44386 السنة 132-العدد 2008 يونيو 15 11 من جمادى الآخر 1429 هـ الأحد
اقتصاد السوق الاجتماعية خيار مصري بقلم : د. طه عبدالعليم
ليس ثمة وصفة جاهزة لنظام اقتصادي تصلح لكل زمان ومكان, كما أثبت تطور النظم الاقتصادية وتطور الفكر الاقتصادي. ونموذج اقتصاد السوق الاجتماعية, وإن كان كغيره لا يقدم وصفة جاهزة, جدير بالتعلم منه. فقد قدم قصة نجاح باهرة في بناء اقتصاد سوق مفتوح, لكنها اجتماعية منضبطة, وصناعية متقدمة! وجسد' طريقا ثالثا' مزج بمرونة لم تعرف الجمود بين ضرورات: عمل السوق وتدخل الدولة في تخصيص الموارد, وضمان العدالة الاجتماعية وحفز المبادرة الفردية, والاندماج في الاقتصاد العالمي والحماية من الصدمات الخارجية. والأهم, أن اختيار هذا النظام الاقتصادي قد نشأ وتجدد استنادا لتوافق ديمقراطي بين جميع القوي السياسية.
والواقع أولا, أن اقتصاد السوق الاجتماعية, في سياقه التاريخي, قد نشأ عقب هزيمة وتدمير' ألمانيا النازية' في الحرب العالمية الثانية. وقد نجح في مهمته الأساسية آنذاك, وهي تأمين الحاجات المعيشية الأساسية للسكان, رغم الأعباء الثقيلة لإعادة بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع. وعبر حوار ديمقراطي مسئول إنطلق من التفكير في المصلحة الوطنية, وشاركت فيه الأحزاب الإشتراكية والليبرالية وما بينهما من تيارات سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية, تمكنت الأمة الألمانية من التوصل إلي حل وسط تاريخي تجسد في تبني هذا النموذج, الذي جعل من المجتمع مثالا يحتذي في زمن صعود الشيوعية, ومن الإقتصاد نموذجا للتصنيع بين الدول الصناعية الرئيسية!
وثانيا, أن اقتصاد السوق الاجتماعية, في أساسه الفكري, قد ارتكز الي رؤية' الليبرالية الجديدة', التي سلمت بضرورة تدخل الدولة لضمان أن تحقق قوي السوق ما يفترض أن تحققه من كفاءة في تخصيص الموارد. وكان الحافز الأهم لبنائه هو المخاوف المبررة تاريخيا ونظريا من أن عدم اتخاذ الدولة تدابير فعالة لتشجيع المنافسة من شأنه أن يفسح المجال لسيطرة الاحتكار الفردي أو احتكار القلة; وهي السيطرة التي لا تعني فقط تقويض مزايا اقتصاد السوق, بل وتهدد تعبير الحكومة عن المصلحة الوطنية العامة; ببساطة لأن القوة الاقتصادية للإحتكار يمكن أن تهيمن علي السلطة السياسية!
وثالثا, أن اقتصاد السوق الاجتماعية, من حيث قيمه, جمع بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاجتماعية, وجعل الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية قيمتين مترابطتين في النظام الاقتصادي الاجتماعي. وتحت تأثير الحزب الديمقراطي المسيحي( الرأسمالي) المبادر بهذا الحل الوسط التاريخي أضيفت قيمة' التضامن' المستندة لدعوة الحب الأخوي والفرد المسئول في المسيحية إلي منظومة قيم هذا النموذج! وعلي نقيض التخطيط الاشتراكي المركزي وسياسة عدم التدخل الرأسمالية, قام اقتصاد مختلط; نجح- عبر تدخل الدولة لضبط السوق- في رفع معدل النمو الاقتصادي وخفض معدلات التضخم وتقليص مستويات البطالة, من جهة, وتوفير شروط وظروف عمل جيدة وشبكة للضمان الاجتماعي وإتاحة الخدمات العامة المدعمة شاملة مجانية التعليم, من جهة أخري.
ورابعا, أن اقتصاد السوق الاجتماعية منذ نشأته جعل السياسة الاجتماعية متضمنة في السياسة الاقتصادية. وبينما سعي النظام لتعزيز الثقة في قوي السوق, عمل علي تثبيت آليات للضمان الاجتماعي. وتمثلت الآلية الأهم في مساومة جماعية بين العمال والرأسماليين علي الصعيد الوطني بين منظمات الأعمال ونقابات العمال وليس علي مستوي الشركة والنقابة, ليغدو توافق الطرفين مكونا للسياسة الاقتصادية للدولة. وبهذا وغيره تم انشاء وتطوير نظام اقتصادي لا يؤمن بقدسية قوانين العرض والطلب, ويحظي بقبول أيديولوجيات متعارضة, ويتيح للمجتمع التركيز علي المهام الاقتصادية والاجتماعية المشتركة.
وخامسا, أن اقتصاد السوق الاجتماعية لم يعرف الجمود العقائدي, بل تطور وتغير ليتوافق مع الجديد محليا وعالميا. وهكذا, في مرحلته الأولي حتي منتصف الستينيات, وفي ظل' آبائه المؤسسين' بقيت قطاعات هامة مثل الزراعة وبناء المساكن خارج السوق والمنافسة, وصدرت القوانين الأساسية لتنظيم الدولة والاقتصاد وفي مقدمتها قانون مكافحة عوائق المنافسة. وقد تم التوصل إلي العمالة الكاملة, ثم تقررت مضاعفة الإنفاق علي الصحة والبيئة, وتوالت الانجازات الألمانية المشهودة. ومع الأزمة الاقتصادية الأولي برز نقاش وطني حول عدم المساواة في توزيع الثروة وتوسيع نطاق أهداف ومهام الدولة دفعا لاعادة التفكير في السياسات القائمة.
وسادسا, أن اقتصاد السوق الاجتماعية في ظل ما سمي' التوجيه الكلي' شهد مرحلة ثانية سعت إلي خلق توليفة أكثر رشادة بين المنافسة الحرة وتدخل الدولة. فانفردت الحكومة باتخاذ قرارات السياسة المالية والنقدية والتجارية والسياسة العامة للدخل علي المستوي الكلي القومي, ولم يعد بمقدور أصحاب الأعمال سوي اتخاذ القرارات علي المستوي الجزئي للمشروع. وتحقق نجاح كبير في التغلب علي الأزمة الاقتصادية. وخلال السبعينيات تضافرت الأزمة الاقتصادية الدولية مع عدم استقرار الانتعاش الاقتصادي ليرتفع معدل البطالة, وينخفض الناتج القومي الإجمالي ويرتفع معدل التضخم ويزيد الدين العام. ومرة أخري, يتجدد النقاش حول تطوير اقتصاد السوق الاجتماعية! فبدأت مرحلة ثالثة قادها تحالف جديد وصل للسلطة, واستمرت من عام1982 حتي إعادة توحيد ألمانيا.
وبينما طالب' الكينزيون' أنصار تدخل الدولة بالابقاء علي نهج' التوجيه الكلي', أعلن التيار الاقتصادي الرئيسي من أتباع ميلتون فريدمان إخفاق الدولة وطالب بتمكين قوي السوق, بينما أكد تيار ثالث فشل السوق وحبذ توسع قطاع الدولة ومزيد من تدخل الدولة في الاقتصاد. وأسفر الحوار المجتمعي عن مزج بين رؤي الفريقين الأولين, فاتخذت إجراءات للتحرير الاقتصادي ارتبطت بخفض محدود للبرامج الاجتماعية.
وسابعا, أن جوهر اقتصاد السوق الاجتماعية لم تبدله إجراءات التحرير الاقتصادي, وساهم تحسن الوضع الاقتصادي العالمي ونجاح عملية التكامل الأوروبي فيما شهدته المرحلة الأخيرة من انتعاش اقتصادي مكن من تحمل التكاليف الهائلة لإعادة توحيد ألمانيا. لكنه تحت أعباء إعادة التوحيد والضمان الاجتماعي وحماية البيئة وتقلص قوة العمل وضغوط العولمة الاقتصادية والتنافسية العالمية واقتصاد المعرفة ومتطلبات الوحدة الأوروبية, برز نقاش جديد تراوح بين دعوة التحول الي' اقتصاد سوق ليبرالية' أو التحول إلي نظام جديد أكثر اشتراكية! لكن اقتصاد السوق الاجتماعية, وقد أظهر تاريخيا قدرة هائلة علي التكيف ومواجهة الأزمات, مازال خيار ألمانيا للمستقبل, خاصة مع قدرة ألمانيا علي تعظيم فرص ومكاسب العولمة الاقتصادية والوحدة الأوروبية.
وحتي أقطع الطريق علي الجاهزين باتهام من يرفض' تقديس السوق والعولمة' بأنه يعاني داء' الهرطقة الاشتراكية والناصرية', أقول: إنني أسلم بأن خيارات التوجه الاشتراكي والتنمية المستقلة في مصر- مهما تكن إنجازاتها في زمنها الذي ولي وسياقها الذي انقضي- قد قضت نحبها, ولا توجد قوة قادرة ولا مصلحة وطنية في بعثها من القبور! لكنني أسرع فأقول إن' السوق الحرة' التي يدافع عنها' أيديولوجيونا الجدد' قد شبعت بدورها موتا, نتيجة إخفاقاتها, التي دفعت إلي دعوة دولة الرفاهية في أمريكا وبناء السوق الاجتماعية في أوروبا والحماية الدستورية للعدل الاجتماعي في مصر.
ويبقي أن أي فكر جديد, ينطلق من حضارة مصر التي تحققت بفضل المبادرة التاريخية لقادتها المؤسسين بإعلاء قيم الكفاءة والعدالة والتضامن, سيجد في مثال اقتصاد السوق الاجتماعية في ألمانيا' خيارا مصريا', من زاوية إعلاء قيم جوهرية أعلتها مصر قبل أكثر من خمسة آلاف سنة! وإن أضاف إليها العصر قيمة الحريات السياسية الفردية. ومع مراعاة الأوضاع المصرية- وبالذات الحاجة إلي دور أكثر إيجابية لحكومة كفء ومستقلة ودور أكثر فعالية لمنظمات الأعمال والعمال- فإن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعية ربما يكون الأقدر علي تمكين مصر من مواجهة تحديات إنجاز ما تستحقه وتستطيعه من تقدم وريادة, وخاصة بتسريع التصنيع في سياق تنمية شاملة, وتطوير التعليم وفق متطلبات مجتمع المعرفة, وبناء الديمقراطية بسيادة القانون والمشاركة السياسية.
وللحديث بقية
|