تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
تقرير القاهرة
جديد
تقارير سنوية
التقرير الإستراتيجي العربي
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دليل الحركات الإسلامية
تقرير الحالة الدينية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
تحليلات عربية و دولية
برامج بحثية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
سلسلة الأحزاب المصرية
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
تحليلات عربية و دولية


44333 ‏السنة 132-العدد 2008 ابريل 23 ‏17 من ربيع الآخر 1429 هـ الأربعاء





مصر بين عالم جديد وعالم قديم
بقلم‏:‏ د‏.‏ حسن أبوطالب




في لحظات التغير الاجتماعي والسياسي الكبري‏,‏ كثيرا ما يحدث قدر من الالتباس‏,‏ وقدر من الارتباك‏.‏ فلا القديم بات صالحا علي إطلاقه‏,‏ ولا الجديد بات سائدا يحكم بمعاييره وآلياته‏.‏ وهنا يحدث الصراع والتنافس‏,‏ جزء منه بين أجيال وجزء آخر بين قيم ومعايير وآليات‏.‏ وبالتأكيد هناك مصالح كبري وراء كل منهما‏.‏ وما يجري الآن في مصر يمكن تفسير الجانب الأعظم منه باعتباره تعبيرا دقيقا وحيا عن عملية فك اشتباك بين منظورين للحياة في السياسة والاجتماع والثقافة والاقتصاد‏.‏ الأول منظور تقليدي كلاسيكي جامد لا يعترف بالتغيير ولا يقبل بالجديد‏,‏ وان حاول التعامل معه نظر إليه بارتياب وشك‏,‏ وتصور انه بالإمكان استيعاب هذا الجديد بنفس آليات العصر القديم‏,‏ أو مجرد قدر من الترهيب كفيل بوقف عجلة الزمن‏.‏

أما المنظور الثاني فهو منظور التكيف الايجابي مع حركة الحياة المعاصرة‏,‏ بما فيها من عولمة ومنافسة وقبول القيم الجديدة وإفساح المجال للأجيال الصاعدة والاعتراف بحقها في الظهور والانتشار‏,‏ فضلا عن التداخل في الأسواق واشتباك طوعي بين المجتمعات والأفكار والقيم‏,‏ وان كان لا يخلو أحيانا من تعصب وسوء تقدير‏.‏ هذان المنظوران يشتبكان الآن في مصر بطريقة عصبية بعض الشئ‏,‏ لاسيما ان هناك غيابا شبه كامل للآليات السلمية التي تفسح المجال للانتخاب الطبيعي للقيم والمصالح‏,‏ ومن ثم يحدث الارتباك الذي نراه في كثير من الأشياء حولنا‏.‏ كما يحدث نوع من التجريم بالمعني القانوني أحيانا وبالمعني الرمزي أحيانا أخري‏.‏ وغالبا ما يكون القرار المناسب هو الضحية والمجتمع بأسره هو الخاسر‏.‏

دعونا ننظر مثلا إلي ثلاثة تطورات عاشها المجتمع المصري في الأيام القليلة الماضية‏,‏ أولها تجربة إضراب‏6‏ إبريل الحالي وما أثارته من جدل حول دور موقع‏'‏ الفيس بوك‏'‏ الشهير بين الشباب في العالم اجمع وليس في مصر وحدها في الدعوة إلي الإضراب‏.‏ وثانيها قرار نقيب الممثلين منع الفنانين العرب العمل في مصر إلا عملا واحدا في السنة‏.‏ والثالث الحركة الشعبية التي يقوم بها بعض أبناء محافظة دمياط للدفاع عن البيئة في جزيرة رأس البر في مواجهة مشروع استثماري كبير تؤيده الحكومة‏,‏ ولكن أهل رأس البر يرون فيه مخاطر جمة علي مصالحهم وحياتهم‏.‏ وقد يبدو لكثيرين أن كلا من هذه التطورات لا علاقة له بالآخر‏,‏ وأنه لا يوجد ما يجمع بين الإضراب ومنع الفنانين العرب والاحتجاج السلمي لأهل دمياط‏.‏ لكن الأمر أعقد من ذلك بكثير‏.‏ ففي هذه التطورات الثلاثة ما يؤكد أن مصر تعيش تلك اللحظة الفاصلة بين زمنين‏,‏ وأننا نشهد بالفعل عملية تحول كبري لكن للأسف يخطئ البعض في التعامل معها أو إدراك مغزاها‏.‏ ففي حالة الدعوة إلي الإضراب خرج البعض باستنتاج أن موقع‏'‏ الفيس بوك‏'‏ مسئول عن هذه الدعوة المجرمة في القانون المصري‏,‏ وبالتالي فلا بد من تجريم الموقع وتجريم من يتعامل معه والدعوة إلي حجبه‏,‏ وتطرف البعض واعتبر أن‏'‏ الفيس بوك‏'‏ هو بمثابة حجرة سرية تضع مصر في بؤرة اهتمامها وتعمل علي إفساد الحياة فيها ودعوة الناس إلي التمرد والانقلاب علي بلدهم‏.‏

مثل هذه الاستنتاجات يمكن وصفها بأنها استنتاجات الحرس القديم الذي يتصور انه قادر علي وقف عقارب الزمن‏.‏ فما حدث من الدعوة إلي الإضراب‏,‏ ومشاركة اكثر من‏65‏ ألف شاب‏,‏ كثير منهم لم يعرف الفارق بين الإضراب والمظاهرة والاعتصام هو نموذج لحركة الزمن‏,‏ ومثال علي التطور النوعي في حركة الأجيال الشابة والتي ستتسلم شئون هذا البلد في المستقبل القريب‏,‏ فهؤلاء هم نتاج عصرهم ولا يمكن تجريم ما يفعلونه تحت أي ذريعة‏,‏ وبدلا من اعتبارهم مسئولين عن دعوة أو فعل غير مريح أو غير قانوني‏,‏ فلابد أولا البحث في الأسباب التي دعتهم إلي فعل ذلك‏,‏ والإجابة عن السؤال الأهم‏:‏ لماذا لجأ هؤلاء إلي وسيلة الإنترنت بدلا من اللجوء إلي الأحزاب السياسية التي يفترض أن تكون قناة التعبير السلمي والقانوني عن هموم المواطنين ومطالبهم المشروعة؟ ناهيك بالطبع أن أية دعوة سواء بالإنترنت أو بغيره لا تنجح جزئيا أو كليا إلا إذا كانت هناك أسباب حقيقية يشعر بها الناس تدفعهم للمشاركة في هذه الدعوة والتفاعل معها‏.‏ ولذا لا يبدو منطقيا حصر المسئولية في شابة يقال إنها صاحبة الدعوة إلي الإضراب فقط لكونها شاركت في مدونة وعبرت عن رأيها وشاركها آخرون الرأي نفسه‏.‏

لقد طالبنا مرارا بفتح الأبواب والنوافذ الشرعية والسلمية للأجيال الجديدة لكي تأخذ حقها في العمل العام وتمارس نصيبها في المسئولية تجاه نفسها وتجاه مجتمعها‏,‏ وأن تترك لها حرية العمل السياسي وفق القانون حتي في داخل الجامعة‏,‏ وعدم تركها نهبا للتيارات والعوامل التي تدفعها إلي الارتباك والانكفاء علي الذات‏.‏ وها نحن نعيد تأكيد هذه الدعوة ونراها صمام أمان الانتقال السلمي للمجتمع المصري‏.‏

الشئ نفسه يقال بالنسبة لقرار منع الفنانين العرب من العمل في الأعمال الفنية التي تنتج في مصر إلا عملا واحدا في العام ولغرض إتاحة الفرصة للفنانين المصريين الذين لا يجدون عملا‏.‏ وهو تبرير لا يبدو مقنعا بأي حال ويتصادم مع حالة الترابط العربي الذي يقوم به الفن في اللحظة الراهنة‏,‏ والتي بدورها تقلل من تأثير التباعد السياسي بين الحكومات وبعضها‏.‏ وقد قيل الكثير في سوء القرار وكونه لا يقدم حلولا عملية لأزمة بطالة الفنانين‏,‏ ويضعف عمدا الدور الريادي الذي يلعبه الفن والفنانون المصريون في الفضاء العربي‏.‏ وأضيف أن القرار يعد نموذجا آخر لعدم إدراك العصر الذي نعيش فيه‏,‏ ذلك العصر الذي تتداخل فيه المجتمعات والأسواق والمنافسة فيه قائمة علي الإبداع والتجويد والعلم والموهبة الحقيقية‏.‏ لقد فات العصر الذي كان يمكن فيه تغيير المسار بقرار إداري تعسفي غير مدروس يرضي العامة شكلا ويقضي علي مستقبلهم مضمونا‏.‏ لقد كان الأوفق أن يقوم نقيب الممثلين بالاستعانة بجهات متخصصة في دراسة كيفية تنشيط سوق الفن المصري وكيفية صقل مواهب الفنانين الذين يبدأون خطواتهم الأولي‏,‏ وان يعمل علي جذب تمويل لأعمال فنية كبري يشارك فيه هؤلاء‏.‏ أما الاكتفاء بقرار غير مدروس يحمي أنصاف المواهب دون مبرر‏,‏ فهو عمل لم يعد يصلح في زمن المنافسة والعولمة وانفتاح الأسواق والبحث دائما عن الموهبة الحقيقية وليست الزائفة‏.‏ لقد فات زمن الحماية العمياء‏.‏

وعلي عكس المثالين السابقين يبدو لي أن حركة أهل دمياط السلمية في حماية بيئتهم ومصالحهم الحياتية نموذجا يستحق التقدير‏.‏ هذه الحركة التي تجمع الآن بين العمل الرمزي ممثلا في رفع رايات سوداء‏,‏ وتحرك علمي يقوم به أساتذة جامعيون أجلاء في مجال البيئة يقدمون من خلاله الحقائق والتحذيرات حول خطورة إقامة مصنع ينفث التلوث في البيئة المحيطة المليئة بالناس‏,‏ وتحرك سياسي عبر قنوات قانونية ورسمية من خلال اللجوء إلي أدوات التعبير المختلفة وإلي الجهات الرسمية لعلها تأخذ بمخاوفهم وتحذيراتهم في الحسبان‏.‏

لكن ما يؤلم هنا أن البعض الذين يدافعون عن مصالح الطرف الآخر يرون في حركة أهل دمياط حركة العاجزين وحركة المكتئبين وحركة الموتورين والمدفوعين بحركات سياسية محظورة‏,‏ في تفسير يعكس عدم قدرة علي استيعاب ما يحدث في العالم وكيف أن الشعوب تتعلم من بعضها البعض‏,‏ وان هذا التعلم لا يمكن الوقوف أمامه مهما كانت الكلمات قاسية والاتهامات المسيئة سابقة التجهيز‏.‏

خلاصة القول‏,‏ إن البعض منا لا يدرك طبيعة العصر الذي نعيش فيه‏,‏ هؤلاء أسري لنمط تفكير عفا عليه الزمن‏.‏ يتصورون أن بإمكانهم عبر قرارات إدارية عقيمة أن يوقفوا عجلة الزمن أو أن يعيدوا عقارب الساعة للوراء‏.‏ لقد غاب عن هؤلاء أن الأجيال الجديدة قادمة لا محالة وهذا حقها‏,‏ وأن العصر الذي نعيش فيه فرض آلياته وأساليبه في كل شئ‏,‏ وان الواقف أمامه كمن يصارع الهواء‏.‏ وبالقطع سوف يهزم شر هزيمة‏.‏




الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://acpss.ahram.org.eg/

http://www.ahram.org.eg/