44339 السنة 132-العدد 2008 ابريل 29 23 من ربيع الآخر 1429 هـ الثلاثاء
حين لا تزلزل الأرض في فلسطين بقلم: د. وحيد عبدالمجيد
تحمل التهدئة المطروحة الآن علي حركة حماس فرصة لتفعيل مقاومة الاحتلال, وليس فقط لإنقاذ الفلسطينيين من الحصار, غير أن العقلية السائدة في هذه الحركة, وفي أوساط الفصائل الفلسطينية عموما, ليست مؤهلة بعد للارتفاع إلي المستوي الذي يتيح مراجعة الأداء المقاوم, وتبدو هذه المراجعة مسألة حياة أو موت لقضية فلسطين, بعد أن وصل الكفاح المسلح إلي طريق مسدود في غياب حد أدني من النضال المدني.
ويمكن أن تكون التهدئة مدخلا لتفعيل المقاومة المدنية, بعد ثبوت أن العمل المسلح لم يزلزل الأرض تحت أقدام الاحتلال, وإنما جعلها مقابر مفتوحة للفلسطينيين.
فقد حظي شعار زلزلة الأرض تحت أقدام الصهاينة بمكان معتبر في صيحات الثأر والانتقام التي باتت تشكل قسما كبيرا يحتل مكانة مركزية في الخطاب الفلسطيني المقاوم خلال السنوات العشر الاخيرة, وارتبط شيوع هذا الخطاب الثأري بتراجع العمل الفلسطيني المقاوم وافتقاده زمام المبادرة وتقوقعه في مساحة رد الفعل, ازاء ارهاب الدولة الاسرائيلية الذي خرق أعلي السقف. فقد استثمرت آلة القمع الإسرائيلية الخلط الذي شاع دوليا بين الارهاب الانتحاري والعمل المقاوم الذي فقد الرؤية وافتقد البصيرة فعجز عن اقناع العالم بأن مقاومة الاحتلال حق ثابت لا يلغيه واجب مواجهة الارهاب المتسربل بدعاوي إسلامية.
فكانت النتيجة, التي نحصد اشواكها المرة الآن, هي تحول المقاومة الفلسطينية إلي أعمال عشوائية تحترفها مجموعات مقاتلة مغلقة انفصلت عن شعبها, وبعدت المسافة تدريجيا بينها وبين القضية النبيلة. وهذا هو ما شهد به المخلصون في مختلف الفصائل بما فيها حماس. ومن أقوي هذه الشهادات ما كتبه غازي حمد المتحدث السابق باسم حكومة حماس والمقرب من رئيسها إسماعيل هنية, في صحيفة الأيام الفلسطينية في26 أغسطس2006, أي قبل عشرة شهور علي تصاعد الصراع المسلح بين حركته وفتح. فقد شهد بأن فصائل المقاومة أصبحت تتنافس في الاستعراضات العسكرية, وبعض أعضائها يتبخترون( علي حد تعبيره) في الشوارع بأسلحتهم! وما لبث كل من الفصيلين الكبيرين أن تحول إلي مقاومة الآخر, بدلا من مقاومة العدو.
وحين يحدث ذلك, لا يبقي في جعبة من يزعمون أنهم يقاومون العدو إلا صيحات تدور حول زلزلة الأرض تحت أقدامه, خصوصا كلما شن غارة من غاراته الإجرامية فقتل من قتل ودمر ما دمر, عندئذ تنطلق الصيحات التي باتت نمطية إلي حد كبير مثل:( سنزلزل الأرض تحت أقدامهم) أو( لن تمر جرائمهم دون رد مزلزل) وما إلي ذلك من صيحات توحي بأن الأرض توشك علي أن تزلزل زلزالها!
غير أن ما يوعد بأن يكون مزلزلا لا يتجاوز عادة, وفي حدوده القصوي, توابع صغيرة لزلزال هزيل من النوع الذي لا يكاد يشعر به الناس إلا عند إعلان البيان النمطي الذي يحدد مستواه علي مقياس ريختر.
صحيح من أن بعض هذه التوابع ينطوي علي عمليات بطولية تشتبك فيها مجموعات فلسطينية مسلحة من هذا الفصيل أو ذاك مع قوات الاحتلال وتبلي فيها بلاء حسنا. ولكن هذا النوع من العمليات النوعية قليل, بل نادر, مقارنة بالأعمال العشوائية التي تأخذ أشكالا مختلفة من مرحلة إلي اخري, وتتركز الآن في الصواريخ البدائية التي تصنع في ورش صغيرة, وبدأ استخدامها للمرة الأولي في سبتمبر2001 في إطار عسكرة انتفاضة الأقصي.
كما أن العمليات الفدائية النوعية النادرة الآن لم تغير الصورة السلبية التي شاعت عن المقاومة المسلحة الفلسطينية في العالم عندما سادتها العمليات الانتحارية, التي ينظر اليها في المجتمع الدولي باعتبارها ماركة مسجلة لشبكة القاعدة.
غير أن خسائر الطابع العشوائي للمقاومة المسلحة خلال السنوات السبع الأخيرة لا تقتصر علي ذلك.. فقد أتاحت لإسرائيل فرصة لبناء الجدار وعزل القدس ونحو10% من مساحة الضفة الغربية وراءه, وقطع أوصال هذه الضفة وتكريس فصلها عن غزة ونشر مئات الحواجز العسكرية واقامة شبكة طرق للمستوطنين دون غيرهم وشبكة أخري من الأنفاق تخدمهم, أي بناء نظام فصل عنصري.
وهكذا ثبت إفلاس الفصائل المسلحة في غياب إمكانات إحياء فوري للمقاومة المدنية واسعة النطاق التي تعتمد علي مشاركة مختلف فئات الشعب, وليس فقط الشبان القادرين علي حمل السلاح والاعضاء في الفصائل المختلفة.
فالفرق بين المقاومة المسلحة والمدنية ليس فقط في الأساليب, ولكن أيضا في نطاق المشاركة, فالمقاومة المدنية مفتوحة للرجال جميعهم, وليس فقط قلة منهم, ولشيوخهم كما شبابهم, وأبوابها مشروعة أيضا للنساء, والاطفال الذين كانوا هم القوة الضاربة في الانتفاضة الكبري التي اندلعت في نهاية العام1987, وأعادت طرح قضية فلسطين بقوة علي جدول الأعمال العالمي.
وقد نجحت تلك الانتفاضة في زلزلة الارض تحت اقدام اسرائيل كما لم يحدث قبلها ولا بعدها.. فالأرض لا تزلزل اعتباطا, ولا بقوة صيحات الثأر التي تعبر عن تدني وعي الصائحين بطبيعة الصراع, وليس فقط عن قلة حيلتهم, فما بيننا وبين هذا العدو صراع تاريخي وقضية حق وعدل, وليس انتقاما, او سباقا في القتل المتبادل نسعي فيه الي الثأر لشهدائنا.
وقد زلزلت الارض تحت اقدام المستعمرين خلال معارك التحرر الوطني وتصفية الاستعمار عبر انخراط الشعوب الخاضعة للاحتلال بطاقاتها كلها في مقاومة واسعة النطاق, سواء في الحالات التي غلبت فيها المقاومة المدنية او تلك التي شهدت مقاومة مسلحة الي جانبها.
ولذلك فقد آن أوان استعادة روح انتفاضة أواخر الثمانينات, وإحياء التحركات الجماهيرية المنظمة في صورة اعتصامات وإضرابات ومظاهرات ترتقي في لحظات معينة إلي بناء سلاسل بشرية هادرة تقتحم مواقع منتقاة تحقيقا لأهداف محددة. ويقتضي ذلك بطبيعة الحال التوافق علي تشكيل قيادة ميدانية موحدة للمقاومة الميدانية تخطط وتنسق وتوزع الأدوار وتحدد خطوات النضال الوطني الذي يهدف إلي إعادة صوغ ميزان القوي الذي اختل لمصلحة الاحتلال وممارساته الارهابية, والقادر علي كشف هذه الممارسات أمام المجتمع الدولي.
ولا يعني ذلك إلقاء السلاح, وإنما تجميد استخدامه. فقد تكون ثمة حاجة إليه في مرحلة تالية بصورة ما, ولكن في المرحلة الراهنة, لا بديل عن المقاومة المدنية إذا أردنا إنقاذ قضية فلسطين التي تتلاشي أمامنا يوما بعد يوم, فحين يفشل السلاح في زلزلة الأرض تحت أقدام الاحتلال, يصبح ضروريا إطلاق حركة الشعب الذي أثبت في أواخر الثمانينات أنه يمتلك من طاقات المقاومة ما يفوق أعتي الأسلحة.
|