44389 السنة 132-العدد 2008 يونيو 18 14 من جمادى الآخر 1429 هـ الأربعاء
إيران والغرب.. ملامح الصفقة الكبري وصعوباتها بقلم: د. حسن أبوطالب
قبل يومين قدم خافيير سولانا باسم الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا والصين, عرضا لايران بغرض انهاء أزمة برنامجها النووي سلميا. وفكرة العرض تتلخص في تحركين متبادلين, الاول ان توقف إيران تخصيب اليورانيوم, وهو الجزء الاهم في دائرة انتاج الطاقة النووية, الثاني أن تقوم الدول الغربية برفع العقوبات وتقدم مزايا وامتيازات تجارية وأمنية وتصنيعية, مع الاعتراف بحق طهران في الحصول علي التقنية النووية السلمية بضمانات قانونية دولية.
ومما تسرب من التفاصيل يبدو العرض هذه المرة اكثر جاذبية وشمولا من عرض سابق تم تقديمه لإيران في يونيه2006 ورفض في حينه. وتظهر الجاذبية في اكثر من ملمح, كشمول العرض الإعتراف صراحة بدور أمني مباشر لايران في منطقة الخليج, وجوانب اقتصادية وتجارية, وعدم اشتراط وقف التخصيب الايراني لمدة مفتوحة, بل فقط لمدة ثلاثة أو ستة اشهر لبدء التفاوض وبناء حالة ثقة متبادلة قابلة للتطور, والأهم ان تستكمل إيران برنامجها النووي لانتاج الطاقة السلمية بالمساعدات الغربية ووفق التقنيات الحديثة التي تستخدم الماء الخفيف وليس الثقيل الذي تدخل في صناعة القنابل النووية.
إيران من جانبها تتحدث عن عرض مقابل كانت قدمته في مايو الماضي للأمم المتحدة, وللدول الخمس دائمة العضوية وألمانيا, وخلاصته أن إيران تعرض إقامة شركات دولية متعددة الاطراف' كونسرتيوم' لتخصيبب اليورانيوم وفق ضمانات دولية لغرض مد الدول المختلفة بحاجتها من اليورانيوم المخصب, علي ان تكون إحدي هذه الشركات الدولية علي الارض الإيرانية, مع التشديد علي اسلوب رقابة يخضع له الجميع ليضمن عدم تحول الانشطة النووية إلي النطاق العسكري.
وبغض النظر عن الصياغة والمفردات المستخدمة, يمكن القول ان العرضين متكاملين إلي حد ما. فجوهر ما يريده الغرب هو ضمان أن تخصيب اليورانيوم الايراني لن يؤدي مستقبلا إلي استخدامه في برامج سرية لصنع الاسلحة. وجوهر ما تريده إيران الا تخرج عملية التخصيب من أراضيها, حتي ولو كانت تحت رقابة دولية وبمشاركة دول أخري بما فيها الولايات المتحدة. فمثل هذا الوضع هو الوحيد الذي يتيح للعلماء الايرانيين ان يكتسبوا الخبرة والمعرفة, ويكونوا بقدر أو بآخر متحكمين في مجمل الدورة النووية علي اراضيهم.
بهذا المعني يمكن النظر إلي الموقف الإيراني الذي يبدو متقبلا وإن بتحفظ للعرض الغربي, بأنه من قبيل تحسين شروط التفاوض, ولتأكيد حق إيران في ان يكون لديها كافة خطوات ومراحل أي برنامج نووي لانتاج الطاقة. وبهذا المعني ايضا يمكن النظر إلي النتائج المحتملة لمثل هذه الصفقة الكبري التي قد يتوصل إليها الطرفان لاحقا وبعد صعوبات كبيرة بالطبع. وأولي هذه النتائج ان ينحي جانبا خيار الضربة العسكرية الذي يصر الامريكيون علي أنه موجود علي الطاولة, ويري الاسرائيليون انه الخيار الوحيد والمناسب لانهاء أحلام إيران النووية.
ثانيا, أن يتشكل تيار دولي جديد فيما يتعلق بانتشار الطاقة النووية السلمية, وذلك عبر مجموعات من الدول تتشارك سوية في تقديم ضمانات للدول الراغبة للحصول علي الطاقة النووية السلمية ببناء المفاعلات المطلوبة وتقديم اليورانيوم المخصب اللازم لهذه المفاعلات, علي ان يتم ذلك وفق شراكة ورقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية. مع ملاحظة ان إيران ربما تشكل السابقة في سياسات الطاقة النووية السلمية الجديدة.
ثالثا, أن يكون لإيران دور خاص في امن الخليج. فوفقا للعرض الغربي, وإذا ما بنيت الثقة المتبادلة عبر التفاوض, فسوف يتعامل الغرب مع إيران كطرف ضامن للأمن في منطقة الخليح, وهو ما سيترتب عليه منظومة امنية جديدة في الاقليم ككل. وإذا اخذنا في الاعتبار التطور المحتمل لعقد شراكة أمنية بين الولايات المتحدة والعراق بعد انتهاء التفويض الدولي للقوات الدولية الموجودة حاليا علي الارض العراقية نهاية العام الجاري, فسوف نكون أمام خريطة أمنية إقليمية جديدة بكل المقاييس, أبرز دعائمها الدور الايراني الاقليمي المقبول والمسنود غربيا وروسيا وصينيا, ودور عراقي جديد في ظل شراكة مع الولايات المتحدة.
رابعا, احتمال أن توظف إيران وضعها الاقليمي الدولي الجديد ولها علاقات خاصة مع الغرب ككل, لمزيد من اكتساب مواقع نفوذ معنوية وسياسية في الاقليم ككل. بيد ان هذا الامر لا يمنع أن تلعب إيران دورا محوريا بالتنسيق مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي في احتواء بعض مصادر التوتر كالسيطرة علي سلاح حزب الله اللبناني مثلا, وأن تستمر في تقديم الدعم للنظام السوري في حال توصله إلي اتفاق مع إسرائيل.
خامسا, أن تتحول إيران إلي بلد ذي علاقات طبيعية مع القوي الكبري, وان تراعي مصالح الآخرين نسبيا في المناطق المختلفة من العالم, وأن يحدث بعض التغيير في سياسات النظام الإيراني لا سيما إطلاق الحريات العامة, وأن تضبط نزعتها العدائية تجاه إسرائيل وأن تتفاعل ايجابيا مع جهود التسوية للقضية الفلسطينية.
مثل هذه النتائج لن تحدث بين يوم وليله, فهي مرهونة بأن يصل الطرفان إلي صفقة كبري من حيث الشمول والتفاصيل والالتزامات المتبادلة. وهو ما سيتطلب مدي زمنيا قد يصل إلي خمس سنوات أو اكثر, ومفاوضات معقدة وحلول عملية لتفاصيل كثيرة, وسياسات تطبيع متدرجة واتفاقات جزئية قابلة للتطبيق في مجالات محددة, وبحيث يظهر أثرها في بناء وتعميق حالة ثقة تزداد مع مرور الأيام. كما أنها مرهونة أكثر بأن تستمر الحكومات المعنية في النهج نفسه من حيث التفاوض وبناء الثقة, ورفع العقوبات وتسوية قضايا التعويضات. والاهم من ذلك كله أن تضبط الولايات المتحدة رد الفعل الاسرائيلي وأن تمنع بصرامة أي مغامرة عسكرية قد تلجأ إليها إسرائيل لضرب منشأة او اكثر من المنشآت النووية الايرانية, وبما يفسد كل التحركات لجذب إيران ناحية الخيار السلمي التفاوضي.
وهنا تظهر العقوبات الكبري التي تنتظر مثل هذه الصفقة الكبري, فالمعارضة الإسرائيلية لأي تعامل دولي سلمي مع إيران أو قبول ان تكون نووية حتي ولو تحت الرقابة الدولية الصارمة, تعد امرا غير مقبول بالمرة. كما ان هناك في داخل إدارة الرئيس بوش, وفي مقدمتهم نائب الرئيس ديك تشيني, من يدفع في اتجاه عمل عسكري خاطف تجاه أبرز المنشآت النووية الايرانية, وبما يؤخر مجمل البرنامج النووي الايراني لعدة سنوات مقبلة لاتقل عن عشرة أعوام, علي ان يساند هذا العمل العسكري استراتيجية سياسية ودعائية تسهم من وجهة نظرهم في قلب النظام. غير أن هذا العمل, وان تم بتدخل امريكي منفرد او بمشاركة إسرائيلية في الضربة العسكرية, فلن يكون مضمون النتائج من زاوية طبيعة رد الفعل الإيراني المنتظر ومداه, كما أن انتشار المنشأت النووية علي مساحة واسعة جدا من الارض الايرانية, يجعل اي عمل عسكري محفوف بالمخاطر وغير مؤكد النتائج.
عنصر الزمن هنا يعد امرا حاسما, فإذا بدأت عملية مفاوضات ذات طابع جدي بين ايران والغرب لتعميق وتفصيل بنود اي اتفاق, فسوف يمر شهران أو اكثر, وبذلك نصل إلي عمق الانتخابات الرئاسية الامريكية, وهو ما سيقيد الرئيس بوش في إصدار قرار بضرب إيران, وإن فعلتها إسرائيل منفردة, وكل الدلائل تقول انها لا تستطيع ان تفعلها بمفردها لاعتبارات تقنية وعملية, فسوف تتحول إيران إلي ضحية, وسيكون من حقها القيام بأي رد فعل انتقامي, قد لا تتحمله إسرائيل.
|