44224 السنة 132-العدد 2008 يناير 5 27 من ذى الحجة 1428 هـ السبت
تمويل الدعم ومخاطر النظرة الأحادية بقلم عبد الفتاح الجبالي
تمويل الدعم من الأمور المهمة التي تطرح عند الحديث عن هذه القضية, وللأسف غالبا ما تطرح هذه المسألة بصورة غير دقيقة وتعاني من خطأين أساسيين.. أولهما: أن الحديث عن ضرورة توفير الموارد المالية للإنفاق علي الدعم وحده, دون غيره من بنود الانفاق الأخري, يغفل عن أحد المبادئ الأساسية للمالية العامة ألا وهو وحدة الموازنة والقاضي بأنه لا يجوز تخصيص مورد معين لنفقة محددة, وبمعني آخر فإنه لا يجوز مثلا تخصيص إيرادات الضريبة العامة علي الدخل, للإنفاق علي الدعم أو الأجور أو مصروفات القوات المسلحة. إذ ينبغي تجميع كافة الموارد السيادية للدولة في وعاء واحد ووحيد,
ثم تتم بعد ذلك إعادة توزيعها علي بنود الإنفاق العامة المختلفة, وفقا للأولويات التي حددها المجتمع, عبر ممثليه في مجلسي الشعب والشوري, عند إقرارهما الموازنة العامة للدولة, التي أصبحت تلعب أدوارا مهمة وخطيرة علي كافة الأصعدة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. الأمر الذي يدفعنا للمطالبة بالمزيد من الاهتمام والتركيز عند مناقشتها السنوية داخل السلطة التشريعية, من جانب كافة قطاعات المجتمع. ويرجع السبب في ذلك إلي أنه علي الرغم من أن ندرة الموارد المالية تعد قيدا علي الجهود التنموية للحكومة, إلا أن الخبرة العملية قد أفصحت عن أن أسلوب إدارة الموازنة يلعب هو الآخر دورا لا يقل أهمية في التأثير علي كفاءة وفعالية الإنفاق العام والإيرادات العامة.
الخطأ الثاني في هذا الصدد يتعلق بالحديث عن كون الإنفاق علي الدعم هو بالضرورة اقتطاعا من بنود الإنفاق الأخري مثل الصحة والتعليم والإسكان وغيرها, وهذه نظرة أحادية الجانب إذ تنظر إلي جانب واحد من الموازنة وهو جانب الإنفاق ولا تنظر إلي الجانب الآخر وهو موارد الدولة, فالموازنة العامة للدولة ذات جانبين هما الاستخدامات والموارد, وبالتالي فالرؤية الصحيحة للمسألة تتطلب النظرة إلي الجانبين معا. وهنا يصبح التساؤل: هل وصل المجتمع إلي طاقته القصوي من الإيرادات السيادية, خاصة الضريبية, أم أن المستوي الحالي لها مازال به الكثير من القصور؟ وهل هناك إمكان لدي صانع القرار المالي للتحرك علي هذا الجانب؟.
وتأتي أهمية هذه التساؤلات في ضوء ما استقر عليه الفكر الاقتصادي والمالي الحديث, الذي أكد أن الإصلاح الضريبي الكفء هو الذي يساعد علي إيجاد مناخ جيد للاستثمار, مع ضمان تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة الضريبية, ويوفر الموارد المالية اللازمة لخزانة الدولة لتمويل الإنفاق الاجتماعي في آن واحد. شريطة أن يتحقق ذلك في إطار من التنسيق والتناغم بحيث لا يطغي هدف علي آخر. وبالتالي فالسياسة الضريبية الكفء هي التي تتمكن من توليد زيادات مستمرة في الإيرادات, بما يتواكب مع النمو في الدخل الأسمي دون تغييرات متواترة في معدلات الضرائب أو إدخال ضرائب جديدة.
من هذا المنطلق يمكننا الإجابة عن التساؤلات السابقة وغيرها, وبرغم أن ذلك يحتاج إلي تحليل مفصل لجانب الإيرادات العامة للدولة, وهو ما يخرج بنا عن سياق هذه المقالة, فإننا سنكتفي هنا بالإشارة إلي أن الإيرادات العامة للدولة قد ارتفعت من75.9 مليار جنيه خلال العام المالي2001/2000 إلي180.2 مليار جنيه خلال العام المالي2007/2006. ويرجع ذلك إلي زيادة الإيرادات العامة من الضرائب من50.3 مليار إلي114.3 مليار خلال العام المالي2007/2006. فضلا عن ارتفاع الإيرادات الأخري من23.7 مليار إلي62 مليارا خلال الفترة نفسها. مع ملاحظة أن نسبة الإيرادات العامة إلي الناتج المحلي الإجمالي( بالأسعار الجارية) قد ارتفعت من21.2% في العام المالي2001/2000 إلي24.7% في العام المالي2007/2006.
عموما, فإن حصيلة الضرائب ككل قد ارتفعت من50.3 مليار جنيه في عام2001/2000 إلي114.3 مليار في عام2007/2006. مع ملاحظة أن نسبتها إلي الناتج المحلي الإجمالي قد ارتفعت بنسبة ضئيلة للغاية من14% إلي15.7% خلال الفترة سالفة الذكر. وهذه الأرقام وغيرها تؤكد حقيقة أساسية مفادها أن هناك
إمكانات واسعة وطاقة ضريبية كبيرة في المجتمع, فمثلا هل من المعقول أو المقبول أن تظل حصيلة الضرائب علي المهن غير التجارية عند225 مليون جنيه في نهاية عام2007/2006. ويظل عدد الممولين لهذه الضريبة نحو400 ألف فقط برغم كل هذه الحملات الإعلانية للتوعية بالضرائب. وهل يمكن أن تظل الحصيلة من الضرائب علي النشاط التجاري والصناعي, التي بلغت3137 مليون جنيه عام2007/2006, أقل من نصف حصيلة الضرائب علي المرتبات والأجور التي وصلت إلي6192 مليون جنيه في الفترة نفسها, برغم أن عدد ممولي الأولي يصل إلي5.6 مليون مقابل8.5 مليون للثانية, وبرغم ارتفاع قيمة الإعفاء للثانية مقارنة بالأولي.
من هنا, فقد أحسنت الحكومة صنعا حين تقدمت بمشروع قانون للضرائب علي العقارات المبنية, برغم ما به من مثالب, إلا أنه يهدف إلي إخضاع كافة العقارات الكائنة في جميع أنحاء المجتمع للضريبة, بما في ذلك المجتمعات العمرانية الجديدة والساحل الشمالي, الأمر الذي سيوفر قدرا لا بأس به من الموارد للخزانة العامة, خاصة أن حصيلة هذه الضريبة لم تتجاوز188 مليون جنيه في العام المالي2007/2006 برغم الثروة العقارية الهائلة بالمجتمع.
وبالتالي هناك مجالات كثيرة للتحرك في هذا المجال, تأتي علي رأسها مكافحة التهرب الضريبي والتهريب الجمركي الذي أصبح منتشرا بشدة في الآونة الأخيرة, وخير دليل علي ذلك الحجم الهائل من الأقمشة والمنسوجات المتداولة بالأسواق, ناهيك عن العربات الفارهة التي أصبحت تجوب شوارع القاهرة وهي تحمل أرقام أتوبيس خاص وهو ما لا ينطبق عليها بأي حال من الأحوال, ولا ندري كيف يتم السكوت علي مثل هذه الظواهر التي تمثل هدرا كبيرا للموارد.
من هذا المنطلق تأتي أهمية الإصلاح الضريبي كمكون أساسي في معظم برامج التطوير والتحديث التي تتبناها الدول المتقدمة والنامية علي حد سواء. وقد أثبت الواقع العملي أن نجاح الإصلاح الضريبي يتطلب عملية تغيير شاملة في النظم الضريبية والإدارية والتنظيمية, خاصة أن التشريع الضريبي لا يمثل, برغم أهميته القصوي, سوي ركن واحد من أركان الإصلاح الضريبي الشامل.
|