|
|
| تحليلات عربية و دولية |
44235 السنة 132-العدد 2008 يناير 16 8 من المحرم 1429 هـ الأربعاء
من ينصف اللاجئين العراقيين؟ بقلم: د. حسن أبوطالب
رغم التأخر في الاستجابة لمحنة اللاجئين العراقيين, فقد أقدمت الجامعة العربية علي خطوة طيبة بإطلاقها حملة عامة من اجل إنشاء صندوق لمساعدة اللاجئين العراقيين الذين فروا من بلدهم بعد الغزو والاحتلال الأمريكي البريطاني في العام2003, وهم الآن ينذرون بمحنة كبيرة قد تماثل محنة اللاجئين الفلسطينيين الذين ينتظرون العودة إلي وطنهم المغتصب منذ ستين عاما, ولا يوجد ما يبشر بذلك قريبا.
والخوف الأكبر هنا أن تستمر معاناة لاجئي العراق إلي مدي زمني غير منظور, لاسيما وان الأفق السياسي والامني الذي يعيش فيه العراق يبدو مسدودا رغم بعض التطورات والتحركات التي تقوم بها حكومة المالكي بالتنسيق مع القوات الأمريكية, وكان آخرها إصدار قانون المساءلة والعدالة كقانون بديل لقانون اجتثاث البعث سيئ السمعة. ولكن القانون الجديد لم يختلف كثيرا في مضمونه عن سابقه, بل يتصف بالغموض وعدم التحديد, والمرجح ألا يلعب دورا كبيرا في دفع جهود المصالحة السياسية الحقيقية, بل يعيد إنتاج أزمة استيعاب العراقيين الذين ارتبطوا بالبعث من قبل لأسباب عملية بحتة وليست إيديولوجية لمدي زمني آخر يكون كفيلا بتعقيد الوضع العراقي اكثر مما هو عليه الآن.
هذا الأفق المسدود يعود إلي عدة أسباب باتت معروفة للكافة, فثمة غموض حول مصير قوات الاحتلال الأمريكي بعد نهاية العام الجاري, وغموض أخر حول مصير المصالحة السياسية في الداخل, وغموض ثالث حول مدي التحسن الأمني النسبي وقدرته علي الاستمرار والتحول إلي تحسن أمني مؤسسي وليس تحسنا مستندا إلي قوة الميليشيات او فرق الصحوة المتعاونة مع القوات الأمريكية, فضلا عن غياب التوازن في تركيبة الحكم القائم وسطوة النزعة الطائفية علي حكومة المالكي والقوي السياسية الشيعية التي تناصرها, يقابلها سطوة فكرة الفيدرالية الموسعة التي تقارب التمهيد الفعلي للانفصال لدي القوي الكردية السياسية الفاعلة.
في ظل هذا الغموض والعناصر المعاكسة لإعادة بناء عراق آمن ومستقر وحاضن لكل أبنائه, تتفاعل أزمة ومعاناة اللاجئين العراقيين والمنتشرين في عدد من الدول العربية والأوربية. وحسب التقديرات المتاحة من المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة, هناك4.2 مليون لاجئ عراقي, نصفهم مرحلون في داخل العراق نفسه بفعل التوترات الطائفية وعمليات التطهير الطائفي التي سادت منذ تفجير مرقدي الأمامين العسكري في سامراء فبراير2005, والتي لعبت فيها عناصر جيش المهدي التابعة لمقتدي الصدر دورا بارزا ومقيتا بكل المعايير. قابلها دور مقيت آخر للعناصر التابعة للقاعدة وتوابعها. وهناك ما يقرب من مليونين عراقي موجودون في عدد من الدول العربية, أبرزها الأردن وسوريا واللذين يعيش فيهما ما يقرب من مليون وسبعمائة آلف عراقي, والباقون من اللاجئون موزعون علي عدد من الدول العربية الأخري أبرزها مصر ودول الخليج العربية ولبنان, إضافة إلي عدد من الدول الأوربية.
والمثير للشفقة والاستياء معا أن الولايات المتحدة وهي المسئولة الأولي سياسيا وقانونيا وأخلاقيا عن أزمة العراق بكل جوانبها وتفريعاتها, تعد أقل دولة استضافت لاجئين عراقيين, إذ لا يزيد عددهم عن ستة آلاف عراقي وحسب طوال السنوات الأربع الماضية, ومعظمهم من الذين تعاونوا مع القوات الأمريكية ومعرضون للتهديد. في حين أن بلدا كالسويد استضافت في العام2007 وحده أكثر من15 ألف لاجئ عراقي. و لا توجد أية نوايا أو مؤشرات لدي الإدارة الأمريكية لكي تعيد النظر في مثل هذا الموقف اللا أخلاقي.
هذا الهروب الامريكي من تحمل عبء اللاجئين العراقيين هو الوجه الآخر لتحمل أطراف عربية أخري هذا العبء وبدرجة تزيد عن القدرات المتاحة لديها بالفعل. ومثل هذه الفجوة بين الحاجات الفعلية والطبيعية والإنسانية للاجئين العراقيين وبين قدرات البلدان التي تستضيفهم, لاسيما سوريا والأردن ومصر ولبنان, هي التي تفسر زيادة المعاناة وقلة الخدمات التي يحصلون عليها تعليميا وصحيا, فضلا عن عدم السماح لهم بالعمل, اللهم في الأعمال الهامشية وربما غير القانونية أيضا, كما تؤكد ذلك قصص عراقيين دفعهم الاضطرار والحاجة إلي مثل هذه الأفعال في كل من سوريا والأردن.
وهكذا يتكامل البعدان السياسي القانوني المتمثل في التنصل الأمريكي من المسئولية, وفي اللامبالاة التي تصر عليها حكومة المالكي وغلبة النزعات الطائفية عليها, مع البعد الإنساني المتمثل في غياب الحقوق الإنسانية والخدمية لللاجئين العراقيين في معظم البلدان التي اضطرت إلي استضافتهم, وتصر علي التضييق علي حركتهم لاعتبارات عملية أو اقتصادية أو أمنية أو لها جميعا, فضلا عن أن الانقسامات بين العراقيين أنفسهم في الداخل تعكس نفسها علي تجمعاتهم أيضا في الخارج, وبما يزيد من معاناتهم وغلبة الانكفاء علي الذات, وفي الوقت ذاته عدم وضوح الدور الذي تقوم به المفوضية العليا للاجئين من خلال مكاتبها في الدول العربية المعنية في تقديم المساعدة لهم, وتسهيل عملية انتقالهم إلي بلدان ثالثة توافق علي توطينهم او استضافتهم لفترات أطول. وتلك بدورها مرهونة بالتعاون بين حكومة العراق غير المبالية بذلك أصلا, والدول العربية والهيئة الدولية.
إن قصص الاستغلال والابتزاز والتدني المعيشي التي يعيشها كثير من اللاجئين العراقيين تؤكد الحاجة إلي منهج عربي مختلف في التعامل مع هذه الأزمة المرشحة للاستمرار سنوات طويلة مقبلة. وأيا كان التفسير الذي تلجأ إليه هذه الحكومة او تلك في تبرير سياسة إغلاق الأبواب أمام اللاجئين العراقيين, فهذا لا يلغي أن هناك أزمة ذات طابع انساني تفرض نوعا من التراحم والتكاتف. وفي تقديري انه لا تنفع هنا تلك المقولات التي تسرد عادة في مثل الظروف من أن تحسين حياة اللاجئين في مواطنهم الجديدة قد يجعلهم عازفين عن العودة إلي وطنهم الأم. وهو التبرير الذي استخدم طويلا في عدم القيام بما ينبغي فعله إنسانيا تجاه اللاجئين الفلسطينيين, خوفا مما قيل انه التوطين الضار بالقضية الفلسطينية نفسها أو بالبلد الذي يقبل مثل هذا التوطين. وتبدو هنا حالة لبنان صارخة في هذا السياق.
وإذا كان الخوف من توطين اللاجئين الفلسطينيين مقبولا في حالات معينة, وللحفاظ علي قوة دفع للقضية الفلسطينية إنسانيا وسياسيا, فإن الأمر يختلف تماما بالنسبة للاجئين العراقيين, فهؤلاء لديهم دولة بالفعل, وهي دولة غنية, ولهم فيها ممتلكات وأعمال وتاريخ ومصير يستحيل علي أي منهم أن ينساه بسهولة. ولذلك فإن تحسين شروط استضافتهم وبما لا يخل التوازن الاجتماعي أو الأمني في البلد العربي نفسه يمثل ضرورة قصوي, دون أي خوف من توطين هؤلاء. فوجودهم هو وجود مؤقت ومرهون بتحول مسار العملية السياسية في داخل العراق نفسه. وتلك بدورها تضع التزاما علي الجامعة العربية وعلي كل أعضائها بأن تولي الشأن العراقي بعضا من الاهتمام. وهنا تتضح ضرورة المزج بين ما هو سياسي وما هو انساني.
بمعني آخر ان حركة الجامعة العربية الأخيرة في مساعدة اللاجئين العراقيين عبر مساعدة الدول التي تستضيفهم, أو عبر إثارة الانتباه إلي المدي اللا إنساني الذي وصلت إليه أحوال هؤلاء العراقيين, وإن كانت تعد جيدة بقدر ما, فهي لا تكفي ولا يجب اعتبارها نهاية المطاف. فهناك حاجة ماسة إلي أن يكون التحرك العربي سياسيا بالدرجة الاولي, عبر ممارسة كل أنواع الضغوط السياسية والمعنوية علي حكومة المالكي وكل القوي السياسية المرتبطة بها من شيعية وكردية لكي تحقق وعودها بمصالحة شاملة دون أي مراوغة, وان تخرج من بوتقتها الطائفية وأن تري العراق بعيون البلد الواحد الذي يتسع لكل أبنائه بغض النظر عن طائفته أو منطقته الجغرافية.
|
الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023
|
|