44234 السنة 132-العدد 2008 يناير 15 7 من المحرم 1429 هـ الثلاثاء
الجامعة العربية ولبنان.. في حسبة برما! بقلم: د. وحيد عبدالمجيد
عندما سئل السيد عمرو موسي ـ الأمين العام للجامعة العربية ـ يوم الخميس الماضي عن حسبة برما المتعلقة بتوزيع الحصص الوزارية في حكومة الوحدة الوطنية, قال للصحفيين الذين سألوه في بيروت: الارقام تسليكم, الأرقام ليست هي المشكلة, المشكلة مشكلة لبنان نفسه, والمشكلة كبيرة جدا.
والأرجح ان موسي لم يقصد التقليل من أهمية المعضلة الحسابية الخاصة بتركيب الحكومة القادمة ونصيب الاغلبية14 إذار والاقلية8 آذار فيها, بمقدار ما اراد ألا نغمس الجميع في لعبة أرقام الحصص الخاصة بكل من الفريقين المتصارعين علي مستقبل لبنان.
هذا فضلا عن ان جوابا مثل الذي قدمه اتاح له الافلات من الإلحاح الاعلامي الذي سعي إلي معرفة ما كان دائرا في لقاءاته مع الفرقاء اللبنانيين.
واذا كان صوابا القول بأن الأرقام ليست هي مشكلة لبنان بوجه عام, فصحيح ايضا انها هي المظهر الأكثر تحديدا في اللحظة الراهنة لازمة البلد الذي دخل شهره الثاني في حالة فراغ رئاسي.
ومعضلة الأرقام ليست جديدة, إذ تعود بدايتها إلي اعلان المعارضة اصرارها علي ان يكون لها ثلث عدد الوزراء زائد واحد, فيما يطلق عليه الثلث الضامن لمشاركتها في اصدار القرارات التي يشترط ان تحصل علي ثلثي الاصوات, أو الثلث المعطل لهذه القرارات إذا لم يحدث توافق عليها.
وهذه معضلة جوهرية من حيث إنها هي التجسيد المحدد اليوم للصراع علي الامساك بالقرارات السياسية الرئيسية أو الكبري في داخل مجلس الوزراء, ولذلك فهي ليست لعبة مسلية, بل لعبة منتفجرة تنطوي علي ألغام بالغة الخطر قابلة للانفجار في أي لحظة.
وما لم تكن كذلك, لما خصص البيان الذي صدر عن وزراء الخارجية العرب مساء5 يناير الحالي بنده الثاني لها, ولما أصبحت هي المعبر الذي ينبغي ان تمر عبره خطة التسوية المتضمنة في هذا البيان اذا كان لها أن تقود إلي حل.
فقد نص البند الثاني في هذه الخطة علي تشكيل حكومة وحدة وطنية فور انتخاب الرئيس التوافقي, وذلك وفقا للأصول الدستورية علي ألا يتيح التشكيل ترجيح قرار أو اسقاطه بواسطة أي طرف, ويكون لرئيس الجمهورية كفة الترجيح.
والهدف من هذا البند هو المساهمة في السعي إلي حل عقدة الثلث الضامن أو المعطل الذي تطالب به المعارضة, غير أن الحل الوارد في هذا البند لم يساعد في تسهيل جهود حل تلك العقدة, وإنما اثار خلافا جديدا عليها نتيجة عدم وضوحه, ويعرف المعنيون بقضايا تسوية الخلافات بين أي فرقاء داخليين هم أو اقليميين ودوليين ان النصوص التي تطرح سعيا إلي هذه التسوية قد تسهل جهودها أو تجعلها أكثر صعوبة.
ولذلك يقتضي الأمر أقصي درجة من الوضوح والتفصيل, خصوصا حين يتعلق الأمر بجهود لتسوية صراع في ظل أزمة عدم ثقة حادة بين طرفين, كما هو الحال في لبنان الآن.
غير أن هذا الوضوح لايتوافر في البند الثاني للخطة العربية, فقد فهم معظم أطراف المعارضة ان المقصود به حل للمشكلة يقوم علي ألا يكون لها ولا للاغلبية ثلث عدد الوزراء حتي لايتمكن احدهما من اسقاط القرار الذي يرجحه رئيس الجمهورية مع الفريق الآخر.
ويبدو أن هذا الفهم هو الاقرب إلي منطوق البند, وهو ألا يتيح ترجيح قرار أو اسقاطه بواسطة اي طرف.
فالصياغة هنا تعني حرمان الطرفين من القدرة علي ترجيح القرار أو اسقاطه بشكل منفرد.. وهذه صياغة لاتدعم موقف الأكثرية التي تفسره علي انه يرمي إلي ما يسميه أقطابها دون الثلثين للاغلبية.. ودون الثلث للمعارضة, وهذا التفسير امتداد لموقف الاغلبية الذي سبق ان رفضته المعارضة قبل اعلان الخطة العربية.
غير أن الاغلبية تسند موقفها بحجة لابأس بها, وهي أنه لايجوز موضوعيا حرمانها من القدرة علي الاسقاط مادام في امكانها حجب الثقة عن الحكومة في البرلمان, وان كان هناك فرق بين حالة اسقاط القرار الوزاري, والتي تتعامل معها الخطة العربية, وحالة اسقاط الحكومة.
ولذلك عاد اللبنانيون إلي الغرق في حسبة برما دون أن تقدم هذه الخطة ما يساعد علي انتشالهم, فقد بادر معظم قوي المعارضة إلي تفسير ما ورد في الخطة باعتباره مثالثة في الحصص بينهم والاغلبية ورئيس الجمهورية, بحيث يكون لكل منهم عشرة وزراء10+10+10.
وهذه حسبة تحرم الاغلبية كما المعارضة من القدرة علي اسقاط القرار الذي يتطلب اغلبية الثلثين, غير ان احد اطراف المعارضة تيار العماد عون بدا كريما مع الاغلبية اذ اضاف إليها4 وزراء, لكن في مقابل انتزاع الثلث المعطل للمعارضة بزيادة وزير واحد لها علي أن يبقي لرئيس الجمهورية خمسة فقط, لتكون الحسبة14+11+5!
وهكذا ما بين14+10+6 و10+10+10 و14+11+5 صارت الجامعة العربية وخطتها مهددتين بالغرق مع اللبنانيين, وكم من فاعل خير تطوعوا بالقفز لانتشال غريق أو غرقي, لكن الامواج كانت أقوي منهم.
ومع ذلك يظل ممكنا تجنب الغرق مع اللبنانيين عبر إرجاء البحث في الحصص الوزارية إلي النهاية, والبدء بالسعي إلي ايجاد توافق بينها علي البيان الوزاري بحيث يشمل هذا التوافق التزاما صارما بالبيان, أي بما يتم التوافق عليه واعلانه باعتباره محددات لعمل الحكومة.
فالأزمة تتعلق في جوهرها بعدم الثقة المتبادلة بين الفريقين, وربما يكون التوافق علي بيان وزاري ملزم لايجوز تغييره أو تعديله تعويضا جزئيا عن هذه الثقة.
وإذا لم يتيسر ذلك, فلنبحث في امكان حكومة عسكرية مؤقتة يشكلها العماد سليمان لستة أشهر مثلا, وتتوازي معها هيئة حوار وطني برعاية الجامعة العربية, فالمهم هو ان ننزع الفتيل, اليوم وليس غدا, وان نواصل السعي إلي حل الازمة غدا وبعد غد.
|