44357 السنة 132-العدد 2008 مايو 17 12 من جمادى الأول 1429 هـ السبت
أحداث أم درمان.. قراءة في الأبعاد والدلالات بقلم : هانئ رسلان
سيظل يوم السبت العاشر من مايو الذي شهد هجوم حركة العدل والمساواة الدارفورية علي ام درمان محفورا في ذاكرة العاصمة السودانية الخرطوم ومقترنا بمشاعر ملؤها القلق والترقب, وذلك الي جانب ايام اخري قليلة في التاريخ الحديث للعاصمة المثلثة, كان من بينها يوم الجمعة الاسود الذي اعقب مقتل الزعيم الجنوبي جون قرنق, الا انه اكثر شبها بيوم آخر بعيد نسبيا يعود الي اكثر من ثلاثين عاما, حين قامت قوات الجبهة الوطنية المعارضة في يوليو1976 بغزو مماثل للخرطوم منطلقة من الحدود الليبية السودانية لمحاولة اسقاط نظام الرئيس الاسبق جعفر نميري, وقد يقود هذا الي قول البعض' ما اشبه اليوم بالبارحة', الا ان الفوارق بين اليومين هائلة للغاية وان اتفقا في وحدة الهدف وهو اسقاط النظام,
فمحاولة76 كانت تعبر عن إجماع قطاع واسع من القوي السياسية الاساسية في البلاد ضمت الي جوار حزب الامة لا من الحزب الاتحادي والحركة الاسلامية الحديثة, غير أن تحرك العدل والمساواة يختلف في انه جاء معزولا من الناحية السياسية بشكل كامل, حيث انه لم يعبر سوي عن فصيل واحد من دارفور متجاهلا كل الفصائل الاخري, كما انه جاء محمولا علي تعبئة ذات طبيعة قبلية وجهوية تعتمد علي تجييش مشاعر وعواطف سلبية, مكرسا بذلك اسسا قوية للصراع الاجتماعي الممتد اكثر من اعتماده علي اهداف وآليات ووسائل ذات طبيعة سياسية وأفق قومي أو وطني.
ومما يزيد من خطورة هذه المسألة, أن خليل ابراهيم في محاولته لتقديم تبرير لما قام به ارتد الي تفسيرات قبلية وجهوية صريحة ومباشرة, اذ سعي عبر التصريحات التي ادلي بها للفضائيات من داخل ام درمان علي كسب تعاطف ابناء دارفور وتكريس نفسه مدافعا عنهم, من خلال التشديد علي ان الهجوم كان انتقاما لمعاناتهم, وهو لايدري انه بذلك يهدم الاساس الاخلاقي لحركته, ويثبت عدم صدق ما كانت تعلنه من قومية توجهاتها ورؤاها, ويفتح بابا جديدا في السياسة السودانية يحاول تقويض بنية وطبيعة الدولة القائمة في السودان ويرتد بها من صراعات سياسية حول الرؤي والسياسات اللازمة للتحديث والتكامل الوطني ودفع التنمية ومحاولة الخروج من ازمة الهوية, الي عهد جديد يتم الصراع فيه عبر العودة الي الانتماءات الاولية, مناطقية كانت او قبلية, والاكثر خطورة ان يتم الاستسلام لهذا النوع من الخطابات المفخخة التي قد تقود الي تفكك الدولة السودانية بحدودها الحالية, وفي اعتقادي ان هذه هي الدلالة الاكثر عمقا للهجوم علي ام درمان, فما حدث لم يكن تهديدا للنظام القائم فقط بل كان في الحقيقة استهدافا لبنية وطبيعة الدولة في السودان.
وفيما يتعلق بملابسات الهجوم والدلالات التي يمكن استخلاصها, فانه تجدر الاشارة هنا الي أن احدي الخصائص الاساسية التي بدت واضحة للعيان منذ البداية هي وجود دور خارجي, فالهجوم بالطريقة والكيفية التي تم بها, بواسطة اكثر من300 سيارة دفع رباعي مجهزة بالمدافع ومضادات الطيران بالاضافة الي مضادات الدروع وصواريخ سام7, فضلا عن اجهزة اتصال حديثة ودعم لوجستي بالوقود والتمويل المالي, يفوق بكثير قوة وقدرة حركة العدل والمساوة, الامر الذي يثبت الدور التشادي, وربما ادوارا اخري لم يتم الكشف عنها بعد.
كما نستطيع القول إن الفشل الاكير لحركة العدل والمساواة لم يتمثل في العمل العسكري في حد ذاته, بقدر ما تمثل في تعريفها للهدف النهائي للهجوم بانه اسقاط النظام والاستيلاء علي السلطة, وقد تأكد ذلك عبر دخول قادة الحركة مع القوات المهاجمة لتقديم انفسهم باعتبارهم قادة النظام الجديد, وعبر محاولات التطمين التي قدموها للحركة الشعبية بانهم سوف يحترمون اتفاقية نيفاشا, وبذلك بدا هذا الهجوم باعتباره عملا طائشا ومندفعا ويمثل مغامرة فاشلة تم ايقافها ثم تصفيتها خلال ثلاث ساعات, ونتجت عنه خسائر عسكرية وسياسية فادحة لحركة العدل, وهذا يختلف بشكل كامل عما لو تم تحديد هدف الهجوم بأنه توجيه رسالة خاطفة ذات دلالات سياسية واعلامية لتحريك عملية التسوية او تعزيز مكانة حركة العدل فيها, اذ ان هذه الاهداف كانت سوف تتحقق بمجرد وقوع الهجوم ووصوله الي ضواحي ام درمان سواء استطاعت القوة المهاجمة الانسحاب من عدمه.
وفي هذا السياق يمكن- من أحد الأوجه ـ القول ان ما قامت به حركة العدل واندفاعها الهائل وغير العقلاني لتنفيذ هذا الهجوم يعد احد الانعكاسات أو ردود الفعل المتأخرة للانقسام الذي وقع في صفوف نظام الانقاذ عامي1999 و2000, ويمثل انعكاسا للضغائن التي صاحبت هذا الانقسام, فخليل ابراهيم الذي كان قياديا نشطا في التنظيم الاسلامي ومسئولا عن قطاع دارفور, انحاز الي الترابي عند وقوع الانشقاق, وبقي فاعلا في صفوف المؤتمر الشعبي الي ان اعلن خروجه الي العمل المسلح, والامر نفسه ينطبق علي عدد كبير من قيادات الحركة, وهذا ما يفسر رغبتهم الشديدة في الانتقام من رفاقهم السابقين, وربما يفسر ايضا بعض مناحي القوة والتنظيم اللذين اتسم بهما الهجوم.
كما ان هروب خليل ابراهيم بعد ان تم تدمير القوة وقتل واسر معظم عناصرها يوضح انه تلقي المساعدة علي الهرب عبر شبكة منظمة ومدربة وكانت متأهبة لتقديم هذه المساعدة من داخل المدينة, بالاضافة الي المساعدات التي تلقتها القوة المهاجمة عند دخولها لتفادي اماكن تمركز القوات التي خرجت لملاقاتها, وهذا يثير التساؤل عما اذا كان هناك ترتيبات للدعم او الاسناد من الداخل لم يتم الكشف عنها.
علي المستوي الداخلي فان الادانات السريعة والمواقف القوية التي اتخذتها كل من الحركةالشعبية وحزبي الامة والاتحادي, اشارت الي اعادة اصطفاف جديد للقوي السياسية السودانية, خاصة ان هناك حالة مخاض لتحول ديمقراطي بدأت مؤشراته العملية في الظهور. وقد عزز من مواقف القوي السياسية الرئيسية موقف الادانة والرفض العنيف من الرأي العام السوداني الذي اتسم بقدر كبير من السخط علي ما قامت به حركة العدل.
علي المستويين العربي والاقليمي كان للموقف المبدئي الواضح والسريع لمصر بالادانة منذ اللحظة الاولي, ثم الموقف القوي للجامعة العربية من هذه المحاولة وتصنيفها بأنها ارهابية, اثرا كبيرا في دعم الاستقرارفي السودان.
غير ان اللافت للنظر هو الادانة القوية ايضا من المجتمع الدولي ممثلا في مجلس الامن, ومن الاتحاد الافريقي ومن جهات غربية عديدة, الامر الذي قد يعيد الي ازمة دارفور بعض التوازن في المعالجات المفضية الي الحل, بعد ان تأكدت خطورة الدعم اللامحدود والتدخلات الخارجية التي انفلت عقالها.
|