|
|
| تحليلات عربية و دولية |
44221 السنة 132-العدد 2008 يناير 2 24 من ذى الحجة 1428 هـ الأربعاء
لماذا تجاوزت ليفني الخطوط الحمراء؟ بقلم: صبحي عسيلة
'ليفني تواصل هجومها علي القاهرة'..' بعد انتقادها للأداء الأمني المصري, ليفني تنتقد السياسة المصرية في محاربة الإرهاب'...' ليفني تتحدي الجميع وتصر علي موقفها'...' ليفني تبدي أسفها للقاهرة'..' ليفني: انتقادي للقاهرة زلة لسان لن تتكرر'...' ليفني: انتقادي لم يكن بهدف استفزاز القاهرة'. هذه نماذج من عناوين تصريحات كان من المنتظر أن تشهدها الصحف الإسرائيلية وتتناقلها وسائل الإعلام العربية والدولية, إذا صح ما قيل من تحليلات بشأن تصريحات وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني التي تجرأت فيها علي مصر, وتجاوزت الخطوط علي حد وصف الرئيس مبارك, حينما اغتصبت لنفسها حق تقدير أداء مصر الأمني علي الحدود مع إسرائيل, وتحديدا ما يتعلق بمسألة التهريب عبر الأنفاق. حيث تشير تلك العناوين إلي نماذج لكل من حالة التصعيد وحالة التهدئة التي تتناسب مع الغضب الذي عبرت عنه القاهرة من تصريحات ليفني.
فبعد الهجود العنيف من جانب القاهرة بدءا بوزارة الخارجية وانتهاء بالرئيس مبارك, الذي استخدم لغة أقل ما توصف به أنها لغة تهديد صريحة لليفني, لم تعلق ليفني وحكومتها علي هذا الهجوم, بل إن إسرائيل تعاملت مع التصريحات( التهديدات) المصرية بصمت تام, وتم السماح لصحيفة' يديعوت أحرونوت' الإسرائيلية بإجراء حوار مع الرئيس مبارك عنف خلاله وزيرة الخارجية ليفني علي تصريحاتها, فيما يمكن اعتباره دليل واضح عن أسف إسرائيل الرسمية للموقف الحرج الذي تسببت فيه ليفني بتصريحاتها غير المسئولة, لا من حيث اللغة ولا من حيث التوقيت, والأهم من حيث أنها لم تعر الاهتمام الكافي لأهمية الطرف المقصود بالتصريحات, ولا للتداعيات المتوقعة لتصريحاتها علي العلاقات المصرية الإسرائيلية في حال تخلت مصر عن حكمتها المعهودة في التعامل مع مثل تلك الأزمات. وفي الواقع فإنه لابد من قراءة تصريحات ليفني, ثم صمتها فيما بعد في ضوء الاعتبارات التالية:
أولا: أن عدم رد أو تعليق ليفني علي الهجوم شديد اللهجة الصادر عن القاهرة, إنما يؤكد أن ليفني لم يكن هدفها من تلك التصريحات افتعال أزمة لإحراج القاهرة, بقدر ما كان افتعال أزمة تستحوذ علي الجانب الأكبر من الاهتمام, ومن ثم خطف الأضواء أو علي الأقل تقليل تركيزها علي زيارة باراك لحرمانه من جني ثمار زيارته الأولي لمصر كوزير للدفاع, التي أتت ـ في تقديري ـ لتفعيل البعد السياسي في عملية التسوية في إطار ما طرحه باراك من مبادرة تتعلق بالتركيز علي سوريا ولبنان وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية, ثم ما طرحته حماس بشأن استعدادها لتهدئة مع إسرائيل. ومن ثم فقد كان من الطبيعي في ظل الصراع الإسرائيلي الداخلي أن يتم إثارة موضوعات تبدو ـ رغم أهميتها ـ فرعية مثل قضية الجندي الإسرائيلي الأسير وموضوع التهريب عبر الأنفاق. فملف الجندي مغلق بسبب تصلب الإسرائيليين في مسألة الإفراج عن1400 أسير فلسطيني, ويبدو أنه سيظل كذلك لحين البت في المعايير الخاصة لدي الإسرائيليين بشأن تعريفهم لمن تلطخت أيديهم بالدماء. أما ملف التهريب عبر الأنفاق, فإن الرئيس مبارك قد حسم القضية تماما في تصريحاته أثناء لقائه بأولمرت في القاهرة قبيل مؤتمر أنابوليس, حين قال أن المسألة تحل فيما بين الأجهزة الأمنية التي تجتمع باستمرار, وأنه إذا كان لدي الإسرائيليين شئ ما فعليهم أن يطرحوه في اجتماعات تلك الأجهزة.
ثانيا: أن تصريحات ليفني تأتي في الأساس في إطار آليات ليفني لإدارة الصراع بينها وبين القادة الأساسيين في الساحة الحزبية الإسرائيلية. فليفني تحاول أن تحرم كافة الخصوم السياسيين من إضافة أي نجاح لرصيدهم, استعدادا لمعركة رئاسة الوزراء القادمة, حيث أنه من المعروف أن ليفني مرشحة بقوة لتولي رئاسة الوزراء في حال إجراء انتخابات في إسرائيل. وفي هذا السياق حرصت وزارة الخارجية المصرية في ردها علي تصريحات ليفني علي التأكيد علي أن ما قامت به ليفني إنما يندرج في الأساس في إطار التجاذبات الداخلية الإسرائيلية, وطالبت ليفني بضرورة أن تركز اهتمامها في الجهد التفاوضي المنوط بها مع الجانب الفلسطيني بدلا من أن تلقي الكلام جزافا في موضوعات لا يصح لها أن تتناولها دون دراية كافية.
ثالثا: تؤكد تلك التصريحات أن ليفني تحت ضغوط إدارة المعركة الداخلية قد بدأت تتخبط في التصريحات الصحفية. ففي ردها علي اتهام عضو الكنيست عن حزب الليكود' يوفال شتاينتس' لها بأنها منعت عرض أشرطة فيديو علي أعضاء الكونغرس الأمريكي يظهر فيها جنود مصريون وهم يساعدون عناصر من حماس علي تهريب أسلحة ومسلحين إلي قطاع غزة, قالت إنها عارضت نقل هذه الأشرطة إلي الجانب الأمريكي لتفادي إثارة غضب مصر. وهو الأمر الذي يشير إلي احتمالين, الأول هو أن تكون ليفني حريصة بالفعل علي عدم إغضاب مصر, ومن ثم تكون تصريحاتها بشأن التهريب دليل علي أنها لا تعرف كيف تصوغ تصريحاتها لتحقيق ما تريد. والثاني أن تكون غير عابئة بغضب مصر, ومن ثم يصبح من المؤكد أنه لا توجد أية أشرطة لديها, وإلا لكانت قدمتها للجان الأمنية التي أشار إليها الرئيس مبارك. كما أنه لا يمكن تقبل أن تمتلك وزيرة الخارجية أشرطة بتلك الأهمية ويكون القرار بإرسالها إلي واشنطن بيد وزيرة الخارجية دون رئيس الوزراء. وهنا يبرز مرة أخري صراع ليفني من أجل الزعامة, حيث تحاول تهميش الجميع والإيحاء أن بيدها كل الخيوط الأساسية. كما يمكن إدراج تصريحاتها بشأن عرب48 التي عبرت فيها عن أملها بأن تكون الدولة الفلسطينية في حال قيامها حلا لمطالبهم بالمساواة في دولة يعيشون فيها, بما يعني تبني ليفني لخيار الترانسفير, اعتمادا علي مبدأ التبادل السكاني مع الدولة الفلسطينية الوليدة, في سياق سعيها لكسب ود المتطرفين في الشارع الإسرائيلي, لاسيما وأن مبدأ الترانسفير بهذا الشكل هو ما يدعو إليه' أفيجدور ليبرمان' زعيم حزب' إسرائيل بيتنا' المتطرف.
وأخيرا فإنه من الواضح أن رد مصر العنيف وصمت ليفني التام يؤكد أن ليفني, التي لم تستفد من تجارب المحاولات الإعلامية السابقة لأقرانها بالهجوم علي مصر, قد استوعبت مغزي الرسالة التي مؤداها أن التجرأ علي مصر لا يمكن أن يمر بسهولة ودون تكلفة ما, وأن مصر لن تسمح بأن تكون علاقاتها مع إسرائيل ورقة في لعبة التجاذبات الإسرائيلية الداخلية.
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|
|