44362 السنة 132-العدد 2008 مايو 22 17 من جمادى الأولى 1429 هـ الخميس
احتفالات الخوف وضمانات الوهم بقلم : د. محمد السعيد إدريس
احتفل الإسرائيليون وبالتحديد من هم علي رأس الدولة الإسرائيلية بالعيد الستيني لتأسيس الدولة الصهيونية عام1948 كما لم يحتفلوا من قبل, واحتفل معهم الحلفاء والاصدقاء كما لم يحتفل من قبل, جاء من جاء وذهب من ذهب, وتباري المحتفلون بتقديم الهدايا والقربات, وفي النهاية كان لابد من السؤال عن الاسباب والدوافع الحقيقية التي من أجلها قرر الإسرائيليون افتعال هذا الاحتفال الذي سموه بـ الستيني وهو احتفال خارج عن تقاليد الاحتفالات الكبري من هذا النوع, فلا هو احتفال بالعيد أو اليوبيل الفضي ذكري مرور25 سنة أو اليوبيل الذهبي ذكري مرور50 سنة ولا اليوبيل الماسي ذكري مرور75 سنة.
السؤال مهم لأن اجابته تكشف عن حقيقة مهمة لم يعد الفعل العربي الاستراتيجي, للاسف, مهتما بالبحث عنها, وهي حقيقة اللحظة التاريخية الراهنة للدولة الإسرائيلية في عمرها الستيني, وهل مازالت هذه الدولة في هذا العمر تنعم بالشباب والقوة وانها مازالت في مراحل الصعود أم انها تجاوزت منذ سنوات مرحلة الكهولة ودخلت بالفعل تلك المنطقة الباردة والرمادية من العمر وهي مرحلة الشيخوخة بكل ما تعنيه من مظاهر تشقق الجسد وهشاشة البنية وانفراط التماسك؟
كثير من كبار المفكرين والفلاسفة المتخصصين في العلوم السياسية عقدوا مشابهات بين الانسان والدولة وبالذات هؤلاء الذين يأخذون بنظرية الدورة السياسية في تحليل تطور الدول بين الصعود والهبوط, فهم يرون ان الدولة تشبه الانسان تماما في مراحل تطوره, الطفولة ثم الفتوة ثم الشباب ثم الكهولة ثم الشيخوخة وبعدها الموت والفناء, وعندها تصبح الدولة امام خيارين, اما التداعي والافول, واما التجديد من خلال امتلاك مايسمي بمقومات التجدد الحضاري.
وهنا بالتحديد تتجلي عبقرية المفكر العربي الاسطوري عبدالرحمن بن خلدون في عرض نظريته عن العصبية وهي تتمة وتفسير في آن واحد لنظرية الدورة السياسية.
والعصبية عند ابن خلدون تعني بلغتنا الحديثة القوة بعناصرها المختلفة المادية والعسكرية والمعنوية وغيرها, فهو يري ان التجديد يحدث في دورة عمر الدولة عندما يصل إلي السلطة من يمتلكون مقاليد القوة التي تهيئ لهم القدرة علي السيطرة وفرض النفوذ وازاحة من هم علي كراسي الحكم الذين اصيبوا بالترهل والترف وبلغوا بدولتهم مبلغ الوهن, واصبحت بفضلهم دولة رخوة عاجزة عن الفعل, لكن الحكام الجدد المالكين لـ العصبية اي للقوة يجدون انفسهم في المصير ذاته الذي وصل إليه من سبقوهم, ولكن بعد مرور سنوات تقترب من متوسط عمر الانسان, في بداية امتلاكهم تكون الدولة قد تعرضت خلالها لمراحل التطور الخمس ذاتها لتتجدد فرصة السقوط ثم الاحلال لعصبة اخري جديدة وبديلة.
وهكذا يتوالي الصراع وتتوالي دورة الحياة للدولة بفعل العصبية اي صراعات القوة بين من افتقدوا القدرة علي السيطرة عليها وبين من هم قادرون علي انتزاعها في شكل تدافع متواصل بين القبائل والعائلات والاحزاب والافراد, بما يعني ان تطور حياة الدولة لايأخذ شكل الخط المستقيم الافقي أو الرأسي أو المائل بل هو اقرب إلي المنحني يبدأ من الصفر ثم اقصي ارتفاع يعود بعدها إلي الصفر ليعاود الهبوط مرة أخري وتتجدد الدورة مرات ومرات أخري كثيرة.
الدولة الإسرائيلية ليست استثنائية عن هذه القاعدة فهي بدأت من الصفر مع المنظمات الإرهابية الصهيونية ومنظمات الهجرة اليهودية في فلسطين التي اسست الدولة عام1948, وأخذت في الصعود عبر دورة من الحروب المتواصلة مع العرب عاشت خلالها كل مراحل التطور, ولكنها صدمت بانها قد وصلت إلي مرحلة الشيخوخة المبكرة عام2000 عندما اضطر الجيش الإسرائيلي إلي الانسحاب غير المشروط من جنوب لبنان معترفا بالهزيمة امام حزب الله.
هذه الشيخوخة فرضت نفسها مرة أخري مبكرا في حرب إسرائيل علي لبنان صيف2006 عندما عجز المجتمع الإسرائيلي عن تحمل تبعات تلك الحرب بعد ان وصلت صواريخ حزب الله إلي عمق هذا المجتمع, لقد كشفت هذه الحرب وتداعياتها ما كان خافيا من معالم تلك الشيخوخة وبالذات افتقاد التماسك بين الدولة والمجتمع, وسيطرة مفاهيم الشركة أو المؤسسة علي مقاليد الدولة التي لم تعد تتجاوز بالنسبة لكبار الجنرالات, وفي مقدمتهم رئيس الاركان حدود البورصة حيث طغت أولوية ارباح أو خسائر الأسهم بسبب هذه الحرب علي متطلبات واولوية الدفاع عن الدولة.
ان أهم ما كشفت عنه حرب إسرائيل علي لبنان صيف2006 هو ان الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تعد مستعدة لتحمل مسئولية واعباء حرب تقع علي الاراضي الاسرائيلية, وهذا ما حرص وزير الدفاع ايهود باراك علي توضيحه في حديث لصحيفة يديعوت احرونوت قبل اسبوعين من احتفالات هذا العيد الستيني لتأسيس الدولة الإسرائيلية, ففي معرض حديثه عن العلاقة مع سوريا واحتمالات الحرب مع حزب الله قدم باراك خلاصة مهمة لخبرة حرب صيف2006 بقوله يجب منع الحرب, اما اذا فرضت علينا, فيجب ان نكون جاهزين لها, وان تنتصر بسرعة, علي ان يكون ذلك علي أرض العدو, ومن دون إلحاق ضرر بجبهتنا الداخلية.
اذا تذكرنا جيدا حقيقة ان إسرائيل كانت المبادرة دائما في كل حروبها مع العرب باستثناء حرب أكتوبر1973 فعلينا ان نعي من الآن حقيقة تخلي إسرائيل عنوة عن القدرة علي امتلاك المبادرة بالحرب, وان الحرب بالنسبة لها باتت اضطرارية وبشروط ألا تكون علي أرض إسرائيل وان تكون سريعة, وألا تصل تداعياتها إلي الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
من هنا بالتحديد يمكن تفسير الاسباب التي دفعت بقيادة الدولة الإسرائيلية إلي افتعال كل تلك الاحتفالات بما اسمته العيد الستيني لتأسيس إسرائيل واسباب كل هذا التدافع من الحلفاء والاصدقاء وعلي رأسهم الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي اسرف بتقديمه الوعود والضمانات التي يدركون ان إسرائيل بقوتها العسكرية المؤكدة والمتفوقة ليست في حاجة إليها, اسراف بوش وصل إلي تقديم ضمانات اقرب إلي الخيال أو الوهم انتظار الاحتفالات إسرائيل بذكري تأسيسها المائة والعشرين.
كل هؤلاء يدركون ان إسرائيل الآن في حاجة شديدة إلي استعادة الثقة بالنفس وبالتحديد استعادة الثقة في القدرة علي البقاء في وقت كثر فيه الحديث داخل الدولة عن الزوال في ظل مؤشرات كثيرة تؤكد ذلك, من بينها تزايد معدلات النزوح من الكيان الإسرائيلي إلي الخارج في موجات تشبه الهروب, وانخفاض معدلات الهجرة إليه, لكن الأهم هو ذلك العزوف ان لم يكن الرفض والهروب من أي دعوة للتورط في حرب جديدة في ظل تطورات اجتماعية ـ اقتصادية ونفسية خاصة بالمجتمع الإسرائيلي, فالمجتمع اصبح خاليا من الرواد المؤسسين, واصبحت الايديولوجية الجامعة لهذا الكيان باهتة وغير محفزة ان لم تكن قد اختفت امام قيم سياسية واجتماعية اخري جديدة تعكس حالة الترف التي وصل إليها المجتمع الإسرائيلي, خصوصا في ظل غلبة ما يسمي في علم الاجتماع بـ الأسرة ذات الطفل الواحد التي هي احد المؤشرات المهمة للتمدن, فالأسرة التي لم يعد لديها غير طفل واحد باتت اقل استعدادا لقبول الزج بهذا الطفل الشاب في حرب قد لايعود منها.
احتفالات العيد الستيني بهذا المعني ليست أكثر من علاج نفسي يهدف إلي ترميم ما تداعي من تماسك المجتمع الإسرآئيلي بفعل عوامل بنائية داخلية وعوامل اخري تاريخية ترجع إلي العلاقة بين الانسان والأرض, بين من يعيشون علي ارض ليست ارضهم يشعرون معها, رغم مرور السنين بكل مشاعر الغربة, وبين ارض تأبي ان تهدأ دون احتضان شعبها المشرد واللاجئ بعيدا عن محطات انتظار يوم العودة.
انها معادلة احتضان الجغرافيا للتاريخ والتصاق التاريخ بالجغرافيا التي تفتقدها إسرائيل والإسرائيليون ولاتحققها احتفالات صاخبة أو وعود وضمانات مسرفة حتي لو كانت وعودا بتهويد الأرض وتغريبها كما تم تغريب شعبها فالأرض ستبقي هي الأرض تعرف شعبها وتلفظ ما دونه.
|