تعريف
رأيك في الأحداث
تعليقات مصرية
تقرير القاهرة
جديد
تقارير سنوية
التقرير الإستراتيجي العربي
الإتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية
دليل الحركات الإسلامية
تقرير الحالة الدينية
دوريات شهرية
كراسات إستراتيجية
ملف الأهرام الإستراتيجي
مختارات إسرائيلية
قراءات إستراتيجية
مختارات إيرانية
قضايا برلمانية
دوريات ربع سنوية
أحوال مصرية
الديمقراطية
تحليلات عربية و دولية
برامج بحثية
الكتب
موسوعة الشباب السياسية
وحدة دراسات الثورة المصرية
الندوات و المؤتمرات
برنامج دراسات الرأي العام
سلسلة الأحزاب المصرية
التطور المؤسسي للوزارات المصرية
سلسلة المحافظات المصرية
سلسلة النقابات المصرية
تقرير النشاط السنوي للمركز
تحليلات عربية و دولية


44233 ‏السنة 132-العدد 2008 يناير 14 ‏6 من المحرم 1429 هـ الأثنين





تحية لرجال القوات المسلحة المصرية
بقلم‏:‏ د‏.‏ عبد المنعم سعيد



‏كنت من ذلك الجيل الذي شرفته الظروف التاريخية لهزيمة يونيو‏1967‏ أن أكون جنديا بين صفوف القوات المسلحة المصرية‏,‏ فدخلتها قبل وفاة الرئيس جمال عبدالناصر بأيام‏,‏ وتركتها بعد عام من حرب أكتوبر المجيدة‏.‏ وعلي مدي سنوات أربع كانت المؤسسة العسكرية الإطار الذي تعلمت فيه الكثير عن مصر وشعبها ودولتها حيث لاتوجد مؤسسة أخري قادرة علي احتواء كل المصريين علي تنوعهم الجغرافي والثقافي‏.‏

وبعد انتهاء المهمة حدث أن شاركت في عدد من الأنشطة مع مركز الدراسات الاستراتيجية‏,‏ ومع كليتي الحرب والدفاع في أكاديمية ناصر العسكرية‏,‏ ومناسبات أخري كان فيها ضروريا إضافة خبرة العلوم السياسية الي خبرة العلوم الاستراتيجية‏.‏ وفي كل هذا التاريخ كانت القوات المسلحة واقفة وحدها معبرة بنقاء وصفاء عن تقاليد عريقة للدولة المصرية في وقت تبدو فيه قطاعات سياسية عديدة فاقدة للإيمان بأهمية الدولة وهيبتها‏,‏ بينما توجد قطاعات أخري تبدأ بتقويض دعائمها المدنية الحديثة واستبدالها بدولة دينية يحكمها الفقهاء‏.‏

وخلال الأيام القليلة الماضية تقاطعت طرق الحياة مرة أخري بعد سنوات طويلة مع القوات المسلحة ثلاث مرات عكست كل منها بعدا من أبعاد مؤسسة اجتمع فيها اليقين في زمن ساد فيه الشك‏,‏ وظهر فيها الوضوح في وقت أصبح فيه الغموض منتشرا‏.‏ وكانت المرة الأولي حينما شاهدت عملية توديع القوات المصرية الذاهبة الي دارفور في مهمة سلام في البلد الشقيق‏.‏ كان الرئيس مبارك وكافة القيادات المصرية في وداع جنود وضباط من أهلنا ذاهبين الي الخطر من أجل تحقيق أهداف ومصالح قومية وإنسانية أيضا‏.‏ ولم تكن هذه هي المرة الأولي التي تقوم به القوات المصرية بمهمة السلام في بلد شقيق‏,‏ فقد سبقت مهمة دارفور مهمات أخري في الكونغو والبوسنة والصومال ولبنان وأفغانستان وغيرها‏.‏ وفي كل مرة من هذه المرات كانت القوات المسلحة المصرية تقوم بمهامها في إخلاص ومهارة سواء ماتعلق بأعمال عسكرية محضة تمنع الخطر أو كانت مهمات مدنية خالصة تمنح الفرصة لشعوب وجماعات لم يبق أمامهم سوي اليأس‏.‏ والواقع أنه في ظل الصراعات العالمية المعاصرة انهار الحاجز بين المهام العسكرية والمدنية‏,‏ واندمج الهدم والبناء في جدلية عجيبة‏.‏

هذه المرة بالنسبة للقوات المصرية كانت المهمة بالغة الحساسية حتي بأكثر من كل المرات السابقة‏,‏ فالمهمة لم تكن فقط خاصة بالسودان كبلد شقيق‏,‏ وإنما لأنها تجري في وقت أصبح فيه انقسام السودان بين الشمال والجنوب مساويا لاحتمال بقائه موحدا‏,‏ ولأنها تجري بينما توجد انقسامات أخري بين الحكومة السودانية والشرق‏,‏ وكل ذلك يحدث وسط تدخلات دولية شتي من دول عظمي ومنظمات دولية ليس معروفا فيها الحدود بين الخير والشر وبين من هو ساع لحل الأزمة ومن هو يشعل النار فيها‏.‏ وبالتأكيد فإن قضية دارفور ذاتها كانت لها تعقيداتها الخاصة‏,‏ فالقضية اختلطت فيها قضايا ومصالح النفط واليورانيوم والرعي والمياه والقبلية‏,‏ ومع الزمن جمع كل ذلك خلطة جديدة متفجرة ودامية بالبارود والسلاح‏.‏ ووسط ذلك ذهبت القوات المسلحة المصرية حاملة أفضل تقاليدها‏,‏ وأنبل مقاصدها لكي تقيم سلاما طال غيابه ولكي تبني ماكثر الهدامون فيه‏.‏

المرة الثانية حدثت حينما اجتمع عدد من أعضاء لجنة الشئون العربية والأمن القومي المصري بمجلس الشوري مع مجموعة من خبراء الكونجرس الأمريكي حيث دار حوار عميق حول قضايا العلاقات المصرية ـ الأمريكية وهي كثيرة الي درجة تشمل العقود منذ منتصف السبعينيات وحتي الآن‏.‏ ولمن لايعرف فإن اللجنة التي يقودها السفير محمد بسيوني ـ سفير مصر لدي اسرائيل لعشرين عاما بالإضافة لخدمة طويلة في القوات المسلحة المصرية كان فيها ضابط الاتصال بين القوات المصرية والسورية في حرب أكتوبر ـ تضم مجموعة من الخبرات العالية في أمور السياسة الخارجية والأمن القومي وكلها تتداخل وتتشابك مشاكلها وأزماتها بشكل أو بآخر مع الولايات المتحدة الأمريكية ونفوذها في العالم وفي الشرق الأوسط‏.‏ وكان الوفد الأمريكي قد عاد لتوه من سيناء والحدود المصرية الفلسطينية

حيث استمع من القيادات العسكرية المصرية الي وجهة النظر المصرية فيما هو مثار من قضايا آخرها موضوع الأنفاق الذي بات محط احتكاكات مصرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل‏.‏ وكانت الشهادة الأمريكية بعد اللقاء المباشر هو الاقتناع بوجهة النظر المصرية في القضية‏,‏ ومعها تقدير كبير للمهنية العالية والرفيعة للعناصر العسكرية التي تقابلوا معها والتي شرحت الموقف بالحجة والبينة‏.‏

وبالطبع فإن العسكريين المصريين لا يحتاجون شهادة من خبراء أمريكيين أو من غيرهم‏,‏ ولكن المهم هنا كيف أن القوات المسلحة بالإضافة إلي المهام المتنوعة التي تقوم بها فإن واحدا من مهامها الجديدة أن تكون في طليعة شرح وجهة النظر المصرية علي الطبيعة حيث البرهان والحقيقة‏.‏ هنا لا يوجد مجال لداعية أو إعلام أو زخرفة كلام‏,‏ وإنما منطق يقوم عليه مصالح الدول وأمنها الوطني‏.‏ وكان ذلك هو القاعدة التي دار حولها النقاش بين المجموعة المصرية في مجلس الشوري والمجموعة الأمريكية من الكونجرس حول قضايا متنوعة لها علاقة مع العراق والصراع العربي الإسرائيلي‏,‏ وبالطبع إيران‏.‏ وهنا من جانبنا كانت الأمور واضحة أن مصر متمسكة بالسلام‏,‏ ولكن هذا السلام لا يقوم‏,‏ بينما الحرب تشتعل أوارها في المنطقة كلها سواء بما تقوم به الولايات المتحدة وحدها أو بالشراكة مع آخرين‏.‏

المرة الثالثة حدثت يوم الخميس الماضي حينما تلقيت دعوة كريمة من المشير حسين طنطاوي ـ القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي ـ لحضور الاحتفال بيوم التفوق وتسليم وتسلم المنطقة المركزية العسكرية‏.‏ ولم تكن هذه الدعوة خاصة بي بحال وإنما كانت مرة أخري باعتباري عضوا في لجنة الشئون العربية والأمن القومي في مجلس الشوري حيث شاركت في الاحتفال مع أعضاء في اللجان المقابلة في مجلس الشعب‏.‏ هنا عادت الأيام سيرتها الأولي قبل أكثر من ثلاثة عقود وأصبحت فورا في قلب القوات المسلحة مرة أخري وهي في أبهي حالاتها‏,‏ وفي زمن السلام وليس في وقت الحرب‏.‏

وحينما يكون الحال كذلك فإن القوات المسلحة المصرية تصبح مجسدة للتاريخ المصري كله‏,‏ فتتوالي العصور في احتفالاتها منذ العصر الفرعوني وحتي العصور الحديثة عبر العصور الإسلامية دون تعقيد‏,‏ كذلك الذي يجري في الاسلحة المدنية‏,‏ والانتقال من مرحلة ما قبل الثورة إلي مرحلة ما بعدها لا يوجد فيه ما يدهش أو يثير العجب أو يعبر عن حنين‏.‏ فأربعة وأربعون كوكبا ـ كما وصفهم القائد الذاهب للمنطقة المركزية ـ توالوا علي القيادة علي مدي‏84‏ عاما‏,‏ أي منذ عام‏1923‏ حينما ظهرت الدولة المصرية الحديثة إلي الوجود بعد غياب طال آلاف السنين كانت مصر فيه تابعة وجزءا من امبراطوريات أخري وإرادات أخري وقيادات أخري‏.‏

هذا الانسياب التاريخي من أحمس الأول وحتي حسني مبارك لصيق تماما بالدولة المصرية المدنية الحديثة حيث يكون تاريخ الدولة جزءا من استمرارية وجودية‏,‏ ولذلك فإن مهمة القوات المسلحة مرتبطة بالمرحلة الحالية وواضحة تماما بلا لبس ولا تأويل وهي الدفاع عن السلام والحفاظ علي الشرعية الدستورية وسلامة الأراضي المصرية‏.‏ وبهذا المعني فإن القوات المسلحة بقدر ما هي حامية للبلاد فإنها أيضا جزء من عملية التنمية التي هي صنو السلام حيث لا يقام أحدهما بدون الآخر‏,‏ ولا يفلح أيهما بدون الثاني‏.‏ فمن يتصور تنمية ساعة انفجار القنابل وأزيز الرصاص‏,‏ ومن يتخيل سلاما يقوم علي الجمود وبقاء الأحوال الصعبة علي ما هي عليه؟‏.‏ هنا فإن السلام يتوقف عن أن يكون مجرد أمل كما هو حادث مع دول أخري في المنطقة وإنما هو حالة واقعية‏.‏ والشرعية الدستورية لا تكون محض أوراق وقواعد يتقاتل الناس علي معناها كما هو الحال في لبنان‏,‏ ولكنها تعني تقاليد مرتبطة بسلامة الدولة ووجودها‏.‏

ولكن الاستمرارية التاريخية جزء من عملية أكبر تعبر عنها القوات المسلحة دون تعقيد لها علاقة أصيلة بعملية بناء الدولة المصرية المدنية‏.‏ فالتاريخ مهما كانت مراحله فقد كانت محض مراحل جاءت وذهبت ولكنها في كل الأحوال كانت تمثل مسيرة أمة مصرية احتضنت ذاتها حول نيلها وتحت سمائها وما بين بحريها مهما وفد عليها من سمات ولمسات خارجية أخذتها واختزلتها وحولتها إلي جزء من كيانها الخاص‏.‏ وحينما أعلن أن أول المتفوقين هو الضابط إميل طانيوس برسوم لمع ما كان منطفئا من وحدة وطنية تأخذ حدود الدين والملة باقتدار العلاقة مع الواحد القهار إلي رابطة الدولة والتاريخ والمصلحة‏.‏ حدث ذلك بسهولة ويسر‏,‏ ولم يكن يحتاج الأمر لقاء بين البابا وشيخ الأزهر‏,‏ ولا كان محتاجا لخطب طويلة عن الروابط الأزلية ولا أحاديث مطولة عن سبيكة عنصري الأمة التي لا يفكها بشر‏.‏

وببساطة كانت القوات المسلحة في المرات الثلاث نوعا من المؤسسة التي انصهر فيها أفضل ما عرفته مصر ويخص الدولة المدنية الحديثة‏.‏ ورغم أنها كانت تعرف ما تعنيه كلمات القائد العام حيث هي المؤسسة الوحيدة في مصر غير مسموح بالاسترخاء فيها بحكم مهمتها الدفاعية وبحكم تجسيدها للدولة المصرية‏;‏ فإنها من ناحية سوسيولوجية أخري كانت تعبر عما هو نبيل في هذه الأمة‏.‏ إن الأمة مدينة بتحية واجبة لرجال القوات المسلحة المصرية‏.‏
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023

شاركوا معنا بالرأي و التعليق

http://acpss.ahram.org.eg/

http://www.ahram.org.eg/