|
|
| تحليلات عربية و دولية |
44312 السنة 132-العدد 2008 ابريل 2 25 من ربيع الأول 1429 هـ الأربعاء
القمح.. مسئولية الحكومة ومسئولية الناس بقلم: د. حسن أبوطالب
حين قرأت التحقيقات الصحفية التي نشرت في الأسبوع الحالي حول قيام بعض مزارعي القمح ببيع محصول القمح الأخضر لتجار مجهولين, شعرت بالفزع والغضب في آن واحد. فالمحصول الأخضر يعني انه في طور النمو, واقتلاعه من الأرض هو اقرب إلي القتل غير الرحيم. صحيح أن الذين يبيعون المحصول غير ناضج يحصلون علي مبالغ مالية كبيرة للغاية, وفقا للتحقيقات المنشورة, لكنهم مقابل ذلك يشاركون في حرمان الناس من غذائهم الطبيعي, أو بمعني آخر يشاركون في جريمة مقابل الحصول علي منفعة خاصة.
وقد حاولت جمع اكبر مادة ممكنة عن هذه القضية, كما سعيت إلي الاستفسار من بعض أساتذة الزراعة الأجلاء عن حقيقة هذه الظاهرة وطبيعتها, والأهم التساؤل عن مغزي التوقيت, وعلاقة هذه الظاهرة إن وجدت بقضية أزمة رغيف العيش التي تعيشها البلاد منذ فترة, والمرشحة للاستمرار لمدة أخري في حدود الشهرين قبل أن تحدث انفراجة كاملة كما وعد بذلك رئيس مجلس الوزراء د. نظيف.
واعتقد أن من حق القارئ أن يعلم انني لست مختصا بشئون الزارعة الفنية, ومع ذلك فقد خضت في الموضوع ليس بصفته موضوعا زراعيا محضا كما قد يتصور البعض, ولكن بصفته موضوعا سياسيا بالدرجة الأولي. والسياسة التي أعنيها هنا هي فن اتخاذ القرار وتوزيع المسئوليات وتحديد الاختصاصات والموارد والحصص والجدول الزمني وصولا إلي المستهدف تحقيقه. وبالتالي فإن بيع محصول القمح وهو أخضر يعد قضية سياسية بالدرجة الأولي, وليس موضوعا تجاريا بحتا يخضع للعرض والطلب, وحسب كما قد يتصور البعض.
مما قيل في المادة الصحفية المنشورة, يمكن رسم صورة تقريبية لما يجري, أو بالأحري لما قد يكون يجري, فهناك مجهولون يقومون بالتعاقد مع بعض المزارعين لشراء المحصول وهو سنابل خضراء بمبالغ تصل إلي10 آلاف جنيه للفدان الواحد. لاسيما في مناطق من البحيرة والشرقية, في حين أن بيعه بعد تمام نضجه ووفقا للأسعار التي يتوقع أن تشتري بها الحكومة لن تزيد بأي حال عن ألفين من الجنيهات. وبالتالي فهناك إغراء كبير للبيع قبل تمام النضج. وفي موازاة هذه القصص, أقاويل وشائعات تقول إن هؤلاء المجهولين ـ ولاحظ معي أيها القاريء أنهم مجهولون ولا يعرفهم أصحاب المزارع ومع ذلك يبيعون لهم ـ يأخذون هذه السنابل لغرض بيعها إلي أمريكا لكي تنتج منها وقودا حيويا, ومنهم من يبيع هذه السنابل لشركات متخصصة في صناعة أدوات التجميل, ومن غير الواضح هل هي شركات مصرية تعمل في أرض الوطن أم أنها شركات أجنبية تعمل في خارجه وتحصل علي المحصول عبر وسطاء محليين. فضلا عن أن بعض المادة المنشورة تحدثت عن قيام بعض تجار الماشية بشراء سنابل القمح الأخضر واستخدامه كأعلاف لتربية الماشية, نظرا لأنها توفر مبالغ طائلة مقارنة بشراء الأعلاف المعتادة التي ارتفع سعرها إلي عنان السماء.
لكن لابد من الاستدراك هنا, فهذه الصورة ليست شائعة ومنتشرة في جميع مناطق زراعة القمح, كما قد يبدو للوهلة الأولي, فالكثير من المزارعين في المنيا والمنوفية والغربية والدقهلية وسيناء والشرقية وبعض مناطق البحيرة قالوا انهم سمعوا عن هذه الروايات ولكنهم لم يتعرضوا لها مباشرة. وبينما استنكر بعضهم مسألة بيع القمح وهو سنابل خضراء, قال البعض الأخر إنهم لن يترددوا كثيرا في بيعه إن عرض عليهم مثل هذا السعر الكبير. وبما يعكس تنوع المشهد الزراعي.
ومن الواضح إذن إن الأمر فيه بعض المبالغات, دون أن يعني ذلك نفي الواقعة من جذورها, أو الانتهاء إلي أنها لم تحدث. كما أن قصة حصد المحصول وهو أخضر وتصديره إلي الخارج, أيا كان هذا الخارج, تبدو ذات طابع خيالي إلي حد كبير. فهناك منافذ للتصدير, وهي تحت بصر الدولة وسيطرتها, ولا يمكن أن تخرج هذه الكميات الكبيرة وكأنها شبح أو خيال افتراضي, أو دون ان يدري بها أحد, إلا إذا كان هناك تواطؤ حكومي وهو أمر مستبعد. كما أن التحقق من عملية حصد السنابل الخضراء مسألة يسيرة يمكن أن يقوم بها المشرفون الزراعيون ليحددوا من وقع في الفخ ومن انهار أمام الإغراء المالي الكبير وفضل مصلحته الخاصة, ومن راعي ضميره الديني والوطني ورفض إن يكون مشاركا في جريمة كبري في حق بلده ومجتمعه.
الأمر علي هذا النحو لا ينفي حدوث بيع سنابل القمح الأخضر, ولكنه لا يصل إلي حد الظاهرة المنتشرة والمتكررة. وهنا تتفق أقوال وزير الزراعة الحالي أمين أباظة مع تصريحات لوزير الزراعة السابق المهندس احمد الليثي في أن بعض شركات الأدوية تشتري كمية من القمح الأخضر لأغراض طبية, وبعض التجار يشترونه لغرض استخدامه كأعلاف. اما بيانات وزارة الزراعة فتقول إن اللجنة الفنية كشفت أن بيع المحصول الأخضر لم يزد عن200 فدان. وهي مساحة ضئيلة جدا.
ما الذي يمكن أن نخرج به من هذه الواقعة؟ في تصوري هناك عدة دروس يمكن استخلاصها; أولها وأهمها أن القمح المصري, رغم انه لا يكفي سوي50% او60% من الاحتياجات الفعلية لغذاء المصريين سيكون معرضا لمزيد من التكالب عليه في السنوات المقبلة لأغراض ليس من بينها الغذاء. وربما كانت الشائعات التي تحدثت عن تصدير السنابل الخضراء لغرض إنتاج الوقود الحيوي لدول كبري بمثابة بالون اختبار لمعرفة رد فعل المزارعين والحكومة معا, ومن ثم إيجاد السبل المناسبة للاحتيال عليها مستقبلا. ولذلك فإن تحديد موقف واضح ونهائي بتجريم حصاد القمح وهو سنابل خضراء, ووضع عقوبات رادعة لمن يفعل ذلك لاحقا, يعد مدخلا لا غني عنه لمواجهة هذه الحالة وهي في مهدها. ولا بأس هنا في تحديد مساحة صغيرة معروفة سلفا لشركات الأدوية المصرية لتحصل علي حاجتها من هذه السنابل, علي أن تنظم ذلك وزارة الزراعة وفقا لمعايير واضحة غير قابلة للتفسير لأكثر من منحي.
الدرس الثاني يتعلق بالدور الذي يجب أن تقوم به وزارة الزراعة والحكومة إجمالا لجعل زراعة القمح عملية جاذبة يقبل عليها الفلاح وهو مطمئن أنه سيحصل علي ارشادات جيدة وسماد بكميات وأسعار معقولة تبعا لنظام ري عادل ومنتظم ولا يخضع لأهواء مشرفي الزراعة وتدخلات ذوي الجاه, كما يحدث حاليا. فضلا عن التزام الحكومة بشراء القمح وفقا للأسعار العالمية, وعدم تكرار ما جري عام2006 حين قررت وزارة الزراعة دون سابق إنذار عدم شراء القمح من المزارعين مما افسد المحصول ودفع بكثيرين منهم إلي زراعة محاصيل أخري. وضاع علي مصر مئات الملايين من الدولارات.
الدرس الثالث يتعلق بالمزارعين أنفسهم, ومدي التزامهم بالخطط التي تضعها الدولة لزراعة القمح. والأمر هنا لا يتعلق بدروس ومواعظ تستحث النخوة والشهامة والوطنية وفي الوقت نفسه إهمال عنصر المصلحة المشروعة. فالمطلوب إيجاد علاقة متوازنة بين وزارة الزراعة وبين المزارعين, ومن ثم يصبح الالتزام علي الطرف الثاني أمرا مفروغا منه.
الدرس الرابع أن مصر التي لا تستطيع أن تعزل نفسها عن العالم بكل ما فيه من تيارات وسلوكيات مستحدثة, البعض منها يضر حتما بأولويات الدول النامية غذائيا وصحيا وبيئيا, مطالبة بأن تحصن نفسها بالوعي بما يجري وبأفضل أساليب المواجهة العلمية, ومطالبة أيضا بأن تصيغ علاقة صحية بين الحكومة والناس في الزراعة كما في غيرها من المجالات. وبحيث تكون الحكومة مؤسسة لحفظ الحقوق ومراعاة عدالة التوزيع, وقادرة علي استشعار الخطر ومواجهته بالعلم والتخطيط السليم وتعبئة جهود الناس وليس بعثرتها. عندها سيكون الناس خير سند في أي مواجهة مقبلة.
إن الشئ المؤكد هنا أن الغالبية العظمي من مزارعي مصر يراعون ضميرهم الديني والأخلاقي والوطني, وإن وجدت قلة تخرج عن الطريق القويم, فالردع والتقويم عبر القانون يصبح أمرا لا غني عنه.
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|
|