44381 السنة 132-العدد 2008 يونيو 10 6 من جمادى الآخر 1429 هـ الثلاثاء
اغتيال عماد مغنية.. حدود الاجتهاد! بقلم : د. وحيد عبدالمجيد
قليلة هي الاغتيالات السياسية التي لا تثير خلافات بشأن المسئولية عنها. فما أن يقع حادث الاغتيال, في الأغلب الأعم, حتي تتوالي الاتهامات في أكثر من اتجاه, بل في اتجاهات متعارضة في معظم الحالات.
والمعتاد, مع بعض الاستثناءات, هو أنه كلما كانت عملية الاغتيال أكبر وأكثر أهمية من حيث شخص المستهدف فيها أو الأثر المترتب عليها, ازداد الغموض المحيط بها, أو استعصي بلوغ اليقين فيها حتي إذا كانت الدوافع السياسية تشير إلي جهة أو طرف ما. فالتخطيط للتخلص من هدف كبير ينطوي, في العادة, علي جهد هائل ليس فقط للوصول إليه, ولكن أيضا من أجل عدم ترك أي خيط في مسرح الجريمة.
ولذلك تكون الأجواء مهيأة لاتهامات شتي قد لا يكون لها, أو لبعضها, علاقة بالسعي إلي إجلاء غموض الحادث, ومعرفة الحقيقة. ففي كثير من الأحيان تدخل الأهواء السياسية علي الخط, وتطغي نزعات تصفية الحسابات علي دوافع الوصول إلي الحقائق. ويحدث ذلك حتي في عمليات الاغتيال التي يكون لجهة ما مصلحة واضحة في التخلص من الشخص الذي تم استهدافه.
وهذه هي حالة اغتيال رئيس أركان قوات حزب الله عماد مغنية في دمشق في فبراير الماضي. ويعرف كل من لديه أدني إطلاع علي الدور الذي قام به مغنية في بناء قوة حزب الله, والتخطيط لمعركته الطويلة ضد إسرائيل, أن التخلص منه يحقق مصلحة كبري للدولة العبرية. كما يعرف كل من تابع دور رئيس أركان حزب الله الراحل في ضرب مصالح أمريكية في لبنان وخارجه أن اغتياله هدف كبير أيضا للولايات المتحدة. وهذا يكفي لتوجيه أصابع الاتهام ضد أمريكا وإسرائيل حتي إذا لم تكن كل منهما أعلنت مرات, وليست مرة واحدة, أنها تتعقبه. وقد بات معروفا للقاصي, كما للداني, أن المخابرات الأمريكية تعطي أولوية قصوي للتخلص منه منذ التفجير الذي استهدف برجا سكنيا يشغله جنود أمريكيون في مدينة' الخبر' بالسعودية في يونيو1996. وبالرغم من ازدياد أهمية أسامة بن لادن, بعد هجمات11 سبتمبر2001, إلي الحد الذي بدا أنه المطلوب' رقم1', فقد ظل مغنية هو المستهدف الأول من الناحية الفعلية لسببين: أولهما أن بن لادن تحول إلي رمز لا علاقة مباشرة له بعمليات' القاعدة', بخلاف مغنية ودوره الميداني. وثانيهما أن مغنية يتحرك طول الوقت بين عدة دول, الأ مر الذي يتيح فرصا لمحاولة تعقبه, بخلاف بن لادن.
ومع ذلك, وبالرغم من أن اغتيال مغنية لا يحتاج إلي جهد كبير لمعرفة من قد يكون الجاني في ظل هذه المعطيات, مازالت' الاجتهادات' تتوالي وفي اتجاهات مختلفة, بل متعارضة, كما لو أننا إزاء حادث يشوبه الغموض, أو كأنه لا خلفية له تعين في توجيه اتهامات منطقية حتي إذا لم تتوافر أدلة قانونية كافية.
ولم يكن حديث الأستاذ محمد حسنين هيكل عن اعتقاده في تورط ثلاثة أجهزة مخابرات عربية في اغتيال عماد مغنية هو الأول من نوعه في مجال توجيه اتهامات مرسلة لا تستند علي معلومات أو تحليل.
فقد سمعنا وقرأنا اتهامات من هذا النوع في اتجاهات أخري. وكان بعضها من النوع الذي لا يخلو من محاولة تصفية حسابات سياسية لا صلة لها بالموضوع.
وحتي سوريا التي حدث الاغتيال علي أرضها, وعلي نحو أساء إلي صورتها, لم تنج من اتهام بأنها, أو بعض أجهزتها, سهلت مهمة الجناة أو غضت البصر عنهم, وقدمت دم مغنية قربانا للتقرب إلي واشنطن.
ولا يقل إثارة للاستغراب اتهام طائش يسعي إلي إصابة زعيم حزب الله حسن نصر الله بدعوي أنه أراد التخلص من مغنية خوفا من أن يكون بديلا عنه في قيادة الحزب.
ولا يخرج الاتهام المتضمن في حديث الأستاذ هيكل عن احتمال تورط ثلاثة أجهزة مخابرات عربية في اغتيال مغنية عن هذا السياق, وإن اختلف في الاتجاه ونقل دائرة الاشتباه من الراديكاليين إلي المعتدلين في المنطقة.
وكانت إحدي الصحف الإيرانية قد ألمحت من قبل إلي ما اعتبرته دورا أردنيا مساعدا للولايات المتحدة في اغتيال مغنية. ولكن لم يلتفت أحد إلي هذه الإشارة التي وردت بشكل عابر ضمن مقالة تناولت عملية الاغتيال في إطار أوسع.
كما تحدث بعض المراقبين, الذين يبدون مطلعين عن قرب علي العلاقات السورية الإيرانية, عن خلاف حدث بين الطرفين بشأن التحقيق في عملية الاغتيال بسبب رغبة دمشق في توجيه الاتهام إلي مخابرات دولة عربية( بخلاف الأردن) بالتورط في العملية, ورفض طهران ومعها حزب الله ذلك.
وإذا كانت هناك خصومات سابقة بين بعض الدول العربية مثل السعودية والكويت مع مغنية, بسبب دوره في عملية تفجير' الخبر'1996, وخطف الطائرة الكويتية( الجابرية) في أبريل1988 فقد تم طي هذين الملفين وغيرهما, إما بمصالحة رسمية أو بشكل ضمني, علي نحو يجعل الانطلاق منهما, أو أحدهما, لاتهام دول عربية بالتورط في اغتيال مغنية مفارقا للواقع ومتجاوزا للعقل.
ومعروف علي نطاق واسع كيف أدي غلق مثل هذه الملفات إلي إغضاب واشنطن, وخصوصا ملف التفجير الذي استهدف جنودها في السعودية عام1996. والخلاف الذي حدث بين واشنطن والرياض بشأن توجيه الاتهام ضد إيران, وضد عماد مغنية شخصيا, معروف لكل من تابع هذه القضية. فقد أعلنت الرياض رفضها توجيه الاتهام ضد أي دولة أو جماعة أو شخص ما لم تتوافر أدلة قاطعة علي ذلك, في الوقت الذي كان لدي واشنطن ما يؤكد دور إيران, من خلال عماد مغنية و'حزب الله الحجاز', في عملية التفجير. وكانت الكويت قد سبقتها إلي غلق ملف خطف طائرتها دون توجيه اتهام إلي مغنية أو غيره.
وقد أثير هذا الموضوع في ندوة نظمها أحد مراكز الأبحاث الأمريكية قبل عدة سنوات, وشارك فيها كاتب السطور. وكان أهم ما فيها رواية أدلي بها مسئول أمني أمريكي سابق. ومفادها أن أكثر ما أغضب واشنطن هو أن الرياض احتوت أزمة تفجير' الخبر' مع طهران عبر اتصالات غير معلنة أسفرت عن حل وسط مرض لطرفيها, علي حساب أمريكا وفقا لروايته.
وأدي هذا الحل إلي طي الملف بكامله, بما في ذلك دور مغنية. إلي حد أنه تم السماح لطائرة تقله أكثر من مرة بعبور الأجواء السعودية حسب الرواية نفسها, وأن الأمريكيين التقطوا في مرة منها إشارة تفيد وجوده في هذه الأجواء فطلبوا من سلطات الرياض إنزال طائرته ولكنهم لم يتلقوا أي رد.
وبغض النظر عن مدي سلامة كل ما ورد في هذه الرواية, فهناك من الشواهد الكثير الذي يفيد أن التفاعلات التي حدثت بين المعتدلين العرب وإيران خلال العقدين الأخيرين هي أكثر تعقيدا مما يتصوره كثير ممن يتحدثون عنها ويقدمون صورا مبسطة لصراع معقد.
|