وفي هذا السياق ارتكب المعتدلون في فريق الموالاة خطأ كبيرا آخر عندما أضاعوا الفرصة التي وفرتها المبادرة العربية الأولي في يناير الماضي. فقد رفض قادتهم أيضا صيغة المثالثة, عندما أصرت المعارضة علي تفسير البند المتعلق بتشكيل الحكومة في هذه المبادرة علي أساس أنه يؤدي إلي تساوي عدد وزراء كل من الفريقين علي أن يكون للرئيس المنتخب حصة قد تكون مساوية لهما بما يعطيه وحده القدرة علي ترجيح القرار وليس فقط علي إسقاطه. وقد اعتمدت الموالاة علي هذا النحو منهجا لا يستقيم مع كونها هي صاحبة المصلحة الأولي في إنهاء الفراغ الرئاسي وإنقاذ الدولة اللبنانية. ولذلك لم تستوعب أن عليها تقديم تنازلات إجرائية من أجل أهداف جوهرية, ولم تدرك أن التنازل الذي كان مطلوبا منها حينئذ قد يكون أقل مما يتعين عليها أن تقدمه في لحظة تالية علي نحو ما حدث بالفعل في اتفاق الدوحة. إن أهم ما يميز الاعتدال هو عقلانية الانطلاق من الواقع وليس القفز عليه, ثم السعي إلي تغيير هذا الواقع وفق معطياته الحقيقية وليست الوهمية.
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|
|