أجريوم بين المعارضة والحكومة والشركة الكندية

إيمان مرعى

‏العدد11‏:15يونيو2008
تصاعدت حدة التوتر والجدل الدائر حول قيام الحكومة المصرية بالترخيص لإقامة مصنع أجريوم للبتروكيماويات الكندى والمقرر إنشاؤه في الحيز العمراني لمدينة رأس البر بمحافظة دمياط . وعلي الرغم من أن الشركة لم تنته بعد من أعمال البناء في المصنع إلا أن ردود الفعل المناهضة ـ على المستويين الشعبي والحزبي ـ لإنشائه لا تزال مستمرة وفى تصاعد مطالبة بعدم إقامة المشروع وإبعاده عن محافظة دمياط.
بدايات الأزمة
تسلمت شركة أجريوم دراسة اقتصادية وقانونية ومالية عام 2003، من أحد أكبر المكاتب الاستشارية في مصر، والتي تعد فرعاً لأكبر المكاتب القانونية في الولايات المتحدة الأمريكية، انتهت هذه الدراسة إلي أن أفضل منطقة في العالم، لإقامة مجمع الصناعات النيتروجينية، هو الأرض الواقعة بمثلث رأس البر السياحي، لإطلالها علي البحر مباشرة وقربها من ميناء دمياط، حيث التصدير وحركة النقل البحري من خلال البحر المتوسط، هذا من الناحية البحرية، ومن ناحية أخرى لتوافر وقرب الغاز الطبيعى الذي يدير العملية برمتها ويكوِّن 70% من المنتج ذاته، فلن يحتاج إلإ إلي ماسورة نقل واحدة. وقد أوصت هذه الدراسة بأنه من المستحيل الحصول علي هذا الموقع المتميز للأرض والرصيف والماء والغاز بشروط وتسهيلات ميسرة إلا من خلال الدفع بطرفٍ حكومي. وبالفعل تقدمت شركة أجريوم بطلبٍ في 20/11/2004 إلي هيئة الاستثمار لتأسيس شركة أجريوم المصرية للمنتجات النيتروجينية، شركة مساهمة مصرية بنظام المناطق الحرة الخاصة، صدر علي إثره قرار هيئة الاستثمار رقم 4492/1 مؤرخ 14/12/2004 متضمنا الموافقة المبدئية علي إقامة المشروع، وممهلاً أجريوم الزمن المناسب للانتهاء من جميع الإجراءات المنصوص عليها في القانون، للحصول علي الموافقات اللازمة من الجهات الحكومية المختلفة، وأولها موافقة هيئة التنمية الصناعية، ثم العودة مرة أخري إلي هيئة الاستثمار بتلك الموافقات، لتتم الموافقة النهائية علي الشركة والعقد الابتدائي، وليصدر بعد ذلك القرار الوزاري الخاص بإنشاء الشركة، وفقاً لما جرى عليه العمل في تأسيس الشركات. وعلى النحو المقرر قانوناً احتفظت أجريوم بالموافقة المبدئية الصادرة من هيئة الاستثمار، ودفعت الشركة القابضة للقيام بعملية التفاوض مع هيئة ميناء دمياط. وفي الربع الأول من عام 2006 عقدت الجمعية التأسيسية الأولي لشركة أجريوم ، وفي يونيو عام 2007 حصل المشروع على قروض من البنوك المحلية لتمويله. بيد أن هذه البنوك المحلية الممولة لمشروع أجريوم وتشمل الأهلي المصري ومصر والتجاري الدولي والبنك العربي، أخطرت البنك المركزي ووزارتي الاستثمار والبترول بوقف تمويلها المشروع إثر الحملة الشعبية المثارة حاليا. وفى منتصف يناير 2008 قرر محافظ دمياط أن يوقف العمل بالمشروع بسبب انعكاساته على البيئة، ولأنه اكتشف أن الأرض المقام عليها المشروع محمية سياحية لا يجوز انشاء أية مشروعات صناعية عليها.
موقف أهالى دمياط
مع اتخاذ الشركة خطوات أولية لانشاء المشروع، بدأت اعتراضات أهالى المحافظة استنادا إلى ان للمشروع آثار بيئية ضارة وقد تسبب الأمراض للسكان الذين يعيشون بالقرب منه. وقد اخذت اعتراضات الاهالى شكلا سلميا تصاعديا. حيث شكل الاهالى اللجنة الشعبية لمناهضة مشروع أجريوم والتى لعبت دورا كبيرا فى تنظيم الاحتجاجات المختلفة. وقد نظم الآلاف من السكان وقفة احتجاجية أمام ميدان البوستة بدمياط فى 6 مارس 2008 حضرها ممثلون عن الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية والغرفة التجارية، احتجاجاً علي إنشاء مصنع أسمدة شركة أجريوم الكندية في جزيرة رأس البر. وحمل الأهالي اللافتات السوداء التي تحمل شعار لا.. لأجريوم، للتعبير عن رفضهم لإقامة المشروع، والمطالبة بنقله فوراً من موقعه الحالي بجزيرة رأس البر ومحاسبة الوزراء المسئولين عن إعطاء الموافقات لإنشاء هذا المصنع. ورفع الاهالى اللافتات السوداء على الابنية السكنية فى إشارة إلى ما يحمله المشروع من اخطار كبرى على حياتهم. كما تظاهر العشرات من أبناء محافظة دمياط أمام نقابة الصحفيين بالقاهرة احتجاجا على عدم وضوح موقف الحكومة من خطط إنشاء مصنع البتروكيماويات قرب منتجع رأس البر الذي يقع عند التقاء نهر النيل بساحل البحر المتوسط. وتزامنت التظاهرة مع وقفة احتجاجية شارك فيها أكثر من عشرة آلاف من أبناء دمياط أمام مقر نقابة المحامين الفرعية بالمحافظة بدعوة من اللجنة الشعبية لمناهضة مشروع أجريوم وبمشاركة محامين ونشطاء حقوق الإنسان.
انشطة مدنية معارضة
شنت منظمات حقوقية معنية بشؤون البيئة حملة واسعة علي هذا المشروع مؤكدين أن هذا المصنع يعد من الملوثات الخطرة علي الصحة والبيئة المحيطة بالمنطقة. كما قامت حركة أدباء ضد التلوث بجمع آلاف التوقيعات علي شبكة الإنترنت من المثقفين والأدباء داخل مصر وخارجها بالتوازي مع توقيعات ورقية أخري ضد إقامة مصنع أجريوم في دمياط. وأوضح البيان أن المجتمع الدمياطي بجميع فئاته وطوائفه وأحزابه يرفض إقامة هذا المصنع. وقد اعترض مجلس محلي محافظة دمياط ومجالس المدن والمراكز والمجتمع المدني وجهاز شؤون البيئة علي مكان المشروع لتعارضه عملياً مع تأمين الميناء. وأكد مجلس محلي محافظة دمياط إن المشروع يهدد جزيرة رأس البر ، استنادا إلى أن جميع القوانين والتشريعات البيئية تفرض على المصانع الخاصة بالأسمدة بأن تكون بعيدة عن المناطق السكنية بنحو 70 كيلو متراً. كما حذرت اللجنة الشعبية لمناهضة مشروع أجريوم من أن انبعاث الملوثات من المصنع سيؤدى لكارثة بيئية تضر بالمناطق المحيطة خاصة رأس البر، وسيضر بالثروة السمكية بالمحافظة. واستشهد بيان اللجنة بالكتاب الصادر عن كلية العلوم بجامعة دمياط بعنوان الصناعات السوداء على أرض جزيرة رأس البر الذي رصد الأخطار البيئية والصحية على أهالي دمياط التي تعد أحد أهم وأقدم المصايف المصرية. وجددت اللجنة في بيانها الدعوة لإضراب عام في المحافظة يوم العاشر من يونيو2008، يبدأه أصحاب المحلات والمتاجر والأعمال الخاصة لمدة عشرة أيام قبل أن ينتقل إلى المؤسسات الحكومية. ورفض البيان أي حوار بين الأهالي والشركة الكندية ينتهي إلى التنازل عن حقوق الأهالي في الحياة في بيئة آمنة صحياً. ووفقا لخبراء البيئة فإن المصنع يستنزف الموارد الطبيعية في المنطقة، خصوصاً الماء الذي تستهلك الشركة منه 1200 مترا مكعبا كل ساعة في عمليات التبريد وإعادتها ملوثة، في الوقت الذي تعاني الزراعات من نقص مياه الري خاصة في المحاصيل الصيفية، والأمر لا يتوقف عند حد استهلاك هذا الكم الهائل من مياه النيل، وإنما يمتد إلي تلويثها بالزنك والفسفور وغيرهما من مواد منع التآكل التي يتم إلقاؤها خلف حاجز الأمواج لترتد إلي الشاطئ فتلوثه وتقضي علي أحيائه البحرية مما يهدد حرفة الصيد في منطقة دمياط. كما أن الأبخرة الناتجة عن مصنع السماد سرعان ما تتسرب إلي البيئة وتؤدى إلى أضرار واسعة مثل تشوه الأجنة والإصابة بالسرطانات وأمراض الصدر.
الموقف الحكومى
بدا الموقف الحكومى متمسكا بالعقد مع الطرف الكندى الذي يبلغ شرطه الجزائى أربعمائة مليون دولار. واستندت الحكومة إلى مقولة أن الدراسات التي أجريت تؤكد مطابقة المصنع للمواصفات الفنية المعمول بها دوليا في الحفاظ على البيئة والصحة العامة. والأمر يتوقف على نوع التكنولوجيا المستخدمة حيث يتم استخدام أحدث أنواع التكنولوجيا التي تمنع أي تلوث للبيئة في هذا المشروع. وحول موقف وزارة البيئة التى بدت فى موقف حرج نظرا لانها كانت قد وافقت على إنشاء المصنع فى مذكرة مؤرخة فى 3 مايو 2007، وذلك علي الرغم من أن المصنع ينتج الـ أمونيا يوريا وهي مادة شديدة الخطورة وأن القوانين البيئية تقر بعدم إقامة مثل هذه الصناعات في المناطق السكنية. وقد قامت الوزارة بتشكيل لجنة انتهت إلي إرسال تقرير إلي محافظ دمياط، يؤكد أهمية الحفاظ على المواقع الاستراتيجية والتاريخية والسياحية، وطالبت بضرورة الحفاظ علي التوازن البيئي في الموقع. وكان مجلس الشعب قد كلف لجنة الصحة والسكان والبيئة بالقيام زيارة ميدانية الى مدينة رأس البر بمحافظة دمياط لتفقد مشروع إنشاء مصنع اجريوم للامونيا واليوريا والتعرف على خصائصه وآثاره على البيئة. واكدت اللجنة فى تقرير مبدئى رفعته الى رئيس المجلس أنه لا يمكن تجاهل مظاهر الرفض والغضب الذى بر عنها المواطنون من جراء إنشاء المشروع بدون تمهيد كاف أو التنسيق مع الاجهزة المحلية ومؤسسات المجتمع المدنى. ودعت اللجنة إلى إيقاف العمل بالمشروع لحين عرض الدراسة العلمية والفنية على لجنة محايدة وعقد ندوة للحوار والتواصل مع أهالى دمياط للاستماع الى مختلف وجهات النظر. ونتيجة لتصاعد الاحتجاجات على هذا المشروع صدرت تعليمات من الرئيس مبارك بتجميد المشروع الذي بدأ العمل به منذ عامين، وأن يتم البحث فى بدائل للمشروع على ان تقوم الحكومة بالتواصل مع أهالى المحافظة وشرح الحقائق المختلفة عن المشروع وآثاره البيئية. ولحل أزمة المصنع قدمت الحكومة - ممثلون لوزارات المالية والاستثمار والبترول- عرضاً رسمياً لشركة أجريوم يتضمن شراء اجريوم جميع اسهم القطاع العام فى مشروع مصر لتصنيع البترول - موبكو - بمدينة دمياط الجديدة والذى يعمل فى انتاج اليوريا والامونيا. أو مبادلة هذه الأسهم بحصة مماثلة فى القيمة لنصيب الشركة الكندية فى مشروع رأس البر الذى تصل نسبته 60 % من رأس المال. بيد أن الشركة الكندية رفضت العرض نظرا لتمسكها بعقد شراء الغاز الذى يتيح لها الحصول على الغاز خلال السنوات الخمس الأولى للمشروع بسعر دولار واحد كحد ادنى ودولارين كحد اقصى للمتر المكعب.
موقف الشركة الكندية
واجهت الشركة الكندية صاحبة المشروع موقفا صعبا، فمن ناحية تواجه الاعتراضات الشعبية، ومن ناحية أخرى تتمسك ببنود العقد كما هو، ومن ناحية ثالثة تحاول ان تقنع اهالى المحافظة بأن المشروع هو لفائدتهم وليس له آثار بيئية ضارة. كما انها حاولت الضغط على الحكومة من خلال التلويح بوقف المشروع واللجوء إلى اللجنة الدولية لفض منازعات الاستثمار. وكان المدير التنفيذي الكندي للمشروع قد أكد أنه يستحيل نقله إلى مكان آخر لأن المشروع ضخم، ويقوم علي تعاون دولي واستثمارات مختلطة، حيث رصد الممولون والشركاء المصريون والأجانب 1.4 مليار دولار للمشروع، منها 400 مليون دولار مقدمة من بنوك مصرية محلية، وتم ضخ 460 مليون دولار حتي الآن، صرفت علي الإنشاءات والدراسات والتعاقدات المختلفة. ومشيرا إلى أن هناك فوائد اقتصادية للمشروع تتمثل فى زيادة الدخل القومى المصرى. وبرر الضجة التي أحاطت بالمشروع إلي صراع بين السياحة والصناعة علي استثمار هذه المنطقة. وفى محاولة للضغط على الموقف الحكومى، ذكر السفير الكندي لدى مصر فيليب ماكينون أن كافة المفاوضات والإجراءات والموافقات الخاصة بمشروع مصنع أجريوم دمياط تمت وفقا للقوانين واللوائح المحلية والدولية. وطالب بحل أزمة أجريوم وإلا سيتم اللجوء إلى اللجنة الدولية لفض منازعات الاستثمار لاسترداد ما قاله انه مبلغ 400 مليون دولار تعويضاً عن المبالغ التي أنفقتها والأضرار التي لحقت بها، بينما أوضحت الحكومة أن التعويض مبالغ فيه، وأسفرت جولة المفاوضات الأولي عن وصول التعويض الذي تطلبه الشركة إلي 300 مليون دولار، وطلبت الحكومة مهلة للبحث والرد. وقد أثار هذا التصريح عاصفة من الاحتجاجات الشعبية بأعتبار انه يمثل تدخلا من قبل السفير الكندى فى شأن داخلى، وانه يلمح إلى عقوبات قد تتعرض لها مصر، وهو ما نفاه السفير لاحقا. فى هذا السياق بدا ظهر تياران فيما يتعلق بمدى قوة الموقف الحكومى إذا لجأت إلى فسخ القعد من جانب واحد، او نقلت المشروع إلى موقع آخر. وقد ذهب فريق من خبراء القانون إلى التأكيد بضعف الموقف المصري في هذه الأزمة إذا ما قررت الحكومة فسخ عقدها مع الشركة الكندية من طرف واحد، وأنه سيترتب على ذلك دفع غرامات مالية طائلة، مع احتمال تأثر سوق الاستثمار الدولي في مصر. فيما استبعد فريق ثان إلزام مصر بدفع أي تعويض للشركة الكندية التي تطلب مبدئيا 400 مليون دولار والتي أنفقتها في شكل تراخيص وعمولات وإنشاءات. حيث أن تطبيق بنود الاتفاقات الدولية لحماية البيئة سيجبر أجريوم علي نقل مشروعها من رأس البر، باعتبارها محمية طبيعية لا يجوز التعدى علي نظامها البيئي، وهو ما يحسم القضية لصالح مصر. وفى هذا الجدل تردد أن الشركة قد قدمت عمولات للحصول على التراخيص اللازمة، وهو ما يضعف موقفها باعتبار ان دفع العمولات غير مسموح به فى القانون المصرى، وهو ما انكرته مصادر الشركة، وأكدت على انها التزمت بالإجراءات المعمول بها قانونا. لكن مظاهر الاحتجاج الشعبى ظلت مستمرة ، فى حين أخذت الاشارات الواردة من مجلس الشعب تنبئ بأن قرار اللجنة الخاصة المشكلة حول مصير المشروع قد توصى بنقله إلى موقع آخر.

علق على المقال نسخة الطباعة

الصفحة الرئيسية


الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المركز
كافة الحقوق محفوظة - مركز الأهرام للدراسات السياسية و الإستراتيجية - مؤسسة الأهرام - شارع
الجلاء - القاهرة - مصر هاتف رقم 2025786037
فاكسميلي 2025786833 أو 2025786023